تيري جاسترو: أين نجد محتوىً يصلح للدراما؟

ترجمة: آلاء نحلاوي

كلما كانت الشخصيات أقوى كلما احتدّ الصراع، وبالتالي كانت الدراما أفضل.

كتب شكسبير في مسرحية هاملت: “المسرحية هي الشيء الذي سأقبض به على ضمير الملك!” .. تمامًا، “القبض على الضمير”، كيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟

الصراع يخلق دراما، ويمكن أن نعرّف الصراع بأنه قوتان أو أكثر في حالةِ مواجهة. والتعريف المناسب للدراما يمكن أن يكون: أي وضعين متعارضين يسببان أثرًا أو تبعات عاطفية أو مأساوية. لا أحاول جعل الأمر يبدو بسيطًا، لكننا بحاجة لإيجاد شخصيات مذهلة ووضعها في صراع مع شخصيات مذهلة أخرى. كلما كانت الشخصيات أقوى كلما احتدّ الصراع، وبالتالي كانت الدراما أفضل.

في مسرحية “روميو وجولييت” لشكسبير، يمكننا رؤية شخصيات متصارعة صانعةً دراما، عائلة مونتيغيو ضد عائلة كابولت، روميو وجولييت ضد والديهما، وروميو ضد تيبالت. كمثال من عصرنا، لدينا رواية “قصة الخادمة” لمارغريت أتوود -والمسلسل القصير المبني عليها- وهي تغص بأمثلة ممتازة، خاصةً أوفرد ضد سيرينا جوي.

كون المحتوى مثيرًا للاهتمام لا يعني أنه دراميّ، فالأشياء المثيرة للاهتمام تحمل أهمية مؤقتة بالنسبة للقارئ. حين تكون القصة درامية فإنها تحفز تفاعلًا عميقًا من جهة القارئ فيصبح مرتبطًا شخصيًا بها، وهذا بالضبط ما يرغبه القراء. إذًا، الشيء المثير للاهتمام يناسب كتب التعليم والصحف، أما الدراما فهي للأدب.

إذًا أين نجد محتوىً يصلح للدراما؟

هناك ثلاث مصادر أساسية: ثقافة الكاتب، لقاءات مع الآخرين لجمع المعلومات والتبصر، وأخيرًا البحث، وهو الأكثر متعة وفائدة بالنسبة لي.

روايتي التي نشرت حديثًا بعنوان “محاكمة السجين 043” تطلبت ثلاث سنوات ونصف من البحث والكتابة حتى اكتملت، وكانت طريقتي في إتمام الكتابة كالتالي:

حين ابتكرت قصةً أدهشتني وظننت أنها ستدهش الآخرين أيضًا، أخذت أغوص في البحث. قرأت أكثر من عشرين كتابًا، بعضها عن المحكمة الجنائية الدولية وعن القانون الدولي، وأخرى عبارة عن سير ذاتية مكتوبة عن، أو من قبل شخصيات بارزة، وكتابان رائعان عن حرب العراق، أحدهما لـ بوب وودوارد والآخر ل مايكل إيسيكوف وديفيد كورن.

قمت بثلاث رحلات بحث إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، حيث درست تصميم قاعة المحكمة، راقبت إجراءات المرافعات والدعاوى، وقابلت محامي الادعاء ومحامي الدفاع، غالبًا على الفطور أو الغداء في مطعم المحكمة، أو على عشاءٍ متأخر في إحدى الحانات الراقية في لاهاي.

بما أن بعض مشاهد روايتي تدور في المحكمة الجنائية الدولية، شاهدت أفلامًا تعتبر أفضل الأعمال المتعلقة بالمحاكم: “12 رجلًا غاضبًا”، “أن تقتل طائرًا بريئًا”، “الحُكم”، و”بضع رجال صالحين”.

إحدى الفوائد الكثيرة للبحث هي تحسن القدرة على تكوين شخصيات فريدة، تفصيلية، نابضة بالحياة والعاطفة، وتكوين حوار مستلهم من أشخاص حقيقيين، مما يجعله أفضل من أي حوار يمكن للكاتب أن يتخيله.

بالإضافة إلى قراءة الكتب، البحث في القانون الجنائي الدولي ومشاهدة الأفلام، قمت بحضور دورات على الانترنت، أهمها بالنسبة لمشروعي كان “مدخل إلى قانون الجنايات الدولي”.

بالإضافة إلى ذلك، قمت بتوظيف خبراء قانون الجنايات الدولي من أوروبا والولايات المتحدة كمستشارين خلال عملية الكتابة وقراءة المسودات. كان الهدف أن يكون الكتاب دقيقًا فيما يخص قانون الجنايات الدولي، لئلا يتم الاستخفاف به لكونه غير منطقي. حين قرأ الخبراء على طرفي الأطلسي المخطوطة النهائية للكتاب، وجدوه مثاليًا في الدقة.

في فترة سابقة من حياتي كنت محظوظًا بالعمل في مجال إنتاج برامج الدراما الرياضية مع المنتج الأسطوري رون أرلدج، الذي قام بإنتاج البرنامج الحائز على عدة جوائز “عالم واسع من الرياضات”. ربما تذكرون الجملة الافتتاحية للبرنامج :”نَجول العالم لنقدم لكم أنواعًا عديدة من الرياضات، وننقل لكم بهجة الفوز وألم الهزيمة.” لمدة أربعة عقود كانت السلسلة تعمل على واحد أو أكثر من هذه العناصر الثلاثة: الإنسان وخصمه، الإنسان والعقبات، الإنسان ونفسه. سعيت في روايتي إلى تمثيل كل منها، وأقترح على الكتاب في أي مجال أن يستفيدوا من هذه المحاور الثلاث.

في النهاية، أود أن أقول أنني لا أعتبر الكتابة مهنةً أو عملًا مضنيًا، بل أعتبرها فنًا، وأنا أكتب كما ينغمس شاعر أو رسام أو نحات في متعة خلق فن لمجرد حبه له.

كما لاحظتم، ما كتبته لم يكن عن تقنيات الكتابة بقدر ما هو عن التلذذ بتجربة جمع عناصر القصة، بناء شخصيات فريدة، ونسج شيء درامي آسر، من أجل الشخص الأهم بالنسبة للفن، وهو المتلقي.

 

This entry was posted in عن الكتابة, كيف تكتب؟ and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *