ديمومة الفضول لدى ألبرتو مانغويل: مقابلةٌ مع القارئ

ترجمة: غادة أحمد

يجني كل قارئ شيئًا مختلفًا من كل كتاب، شيئًا شخصيًا بشكل بحت.

ما الذي يدفعنا لأن نتعلم؟ كيف تسهم الكتب في فهمنا للعالم؟ كيف تخذلنا اللغة؟ لقد جلسنا مع القارئ والكاتب ألبرتو مانغويل لإشباع فضولنا.

مطبعة جامعة ييل: ما مدى تأثير تجاربك الشخصية على ما تكتبه؟

ألبرتو مانغويل: إني لست بباحثٍ ولذا فإن عالمي التجريبي بأكمله يعدّ شخصيًا. سواء فيما يخصّ لقاءاتي مع الآخرين أو اكتشافي للأماكن التي سافرتُ إليها، الكتب التي قرأتها أو تلك التي تخيّلتها، فإنّ ما أنا عليه كفيلٌ بتصفية كل ذلك، إما للأفضل أو للأسوأ.

مطبعة جامعة ييل: ما الذي مثّل أعظم إلهامٍ لك عند كتابتك  لكتاب “الفضول”؟

ألبرتو مانغويل: يمكنني القول بأن حب الاستطلاع خاصّتي هو مُلهمي. دائمًا ما أندهش من كَم الأشياء التي لا أعرفها والتي تبدو مساحةً لا متناهية تمتد خلف كل بابٍ أعمِد إلى فتحه.  بالكاد أشعر بالتأكيد حيال أي شيء وبمجرد أن أعلم بشيءٍ ما فهناك شيءٌ آخر ينشب في نفسي رغبةً بالتساؤل بشأنه. عندما كنتُ طفلاً لم أكن أطيق على أن يُقال لي “افعل هذا” أو “لا تفعل ذاك” دون أن أتساءل فورًا “لماذا؟ ماذا سيحدث في حال فعلت أو لم أفعل؟” وأستمر في طرح مثل هذه الأسئلة.

مطبعة جامعة ييل: ما هو الأمر الأهم الذي ترغب بأن يدركه القرّاء من خلال هذا الكتاب؟

ألبرتو مانغويل: يجني كل قارئ شيئًا مختلفًا من كل كتاب، شيئًا شخصيًا بشكل بحت. سأبدو سفيهًا في حال أخبرت القرّاء بما يجب أن يخرجون به من الكتاب. لقد قرأ دانتي لفيرجيل وأُلهِم ليغدو شاعرًا، وبالمثل فقد قرأ قاتل جون لينون رواية “الحارس في حقل الشوفان” التي أوحت له بفكرة قتله.

مطبعة جامعة ييل: ما طبيعة اختلاف كتاب “الفضول” عما سواه من أعمالك؟

ألبرتو مانغويل: آمل أن يكون أكثر تركيزًا وأقل تشتيتًا من كتبي الأخرى. أتمنى أن يبرز بشكل أوضح من كتبي السابقة العلاقة التي أؤمن بوجودها بين القراءة والمعيشة، وبين الأدب والعالم الذي نسميه حقيقيًا.

مطبعة جامعة ييل: ما هو الأمر الذي لطالما كنت تشعر بفضول شديد حِيَاله خلال كِبَرك أو عندما بدأت بالكتابة؟

ألبرتو مانغويل: كنتُ في كلتا المرحلتين فضوليًا بشأن هويتي، المخلوق الذي أدعوه بـ “أنا”. وما زلت فضوليًا بشأن هذا ولا أملك أي إجابةٍ مُرضية إلى الآن.

مطبعة جامعة ييل: ما مدى أهمية طرح الأسئلة في مجتمع اليوم؟

ألبرتو مانغويل: إنه لأمرٌ جوهري – كما كان دائمًا. نحن نعيش في مجتمعاتٍ لا تريد منا أن نفكر، أن نقبل بسرعة وسهولة، وأن نستثمر في الدعاية التجارية والدينية والسياسية دون أيّ استفهام، ودون أن نسأل هذا السؤال الأساسي الذي قد ورثناه من القانون الروماني القديم: “من الذي يستفيد منه؟” أعتقد أن طرح الأسئلة من شأنه أن يخفف من الغباء الذي تستحثّه فينا الأنظمة التي ترغب بأن تمارس سلطتها علينا.

مطبعة جامعة ييل: يركز كتابك بشكل كبير على قصيدة “الكوميديا الإلهية” لدانتي أليغييري ورحلته عبر ممالك العالم الآخر. هل تعتقد بأن الناس الذين يعيشون اليوم يوازون بين استكشافه ومجابهته للحقيقة وبين حياتهم اليومية؟

ألبرتو مانغويل: لا، بالطبع لا. قصيدة دانتي هي فريدة من نوعها في تاريخ الأدب، ولا أحد منذ ذلك الوقت شرع بأي شيء مماثلٍ لرحلته الخيالية. نحن نستكشف بطرق أخرى ونتصور عوالم أخرى، لكننا لسنا كدانتي.

مطبعة جامعة ييل: ما حجم التكامل بين استخدام اللغة في عملية اكتساب المعرفة أو إشباع الفضول؟

ألبرتو مانغويل: اللغة هي أداة ضعيفة، بَيْد أنها الوسيلة الوحيدة التي نمتلكها. لا يمكننا بالمطلق أن ننقل أفكارنا كاملةً، ولا نستطيع كذلك أن نجعل الآخرين يفهموننا تمامًا، وبوضوح، وعلى نحوٍ صحيح. دائمًا ما تخذلنا الكلمات في كل مناسبة. نحن نعترف بفشل اللغة في تحقيق التواصل عند كل مرة ننهي بها حديثنا بعبارة “أنت تعِي ما أقوله”، وفي كل مرة نسأل فيها “ألَا تفهم ما أعنيه؟”، لكن على الرغم من ذلك يجب أن نستمر في المحاولة وإلا فإننا ندين أنفسنا بالصمت.

مطبعة جامعة ييل: لقد عرّفت القارئ في أحد الفصول على اسياس ليرنر الذي خلق لديك إلى حدٍ بعيد انطباعًا كأستاذ جامعي. هل كان هناك أشخاص آخرون ساهموا أو دفعوك بطريقة ما لتسعى وراء فهمٍ أعمق للعالم وللناس فيه؟

ألبرتو مانغويل: بالطبع! كان هناك العديد منهم. علّمني الكاتب الأرجنتيني البارز خورخي لويس بورخيس، الذي قرأت له بصوت عالٍ لأنه كان أعمى، كثيرًا حول حرية القرّاء في الاختيار والرفض، والجمع بين الأدباء الذين يراهم الكثيرون بأنهم متباينين، وألّا أؤمن بالتصنيفات الرسمية. وقد علمني الكاتب الهولندي الشهير سيس نوتبوم أن أفكر في العالم بصدق وغرابة معينة. وكذلك علمتني مارغريت أتوود قيمة الفكر السياسي من خلال الخيال والفكاهة. وآخرون كثيرون.

مطبعة جامعة ييل: ما هي النصيحة التي توجّهها للكتّاب الطموحين؟

ألبرتو مانغويل: نصيحتي هي: لا تأخذ النصيحة من كاتبٍ آخر بالمطلق.

 


ألبيرتو مانغويل هو كاتب، مترجم، محرر، وناقد كندي، ولكنه يفضل أن يعرف نفسه على أنه قارئ. ولد في بوينس آيرس، وقد أقام منذ ولادته في إسرائيل والأرجنتين وأوروبا وجنوب المحيط الهادئ وكندا. ويعيش اليوم محاطًا بأكثر من 30 ألف مجلد.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *