أوستر: حاجة الطفل للقصص في مستوى حاجته للطعام

ترجمة: أحمد العلي

لو لم يسمح للطفل بدخول عالم الخيال، فلن يتمكن أبدًا من القبض على الواقع.

لو كان لصوت المرأة وهي تروى القصص قوة أخذ الأطفال إلى ذلك العالم المتخيَّل، فإنه يصحُّ أيضًا القول بأن للطفل القوة على جلب القصص إلى الواقع. يُقال أن المرء يغضب إذا لم يستطع أن يحلم في الليل، وبنفس الطريقة، لو لم يسمح للطفل بدخول عالم الخيال، فلن يتمكن أبدًا من القبض على الواقع.

إن حاجة الطفل إلى القصص ترقى إلى مستوى حاجته إلى الطعام، وتتضخم كالجوع تمامًا. “أخبرني قصة، أخبرني قصة يا أبي، أرجوك..”، فيجلس الأب بعدها ويروي القصص لابنه. أو يستلقي على الجانب المظلم من سرير الطفل، وكلاهما إلى جانب بعضهما، ثم يبدأ بالحدث، كأنه لا يوجد في العالم سوى صوته، راويًا حكايةً في الظلام على مسامع ابنه.

حكاية عن الجنيات غالبًا، وأحيانًا قصص مغامرات، وهي في النهاية ليست سوى وثبة بسيطة إلى عالم الخيال. “كان يا ما كان، كان هناك طفلٌ يُدعى دانيال..”، يقول (أ) لابنه دانيال. وهذه القصص التي يكون فيها الطفل نفسه هو البطل تنحو لأن تكون الأكثر إرضاءً على الإطلاق. هكذا أدرك (أ) وهو يجلس في غرفته ويكتب كتاب الذاكرة، بأنه يتحدث عن نفسه وكأنه شخصٌ آخر لكي يستطيع كتابة قصته. عليهِ أن يغيّب نفسه كي يجدها في القصة. وهكذا، فهو يقول (أ) في حين أنه يقصد أن يقول (أنا). فقصص الذاكرة هي قصص عن المرئيات، مروية بعين المشاهد، وإذا لم تعد أجزاء القصة التي رأتها الذاكرة باقية في أماكنها من العالم، مما يعني استحالة أن تحاك منها قصة جديدة، فهناك على الأقل قصة عن رؤيتها في أماكنها السابقة. هكذا يستمر الصوت في جريانه، وحتى حين يطبق الطفل أجفانه ويغرق في النوم، يستمر صوت أبيه في الانبعاث من الظلام.

 

المصدر: بول أوستر (اختراع العزلة)، طبعة دار أثر، ترجمة: أحمد العلي، صفحة 159.

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *