أحمد العساف يكتب عن المكتبة..

 خط بين نقطتين، قد تكون بدايته مجهولة خلافًا لنهايته المرتبطة بحياة صاحبها.

المكتبة خط بين نقطتين، قد تكون بدايته مجهولة خلافًا لنهايته المرتبطة بحياة صاحبها.

تحفل المكتبة العربية بإرث كثير عن الكتاب والمكتبات، ويغلب عليها السرد التاريخي، أو بيان الفضائل، وذكر أخبار القراء والوراقين والكتب، وهو سرد جميل، وغاياته نبيلة محمودة، بيد أنه يقف على أعتاب النقل والرواية، ولا يتخطاهما إلى حيث النظر البعيد، والزوايا الجديدة، والملامح الفلسفية أو الافتراضية.

بينما نجد هذا المنهج حاضرًا بقوة في مخرجات الحضارات الأخرى عن الكتاب والمكتبة، ومن أبرز آراء المعاصرين آثار الأديب الأرجنتيني العالمي بورخيس، الذي كان لا يتصور الجنة إلا مكتبة وحق له! ثم سار على منواله في تآليف متعددة، تلميذه المثقف والكاتب الكوني ألبرتو مانغويل، وسبق لي استعراض كتاب عن الأول، وثلاثة كتب للثاني، والحمدلله.

وقد وصلني في مستهل هذا العام الهجري، هدايا ثقافية من المغرب الأنيس، ومن ضمنها كتاب عنوانه: مكتباتهم، تأليف: محمد آيت حنا، أصدرت دار توبقال للنشر طبعته الأولى عام (2016م)، بدعم من وزارة الثقافة المغربية، ويقع في (142) صفحة من القطع المتوسط، وعلى غلافه الأمامي صورة مكتبة تأسر القراء؛ وإنها لآسرة.

والمؤلف كاتب ومترجم من المغرب، له عدة مؤلفات وترجمات، وأسلوبه في الكتاب جذاب قلما يفلت منه قارئ. ومع أن العنوان يبدو تقليديًا للغاية؛ إلا أن المحتوى نال قسطًا وافرًا من الإبداع، وربما أنه تعمد ذلك؛ لأن العنوان لو كان على نسق المحتوى تمامًا، ربما لم يلفت النظر، ولا يعني هذا انقطاع الصلة بين العنوان والمضمون، بل الصلة بينهما وثيقة جدًا، بيد أن المظهر معتاد، والمخبر جديد على الذائقة العربية، وكم في التجديد من فوائد ولذائذ.

يتكون الكتاب من إهداء المؤلف إلى جدته فاطمة بنت المسكين رحمها الله، ثم مقولات عن الكتب والمكتبة من حضارات مختلفة، فالمقدمة التي تحدث فيها المؤلف عن نفسه بأسلوب رشيق، ثم استعراض مكتباتهم من خلال واحد وثلاثين مكتبة من بلدان شتى، وفيهم مغاربة معاصرون وليس منهم مشارقة محدثون، وجعل الخاتمة بناية ملحقة بالمكتب، بقلم مغاربي جميل.

وابتدأ محمد آيت بالحديث عن أسلافه من جهة أبيه، ومن ناحية أمه، حيث الفلاحة، والرعي، والترحال، دونما أي أثر يذكر للقراءة، والعلم، والمكتبة، إلا ما قيل عن بعض خؤولته من صفات علمية، ومكتبة نفيسة، أضاعها الورثة بالقسمة!

ولم يكن مؤلفنا يطمع بأن يرث من السلالتين شيئًا غير الأمراض الوراثية، لكنه اكتشف قدرته على جمع كتب من بيوت أقاربه؛ حيث كانت متناثرة دون خزانة تحويها، أو مكتبة تجمعها، وظل “يسطو” على كتب الأقارب بحجة الاستعارة، وفي بعضها نفائس يعجب من وصولها إليهم، وكان في تجواله داخل بيوتات السلالة يوصم بغرابة الأطوار، وقلما يسأله أحد عن مصير كتاب أخذه؛ وهو الذي منحها حياة وصوتًا باستنقاذها من مقابرها!

وحين جمع هذه المكتبة المشتتة، ورقع مزقها المتناثرة، لاحظ أن كل لبنة منها توصل بكيان المكتبة الكبير، وفي ذات الوقت تحدث انشطارًا جديدًا، مما جعله على يقين بأنه يحوم في مكتبات الآخرين، ومنها انبثقت فكرة هذا الكتاب، الذي يقوم عماده على الخيال، والتأويل، والصناعة، وقليل من الحقيقة، وفيه ظواهر وبواطن، نظمها في خيط واحد، كما يفعل صانع المسبحة الثمينة، بعد أن يجمع حباتها، ويؤلف بينها.

فهل يمكن أن يسبب زحف البشر وممتلكاتهم وملاحقهم ضيقًا في اليابسة؛ يقتضي جعل المكتبة متحفًا، والاكتفاء بنسخ إلكترونية من الكتب؟ ألا يمكن نشوء تجارة المقتنيات النادرة من الكتب، ونشاط أسواق سرية لها؟ وماذا لو قرر الناس الاحتفاظ بنسخة وحيدة من كتاب واحد، بعد تحييد عوامل الهوية والثقافة؟ وهل سيتفقون على عمل أدبي واحد يستحق الخلود؟ كل هذه افتراضات صادمة بدأ المؤلف بها مع أول مكتبة تجول فيها، وافتراض الممنوع جائز عقلًا وشرعًا، كما ذكر الإمام الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان.

والمكتبة خط بين نقطتين، قد تكون بدايته مجهولة خلافًا لنهايته المرتبطة بحياة صاحبها، ويجتمع كل كتاب إلى غيره في رف مشترك بناء على خصيصة تجمعهما، وقد تكون الخاصية ظاهرة، أو مضمرة في ذهن الكتبي وحده. ومن الطريف أن بورخيس وضع كتاب ألف ليلة وليلة منفردًا في رف مستقل؛ لأنه برأيه لا يقبل الدخول في أي سلسلة، تلك السلاسل التي تكوِّن حلفًا داخل المكتبة.

ومحتويات المكتبة، مع تصنيفها، تمثل سرًا يحتاج إلى فك مغاليق وكشف أسرار، تمامًا كما يفعل القراء مع إرث المبدعين في التأليف والكتابة، وهو جانب قلما يفطن له أحد، فقد تكون المكتبة التي يراها الجميع، حجابًا يخفي بداخله مكتبات أخر؛ وضمنها رسائل ودلائل.

ويرى المؤلف في سياحته الجميلة أن ندرة الكتب أنفع من وفرتها، فالوفرة قد تحدث التراخي المعرفي؛ بينما تحفز الندرة جميع حواس القراءة. ويبدي الكاتب قلقًا من تزايد الكتّاب، وتضاؤل رقعة القراء، وهو قلق مسوغ خاصة مع طوفان الشبكات الاجتماعية؛ حيث غدا الغالبية كتّابًا، وأضحى القارئ عملة نادرة، مما ينذر بنشاط تجاري محموم لاستجلاب القراء، وربما خطفهم عبر عصابات دولية، أو إيداعهم في السجون؛ لإجبارهم على قراءة مؤلفات الحاكم، مما يعني إماتة الذائقة الأدبية.

وهذه الحال المزرية سينجم عنها خلخلة التوازن في البيئة الثقافية، فحاجة الكتّاب إلى قراء، أعظم من حاجة القراء لكتّاب، والكتّاب في العادة لا يقرأون إلا أنفسهم-يصدق هذا أحيانًا على كتاب الأعمدة الصحفية ووسائل التواصل خلافًا للباحثين-، ومهمة القارئ أشق وأخطر من مهنة الكاتب، والخوف قائم ويتزايد من زمن يتلاشى فيه شخص كان يدعى: القارئ!

ثم يلج بنا آيت حنا إلى عالم بديع من الخيال، عالم مكتبة لا تفتح أبوابها إلا ساعة واحدة خلال السنة، ولبعض القراء فقط، وحينها على القارئ أن يحتشد ليسعد بلذة الاندهاش، ومغامرة الاكتشاف، ويحاول الإحاطة بمكتبة كاملة خلال زمن وجيز. والجميل أن مالك المكتبة، يستطيع خوض مغامرات البحث داخل مكتبته الخاصة بين فينة وأخرى، وسيقع غالبًا على ما يؤنسه.

وكم هو لذيذ أن تتاح للمرء زيارة مكتبة خاصة؛ ولو لم يتصفح أي كتاب منها، وقد جربت ذلك بنفسي في مكتبات علماء ومثقفين ووجهاء، بل وفي مستودعات مكتبات تجارية محصنة. ومن الغريب المقارب لهذا الخيال الماتع، أن مكتبة تجارية في جدة الجميلة، لا تفتح أبوابها إلا يومًا واحدًا في الأسبوع؛ وهذا اليوم متغير طبقًا لمزاج مالكها؛ كما أخبرني صديق أحضر لي منها بعض الكتب، بعد مطاردة مضنية، ومتابعة دقيقة.

ويا لفجيعة الكتب من موت القارئ؛ حيث تخسر زبونًا محتملًا. وبعض الكتب تتغذى على فكر القارئ، في عملية تبادلية سامقة، وتغلب على أوقاته ولياليه، وقد يصبح كتاب ما كلحن عصي على النسيان؛ فلا ينافسه كتاب آخر، لأنه ينقض على القارئ؛ فيستولي عليه، وينسيه باقي أفراد هذا العالم، ويوصف هذا النوع بأنه كتاب قاتل، ولكن ليس على طريقة كتاب الكوميديا لأرسطو، الذي أرسل للقبر كل من قلب أوراقه!

وتنشأ علاقة بين القارئ وكتابه، وأحيانًا تكون علاقة بالمضمون تعوضها أي نسخة من الكتاب، لكن أوثقها العلاقة مع المادة، تلك العلاقة التي تنتج لذة بمجرد اللمس، ثم تستوثق العلاقة بحكاية الحصول على الكتاب، والذكريات المرتبطة به، والتعليقات المدونة على حواشيه، ولا يواجه هذه المشاعر إلا من فقد كتابًا أثيرًا لديه.

ولامناص للمكتبة من فرز دوري، حتى نخرج منها مالم تعد الحاجة إليه قائمة، أو الكتب المهداة للكتبي وليست من مجال اهتمامه-بعد إزالة الإهداء تأدبًا مع المهدي-، وهذا الفرز تهذيب يحدث سعة وجمالًا في المكتبة، ويحرر تاريخها من الدواخل التي لا تناسبها، أو فات زمانها.

وأسمى قانون في المكتبة هو الصمت؛ ولذا شابهت المقبرة من جانب، وزاد من أوجه الشبه أن الحوار فيها مع موتى في الغالب. ويحمل فن القراءة في طياته فن اللاقراءة، فالفعل يعني الترك من زاوية أخرى، والقارئ الموفق، يعرف ماذا يقرأ؟ وماذا يدع؟ ويرتبط مع ذلك أن كمية المقروء ليست هي المحك؛ بل نوعه، ومقدار توظيفه، وتأثيره، وكم من كتاب واحد طمس على عشرات أو مئات غيره.

ومن عجب أن يقول ساندال بأن المكتبات ملاذ للكتب الرديئة، فلولا المكتبات لاختفت إلى الأبد، ويعلل آخرون الترحيب بهدم المكتبات، والنظر إليه كأعظم خدمة للكتب، برأي ملخصه أن الأعمال العظيمة تعبر من زمن إلى آخر دون حاجة إلى مكتبة تحفظها، وقد يفسر لنا هذا الموقف ما روي عن علماء كبار، أنهم لم يأسفوا على ضياع ما حُرق، أو أُغرق، من كتب!

والنسيان نعمة كبرى للمثقف والمفكر، فبعض المفكرين فشلوا في بلوغ الأصالة بسبب ذاكرتهم القوية كما يقول نيتشه، وما أجمل الكتابة التي تبدأ بعد محو المقروء من الذهن، فتكون النصوص المقروءة سارية في عروق نص الكاتب النابض بالحياة، دون أن تكون بارزة في كيان مستقل يجعل الكاتب مجرد ناقل، ولا يعني ذلك السرقة أو ترك الاقتباس، وإنما يعي الكاتب ما قرأه، ثم يقصيه؛ ويكتب؛ ليبدع، ويثمر فكره وقلمه، ويكون قوام كتاباته من المكتبات والكتب، عصيًا على الباحث المستعجل.

والمكتبة كالأسنان، لا يشوهها شيء كمسافات الفراغ، هذا الفراغ الذي يصفه المؤلف بأنه عورة المكتبة! ولذلك اعتنى بعض أصحاب المكتبات بملاحقها لسد الفراغ، واختلفت هذه الملاحق ما بين جماليات كلوحة أو مزهرية، أو متحف شخصي مرتبط بالقراءة والكتابة، ولا يختلف عن الأرشيف الشخصي، من جنس الأقلام، والفواصل، ومصابيح القراءة، وغيرها، وإذا كانت الفراغات المادية ملهمة، فالفراغات داخل النص لها شأن آخر يحفز الخيال، ويحرك التأويل.

وفي تاريخ المكتبة، اشتهر مؤلفون بإتلاف إنتاجهم، مثل التوحيدي وكافكا المبتلى بالتأليف الناقص، ويظهر من التتبع أن الأعمال المتلفة أهم مما حفظ لهم، وأن ما بقي من أعمالهم خدمه الحظ ونجى من الإتلاف، وفي كل قصة هناك شخص قريب من المؤلف، يعهد إليه حفظ ما بقي من مؤلفات. وقد تكون الكتب المفقودة حاضرة بالاستشهاد أكثر من الكتب الموجودة، كما يمكن تأليف مكتبة كاملة، من عناوين الكتب المفقودة أو المتلفة.

وللقراءة علاقة بالنعاس والنوم، كما أن للكتابة علاقة بالسهر، وتحتاج القراءة الأصيلة إلى إعمال فكر، وليس مخازن حفظ، كي تثمر وتؤتي أكلها، فالكتاب الملهم ليس محدودًا فيما بين جلدتيه، ومن يقرأ النص قراءة حرفية فقط، يمعن في الابتعاد عنه، ولأمر ما كثر الحديث عما بين السطور، وفي ظلال الكلمات.

ولا يمكن أن تقرأ كتابًا أكثر من مرة، حتى لو أعدت قراءته؛ لأن أحوال القراءة تختلف، والمستوى الفكري للقارئ متغير حتمًا، ولذلك اشتهر عن العقاد ترحيبه بتكرار القراءة لأنها أنفع من قراءة الجديد. وفي الحياة مكتبة صغرى هي الكتاب، ومكتبة كبرى هي العالم بأحداثه، وبينهما مكتبات وسيطة، والمزج بينها صنعة المثقف الواعي البصير.

والمكتبة دعامة البيت، وبدونها يتهاوى، ولذلك لم يتصور البعض إمكانية العيش في دار تخلو من مكتبة! وحرص آخرون على تصميم مكان المكتبة قبل أي شيء، وكم من مكتبة منزلية أضحت مزارًا للمثقفين كي يفيدوا من تصميمها. وربما أن كل بيئة لها كتبها الخاصة كما يقول ابن بطوطة؛ فيكون التنقل حياة جديدة، وقد قرأت عن بعض المعاصرين أنه ينشئ مكتبة في كل مكان يسكنه؛ ثم يخلفها لأهل المكان، ويرتحل.

والقراءة مع الكتابة حرفة الفقراء غالبًا، ولذلك قالت العرب عمن افتقر: أدركته صنعة الأدب! فما حاجة الثري والوجيه إلى الكتب والقراءة والتدوين؟ وأي متعة سيجدها وبين يديه المشتهيات بصنوفها؟ وبالتالي ففعل القراءة تعبير عن الفقر، وقراءة الفقراء هي القراءة الطبيعية بالعين، بينما قراءة الوجهاء تعتمد على الأذن والسماع، ولأجل ذلك يفتحون المجالس والدواوين، ويحرصون على أن تضم مثقفين وقراء، يصب محصولهم المعرفي في آذان صاحب الجاه.

ومع لذة القراءة، إلا أنها قد تكون سجنًا حين الإجبار كالقراءة المدرسية. وينغص على القراءة النظر إليها في مرتبة دون الكتابة، كما أن فعلها يحجب لذاذة قسيمه، وهو فعل اللاقراءة، وهو فن يحتاج إلى مهارات، وقد كتبت فيما مضى، عرضًا لكتاب ألفه فيلسوف فرنسي عن اللاقراءة.

والقراءة متعة لا يتصورها من لم يلعق عسلها، ويحيا في نعيمها، ومصداق ذلك ان القراء الكبار لا يرون النعيم إلا مكتبة، ويتمنون لو انتقلت كتبهم معهم إلى الدار الآخرة. وإن التحفيز على القراءة بأي صورة مشروعة؛ لمن أجلِّ الأعمال، وأنبلها، وأسناها، فجيل يقرأ؛ جيل لا يخدع، وجيل يقرأ، جيل يعرف تاريخه، ويعيش حاضره بتحدياته، ويستعد لمستقبل ليس فيه مكان لمتأخر، أو جاهل، او متهاون، فهيا إلى القراءة، ومرحبًا بالقارئ في عالم المكتبة.

 

This entry was posted in غير مصنف. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *