محمد يوسف: الكتابة لا تمحو الألم

كنت أكتب لأتخلّص من ذاكرتي ومحوها عوضًا عن تفسير معنى واضحٍ لها.

 

منذ خمسة وعشرين يومًا كنت أكتب بشكلٍ يومي، بانضباطٍ غير مسبوق بالنسبة لي، ليس تنفيذًا لمشروعٍ ما، بل كان الدافع الوحيد هو إيجادُ دواءٍ شافٍ للألم من خلال الكتابة.

لا يمكنك الذهاب إلى الطبيب وإخباره أنك تعاني من ارتعاشٍ شديد كأن عظامك تحولت إلى جليد، وفي الوقت ذاته تشعر بحمىً مشتعلةٍ في قلبك. ولكن يمكنك الكتابة عن ذلك.

كنت أكتب يوميًا، ولم أجد الدواء، بل كان ألمي يزدادُ يومًا بعد يوم. حتى اليوم الخامس والعشرين، حين قرأت اقتباسًا عابرًا يقول” :ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرحٍ أو علاجه، إنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله -في النهاية- لا يُنسى.”

كانت لحظة تنويرٍ غيّرت نظرتي لكل شيء شغل بالي حينها، الألم، الفقد، الذاكرة والحلم. كنت أكتب في الاتجاه الخاطئ، كنت أكتب لأتخلّص من ذاكرتي ومحوها عوضًا عن تفسير معنى واضحٍ لها. الآلام لا تمر بنا لتبقى كما هي، ولا لتبقينا كما نحن، هي تجربة زائلة ومعناها باقٍ، كذلك الكتابة حينما نصفها كفعلٍ خلّاق، لا نعني أنه خلّاق للشخصيات السردية وأحداثها فقط، ولا نعني أنه خلّاق للقارئ لاحقًا فقط، الكتابة فعلٌ خلّاق للكاتب أيضًا، تلك اللحظة التنويرية، لحظة الكشف، حينما تدرك معناك في نصّك هي لحظة خلقِك من جديد، لحظة خروجك من شرنقة آلامك التي ابتلعتكَ، لن تعود كما كنت قبل تلك التجربة، ولن تبقى كما أنت حينها، بل ستخرج منها خلقًا جديدًا بمعنًى جديد.

الألم لا يظل بالذاكرة إلا إذا كان له معنى. كل آلامك منذ طفولتك زائلة، الحجر الذي أصابك بالخطأ من أصدقائك في ساحة المدرسة، سقوطك المفاجئ من الدراجة الهوائية، صفعة أبيك على وجهك أو صراخ أمك، كلها تسقط من الذاكرة مع الوقت، إلا إذا تحولت إلى معنى، هذا ما يعطي الألم قدرته على النمو والخلود.

وهكذا، بدأت أكتب من جديد، كأنني لم أكتب من قبل، صورت ألمي، رسمت هيئته وأعطيته ريشًا وأجنحة وصوتًا حادًا كالغُراب، وبدأت أُسائله عن ماهيته وسبب وجوده.. حتى أمسكت به في النهاية، حدقت به متفحصًا، حبسته في قفصٍ ووضعته أمام مكتبي، لأراه كل يومٍ وأتذكر ذلك الألم، لأتذكر معناه دائمًا.

كأننا في الكتابة نسعى بغير قصد إلى تخليد آلامنا، نخاف عليها أن تبهت وتتلاشى مع مرور الوقت، فالألم هو المادة الخام والتربة الخصبة لأي مبدع، والنسيان إن كان نعمةً عند كل الناس، فهو بلا شك لعنة إذا حلّ بالكاتب.

إننا لا نكتب لنتجاوز ذاكرتنا، بل لنؤطرها، كأن يضع القتيلُ صورة قاتله في برواز أمام نعشه، لكي ينظر في عينيه قبل أن يقرر من سيكون في هذا اليوم، الضحية أم القاتل. أم شاهدًا ثالثًا على الحرب التي لم يربحها أحد.

This entry was posted in لماذا تكتب؟ and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *