آليكس كابال: تجنّب النثر البنفسجي

ترجمة: آلاء نحلاوي

ستدرك أن لديك نثرًا بنفسجيًا حين تلاحظ أن كتابتك أصبحت متكلفة

الحفاظ على النص مشذبًا ودقيقًا قد يكون أمرًا صعبًا، نحن ككتاب لا بد أننا أحسسنا مراتٍ بالميل إلى الوصف باستخدام كلمات مبهرجة ثقيلة، مكدسين عبارات الوصف كما يكدس البنّاء طبقة من الإسمنت فوق أخرى، ونقول لأنفسنا: هذه هي الكتابة، واجبنا أن ننقل للقارئ صورة نابضة بالحياة! الكتابة ليست كتابة إن لم تضطر القارئ لاستخدام المعجم، أليس كذلك؟ لا، ليس لهذه الدرجة.

يبدو أن الكتابة لأجل الوصف خطأٌ شائعٌ يؤثر على الكتاب مبتدئين أو محترفين، وهي ما يسمى عادة بـ”النثر البنفسجي،” نسبة إلى الصبغة البنفسجية الفاخرة والثمينة التي استخدمت في أزمنة سابقة. ستدرك أن لديك نثرًا بنفسجيًا حين تلاحظ أن كتابتك أصبحت متكلفة ومنمقة بحيث تجذب الانتباه إليها وتشتتك عن الحكاية نفسها، ففي اللحظة التي يبدأ القارئ عندها التركيز على الوصف عوضًا عن حكايتك، تكون قد فقدتَه.

لنلقِ نظرة على مثال تقليدي للنثر البنفسجي:

كانت ليلةً حالكةً عاصفة، والمطر يهطل سيولًا باستثناء فتراتٍ متفرقة حين كانت تكبحه عصفاتُ رياح عاتية اكتسحت الشوارع -حيث يدور مشهدنا في لندن- تجلجلت أسقف البيوت، وتقلقل الوهج الهزيل للمصابيح التي كانت تغالبُ الظلام.

هذه هي الجملة الافتتاحية في رواية إدوارد بولور ليتون: ’بول كليفورد’. فخمة، أليست كذلك؟ تسع عبارات وصفية في جملة واحدة فقط. لاحظ كيف تتنقل وجهة النظر من مكان إلى آخر: أولًا كنا ننظر إلى غيوم ماطرة، ثم الرياح التي هبت عبر الشوارع ثم أسقف البيوت، وأخيرًا المصابيح ذات الوهج المرتجف. وبالتدقيق تدرك أن الجملة لم تخبرك أي شيء عما يجري في المشهد. آه، طبعًا هي تصف بعض المطر والرياح، وبجملة اعتراضية تعرف أن المشهد يدور في لندن، لكن هذا هو كل شيء. وفوق كل ذلك، هذه الجملة التي تحتوي تسع عبارات وصفية وأربع وجهات نظر مختلفة على الأقل، هي الجملة الأولى في الكتاب!

إذًا كيف يمكن أن نشذب هذه الجملة البنفسجية إلى شيء يسهل تقبله؟ مثلًا كالآتي:

كانت ليلةً حالكةً عاصفة، والريح تجلجل أسقفَ البيوت في لندن.

هذه الجملة تفيد كمية المعلومات نفسها التي في الجملة الأصلية، لكن يمكنك الآن أن تقرأها دون أن تتجمد ملامحك من الملل. عرفنا أن الجو كان مظلمًا وعاصفًا، والرياح كانت عاتية، وأننا في لندن، لكننا قلّمنا المقطع ليصبح شيئًا قابلًا للقراءة، وتركنا تفاصيل المشهد لمخيلة القارئ يبنيها خلال عملية القراءة. فعوضًا عن إعطائه المشهد على طبق من فضة، أعطيناه عظمًا عاريًا ليعمل على إكسائه بالصور والتفاصيل من مخيلته.

 أما التجريدي الأصيل فقد يجعل الجملة تصبح فقط:

لقد كانت ليلةً حالكةً عاصفة

ويتركها هكذا!

لمَ تُعتبر هذه الجملة أفضل؟ لأنها لا تسبب تشتتًا. تجنبُ النثر البنفسجي يُبقي تركيز القارئ منصبًا على قصتك وليس على مشهد جانبي. لنكن صادقين: القراءة عن جمال الغروب ليست شيئًا ممتعًا. نحن كقراء نهتم بما يحدث للشخصيات وهي تشاهد الغروب، فكلّ كلمة تهدرها لوصف الغروب كان يمكن أن تصف مقابلها مشاعر الشخصيات في تلك اللحظة، أو شيئًا أراد أحدهم قوله لآخَر، أو شخصًا يحمل سكينًا يقترب من خلفهم. الخلاصة أن القراء يهتمون بالمحتوى والحبكة والعواطف، وليس بالوصف.

إبقاء نصك مشذبًا أساسٌ لإبقائه قابلًا للقراءة، وحين تشعر أنك بدأت تكتب فقرات مليئة بالوصف، أو تستخدم الصفات بإفراط، تذكر صديقنا إدوارد بولور ليتون. هدفك ليس إرهاق القارئ بوصف كل تفصيل، لكنه جعل كتابتك تنساب جاذبة القارئ إليها وتركه يملأ الفراغات بنفسه. ولا يعتبر النص مشذبًا بمجرد استخدام عدد قليل من الكلمات، لكن اختيار الكلمات عاملٌ مهم أيضًا، فإن كنت تلجئ القارئَ لاستخدام معجم عند كل كلمة، تكون قد نجحت في تشتيته وإطفاء همّته، وفشلتَ في الحفاظ على انسيابية الكتابة.

ما إن تميلَ لاستخدام مفردة صعبة، فكر إن كنت تستطيع استبدالها بواحدة أكثر شيوعًا، سيصبح نصك أوضح وأيسر للفهم، وسيكون القارئ سعيدًا ويستمر بالقراءة. وأنا لا أعني ألا تستخدم مفردات صعبة، فهي مثل أي شيء، مفيدة في حال استخدِمَت باعتدال، لكن يبقى من الجيد أن تتفادى جعل الناس يلقبونك ب”نِفطَويه.”

وإن راودك الشك بخصوص ما كتبتَه، تذكر الرد الخالد لإرنست همنغواي، ملك النثر المقتصد، على نقد وليم فوكنر له قائلًا أن كتابته بسيطة للغاية:

مسكين فوكنر، هل يظن حقًا أن المشاعر الكبيرة تأتي من الكلمات الكبيرة؟ يظن أنني لا أعرف كلمات منمقة لماعة، لا بل أعرفها جيدًا، لكن هناك كلمات أفضل وأقدم وأبسط، وهذه هي التي أستخدمها.

سواء كنتَ من محبي أسلوب همنغواي البسيط المقتصد للغاية أو لا، لن تستطيع القول أنه صعب القراءة..

 

المصدر

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *