اصنع نمطا ثم قم بانعطافة مفاجئة

 

أنشئ هيكلين متوازيين لكن مد جسرًا بينهما

أنشئ هيكلين متوازيين لكن مد جسرًا بينهما

روي بيتر كلارك
ترجمة: علي سيف الرواحي 

يشكل معظم الكتاب كتاباتهم النثرية عن طريق بناء هياكل متوازية في كلماتهم وجملهم. في هذا الإطار تقول الكاتبة (دينا هاكر) في كتابها دليل الكاتب “عندما تتوازى فكرتان أو أكثر، فإنه من الأسهل استيعابهما حينما يعبر عنهما في نمط نحَوي متواز. النص يجب أن يكون متوازنًا بجميع كلماته المفردة والتعابير والجمل”.

 يمكن رؤية تأثير هذا الأسلوب بكل وضوح في خطابات المتحدثين العظام من أمثال (مارتن لوثر كينج) الذي يقول:

 ” دع الحرية تجوب أرجاء الوطن بدءًا من تلال “نيوهامشير” الاستثنائية. دع الحرية تحلق منطلقة من قمم جبال نيويورك العظيمة. دع صيت الحرية ورنينها يجوب سلسلة جبال بنسلفانيا الشاهقة. وأطلق العنان لتلك الحرية لكي تخترق القمم الثلجية لجبال الروكي في كولورادو.”

 لاحظ كيف قام (كينج) ببناء نمطٍ تصاعدي من خلال تكرار بعض الكلمات وهيكلها النحوي، حيث قام بتكرار معنى الجبال الشواهق وقممها بكلمات مختلفة واستخدم صفات مختلفة للتعبير عن عظمة تلك الجبال.

 “استخدم أنماطا متقابلة متى ما استطعت ذلك” ينصح الكاتب (شيردان بيكر) في كتابه “الأسلوبي العملي”، حيث يقول أيضا “الأفكار المتساوية تتطلب نظاما بنائيا متوازيا”. بعدما انتهيت من قراءة كتاب (بيكر) عثرت على مقالة من تأليف أحد كتابي المفضلين (جي كي شيسترتن) الذي قام بتأليف قصص بوليسية، وكتب دينية، والعديد من المقالات الأدبية في بداية القرن العشرين. ويظهر أسلوبه الرصين في استخدامه البناء المتوازي من خلال الجملة التالية:

 “حاملا عصاي وسكيني، وطباشيري وأوراقي البنية، تابعت مسيري إلى عظمة المجهول”.

 الجملة السابقة تمضي بخطى واثقة وهي تستند على محورين رئيسين في البناء المتوازي: أولهما استخدامه المتكرر لـ “ياء” الملكية في أربعة مواضع متوازية، ثم ربط تلك المواضع بحرف الواو.

 يعتقد (نيل بوستمان) بأن مشاكل المجتمع لا يمكن حلها بالمعرفة وحدها. وقد صاغ اعتقاده ذاك بمجموعة من الأقتراحات المتوازية:

 “إن كان يوجد أناس يعانون من الجوع، وطبعا يوجد، فليس ذلك بسبب قلة المعرفة. وإذا كانت الجريمة تعيث فسادا في الشوارع، فإن قلة المعرفة ليست السبب وراء ذلك. وإذا أسيء إلى النساء والأطفال، فشح المعلومات ليس له دخل في ذلك. وإن كانت مدارسنا لا تعمل كما يجب ومبادؤنا الديمقراطية تفقد قوتها، فليس وراء ذلك قلة المعرفة. وإذا كانت تلك المشاكل تنخر عميقا في مجتمعاتنا فإنه بسبب وجود شيء آخر ينقصنا.”

 من خلال تكراره للجمل الشرطية وإنهاءه تلك الجمل بتعبير “قلة المعرفة أو المعلومات”، فإن (بوستمان) يحاكي دقات طبلٍ لغوية بصورة مقنعة.

هكذا وبصورة مفاجئة بدأت في رؤية تلك الأنماط المتوازية في كل مكان. وفيما يلي مقطع من رواية “المخطط المضاد لأمريكا” للروائي (فيليب روث)، فيه إحدى جمل (روث) الطويلة التي يشتهر بها يصف فيها حياة الطبقة اليهودية العاملة  في الأربعينيات من القرن العشرين:

 “يعمل الرجال خمسين وستين وحتى أكثر من سبعين ساعة في الأسبوع. بينما تعمل النساء طوال الوقت وبمساندة محدودة من آلات العمل، يقمن بغسل الملابس وكيها، يرقعن الجوارب، ويصلحن الياقات ويخطن الأزرار في مكانها، وينقين الصوف من حشرات العث، ويلمعن الأثاث، ويمسحن ويغسلن الأرضيات، وينظفن زجاج النوافذ، ويعدن ترتيب المطابخ، وينظفن السجاد بالمكانس الكهربائية، ويقمن بعناية المرضى، ويتسوقن ويطبخن الأكل، ويطعمن اقربائهن، ويرتبن الخزائن والأدراج، ويشرفن على دهان المنازل وإصلاح البيوت، وينظمن الطقوس الدينية، يدفعن الفواتير ويحافظن على كتب العائلة في الوقت نفسه الذي يقمن برعاية أطفالهن وشراء الملابس لهم ومتابعة دراستهم وإطعامهم والسهر على راحتهم وتعليمهم فضائل الأخلاق”.

في النص الإبداعي السابق المدوخ للعقل أحصيت تسعة عشر تعبيرا متوازيا، جميعها بنيت على التعبير الأول “يقمن بغسل الملابس”. وهنا يكمن سر (روث) في تحويله للنص العادي إلى مقطوعة موسيقية عن طريق تفكيك الفعل الواحد إلى تفاصيله ومشتقاته الجزئية. وقام (روث) بحركة أخرى حيث كسر النمط في الجملة الأخيرة عندما تحدث عما يقوم به هؤلاء البسطاء لعوائلهم وهو مواز لما يقومون به للعوائل التي يعملون لديها.

 والبناء المتوازي النقي يشبه في وقعه الانفجارات المتتابعة. لكن البناء المتوازي الذي يحمل انعطافة مفاجئة يكون كالانفجارات الصغيرة التي تنتهي بانفجار كبير. وهذه الأنماط الحاملة للمتغيرات الذاتية هي المكون الأساسي لبعض التعبيرات المتداولة كالأمثولات الشعبية والحكم الشعرية.

 كلنا يعرف شعار (سوبرمان) الذي يقول: “الحقيقة والعدالة والعيش على الطريقة الأمريكية” وهو يحمل انعطافة لطيفة في جزئه الأخير؛ حيث تم التلاعب في معناه الذي يشير بكل بساطة إلى الوطنية أو حب الوطن. وهذا الكسر للنمط كثيرا أضاف قوة في المعنى في نهاية خطاب (مارتن لوثر كنج) الآنف الذكر.

 عندما وجه (كينج) بوصلة الحرية ناحية الجنوب الأمريكي المعروف بالتمييز العنصري آنذاك، أحدث تغييرًا كبيرًا في النمط. فقد قام باستبدال الوصف الجغرافي العام للأراضي الأمريكية بتحديد مناطق بعينها مرتبطة بالعدالة الاجتماعية: جبال صخرية وأخرى ذات إطلالة جميلة. وهذا التغيير الأخير لم يصف بسخاء الجبال الشاهقة في ميسيسيبي فحسب بل أيضا كل زاوية وركن وحفرة من ذلك المكان.

 معظم الكتاب لا يحسنون استغلال تقنية البناء المتوازي (أو المتناظر). وقد ينتج عن ذلك عدم انسيابة في النص والمعنى. ونرى تأثير أسلوب الكتابة هذا جليا في كتابات تاريخية عظيمة للقديس (بول) والرئيس الأمريكي محرر العبيد (ابراهام لينكون) الذين كتبا نصوصا غاية في الفصاحة وذات معنى نافذ عابر للزمن.

تمرينات عملية

 ١. قم بمعاينة آخر كتاباتك واضعا أسلوب المتقابلات في الحسبان. ثم استخرج أمثلة على استخدامك للبناء الموازي. وانظر هل هنالك فراغات  قد تشعر القارئ بعدم ترابط الجمل.

 ٢. عندما تقرأ الروايات والكتابات الإبداعية في الصحافة، قم بالإشارة إلى الأنماط المتوازية وحاول استنباط تأثيرها المحتمل على القارئ.

 ٣. تلاعب، على سبيل الدعابة، بتلك التعابير المتوازية بتغيير عنصرها الملتوي.

 ٤. سيساعدك تمييز الأنماط المتوازية على اكتشاف الانعطافات فيها وكسر النمط في عنصرها الأخير. ركز في الجانب الغرائبي منها.

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

آن لاموت وعذاب معالجة الحبكة

بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة

بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة

ترجمة: رؤوف علوان 

يظن تلامذتي بأن الكاتب المحترم يجلس ويبدأ بتأليف كتابه، وهو يعلم جيدًا ما سيحدث بالتحديد، لأنه قد رسم الخطوط الرئيسية لغالب الحبكة، وبسبب هذا تغدو كُتُبه جميلة جدًا، ويحيا حياة مريحة مليئة بالبهجة، واعتداده بنفسه عظيم جدًا، وثقته ودهشته الطفوليّيْن لا تتزعزعان.

حسنٌ، لا أعرف أحدًا تنطبق عليه هذه الصفات إطلاقًا. كل من أعرفهم يكابدون المشقة، يشتكون على الدوام وقد أصابهم الجزع، في بحثهم عن حبكة وبناءٍ يُجديان. يمكنك الانضمام إلى نادي العذاب هذا بكل ترحيب.

من جهةٍ أخرى، بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة، لعلّه مشهدٌ تخيلته ينفع كذروة. فتدفع بكل الأحداث في اتجاه ذلك المشهد، لكن عندما تصل إليه، أو قريبًا منه، تجد وبسبب كل ما تعرفه عن شخصياتك طوال الوقت، بأنه لا يُجدي نفعًا. قد يزوّدك هذا المشهد بالثقة التي تحتاجها للعمل على الكتاب، لكن الآن هو بلا قيمة، وأيضًا لا يُفضي إلى خاتمة جيدة.

لقد خضتُ هذه التجربة خلال روايتي الثانية، عندما بدأ يتملكني إحساس قوي حول الشخصيات التي أكتب عنها بسبب صورةٍ لا تنفكّ تنمو في خيالي. لكن عندما وصلتُ بالأحداث إلى تلك الصورة التي تمثل ذروة الأحداث، بدتْ لي خاطئةً تمامًا. فالتزمتُ الصمت لعدة أيام وانتظرتُ من الشخصيات أن تأتيني وتفصح لي بنفسها عن حواراتها ورغباتها. منذها فصاعدًا، كنتُ أشعر بأنني أعرف كيف سينتهي الكتاب، وكيف سيبدو مكتملاً. من ثم، أمضيتُ سنتين بأكملهما على الكتاب، أرسلُ منه رزمة بعد الأخرى إلى محرِّري في دار فايكنغ للنشر.

أُعجِبَ محرّري بالشخصيات كلها، وأعجبَتْهُ النبرة والكتابة، لكن بعد أن قرأ مسودتي الثانية كاملةً إلى نهايتها، أرسلَ إليّ رسالةً بدأها بالتالي: “هذه لربما أصعب رسالةٍ أضطر لكتابتها”. حينها بدأتُ أرى النجوم تحوم فوق رأسي في مكتب البريد، وكأنما شخص سدّدَ لي ضربة إلى رأسي. كان المكان يدور بي، وأخذ يتابع محرّري بأنه وبينما كان قد استمتع بالشخصيات وبالحوار، فإني نتيجة لذلك خلقتُ مأدبةً جميلة، لكني لم أدْعُ القارئ للجلوس ليأكل. لهذا فالقارئ بقيَ في حالةٍ من الجوع. وبمزج الاستعارات، بدا الكتاب كمنزلٍ بلا أساساتٍ، ودون دِعاماتٍ، وأنه كان ينهار على ذاته، وبأنه ما من سبيلٍ لإنقاذه من السقوط. ويجبُ عليّ أن أضعه جانبًا وأبدأ العمل على كتابٍ آخر من الصفر.

الأمر هو، أنني اضطررتُ لصرفِ الكثير من المقدّم المالي. ووصلتُ إلى حالة يرثى لها من حزنٍ وخوفٍ في مكتب البريد، وهذا الشعور لازمني لأسبوعٍ أو أكثر. كنتُ ساخطةً من الذل وخائفة كثيرًا على مستقبلي. لكنني هاتفتُ صديقةً لي تحب كتاباتي، وتشجعني على الدوام، فأخبرتني أن أمنح الكتاب بعض الوقت، القليل من الشمس والهواء المنعش. قالت لي ألا أقترب من الكتاب لمدة شهر. وقالت بأن كل شيء سيكون على ما يرام، رغم أنها لا تعلم تمامًا حالة “على ما يرام” تلك كيف ستكون.

قررتُ الدخول في عزلة، استأجرتُ غرفةً في منزلٍ قديم ضخم، يطلّ على نهر بيتالوما[i]. المكان هادئٌ جدًا تمتد فيه المراعي على امتداد البصر، لا أحد يعلم هناك من أكون، وبالكاد أحد ممن أعرفهم يعلم أين سأكون. من خارج نافذتي بدت المروج تنتشر فيها الأبقار والعشب والقش. أخذتُ أداوي جراحي هناك عدة أسابيع بانتظار ثقتي لتعود. حاولتُ ألاّ أتخذ أيّة قراراتٍ مهمةٍ حول مصير الكتاب سواء بالتخلص منه، أو بإنهاء حياتي ككاتبة، لأن الشيء الوحيد الذي أعرفه بكل تأكيد، أنك إن شئتَ تجعل الآلهة تضحك، أخبرها عن مخططاتكَ المستقبلية.

أخيرًا وجدتُ نفسي جاهزة للنظر في الكتاب من جديد. فقرأته كله بجلسةٍ واحدة، وأعجبني. وجدتُه رائعًا. أيْ نعم كان عبارة عن فوضى عارمة، ولكنها فوضى رائعة. هاتفتُ محرّري وأخبرتُه بأني عرفتُ ما الذي سأفعله وبأنني سأثبت له ذلك. لقد كان سعيدًا من أجلي من كل قلبه.

وفي غرفة كبيرة خرِبَة بالمنزل الذي أقطن فيه، أخذتُ في أحد الصباحات مسودّتي ذات الثلاثمئة صفحة وبدأتُ بفرشها على الأرض، قِسمًا بعد قِسمْ، ووضعتُ الصفحات بما يشكّل دربًا، من البداية إلى النهاية، فبدا كخطٍ أفقي مكوّنٍ من أحجار الدومينو، أو جادةٍ من حجرٍ في حديقة. وكانت هناك مشاهد في الصفحات الخمسين الأخيرة ستكون رائعة عند البداية، وهناك مشاهد وأحداث مشتتة بكل مكان، بإمكاني جمعُها وإعادة كتابتها لتصنع مقدمة عظيمة للفصلَيْنِ الرئيسَيْنِ. مشيتُ نزولاً من الأعلى، من بدايةِ إلى نهاية الأحداث. أغيّرُ مكان رزمٍ من الأوراق، أو أشبكُ الأقسام المتشابهةِ، أو أدوّن خربشة ملحوظاتٍ سريعة لنفسي حول كيفية تشكيل أو اختصارٍ أو استطرادٍ على كل قِسم، وبكلّ طريقةٍ ضرورية كانت.

بدأتُ ألاحظُ الثغرات التي أحتاج إلى ملئها – انتقالات، معلومة مهمة سنحتاج لمعرفتها قبل حدثٍ لتجعل منه منطقيًا – وثم دوّنتُ على ورقةٍ فارغة ما خِلتُه ضروريًّا ووضعتُ الورقة على كومةِ الأوراق حيث يليق بها. هذه الصفحة احتوت على ما يكفي من مساحةٍ فارغة، لعلها تكفي لمشاهد كاملة، بطريقةٍ بدت – حال شعوركَ بالفقدِ – مثل صدر صديقٍ وفيّ يتسع بما يكفي ليواسيكَ أو ليلهمك القدرة على الاحتمال فتستند عليه. أدوّنُ خربشاتٍ من الملحوظاتِ على العديد من الأقسام للإشارةِ إلى، في الواقع، أن هناك خطرٌ محدّقٌ، وأنزلتُ أحداثًا سيئة على تلك الشخصيات التي كنت أحميها. وجدتُ مواضعًا حيث باستطاعتي أن أقسو عليهم أكثر، أدفعهم، أحمّلَهم فوق طاقتهم، بطريقة ستؤدي بهم إلى كارثة لا مفرّ منها، وأغلقتُ أيضًا عليهم دائرة الكارثة حابسةً إياهم بداخلها. ثم، حين تأكدتُ من كل شيء، رتّبْتُ الصفحات في ترتيبها الجديد، وشرعتُ بكتابة مسودة ثالثة.

كتبتُ تلك المسوّدة جزءًا بعد جزء، اهتممت بكل قِسمٍ منها، مهما كان صغيرًا أو مهما بدا غير مهم، ليخرج بأفضل حالةٍ ممكنة. استبعدتُ فقراتٍ كاملة كنتُ أحبّها، فقراتٍ أحشوَ الكتاب بها لأني كنتُ معجبةٌ بها أو بطريقة الوصف أو بظرافتها. اشتغلتُ عليها لمدة تسعة أشهر، أرسلتُ ثلثها الأول، والذي اندهش به محرّري، ثم أرسلتُ القسم الثاني، الذي أعجَبَه كذلك. وقد أنهيت القسم الثالث في وقتٍ كنت فيه أنفصلُ عن رجلٍ ارتبطت به لفترة من الزمن. كان عقلي مزدحمًا وكأنما عاصفة ضربته: سأرسلُ القسم الثالث، سأستدين المال لأسافر إلى نيويورك، لأمضي أسبوعًا هناك، كي أعمل على تصحيح وتدقيق المسودة مع المحرر، وفي الوقت نفسه أيضًا كنتُ أهرب من ذلك الرجل الذي انفصلتُ عنه. وكذلك أيضًا، لعلّي أستطيع الحصول على الدفعة الأخيرة من المقدّم التي أطالب بها دار فايكينغ للنشر، فلربما أستطيع التشافي ببعض التسوق في مدينة نيويورك.

كتبتُ إلى محرّري أخبرُه بأني آتية. لم يرفض. طلبتُ من الرجل الذي كنت مرتبطةً به أن يخرج حاجياته من المنزل. استدنتُ ألفَ دولارٍ من عمّتي، على وعدٍ بأن أعيد لها المبلغ عند نهاية الشهر. وسافرتُ إلى نيويورك.

في صباحي الأول هناك، ارتديتُ فستان الفتاة الكاتبة وكعبًا عالٍ، واتجهتُ لأقابل المحرر. اعتقدتُ بأنني وإياه سنعمل على التدقيق والتصحيح ذلك الصباح، ومن ثم سوف يعطيني الدفعة الأخيرة من العربون. لو كان حدث ذلك لكنتُ خرجتُ من حالتي الكارثيّة ولكانت (الأفكار السامية) للحقيقة والجمال انتصرتا من جديد. الكل يصدم حين يعلم بأن هذا الكتاب كان على شفا هوة ويلغى. لكنّ محرّري قال: “أنا آسف”، نظرتُ إليه في حيرةٍ، وهو يضيف: “جدًا، جدًّا آسف، لا يزال الكتاب ليس بالمستوى المطلوب”.  لم يكن يفهم لماذا أشياء بعينها تحدث بطريقة معينة، أو لماذا بعض الأشياء تحدث لنا من الأصل، والأهمّ، لماذا القليل جدًا يحدث أساسًا.

جلستُ هناك أحدّقُ فيه حتى بدا وكأن وجهه يذوب. قال لي: “إني آسفٌ جدًّا”. كنتُ في حالة صدمة شديدة منعتني حتى من البكاء، بقيتُ أربّتُ على جبهتي، بالطريقة التي يربّتُ فيها أحدنا على رأسه ليتأكد من أن شعره مصفّفٌ بشكل جيّد. أعتقد بأني حينها كنتُ أشبه ما أكون بشخصية بلانش دوبوا[ii] وهي تحت تأثير مخدّرٍ فاسد. ثم انفجرتُ بالبكاء وأخبرتُه بأنّ عليّ أخرج من هنا حالاً. قال لي بأن أهاتفه غدًا. قلتُ له سأفعل، رغم أني لم أكن متيقنة حينها إن كنتُ سأبقى على قيد الحياة إلى الغد.

   لحُسنِ الحظ، كنتُ لا أزال أعاقر الخمر في تلك الفترة. عدتُ إلى منزل أصدقاءٍ قدامى لعائلتي حيث أقيم. وتجرّعتُ دزينة من الكؤوسِ معهم. وثم اتخذتُ سيارة أجرة لملاقاةِ أصدقاء آخرين. تناولتُ معهم القليل من مئات الكؤوس، وقليل القليل جدًا من المخدرات – في الواقع، حينها بتُّ مثل حيوان آكل النمل إلى حدٍّ ما. (بعدها) اتجهتُ إلى متجر الخمور وابتعتُ نصف باينتٍ[iii] من الخمر الأيرلندية وعدتُ إلى المنزل حيث أقيم. وأخذتُ أرتشفها من الزجاجة مباشرةً إلى أن فقدت الوعي.

عندما استيقظتُ كنتُ أشعر بالاكتئاب قليلًا. نظرتُ إلى مسوّدتي في حقيبة السفر، وفكّرتُ بكل الشخصيات الجميلة، المرحة، والمثيرة، التي عمِلْتُ عليها تقريبًا لثلاث سنوات. فجأةً شعرتُ بغضبٍ عارم. فهاتفتُ محرّري بمنزله، إذ فهو لم يخطط للذهاب إلى العمل في ذلك اليوم، وقد كان محبطًا قليلاً، وقلت له: “إني آتية إليك”، عمّ الصمت لوهلةٍ، وثم قال لي بتردد: “حسنًا.” وكأنه أراد أن يسألني: ” هل ستحضرين معكِ سكاكين!”. عندها كنتُ قد نزلتُ السلالم وأخذتُ سيارة أجرةٍ متجهةً إلى شقته.

حاول أن يُدخلني ويدعوني للجلوس، لكنني كنتُ مجنونةً جدًا وشعرتُ بخيبةٍ، وغضبٍ، وانهيارٍ، وإذلالٍ، وصدمة. حملتُ مسوّدتي إلى صدري مثل طفل. كانت فيها أقسام قد قرأها أصدقاء لي انفجروا ضِحكًا منها، وبعضهم اتصل بي، يبكي. كانت هناك مادةُ بعضها رائع، وبعضها مهم، لم يكتب مثلها أحد من قبل، كنت متأكدة من ذلك، نوعًا ما. بدأتُ أقطع غرفة معيشته جيئةً وذهابًا مثل محاميةٍ تترافع في قضية توضح فيها أدلتها أمام هيئة المحلّفين، وتشرح مختلف أوجه الكتاب، التي بعضها وحسب رغبتي، لا تبدو واضحة، أو نسيتُ أن أضعها من الأساس. ملأتُ الكثير من الثغرات، في توصيف أشياءٍ نشأتْ بين الشخصيات افترضتُ بأنها لا تحتاج لتوضيح. كنتُ أتحدث بصخبٍ درامي – فتاةٌ في الثامنة والعشرين من العمر، مصابةٌ بخُمارٍ حاد، وتشعر بأنها على وشك الموت – لكنني أخبرته عمن هي الشخصيات وعما هي القصة. رسمتُ له أساسات حيواتهم، وفكّرتُ بصوتٍ عالٍ حول كيف سأستطيع وضع الحلول للمشاكل الكبرى في الحبكة والفكرة، وكيف سأستطيع تبسيط بعض أشياءٍ وتعقيد بعضها الآخر. لم أكن أفكر بما كنتُ أقوله، الكلمات كانت تتدفق مني، وحين انتهيتُ، نظرَ إليَّ وقال :”شكرًا لكِ.”

جلسنا إلى جوار بعضنا على أريكته بصمتٍ لبعض الوقت. وأخيرًا قال لي: “اسمعيني، أريد منكِ أن تكتبي ذلك الكتاب الذي وصفتِه لي قبل قليل. لن تُتمّيه هنا. اذهبي إلى مكان ما، واكتبي لي معالجة، معالجة للحبكة. أخبريني فيها فصلاً بعد فصلٍ بما حدّثتِني عنه في النصف ساعة الماضية، وسوف أدبّرُ لكِ الدفعة الأخيرة من العربون”.

وهذا ما فعلته بالتحديد، رتّبتُ أموري للإقامة عند بعض الأصدقاء في مدينة كامبردج لمدة شهر، وهناك مكثتُ في كل يومٍ أكتبُ ما بين خمسمئة إلى ألف كلمة أصِفُ فيها ما يحدث بكلّ فصل. كتبتُ عن كل شخصيةٍ من الشخصيات أين ستكون، وأين كانت، وما تصبوا إليه، ولماذا. وأقتبسُ مباشرةً من المسودةِ أحيانًا. مستخدمةً بعض أفضل الحوارات لأغرس الثقة في نفسي وفي نفس المحرّر، وأوجدتُ المرة بعد الأخرى، أين تبدأ النقطة “أ” من كل فصل، وأين تنتهي النقطة “ب”، وما يجب أن يقع لشخصياتي كيما ينتقلون من النقطة “أ” إلى “ب”. ثم كيف أجعل النقطة “ب” تنتقل بي وبطريقة مبتكرة إلى نقطة “أ” من الفصل التالي. أصبح الكِتاب واضحًا مثل حروف الهجاء، مثل حلمٍ مستمر متوهج بالحياة لا ينتهي. اكتملت المعالجة في أربعين صفحة، أرسلتها بالبريد من كامبريدج، وعدتُ إلى المنزل.

لقد نجح الأمر، فلقد سلّمني محرّري الدفعة الأخيرة من العربون، أعدتُ ما استدنته من أموالٍ إلى عمّتي كي أكسب بعض الوقت لكتابة المسودة الأخيرة. وهذه المرة كنتُ أدركُ تمامًا ما يتوجّب عليّ القيام به، فهذه المرة أمتلكُ مقادير الوصفة الصحيحة. نُشِرَ الكتاب في الخريف التالي وكان أكثر رواياتي نجاحًا.

كلما أخبرتُ تلامذتي بهذه القصة، يُبدون رغبتهم برؤية المسودة الأصلية لمعالجة الحبكة. وعندما أحضرها لهم، يتهافتون عليها وكأنها حجر رشيد[iv]. كنتُ طبعتها على ورقٍ غدا هشًا مع الزمن. ممتلئ بملاحظات، ولطخات، وحلقاتٍ خلّفتْها آثار قهوةٍ أو أعقاب كؤوس نبيذ. إنها تدهشني كونها وثيقة تحلّتْ بالشجاعة على البقاء رغم عاديات الزمن، أكثر مما تدهشني قدرتنا على الاستيقاظ في الصباح التالي.

[i]بيتالوماPetaluma : نهر في ولاية كاليفورنيا.
[ii]بلانش دوبوا Blanche DuBois  أحد شخصيات مسرحية “عربة اسمها الرغبة” لتينيسي ويليامز الحائزة على جائزة بوليتزر 1947.
  [iii]باينت Pint: وحدة إمبراطورية لقياس السعة  تعادل نصف ليتر تقريبًا.
[iv]حجر رشيد: أكتشف عام 1799م يحمل نقوشًا هيروغليفية ويونانية سُمّي بذلك لاكتشافه بمدينة رشيد. فكّ رموزه شامبليون في 1822م.
 

من كتابها Bird By Bird.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , , | التعليقات مغلقة

5 نصائح للكتابة من دينو منجستو

اجعل من التعب والإرهاق ذريعة لحريات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

اجعل من التعب والإرهاق العاطفي ذريعة لحريات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

 

ترجمة: ميادة خليل
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

دينو منجستو روائي وكاتب أثيوبي – أمريكي ولد في أديس أبابا عام 1978، وهو أحد المستفيدين من زمالة ماك آرثر، وواحدٌ من القلائل (من سن 20 – 40) الذين فازوا بجائزة الغارديان للكتاب الأول، ولديه مجموعة كاملة من الجوائز الأخرى. روايته الجديدة “كل أسمائنا” واحدة من أفضل الروايات لعام 2014.

هذه نصائحه:

1)    كن كريما مع شخصيّاتك. اقتلهم، أنقذهم، حطّم قلوبهم، ثم عالجهم. املأهم بالحياة، التاريخ، الأشياء، والأشخاص الذين يحبونهم، وما إن تفعل ذلك، وبمجرد أن تتشقق جراحهم، عرِّهم. اكتشف كيف يبدون، كيف يقفون، يتحدثون، يتحركون، عندما لا يبقى لديهم شيء. والآن، أعد تركيبهم، املأهم مرة أخرى بالحياة، ولكن هذه المرة، اترك مكانا كافيا للقارئ لكي يعصر قلبه ومخيّلته في داخله.

2)    آمن بأن يوم كتابةٍ جيّد يمكن أن يتحقّق في صمتٍ تام، بساعات تنقضي وأنت تحدّق في شاشة فارغة، أو تصرخ على كلمة أو فقرة، وتعرف بأنّ ليس هناك ما تضيفه أو تغيّره في تلك اللحظة. الإصغاء هو شريك الكتابة الذي يتمّ – عادة – إهماله والتقليل من قيمته. وعندما لا تنقر على لوحة المفاتيح، تأتيك فرصة للجلوس في مكانٍ غير مريح، أحيانًا في صمتٍ مؤلم مع الشخصيات والعالم الذي كابدت من أجل خلقه. حتى عندما لا تكتب كلمة واحدة، فقد ظهرت للعمل، وأكّدت حقيقة بسطة: أنك تهتم، ولديك صبر للتحمل.

3)    لا تفكر كيف تبدو أصوات شخصياتك، بل كيف ترى. أنظر إلى العالم من أعينهم ــ ادرس الاستثنائي والعادي من منظورهم الخاص. سِر حول الحيّ معهم، تجوّل في الغرف التي يعيشون فيها، اكتشف أيّ الأشياء على طاولة غرفة الطعام سوف يحدّقون بها أكثر من غيرها، ثم اعرف السبب.

4)    كلما كبرتُ، كلما ازدادت حياتي امتلاءً وتعقيدًا، مع العائلة والأصدقاء والطلبة، وفوق كل شيءٍ؛ مع الأطفال. لقد تعلمتُ الآن ألا أكون متطلبًا مع ظروف العمل. تعلمت ألا أنتظر الصمت الكليّ، الأمر الذي في الغالبية العظمى من الأيام، لن يأتي أبدًا. وعليه، تخلَّ عن الأمل بأن تجد الجوّ الملائم، أو الضوء الذي يبهجك أكثر من أي لونٍ آخر (العبارة مسروقة من وليم كارلوس وليمز). اهجر الرغبة، ارتدِ قناعًا لو لزم الأمر، اكتب بين الزحام، في الأزقة، في المقاعد الخلفية للسيارات الممتلئة. اسرق وقتًا من العالم المزدحم، حتى لو كان دقائق قليلة، أو ساعة مباركة. اجعل من التعب والإرهاب العاطفي ذريعة لحريّات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

5)    وفي حال كان بالإمكان أن تنسى، تذكّر بأن العالم لا يحتاج إلى كتابك. العالم سوف يستمرُّ على نحوٍ جيّدٍ من دونه. هناك الكثير من الروايات والقصائد والقصص والمقالات الرائعة، تكفي لحيوات كثيرة من القراءات المدهشة. لذا، اكتب من حاجة، من حرمانٍ شخصي، اكتب لأنك – وربما أنت فقط – تحتاج قراءة تلك الكلمات.

 

* نشرت في آراء. 

كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

من أين تبدأ جملتك؟

أريد منك أن تنظر إلى النواة الأساسية للجملة باعتبارها القاطرة التي تجر باقي عربات القطار.

اجعل المعني الرئيس يأتي في الصدارة، ثم دع العناصر الأقل أهمية تتبعه

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. سمر طلبة *
مراجعة: بثينة العيسى

تخيل أن كلّ جملة تكتبها تُطبع على أكبر صفحة من الورق في العالم. تخيل هذا. تُكتَب الجملة العربية من اليمين إلى اليسار، فتبدأ بالفعل ثم فاعله في أغلب الأحيان، تليهما العناصر الأقل أهمية، والتي تدعّم المعنى، أو تضيف إليه بشكل أو بآخر.

أنظر على سبيل المثال إلى الجملة التي تنتهي بها الفقرة السابقة. إن أساسها هو “تُكتب الجملة العربية”، وتليه العناصر المكملة للمعنى. وهاك جملة أخري من النوع نفسه، من نص خبر نشرته النيويورك تايمز، يقول:

“سيطر المتمردون على كاب هاييتي، ثاني أكبر مدن هاييتي، يوم الأحد، دون مقاومة تُذكر من المواطنين الذين احتشد المئات منهم وأخذوا يهتفون، كما قاموا بحرق قسم الشرطة ونهب المحال التجارية التي تبيع المواد الغذائية والمطار الذي سرعان ما تم إغلاقه .وأسرع رجال الشرطة ومؤيدو الرئيس أرستيد المسلحون بالهرب.”

تتكوّن الجملة الأولى من تسع وثلاثين كلمة، وهي تعج بالأحداث حتى لتوشك أجزاؤها على التفكك والتطاير هنا وهناك مثل محرك زادت حرارته فانفجر، لكن الكاتب يرشد القارئ بوضع الجزء الأكبر من المعنى المراد توصيله في أول كلمتين، وهما “سيطر المتمردون”، اللتين تشكّلان معًا صلب الجملة ونواتها الأساسية.

أريد منك أن تنظر إلى النواة الأساسية للجملة باعتبارها القاطرة التي تجر باقي عربات القطار.

ولكبار الكتاب القدرة علي كتابة الصفحة تلو الأخرى، معتمدين علي هذه البنية النحوية سالفة الذكر. اقرأ معي تلك الفقرة التي نترجمها من رواية الكاتب الأمريكي الشهير جون شتاينبك” شارع السردين المعلب” والتي يصف فيها الروتين اليومي لعالم من علماء البحار يُدعى دوك (وقد أضفنا الخطوط تحت الأجزاء المراد التركيز عليها):

يعمل دوك وفقًا لإيقاع المدّ والجزر طوال حياته العملية تقريبًا، حتى أنه كان يشعر بتغير اتجاه التيار أثناء يومه. لم يكن يحتاج إلى ساعة. في الفجر كان يستيقظ وينظر من النافذة فيرى الماء وقد بدأ بالفعل ينحسر عن أرض الشاطئ الصخرية المسطحة. يشرب دوك بعض القهوة الساخنة عندئذ، ويأكل ثلاث شطائر ثم يحتسي شيئًا من الجعة.

ينحسر المد على نحوٍ يكاد يكون غير ملحوظ. تظهر الصخور وتبدو وكأنها ترتفع، وتتراجع مياه المحيط فلا تترك سوى برك صغيرة، وأعشاب جافة وطحالب وبعض الأسفنج جميعها ذات ألوان زاهية براقة بنية وزرقاء وحمراء صينية. أما في القيعان فترقد نفايات البحر، من بقايا قواقع وأصداف مهشمة وقطع من هياكل عظمية ومخالب، جاعلةً من قاع المحيط مقبرة عجيبة، تلهو وتتأرجح فوقها الكائنات الحية المختلفة”.

نرى هنا أن شتاينبك يضع صلب جمله، أو أنويتها الرئيسة، في بداية كل جملة، أو قرب البداية، ونري أن الفقرة تتسم، نتيجة ً لذلك، بالوضوح والتدفق السردي؛ إذ كل جملة مبنية على سابقتها. وهو يتجنب الرتابة والنمطية بافتتاح بعض جملهِ بأشباه الجمل كما في الجملة الثالثة التي يبدأها بشبه الجملة الدال علي الزمان “في الفجر”، وكذلك بتنويع أطوال جمله، والتنويع في أطوال الجمل أداة من أدوات الكتابة سنتناولها لاحقًا.

وتتيح اللغة العربية لمستخدميها مزية لا تتاح لمتحدث الإنجليزية أو مستخدمها؛ إذ يمكنه الاختيار بين الجملة الفعلية سالفة الذكر (وهي الأكثر شيوعًا في العربية) والجملة الإسمية. لكن استخدام الجملة الإسمية يخلق مشكلة حين نُضطر إلى فصل المبتدأ عن خبره، حين نريد أن نقول للقارئ شيئا ما عن المبتدأ قبل أن نصل إلى خبر الجملة.

ورغم أن تأخر الخبر على هذا النحو يكون غالبًا له أسبابه المنطقية، إلا أنه قد يؤدي إلى تشتيت القارئ وإرباكه. لكن، إذا ما توخينا الحرص، فإننا ننجح في أداء مهمتنا وتجنب التشتت والارتباك:

“قصص طفولتي – أو ما عاش وبقي من قصص طفولتي: أعني القصص التي ظلت تُحكى، المرة تلو الأخرى، على مائدة العشاء للشبان الذين كنت أواعدهم، بينما أنا جالسة أصغي وقد احمر وجهي خجلا، ثم لأطفالي بواسطة جدهم – هي قصص هروبي من المنزل.”

هكذا تبدأ آنا كويندلن مذكراتها المسماة “كيف غيّرتْ القراءة حياتي”. هنا نجد جملة الافتتاحية وقد فُصل بين المبتدأ والخبر فيها ثلاث وثلاثون كلمة. أما إذا ما كان النص نصًّا متخصّصًا في مجال علمي أو عملي معين، لا نصا أدبيا، فإن الفصل بين جزئي الجملة على هذا النحو يكون مشتتًا في العادة، كما في النص التالي:

“إصدار قانون يستثني ضريبة الدخل من القيمة المقدرَة للمنازل الجديدة من ميزانية التعلم يمكن أن يعني خسارة مدارس مقاطعة تشيسابيك لدخلها”.

إن إحدى عشرة كلمة تفصل المبتدأ “إصدار قانون” عن خبره “يمكن”، وهو خطأ فادح من الممكن أن يحول خبرًا هامًّا يمس مصالح المواطنين إلى طلاسم.

ومتي أراد الكاتب خلق جو من الإثارة أو الترقب، أو إحداث توتر، أو جعل القارئ ينتظر وقد أكله الفضول، أو جعل القارئ يشاركه رحلة الاكتشاف، أو جعل القارئ يستمر في القراءة لمعرفة ما سيسفر عنه موقفٌ ما من حياة أو موت، فيجدر به عندئذ أن يدّخر تتمة الجملة إلى النهاية، كما فعلت أنا للتو.

وقد اختارت كيلي بِنام، وهي إحدى طالباتي السابقات، أن تفعل ذلك حين كان مطلوبًا منها أن تكتب مقالا تنعى فيه تيري شيافو، المرأة التي أدّى مرضها الطويل وموتها المثير للجدل إلى نقاشات في الدول المختلفة عن حق إنهاء الحياة:

“قبل اجتماع الناس للصلاة من أجلها أسفل نافذتها، وقبل أن يدق القضاة بمطارقهم مصدرين حكمهم في ستّ محاكم، وقبل أن يصدر الفاتيكان تصريحه، وقبل أن يوقع الرئيس على القانون في منتصف الليل، وقبل أن تنتبه المحكمة العليا لما يحدث، لم تكن تيري شيافو سوى فتاة عادية تربي هرتين بدينتين، وتشغل وظيفة غير مرموقة وتحيا الحياة الأمريكية المعتادة”.

تأخير تتمة الجملة على هذا النحو يبرز التضاد بين العادي (المتمثل في حياة تيري في البداية) وبين الهام الذي يشغل الرأي العام العالمي (أي تحول تيري إلى حديث الساعة بسبب الجدل الذي أثير حول مشروعية إنهاء حياتها بعد موتها إكلينيكيا).

ولا يمكن لهذا التنويع أن يحدث إلا إذا كانت أغلب الجُمل تبدأ بنواة الجملة تليها العناصر الأقل أهمية كما تقدم، فهذا التركيب يضفي على لغة الكتابة دلالة أدبية ويعطيها زخمًا وقوة. انظر مثلا إلى هذه الفقرة من رواية كارول شيلدز المسماة “مذكرات الحجر”:

“الغرفة الرائعة تنهار مخلفةً كتلة صلدة من الظلام. وحده جسدها ينجو، ومشكلة التخلص منه. لم يتحول الجسد إلى تراب. إدراك ساطع واضح مسلٍ أشرق على عقلها وهي تفكر في أطرافها وأعضائها وقد تحولت إلى تراب مقدس أو رماد جنائزي. شيء مضحك”.

وبديع.

• تمّ التصرّف في الترجمة على ضوء متطلبات الجملة العربية وقواعدها. نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

آن لاموت: متى تعلم أنّك انتهيت؟

أنت تعلم وحسب

أنت تعلم فحسب

ترجمة: سارة أوزترك

متى تعلم بأنك انتهيت؟

هذا سؤال يسأله تلامذتي مرارًا. لا أعلمُ تمامًا كيف أجيبه. أنت تعلم فحسب. أظن أن تلامذتي يعتقدون بأنه متى ما أنْهَت كاتبةٌ قد نُشِرَ لها سابقًا شيئًا، فإنَّها تَضَعُ النقاط في أماكنها الصحيحة، تتنحّى عن المكتب، تتثاوب، تتمطَّى، وتتبسَّم.

لا علم لي بأحدٍ ممن فعل كذلك، ولا مرة واحدة. ما يحدُث بدلًا من ذلك أنك قد كررت مراجعةَ الشيءِ مراتٍ عديدة، وقد عَشَّبت وشَذَّبت وأعَدْت الكتابة، وقد قدَّم لك الشخصُ الذي يقرأُ لك أعمالك نصائحَ رائعةٍ أخذت بِجُلِّها – ثم أخيرًا شيءٌ ما بداخلك يقول بأن الوقت قد حان للانتقال إلى ما يلي. بالطبع سيكون هناك دائمًا ثمة ما يمكن أن تفعله، ولكن عليك أن تُذَكِّر نفسك بأن توخّي الكمالِ هو صوتُ الطاغيةِ.

سمعتُ أن هناك صورة يستخدمها مَن هم في مرحلة التعافي – أنًّ مَثَلَ تَحَكُّمَ المَرء بكل ما هو مُدمِنُه، إلى حد ما، كَمَثَلِ إرقادِ أخطبوطٍ لِيَنَام. أعتقد أن ذلك يصِفُ جيّدًا عملية حل العديد من المشكلات في مُسْوَدَّتك الأخيرة. لديك حُزمة مِن أذرُع الأخطبوط موضوعة تحت اللحاف بعناية -بمعنى أنك أتيت بِحَبكة، وفَضَضْتِ الخلاف بين الشخصيتين الرئيسيتين، وكان الأسلوب بليغًا – إلا أن هناك ذراعان ما زالا يتخبطان.

ربما الحوار في النصف الأول غير متفق مع الحوار في النصف الثاني، أو قد تكون هناك تلك الشخصية التي لا تزال تبدو أحادية البُعد. لكنّك أخيرًا تُدخل هذين الذراعين تحت اللحاف، وتتأهب لإطفاء الأنوار، فإذا بذراعٍ آخر طويلٍ ماصٍّ يَتَمَلَّص.

سيحدث هذا على الأرجح بينما تكون جالسًا على المكتب، تَفرُك وجهَك، وتشعُر بأنك منهمك وأنك كأنما قد عولِجت بمطَّاط. ثم، وبالرغم من أنك ترى أن كل الشفاطات في تلك المجسة في انقباض وانبساط، وأن حدقتي الأخطبوط اللتان على شكل ثُلمة تحدقان فيك بسخرية وكأنه قد يمتصك حتى الموت لمجرد شعوره بالملل، وبالرغم من أنك تعلم أن مخطوطك ليس متقنًا تمامًا وأنك تتمنى أكثر من ذلك، ولكن إن كنت تعلم أيضًا أنه، ببساطة، ما عاد في القِدْرِ الكاتِمة من بُخارٍ، وأن ذلك أفضل ما يمكنك عمله حاليًا- حسنًا؟

أعتقد أن ذلك يعني أنك انتهيت.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

قائمة عزرا باوند لـ 23 محرّمًا في كتابة الشعر

ابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

ابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

ترجمة: علي سيف الرواحي

يعد (عزرا باوند) من أهم الأسماء الشعرية في القرن العشرين. ولا تقتصر هذه الأهمية على تجلي موهبته الشعرية الفذة في قصائده الملحمية؛ ولكن أيضا في مساهمته الفاعلة في دعم والنهوض بقامات معروفة في سماء الأدب، من بينهم (ربورت فروست) و (ت. اس. اليوت) و(جميس جويس) و(إرنست همنجواي) وغيرهم.

وقد أسس باوند نفسه كأحد الطلائعيين في النقد الأدبي قبل أن يتم اتهامه بمناصرة الفاشية ومعاداة السامية. وفي هذا الإطار كتب (دايفيد بيركينز) في كتابه تاريخ الشعر المعاصر “في مرحلة حاسمة وحرجة من تاريخ الأدب المعاصر والتي امتدت في الأعوام من ١٩١٢ حتى ١٩٢٢، أصبح لباوند تأثيركبير في الساحة الأدبية كأحد أبرز نقاد الشعر في انجلترا والولايات المتحدة على حد سواء”.

في بداية القرن العشرين ساهم باوند في تأسيس حركة شعرية تميزت في تركيزها على الصور الشعرية. وكان لدى هذه الحركة ثلاثة قوانين رئيسية هي:

١. المعالجة المباشرة “للشيء” سواء كان موضوعيا أو شخصيا.
٢. عدم استخدام أية كلمة لا تخدم الموضوع أو النص أو الفكرة المراد عرضها.
٣. فيما يتعلق بالوزن، فإنه يجب مراعاة تسلسل الجملة الشعرية عوضا عن التسلسل الايقاعي.

في العام ١٩١٣ كتب باوند مقالة بعنوان “بعض المحرّمات في الشعر”. وقد أوردنا القوانين التي أرساها باوند في مقالته تلك والتي تزود الشعراء الشباب بنصائح تمكنهم من السيطرة على غرورهم وكبريائهم وتوجههم لمنح أنفسهم ومجهوداتهم كلية في سبيل فنهم. وباختصار شديد، فإن هذه القوانين تنص على ضرورة وجود هدف ومغزى لكل بيت أو جملة شعرية، مع تجنب الحشو اللغوي والكلمات التي لا تخدم النص في شيء. كما تؤكد هذه القوانين على ضرورة وجود وعي لدى الشاعر بأعمال من سبقه من شعراء كبار، واستخدام هذا الوعي في تشكيل وتأليف أعماله الجديدة.

الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

١. يجب عدم الالتفات إلى النقد الصادر من أشخاص لم يسبق لهم أن انتجوا أعمالا جليلة أو نبيلة. أنظر إلى الفارق الأدبي الكبير بين أعمال الإغريق الأوائل من شعراء ومسرحيين وبين من جاءوا بعدهم في العهد الروماني الذين كانوا مجرد شارحين لأعمال من سبقوهم من الأغريق العظام.

٢. لا تستخدم كلمات سطحية المعنى، وابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

٣. تجنب التشبيهات والتعابير التي تخلط بين المجاز التجريدي والواقع لأنه يخلق بعض الرتابة. وسبب ذلك أن بعض الكتاب لا يعي بأن الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

٤. اجعل من المجاز التجريدي عدوك الأول. وما كتبته ببراعة في شكل نثري واضح لا تعاود صياغته بأسلوب شعري متواضع المستوى. ولا تظن أن باستطاعتك خداع القارئ الذكي عن طريق الهرب من الجمال الأصيل الممتنع للفن النثري إلى جمل شعرية مبتورة.

٥. ما قد يمتعض منه الناقد الخبير اليوم سوف بالتأكيد لن ينال استحسان العامة من القراء في الغد. لا تظن بأي حال من الأحوال أن فن الشعر هو أكثر بساطة من الفن الموسيقي، أو تظن أنه بامكانك إرضاء الخبير بأمور الشعر بمجهود أقل مما يبذله العازف على البيانو الراغب في احتراف الفن الموسيقي.

٦. لا تخشَ من التأثر بأقصى عدد ممكن من الشعراء والفنانين الكبار، ولكن تحلَّ باللياقة اللازمة للاعتراف بفضلهم عليك، أو اجعل هذا الفضل يتماهى مختفيا في عملك. ولا تحصر هذا التأثر في استخدام المزخرفات اللفظية المأخوذة من شعرائك المفضلين، لأنه آجلا أم عاجلا سوف يتم القبض عليك بالجرم المشهود.

٧. تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

٨. دع قارئك المحتمل يملأ نفسه بأرقى الإيقاعات الشعرية التي يمكن أن يكتشفها في نصك، خاصة وإن كان هذا القارئ سيقرأ شعرك بلغة أجنبية. وذلك لكي لا يشتت تركيزه عن حركة الايقاع حينما يحاول معرفة معنى الكلمات. مثال على ذلك بعض الأغاني الشعبية، شعر دانتي وقصائد شكسبير. دعه يحلل شعر غوته بكل هدوء ورويّة حتى يصل إلى عمق المحتويات القيمة الصوتية والإيقاعية للجمل والأبيات الشعرية، مهما كانت قصيرة أو طويلة، سواء بها تكثيف نغمي أم لا، ويصل إلى جذور الكلمات حتى يراها بطبيعتها اللغوية البحتة.

٩. ليس بالضرورة أن تعتمد القصيدة على موسيقاها الداخلية، لكن إن كان ذلك هو الحال فيجب أن تكون تلك الموسيقى غاية في الجودة بحيث تسعد القارئ الخبير.

١٠. اجعل قارئك الجديد يشعر بمعرفتك في أصول الشعر وفنونه من محسنات لفظية وسجعية، وتفنن في أسلوب القافية وتعدد الأصوات في النص، فذلك من ضروريات الكتابة تماما مثل ما تتوقع أنت أن يعرف المؤلف الموسيقي كل شيء عن حرفته ويتقنها. كل وقت هو مناسب للاهتمام بمثل هذه الجزيئات سواء كلها مجتمعة أو كل واحدة على حدة، حتى وإن كان الشاعر لا يستخدمها بكثرة.

تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

١١. ما لا يصلح للنثر لا يصلح للشعر. لا تستخدم الكلمات الرتيبة التي قد تجدها في نص نثري في عملك الشعري.

١٢. لا تهتم كثيرا بالمظاهر أو تحاول إبراز ضلاعتك باللغة الوصفية، دع ذلك لكتاب المقالات الفلسفية المبتدئين. ولا تكثر من الوصف أو استخدام التفاصيل الكثيرة غير المهمة. وتذكر أن الرسام بإمكانه وصف منظر طبيعي أفضل منك وبذلك فإن معرفته بذلك الشيء أكثر بكثير.

١٣. عندما يتكلم شكسبير عن “فجر ملتف بعباءةٍ خمرية اللون” فهو يبرز شيئا ليس في مقدور فنان الرسم إبرازه. يوجد في هذا البيت العدمي الشيء المدعو الوصف، هو شيء تلقائي، كل ما على شكسبير أو أي شاعر محترف هو تقديمه كما هو للقارئ.

١٤. تعلم منهج رجل العلوم في عمله عوضا عن منهج المروّج الذي يحاول بيع صابون. فالعالم لا ينتظر أي احتفاء حتى يكتشف شيئا ذا قيمة. وهو يبدأ عمله بدراسة ما حققه العلماء من قبله. وهو لا يعتمد في عمله على شخصيته الساحرة ولا ينتظر أن يصفق له زملائه وهو في المراحل الأولية لعمله أو عندما يحقق اكتشافات صغيرة.

المشكلة لدى الشعراء الناشئين هي صعوبة تصنيفهم ووضعهم في خانة محددة لموهبتهم الشعرية ولإنجازاتهم. قد يرى بعضهم أنه حقق ما يشفع له بأن يكون شاعرا، وهذا التخبط في الساحة الشعرية هو ما جعل الجمهور يعرض عن الشعر الحديث.

١٥. لا تبتر نصك إلى قطع مشوهة عديمة الملامح. ولا تقف عند نهاية السطر بصورة تجعل الفكرة غير مكتملة. اجعل بداية البيت الشعري متناغم في الوزن مع سابقه من الأبيات، إلا إذا كنت تريد خلق حالة نفسية معينة لدى القارئ بوقوفك المفاجئ. وباختصار تصرف كأنك موسيقي موهوب، تتعامل مع المقاطع بكل حرفية. ولكي تتقن الحرفة يجب عليك اتباع القوانين غير المعلنة لها.

16. وبشكل طبيعي، يجب ألا يدمر نظام الوزن لديك تشكيل النص وألا يؤثر في وقع الكلمات أو معناها. ومن غير المحتمل أن تستطيع خلق نظام وزن قوي كفاية بحيث يؤثر على النص، لكن في الوقت نفسه قد تقع ضحية للتوقفات غير الموفقة نتيجة وصولك لنهاية السطر أو انتصاف البيت الشعري.

17. في حين يعتمد الموسيقيّ على حدة ودرجة ارتفاع نغمة عزف جوقته الموسيقية، فإنك كشاعر لا يمكنك ذلك. لقد أسيء استخدام مفهوم التناغم في الشعر كثيرا؛ حيث أن المعنى الحقيقي للتناغم هو موافقة الطبقات المختلفة للصوت الصادرة في وقت واحد مع بعضها البعض. ولكن في البيت الشعري الجيد قد تجد بقايا موسيقية حيث يكون لها صدى في أذن السامع كآلة موسيقية ضابطة للإيقاع.

18. يجب أن تحتوي القافية على عنصر المفآجأة لكي تحدث نوعا من المتعة والتشويق. وليس بالضرورة أن يكون الأمر غاية في الغرابة، يجب أن يكون هنالك توازن متى ما لزم استخدام غير المتوقع.

19. الصور الشعرية التي تحث وتثير مخيلة القارئ لن تُفقد مطلقا حين يترجم الشعر إلى لغة أخرى. ولكن الجزء الذي يطرب الأذن يجب أن يُقرأ بلغته الأصلية.

20. يمثل شعر (دانتي) الوضوح التام في التعابير، في مقابل أسلوب (ميلتون) البلاغي المتعدد المعاني. لكي تكسر الرتابة في شعرك عليك بقراءة (وردورث) كثيرا. وإذا أردت أن تستخلص بواطن الأمور عليك بـ (سافو) أو (كاتالاوس) أو (فيلون) أو (هاين) في أحسن حالاته، أو (جاتيير) عندما لا يكون بارد المشاعر. وليس هنالك أفضل من الشاعر الكبير (تشوسر) إذا أردت أن تكون متعدد اللهجات والأصوات. ولا يضر إن قرأت نثرا جيدا من حين لآخر، وهو الأمر الذي قد يعلمك الانضباط في الكتابة إن مارسته على سبيل التمرين.

٢١. وتعد الترجمة تمرينا جيدا للكتابة، خاصة حين تجد نصك مهلهلا وغير متماسك حينما تعاود صياغته. وبالترجمة تضمن أن يظل المعنى والتركيب البنائي للقصيدة متماسكا.

٢٢. حينما تكتب بأسلوب متسق بمعنى أن يكون شكل النص واحدا من حيث الجملة الشعرية والوزن (مثال على ذلك السوناتات)، تأكد من اكتمال كل جملة شعرية من حيث المعنى والوزن حتى لا تترك مجالا للحشو.

٢٣. لا تقم بإفساد معنى صورة شعرية ما في محاولتك لشرح فكرة أخرى. يحدث هذا عادة حينما تجد نفسك عاجزا عن ايجاد كلمة مناسبة لوصف صورة معينة. ولكن قد يكون هنالك استثناءات لهذه القاعدة.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , | التعليقات مغلقة

آن لاموت: تصميم الزمكان في النصّ الروائي

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب

آن لاموت *
ترجمة: ريم الصالح – الكويت

أحياناً، قد يكون من المفيد أن تترك شخصياتك لتتجمع وتحتشد من دونك، أن تُحضّر لأدوارها وتدعها ترتجل حواراتها، بينما تمهّد أنت الطريق لظهورها.

تخيّل نفسك مصمماً لنسخة مسرحية أو نسخة فيلم من القصة التي تعمل عليها، سوف تساعدك معرفة كيف ستبدو تلك “الغرفة أو المكتب أو السفينة أو المرعى” عندما تحدث الأحداث. تريد أن تعرفها وتشعر بها، بحرارتها وألوانها، كما لو أن شخصياتك ليسوا سوى إعلانات تمشي على قدمين لمن يكون هو أو هي، فكل غرفة هي عبارة عن معرض صغير لقيمة شاغليه وطبيعة شخصياتهم. كل غرفة، هي عبارة عن ذاكرة. كل غرفة تعطينا طبقات من المعلومات حول ماضينا وحاضرنا ومن نكون، حول مقدساتنا ونزواتنا، آمالنا وأحزاننا، محاولاتنا لاثبات وجودنا وأننا على أحسن تقدير بخير.

يمكنك أن ترى عبر غرفنا كم نحتاج الضوء، وكم مصباحاً وشمعةً ونافذة ضوء لدينا. يمكنك أن ترى كيف نحاول أن نمسح على تعبنا عبر محافظتنا على هذه الأشياء مفعمةً بالضوء. المزيج الموجود في غرفنا مؤثرٌ للغاية؛ الفوضى والشقوق على الجدار تناقض مدى الكآبة والانكسار في حياتنا، بينما الصور والقليل من الأشياء النادرة تظهر فخرنا بلحظاتنا المشرقة والنادرة. كما أشارت المصورة كاثرين واغنر بأن هذه الغرف هي أطلال المستقبل.

يمكنك الآن أن تجلس على كرسي مكتبك وتحاول أن تتخيل المشهد الذي ستدخل عليه شخصياتك بعد لحظات. لربما كانوا أغنياء وأنت لست كذلك، بالطبع أنت لن تتكلم عن مرارتك حول ذلك. قد تحتاج إلى الاتصال بأحد أصدقاءك أو معارفك من تراه على قدر من الغنى وتطلب منه بلباقة أن يساعدك في تصميم منزل قديم عاش به أحد النبلاء. قولي “بلباقة” لا أقصد منه إلا أنك ستحصل على أفضل المعلومات إذا تجنبت ذكر مصاعب الحياة، وأن منزلك يبدو أقرب لقطعة أرض قاحلة مع كل يوم، وأنك قد تحتاج إلى أن ترسل كلبك للنوم لأنك لا تملك ما تطعمه. يمكنك فحسب أن تقول “أنا أعمل على جزء من كتابي حيث نلتقي للمرة الأولى بعائلة غنية جداً ومهذبة، وكنت أتساءل إن كان بإمكاني استعارة رؤيتك حول أنواع السجاد والأغطية والإضاءات والتحف التي ستكون موجودة في المكان. على سبيل المثال، لنبدأ بغرفة المعيشة. هل يمكنك أن تصف غرفة معيشة جميلة وفاخرة للغاية بأكبر قدر من التفاصيل؟”. عندها يمكنك أن تسأل صديقك عن الروائح التي يمكنه أن يتذكرها، في غرفة المعيشة وفي المطبخ، وكيف كانت الإضاءة في أركان المكان، وكيف بدت الغرف باختلافاتها، وكيف كان شعوره بالصمت في أجزاءها. أو على نفس المنوال، يمكنك أن تسأل شخصاً نشأ على الفقر أن يشرح لك بالتفاصيل عن منزله القديم، وعن المطبخ وغرف النوم، وحتى عن الأريكة في الفناء الخلفي.

قبل سنوات كنت أعمل على رواية حول امرأة تزرع، امرأة أحبت الزراعة والحدائق حقيقة. أنا لا أحب أن أزرع رغم ذلك فإنني أحب أن أرى حدائق الآخرين، وأحب أن أقطف الأزهار. لديّ العديد من الزهور البلاستيكية عالية الجودة والمزروعة في فناء منزلي، كم هي جميلة المنظر وتبعث في ذهني العديد من القصائد.

اعتاد أصدقائي على إعطائي أوعية نباتات وأشجار وما يحدث لها لاحقاً فظيع حقاً لأن أذكره هنا. في نهاية المطاف كانت تبدو هذه النباتات كما لو كنت أسقيها بمبيدات سامة. كنت أخبرهم جميعاً بأنني لا أصلح للاهتمام بالنباتات وكانوا يقررون بأنني لم ألتقِ بعد بالنبتة المختارة، وبأنهم سيكونون ذلك الشخص الذي سيحررني وسيدع نور الله ينير بصيرتي وما إلى ذلك، ثم كانوا يجلبون لي نباتات صغيرة للتدرب عليها وكنت أحاول بجهد كبير أن أسقيها وأبقيها تحت أشعة الشمس أو بعيدة عنها، حسب ما هو مكتوب في بطاقتها المرفقة، وآخذها في جولات صغيرة حول المنزل، وفي غضون شهر يمكنك أن تسمع تقريباً انهيار الكلوروفيل، شيء يشبه الذعر ربما. يمكنك بعدها أن تراها تمسك بحلقها الصغير، تراقبك بعينيها الصغيرتين بنظراتٍ تلهث بالاتهام. حسناً، من يحتاج إلى هذا كله؟ أعني أن لدي أعباء تكفيني في الواقع.

في الحقيقة استطعت أن أبقي تلك النبتة الفظيعة على قيد الحياة لعدة أشهر، يا إلهي كم كان إصيصها ضخماً. لا أدري حتى ماذا كانت، ولكنها كانت بطول ثلاثة أقدام تقريباً قبل أن تضعف، وخضراء لدرجة أن تكون غير حقيقية. لقد عملت على أن أسقيها وأقطع أوراقها الميتة وكيف كان جزائي منها؟ بأن تصبح مثل هوارد هيوز في أيامه الأخيرة. خسرت كل هذا الوزن ثم توقفت عن النمو. بدأت أعتقد بأنها ستحتاج مني صناديق من القفازات المطاطية، وعلباً من المحارم الورقية قريباً لتغطية غذائها. أعطيتها الماء وأشعة الشمس وغذاءً نباتياً مكلفاً، ما الذي كان يجب أن أصنعه أكثر من ذلك؟ إحضار طبيب نفسي؟ أخيراً، رجعت إلى عقلي وأخذت النتبة خارجاً ووضعتها عند ركن المنزل حيث لا أضطر إلى النظر إليها. قد يظن أحدهم بأنها بدأت تزهر حالاً. لكن ذلك لم يحدث، لقد ماتت.

لذلك، فإنه غني عن القول بأنه عندما جاء الأمر لتصميم حديقة لشخصية روايتي الأساسية لم أكن لأتوجه إلى سبر أعماق تجربتي الشخصية مع الزراعة. لكنني علمت فحسب، دون أن أقدر على شرح هذه المرحلة بأن تلك الشخصية كانت تزرع. أحب أن أرى الناس في الحدائق، أحب التأمل بالجلوس لوحدي في الحديقة، أحب كل المجاز الذي تعبر عنه الحديقة. الحديقة هي واحدة من إثنان هما أعظم مجاز البشرية، المجاز الآخر هو النهر بالطبع.

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول وفق قواعد المعلوم

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب. لذلك شعرت هنا ببعض النقص، أن أكون مُحبة لمجاز الحدائق، راغبة بالعمل عليه، ولكني لا أحب الزراعة. لم أعرف من أين أبدأ، ولكني أعرف بأن الحديقة لم تبدأ مجازاً، لكنها بدأت باعتبارها جنة. ثم بعد ذلك أصبحت تعبر عن الحياة والجمال والتغير في الكائنات الحية.

الحديقة أن تسعى لأن تطعم أطفالك، أن توفر الطعام لأهلك. إنها جزء من محرك إقليمي عاجل والذي يمكننا على أحسن تقدير أن نخططه للحيوانات في تخزينها للطعام. إنها آلية العرض التنافسية كأن يكون لديك جائزة الثور، هذا الطمع تجاه أفضل حبات الطماطم، وأجمل أزهار الشاي الإنجليزي؛ هو كله بغرض الفوز، بغرض تزويد المجتمع بالأشياء الفائقة، وبغرض إثبات أنك بذائقة وقيم رفيعة وأنك تعمل بجهد كبير. ويالها من راحة رائعة عندما تعرف بين الحين والآخر من هو عدوك، لأنك عندما تكون في الحديقة يصبح العدو كل شيء، حشرات النباتات والطقس والوقت. وهكذا تقوم بإفراغ جل نفسك فيها، تهتم كثيراً وترى عن قرب ميلاد النباتات الجديدة وكل هذا النمو والجمال والخطورة والنجاح، ثم سيموت كل شيء في النهاية أليس كذلك؟ لكنك تستمر في فعل ذلك على أية حال. ياله من مجاز عظيم! إنني أحب ذلك حقاً! أردت حديقة في كتابي بشدة! أخيراً، أخيراً قررت أن أتصل بمشتل للنباتات.

استطعت الوصول إلى رجل لطيف جداً شرحت له ما أريد فعله وإن كان بمقدرته مساعدتي في تصميم حديقة خيالية لشخص يعيش في منطقة نورث باي بفناء خلفي واسع. قررنا أن نبدأ العمل بأن نرى كيف سيكون شكل هذه الحديقة في الصيف ثم سيقوم هو بمساعدتي في ملاحظة تغيرات الحديقة مع مرور الأشهر وتعاقب الفصول.

سألني: “هل تريدين بعض أشجار الفاكهة؟” ثم قضينا النصف ساعة اللاحقة نصمم حديقة خيالية تمتلئ بالأشجار والورود من كل الأنواع. أخبرته بأنني أرى في خيالي شبكاً أبيض في مكان ما في الحديقة وسألته أي أنواع النباتات المتسلقة يمكن أن نضعها هنا. فاقترح أن نزرع البازلاء. ثم أضفنا بعض الخضار، ورقعة من الأرض زرعناها بالفراولة البرية، فكان لي حديقتي. صارت عادتي الجديدة أن أتصل به كل بضعة أشهر لأسأله “كيف هو حال شجرة التفاح الآن؟” و ربما “هل هناك أية فاكهة؟ أو أوراق؟ وما الذي يجب علي أن أفعله لأعتني بأرض الورود الآن؟”. بدأت أيضاً بزيارة حدائق الآخرين، أسألهم عن أنواع النباتات الموجودة عندهم وكيف يعتنون بها. كانوا يقولون أموراً مضحكة أو عبقرية للغاية فكنت أقتبس ما يقولونه. اشتريت كذلك كتاباً في فن الزراعة ليمكنني دراسة الورود والأشجار والكروم، إلى هذا الحد وصدقاً بالله؛ الناس الذين قرأوا روايتي اعتقدوا أنني أحب الزراعة. أحيانا قد يأتون إلي طالبين أن نذهب للتسوق معا وشراء النباتات كما لو كنا مزارعين يتشاركان الاهتمام نفسه، حتى أخبرهم بأنني كتبت كل ذلك بمساعدة الكثير من أصدقائي والأشخاص المزارعين من حولي الذين يعرفون في هذه الأمور أكثر مني.

كانوا يسألونني بشك:”أنتِ لا تحبين أن تمارسي الزراعة؟” فكنت أهز رأسي نفياً دون أن أقول أن ما أحبه هو قطف الأزهار لأن ذلك يبدو عنيفاً جداً ووقحاً، تماماً كجواب سلفادور دالي عندما سُإل أي الحيوانات أحب إليه؛ فأجاب شرائح السمك.

وخلال السنوات الماضية كلها سألت العديد من الأشخاص في شتى المجالات ليساعدونني في إعداد تصاميمي، فكنت أسألهم كيف سيبدو شكل العالم في أحد المناطق الأمريكية أو القرى الأفريقية، أو داخل سيارة معينة تحت المطر، أو المشردين عندما كانوا يصلون إلى المدينة عبر القطار. ثم أحاول أن أتخيل الأمر كفيلم سينمائي لهذا المشهد بأكبر قدر من التفاصيل. أحياناً تغدو الصور أكثر وضوحاً عندما أغلق عيني، وأحياناً أخرى أطيل التحديق في المسافة أمامي، كقطة.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

هاروكي موراكامي: كتابة القصص القصيرة لعبة

كتابة الرواية تحدٍ، وكتابة القصص القصيرة لعبة

أنا أرى أن كتابة الروايات تحدٍ، وكتابة القصص القصيرة لعبة.

هاروكي موراكامي
ترجمة: يونس بن عمارة.

لقول هذا بابسط طريقة ممكنة: أنا أرى أن كتابة الروايات تحدٍ. كتابة القصص القصيرة لعبة.

لو تصورنا ان كتابة الروايات هي زرع غابة فان كتابة القصص ستكون كزرع حديقة، كلا العمليتان تكملان بعضهما البعض، إنشاء منظر طبيعي كامل يعجبني: أوراق الشجر الخضراء تلقي ظلا لطيفا على الارض والريح تداعب الاوراق التي تكون منصبغة باللون الذهبي احيانا..

بعد مضي الوقت، في الحديقة، تظهر براعم للزهور، بتلات الزهور الملونة تجذب النحل والفراشات مذكرة بالانتقال الخفي من فصل لآخر .

منذ بداياتي ككاتب قصص خيالية العام 1979 تعودت بشكل دائم على الكتابة بالتناوب بين القصص القصيرة والروايات، وكان منهج عملي كالآتي: عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

لا اكتب أية قصة قصيرة عندما أكون أكتب رواية، وأبدًا لم أكتب أية رواية عندما أكون في العمل على مجموعة قصصية. أعتقد أن هذين النوعين المختلفين ينتميان الى جزئين مختلفين من الذهن، والأمر يتطلب وقتا لإطفاء الأول ثم تشغيل الجزء الآخر .

كان يكفي وحسب بعد بداية عملي مع نشري روايتين قصيرتين (نوفيلا) “اسمع اغنية الريح “، و “بِينبال Pinball” 1973 ، كي ابدأ من العام 1980 الى 81 بكتابة القصص القصيرة، أول ثلاث قصص كتبتها كانت (قارب بطيء نحو الصين)، (قصة عمٍّ فقير)، (كارثة تعدين في نيويورك). (قارب بطيء نحو الصين) نُشرت في مجموعتي القصصية الاولى التي صدرت بالإنجليزية بعنوان (الفيل يختفي)، بينما الأخريات توجد في مجموعتي هذه. هذه هي نقطة انطلاقي ككاتب قصص قصيرة وأيضا لما كنت أطور نظامي في التناوب في الكتابة بين القصة والرواية .

“المرآة ”، ”يوم مثالي لحيوانات الكانغارو”، “دابشيك”، ”عام السباغيتي”، “صعود وسقوط كعك الشيربي” كانوا جميعا في مجموعة قصصية كتبتها من العام 81 الى 82، “صعود وسقوط كعك الشيربي” تمثل، كما يظهر للقراء بسهولة، انطباعاتي حول العالم الأدبي في بداياتي. لكن على شكل قصة خيالية، لكن في نفس الوقت لا تتلائم مع المؤسسة الأدبية اليابانية ، الأمر الذي استمر معي ليومنا هذا .

عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

أحد مباهج كتابة القصص القصيرة أنك لا تستغرق وقتا طويلا لإنهائها، عموما تأخذ مني القصة القصيرة حوالي أسبوع لإنهائها وإخراجها في شكل لائق ومقبول (مع العلم ان التعديلات أو التنقيحات لا نهاية لها)، إنها ليست كذلك الالتزام المادي والعقلي على مدار عام او عامين الذي تتطلبه كتابة رواية ما.

يمكن ببساطة ان تدخل غرفتك، تنهي عملك، وتخرج. هذا كل ما في الامر. بالنسبة لي على الاقل كتابة رواية تبدو لي انها ستطول للأبد، وأحيانا أتسائل هل سأعيش حتى أنهيها، لذلك وجدت أن كتابة القصص القصيرة تغيير ضروري وكسر لهذه الوتيرة.

الشيء الجميل الآخر في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر. في معظم الحالات.. وكارتجال في موسيقى الجاز.. تأخذني القصة حيث تريد. الشيء الجميل الآخر في القصص القصيرة هو أنه لا داعي للقلق من الفشل، إن لم تفلح الفكرة كما أملت لها ان تكون يمكنك هزّ كتفيك والقول أنه لا يمكن لكل القصص أن تكون ناجحة.

حتى مع أساتذة هذا الفن كـ ف .سكوت.فتزجرالد وريموند كارفر وحتى أنطوان تشيخوف.. ليست كل قصصهم القصيرة تحفة أدبية. وجدت هذا مريحا. يمكنك التعلم من أخطائك، (بعبارة أخرى بالنسبة للقصص التي تعتبر نجاحها غير مكتمل) يمكنك استخدامها في الكتابة بشكل أحسن في القصص المقبلة.

بالنسبة لي، عند كتابة رواياتي أحاول جاهدا الاستفادة من نجاحاتي وفشلي التي خبرتها في كتابتي للقصص القصيرة. بهذا الشكل تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي، لأنّه من الصعب جدا أن تجرب وأنت في خضم العمل على رواية كاملة، لذا أعتبر أنه من دون القصص القصيرة يعتبر العمل على كتابة رواية أكثر صعوبة وأكثر تطلبا.

كنت أعرف القليل عن كتابة القصص القصيرة لذا فالبداية كانت صعبة، لكني وجدت انها تجربة مثيرة. أحسست أن إمكانيات عالمي الخيالي قد توسعت لدرجات عليا، ولاحظت أن قرّائي يقدرون هذا الجانب مني ككاتب.

مبدئيا أعتبر نفسي روائياً، لكن الكثير من الناس أخبروني أنهم يفضلون قصصي القصيرة على رواياتي. هذا لا يزعجني ولا أحاول إقناعهم بالعكس، الحقيقة انني سعيد بسماعهم يقولون لي هذا، قصصي القصيرة مثل ظلال ناعمة أخرجها لهذا العالم، كآثار أقدام باهتة أتركها خلفي.

اتذكر تماما كل لحظة جلست لأكتب إحداها، وكيف شعرتُ وقتها، القصص القصيرة كالعلامات الإرشادية نحو قلبي. وأنا سعيدٌ جدًا ككاتب لكوني أشارك هذه المشاعر الحميمة مع قرائي.

الشيء الجميل في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر.

الشيء الجميل في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر.

“الفيل يختفي ” صدرت العام 1991 وترجمت فيما بعد الى العديد من اللغات، مجموعة قصصية اخرى بالانجليزية (ما بعد الزلزال ) صدرت العام 2002 (العام 2000 في اليابان) وهذا الكتاب يحوي ستة قصص تتعامل بشكل أو بآخر مع الكارثة الطبيعية (زلزال كوبي) الذي حدث العام 1995. لقد كتبت هذه القصص الستة بشكل آمل معه أن تكون كصورة واحدة في ذهن القاريء، ولذلك الأمر فإن تلك المجموعة القصصية هي أكثر من كونها تجميعية لقصص قصيرة، ومن هذا المنطلق، فهذه المجموعة القصصية: “الصفصافة العمياء، المرأة النائمة” ، هي أول مجموعة قصص قصيرة بالمعنى الحقيقي كتبتها منذ فترة طويلة.

بالطبع الكتاب يحوي قصصا كتبتها بعد صدور مجموعة (الفيل يختفي) ، ”فتاة يوم ميلاد”، “آكلوا القطط ” ، ”الرجل السابع“، و”رجل الثلج“، بعض هذه القصص.

كتبت ‘فتاة عيد الميلاد‘ بطلب من الناشر لما كنت أعمل على انطولوجيا (مختارات) لقصص كتّاب اخرين تتعلق بموضوع يوم الميلاد، يساعدك كونك كاتب أن تختار قصصا لانطولوجيا ما، إذ أنه لو كان بمقدورك تلخيص قصة ما، فبإمكانك كتابة واحدة.

“رجل الثلج“ بالمناسبة مبنية على حلم رأته زوجتي بينما ”الرجل السابع” مبنية على فكرة أتتني لما كنت اتجول على الشاطيء وأتأمل الموج.

الحقيقة أنني من بداية العام 1990 الى بداية العام 2000 كتبت القليل من القصص القصيرة ، لم يكن الامر أنني فقدت اهتمامي بالقصة القصيرة ، فقط كنت غارقا في كتابة عدد من الروايات لم أجد وقتا آخر لإنهائها ، لم أجد وقتا لانهائها والقيام بكتابة القصص القصيرة بل كتبت قصة قصيرة من وقت لآخر كلما سنح لي ذلك، لكنني لم اركز عليهم، خلافا لذلك كتبت روايات: “يوميات الطائر اللعبة”، “جنوب الحدود، غرب الشمس”؛ “سبوتنيك الحبيبة”؛ “كافكا على الشاطئ”.

وبينها كتبت جزئين من العمل غير الخيالي، الذين صدرا بالانجليزية تحت عنوان (ما تحت الارض). كل واحدة من هذه الأعمال أخذت كما هائلا من الوقت والطاقة. في ذلك الوقت كان اهتمامي الأوحد هو كتابة رواية بعد أخرى.

ربما فقط أتى ذلك الوقت من حياتي حيث كتبت (ما بعد الزلزال) كلحن موسيقى فاصل بين المقاطع، لكني كما قلت مجموعة (ما بعد الزلزال ) ليست مجموعة قصصية بالمعنى العادي.

في العام 2005، وللمرة الاولى منذ فترة طويلة جدا. شعرت برغبة شديدة في كتابة مجموعة من القصص القصيرة، رغبة جارفة كما يمكنك القول استبدت بي، لذا جلست لمكتبي. أكتب قصة قصيرة كل حوالي اسبوع، وأنهيت خمس قصص فيما لا يزيد على فترة شهر ومن ثم لم يعد بوسعي التفكير في أي شيء غير هذه القصص، لذا فقد كتبتها دون توقف. هذه القصص الخمسة نُشرت مؤخرا في مجلد في اليابان تحت عنوان (قصص غريبة من طوكيو) وقد جُمعت هنا في النهاية في هذا الكتاب. على أساس أنها تشترك في كونها قصصا غريبة، كل قصة يمكن قراءتها بشكل منفصل، وهي ليست مقتطعات من قصة ذات وحدة واحدة كما فعلت في قصص مجموعة (ما بعد الظلام )، مهما كان، فكّروا بالتالي. أي شيء كتبته هو قل أو كثر: قصة غريبة.

تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي.

تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي.

“السرطانات”، ”قصة عم فقير”، و“الصفصافة العمياء ـ المرأة النائمة” تمت مراجعتها وتنقيحها بشكل كبير قبل ترجمتها، لهذا هي تختلف عن تلك التي نشرت في اليابان، وبالنسبة للقصص الأقدم فقد وجدت بعض الخلل الذي لم يسرني، لذا قمت ببعض التعديلات الخفيفة.

عليّ القول أيضا أنني في العديد من المرات أعيد كتابة قصص قصيرة وأدمجها في الروايات، وهذه المجموعة تحوي العديد من هذه النماذج ”لعبة الطائر وامراة يوم الثلاثاء“ (توجد في مجموعة الفيل يختفي) أصبحت نموذجا للمقطع المفتوح لرواية “يوميات لعبة الطائر” وبهذا الشكل ايضا قصة “اليراع ” و” آكلوا القطط ” مع بعض التغييرات دمجت على الترتيب في رواياتي “الغابة النرويجية ” و” سبوتنيك الحبيبة ”. مضى عليها وقت كنت كتبتها كقصص قصيرة، لكن بعد نشرها امتدت وتوسعت في ذهني وأصبحت روايات.

القصة القصيرة التي كتبتها منذ فترة طويلة تدخل منزلي تهزني كي استيقظ وتصرخ فيّ (هاي.. هذا ليس وقت النوم! لا يمكنك نسيان أمري، هناك الكثير لكتابته). بدافع من هذا الصوت أجدني اكتب رواية. وبهذا الشكل أيضا القصص القصيرة والروايات تندمج بشكل طبيعي في داخلي .

الكثير من الناس دفعوني وشجعوني على كتابة القصص القصيرة، كل مرة ارى فيها ماندا ايربان ، وكيلي لدى ICM، تكرر لي هذا كتعويذة (هاروكي! اكتب المزيد من القصص القصيرة!) غراي فيسكتجون لدى دار نشر” كنوبف” ناشر مجموعة (الفيل يختفي ) هو أيضا محرر هذه المجموعة ( الصفصافة العمياء، المرأة النائمة ) وكان دوره محوريا في إخراجها للطبع. أيضا جاي روبن وفيليب جبرييل، عملي المُجِهد، المترجمين المحترفين، لهم لمستهم الفريدة أيضا، وإنه لمن دواعي سروري أن اقرأ قصصي عبر ترجماتهم الراقية، ايضا أنوه الى أنني ألهمت جدا بواسطة ديبوراه تايزمان وسلفته لندا آشر المحررين لدى مجلة نيويوركر التي نشرت العديد من قصصي شكرا لهم جميعا. هده مجموعة قصصية جديدة تنشر لي وككاتب قصص قصيرة لا يمكنني أن أكون اكثر سعادة مع ما أنجزناه هنا.

* مقدمة لمجموعته القصصية ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) التي تحتوي 24 قصة قصيرة .
* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , , | التعليقات مغلقة

كيف تكتب نهاية سعيدة معقولة؟

إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

جو فاسلر
ترجمة: ميادة خليل

كاتب مثل تيد ثومبسون تعلم من جون شيفر أن حلَّ النهاية السعيدة لا يُمحي الظلام من القصة، ولكنه يوجد ضوءاً بداخلها.

النهايات السعيدة معروفة بندرتها في الأدب. نقرأ الكتب العظيمة لتعقيدها العاطفي والأخلاقي، والحل على نطاق واسع يغش إحساسنا عما تبدو عليه الحياة الواقعية. لأن المشاكل المعقدة نادراً ما تُحل بشكل كامل، أفضل الكتب تميل الى مطاردة وإثارة أعصاب القرّاء حتى لو كانوا مثقفين ومرفهين.

هذا يصح بشكل خاص في الكتابة عن ضواحي المدينة، ربما لأن هذه البيئة قُدمت على أنها نهاية سعادة رمزية للسرد الثقافي الأمريكي المتحرر. ليس من قبيل الصدفة أن أفضل القصص المعروفة عن الطبقة المتوسطة الأعلى ــ مثل كتب جون أبدايك “رحلة رابت”، ريتشارد ياتس “الطريق الثوري”، ريك مودي “العاصفة الثلجية”، على سبيل المثال لا الحصر، ومن الأفلام “الجمال الأمريكي” ــ تميل الى نهايات وحشية للغاية. هذه الأعمال، في لحظاتها الأخيرة، دمرت وأضعفت شخصياتها ــ ومعهم فكرة أن الحياة في الضواحي هي نهاية سعيدة مناسبة للحياة الأمريكية.

عندما تحدثت مع تيد ثومبسون مؤلف كتاب ” The Land of Steady Habits”، ناقشنا كيف أن عاطفة جون شيفر ورؤيته الجوهرية في الخلاص جعلته شاعراً فريداً من بين شعراء الضواحي التعساء، شيفر كاتب فريد مقارنة بكتّاب آخرين بسبب قدرته باستمرار على كتابة نهاية سعيدة قابلة للتصديق. ثومبسون فكك قصة شيفر المفضلة لديه، جوهرة مهملة اسمها “لص شادي هيل”. وبيّن كيف صنع الأستاذ لحظة فكاهية، معقدة، واضحة وحقيقية. ذهب الى شرح الكيفية التي استفزه فيها شيفر ليكتب عن الناس ــ والمناطق التي يعرفها جيداً ــ بكرم اكبر، وتوازن دائم بين الضوء والظلام.

(بلاد العادات الثابتة) هو كتاب ثومبسون الأول، أخذ اسمه من الاسم العامي لولاية كونيتيكت (الكاتب نشأ في ويستبورت) أندرس هيل، خبير مالي معروف في وول ستريت، طبيعته مضطربة بين التكاليف البشرية والبيئية لتحقيق الربح، قرر قطع نفسه عن خاصيتين رئيسيتين في حياته: وظيفته وزوجته. بدأ يشك في أن مسؤولياته السابقة فعلت أكثر من تعثره فيها ــ وأعطى هذه المسؤوليات أيضاً شكلا مصيريا.

ثومبسون خريج ورشة الكتّاب في آيوا ظهرت كتاباته في مجلة “تين هاوس” الأدبية و”أفضل الأصوات الأمريكية الجديدة”. تحدث لي عبر الهاتف من منزله في بروكلاين.

تيد ثومبسون:

صادفت قصة “لص شادي هيل” عندما كنت لازلت أعيش في آيوا، سنة بعد تخرجي من ورشة عمل الكتّاب. في تلك الأيام كان لدي كتابين أو ثلاثة على مكتبي، ليس لقراءتها بجدية ولكن من أجل فتحها والغرق فيها أثناء عملي ــ فقط لكي أستمع الى إيقاع جمل أناسٍ معينة وأسمح لهذه الموسيقى بتوجيهي.

في تلك الفترة، كانت جمل شيفر على وجه الخصوص تسحرني. أستخدمها لالتقاط تلك المجموعات القصصية الحمراء – البرتقالية السميكة وتصفحها عندما أتورط. في يوم ما، في منتصف مسودة قصة قصيرة محكوم عليها بالفشل كنت أكتبها، فتحت عشوائياً قصة “لص شادي هيل” وبدأت قراءتها لأول مرة. كان ذلك في الصباح الباكر، المكان هادئ جداً وساكن، وأتذكر أنني انجذبت الى اللهجة، وهذا النوع من إتقان إرسال تلك الجمل الأولى:

“اسمي جوني هيك. عمري ستة وثلاثون عاماً، يقف في جواربي خمسة أقدام وأحد عشر إنشًا . أزن 142 رطلاً عارية، وأنا، إذا جاز التعبير، عارٍ في هذه اللحظة وأتحدث في الظلام.”

كنت أظن أنني سأقرأ مقطعا أو أثنين، مجرد الأسلوب، لأرى كيف أنزلق الى القصة، لكن الشيء التالي الذي عرفته هو أنني كنت في منتصف القصة، الى أبعد ما كنت قد سمحت لنفسي به، وقرأتها بصوت عال إلى شاشة كمبيوتري.

أندهش دائماً من أن هذه القصة ليست واحدة من قصصه الطوباوية، بالرغم من أن “السبّاح” و”وداعاً أخي” هما أول ما يفكر به الناس عندما يسمعون اسمه. تمتلك القصة كل الأشياء التي أحبها في شيفر: روح دعابة افتراضية، شخصية على حافة الانهيار العاطفي، عالمٌ قاسٍ ظاهرياً لكنه دائماً ما يقوض من قبل نوع من الوحشية. وأكثر ما يلفت النظر، نثره الذي يحلق خلال القصة بأكملها (من هنا جاء الدافع لقراءة القصة بصوت عال، وهذا ما أفعله تقريباً في كل مرة أقرأها). حتى عندما ذكرت القصة للآخرين، كانوا بالكاد يعرفونها. وإذا عرفوها، لم يتأثروا بها. وهي ليست واحدة من القصص التي غالباً ما تُقرأ عند الاحتفاء بـشيفر، مثل ما حدث في مرة منذ بضع سنوات عند nd Street Y92* . كنت أتساءل حينها بأستمرار: لماذا؟.

قصة بسيطة وجميلة عن المظهر الخارجي. رجل يعيش مع عائلته في الضواحي، يفقد وظيفته في شركة تقوم بتصنيع الـباربلينديوم، الذي يبدو أنه نوع من أغطية سران الملونة (أنا متأكد من اختراع شيفر لتلك الكلمة لأن لا غوغل ولا أنا سمعنا بهذه الكلمة). طُرد من وظيفته وقرر العمل لحسابه. يقوم بعمل مثير للشفقة. بسرعة، الأشياء تأخذ منحىً كئيبًا. نفدت أمواله ولا يستطيع أن يُخبر زوجته بذلك. وبمجرد أن تبدأ التمثيلية، يشعر أن أمله الوحيد هو في اقتحام منازل جيرانه وسرقة أموالهم في منتصف الليل.

البطل يعيش في حي خيالي يُدعى “شادي هيل”، ضاحية صغيرة غنية لا تختلف عن ضاحية من ضواحي أوسينينغ، نيويورك، حيث عاش شيفر حياته بالفعل. في إحدى الليالي بعد حفلة عشاء متأخرة، عاد الى بيت مضيفيه واقتحمه. مشى على أطراف أصابعه الى غرفة نومهم حيث كانوا نائمين. رأى زوجا من السراويل معلقا على الكرسي، والتقط محفظة صديقه. كان في المحفظة 900 دولار. وهرب بكل هذا في الليل. هذا الحادث يطارد الراوي لبقية القصة، وكاد أن يحطمه تماماً. أصبح مقتنعاً جداً بجريمته. يرى السرقة والخطيئة أينما ذهب. بدأ يشعر كما لو أن الجميع يعلم بأنه أرتكب خطيئة ما. بدأ يتصرف مثل شخص يأكله الذنب حياً.

ومع ذلك، يأسه دفعه لاقتحام منزل جار آخر عندما احتاج الى نقود أكثر. هو يعلم بأنه لن يتم القبض عليه. هؤلاء الأصدقاء السكارى، “المقاتلون المخمورون” كما أطلق عليهم، لا أمل في استيقاظهم. عندما يذهب الى منازلهم ــ وهنا يصبح وصف شيفر صعباً ــ خجل الراوي وشعوره بالذنب تزداد حدته الى الحد الذي يصبح فيه على وشك الانهيار العصبي. لكن بدلاً من أن يصبح جزءًا من الجُرح، تتدخل الطبيعة. السماء تُفتح وتُمطر.

الآن، هذه منطقة خطرة للكاتب. السرعة تُغري الكتّاب الشباب باعتبارها ذروة دراماتيكية لفترة طويلة: اكتب نفسك في مأزق ودائماً ما يكون لديك الطقس. بالنسبة لي المدد الغيبي لأزمات الروح اليومية ــ الذنب والخطيئة يطهرهما المطر ــ قد يكون مجرد حل عملي متاح. (عندما فعل بي المطر ما فعل، لم أكن قد وجدت الله بعد، شعرت بالبرد والرطوبة والسُكر) لكن على أي حال، في الطريقة التي يعمل فيها النثر، شيفر، الملعون، يوقف عملها. رغم كل مقاومتي، أعتقد بأن البطل كان مرتاحاً من ذنبه. هذا جميل، مقطع تعويضي، واحدة من المقاطع التي قرأتها بصوت عال ربما لمائة مرة:

“كنت أفكر بحزن بداياتي، كيف خُلقت من زوج شهواني منحل في فندق وسط المدينة بعد ستة أشواط عشاء مع نبيذ، وأمي أخبرتني عدة مرات أنها لو لم تشرب الكثير من كوكتيل Old-Fashioneds قبل ذلك العشاء الشهير لم أكن لأولد على نجمة. وفكرت بالرجل الكبير وتلك الليلة في بلازا والكدمات على أفخاذ نساء قرويات من بيكاردي وكل تلك الملائكة البنية المذهبة التي عقدت المسرح معاً ومصيري الرهيب. وبينما أنا أمشي باتجاه بيوتر، كان هناك إثارة قاسية، وجميع الأشجار والحدائق، مثل مسودة على فراش من نار، وكنت أتساءل ماذا كان هذا حتى شعرت بالمطر على رأسي ووجهي، وبدأت بالضحك.

أتمنى لو يمكنني القول بأن ذلك الأسد الحنون جعلني صالحاً، أو طفلا بريئا أو نبرة موسيقى بعيدة عن بعض الكنائس، لكن لم يكن سوى المطر على رأسي ــ رائحته تحلق فوق أنفي ــ أظهر لي هذا مدى حريتي من جسدي في فونتينبلو وعمل اللص. هناك طريق للخروج من ورطتي. إذا كنت مهتماً باستخدامها. لم أكن محاصرا. أنا هنا على الأرض لأني اخترت ذلك. لم أتأثر بالعطايا التي منحتها لي الحياة طالما أنني امتلكها، وأنا أمتلكها إذن ــ العلاقة بين جذور العشب الرطب والشعر الذي نما من جسدي، رعشة موتي التي أعرفها في ليالي الصيف، حب الأطفال، والنظر الى ثوب كريستينا.”

لا أعرف تماماً كيف رفعنا شيفر هنا من الصفحة الى السماء. تفحصت فيها وحاولت التقاط المعنى. كلما تمعنت أكثر، ظهر عجزي في إيجاد معنى لها. كل ما يمكنني قوله أن في موسيقى تلك اللغة، وربما في تكرار بعض الصور من بداية القصة، كان شيفر قادراً على استحضار تجربة مقنعة في داخلي عن شيء مجرد بقدر ما هو غامض: وجود رجل تخلى عن ضميره.

لا أستطيع تخيل أي شخص آخر يمكنه كتابة “كدمات أفخاذ نساء قرويات من بيكاردي” أو “الملائكة البنية المذهبة التي عقدت المسرح معاً.” كم هي غريبة تلك الصور! حتى الآن هناك شيء ما حول فجائيتها يجعلني أضعف أمامها، وتكشف لي شيء آخر تريد أن تقوله القصة.

وما هو هذا الشيء، أعتقد أن الجواب في السطر التالي: “العلاقة بين جذور العشب الرطب والشعر الذي نبت من جسدي.” يا إلهي، هذا يحطمني تماماً. يأتي من العدم ــ الراوي تدب فيه الحياة في جمال تلك اللحظة، تتيح له، أو لا تتيح له، اختيار متزن عن كيفية عيش هذه الحياة. يمكنه أن يقرر أي نوع من الرجال يريد أن يكون. ولهذا استدار وعاد الى المنزل، يُصفّر في الظلام.

بعد هذا، عادت حياته الى طبيعتها ــ استعاد وظيفته وأعاد المال الذي سرقه. أخيراً، القصة تمتلك بنية كوميدية: العالم فيه الكثير والكثير من المختلين، لكن في النهاية، يعود مرة أخرى من جديد: هذه واحدة من الأشياء الواضحة جداً عندما تقرأ لشيفر: انفتاحه على جمال النهاية السعيدة. ضواحيه ليست أماكن فاسدة وفظيعة. ليست أماكن مظلمة، جذورا قبيحة يحاول كشفها ــ وهو غالباً ما يكون التصور الأساسي في فرع من أدب الخيال الأمريكي عن الضواحي (والسينما والتلفزيون).

عالم شيفر بالرغم من أنه عالم يتمزق بشكل مستمر عن طريق الجمال غير المتوقع، بغض النظر عن كيفية حدوث ذلك، بالنسبة لي إيجاد هذا على الصفحة كان مثل وحيٍ ما. لن تفترض الكتابة عن ضاحية بمثل هذه الطريقة ــ لمعرفة جمالها، ووضع معنى عميق في داخلها. من الواضح تماماً لماذا ينفق كاتب مثل جيم هاريسون الكثير من الوقت في وصف الطبيعة، لكننا أصبحنا نصدق بشكل مشروط تقريباً أن تشذيب جماليات الضواحي هو مجرد وهم لإخفاء بعض الفساد الرئيسي.

مع شيفر، ليست هذه هي الحالة الحقيقية بغض النظر عن قسوة شخصياته، عن خيبة أمل شخصياته بعضها ببعض، بغض النظر عن حجم الخطايا التي يرتكبونها أحدهم مع الآخر، يبقى الإحساس بأن هناك ضوء في عالمه. يأتي من خلال طريقة وصفه للأشجار، الروائح والنسائم والمحيط بشكل جميل. الطبيعة تخلق توازن لعذاب تعذيب الشخصيات في داخلها ــ وأحياناً، حتى الجمال كفيل بإنقاذهم.

من المحتمل أن كتابة نهاية سعيدة ذات مغزى واحدة من الحيل الصعبة في الأدب. هناك الكثير من الكوميديا في ذلك (لا سيما في السينما والتلفزيون) الذي يتبع نظاما قديما لعالم تهاوى الى أجزاء وبعدها يتم وضعها معاً مرة أخرى، لكن الكثير منها يبدو، حسناً، كما لو أن تلك المشاكل قد حُلت والآن لا يمكنني نسيانها. أنت لا تريد قصة أدبية تمتلك هذا التأثير ــ أنت تريد قصة تحظى بصدى لدى القارئ خلف هذه الصفحات، وأشعر بأن من السهل كتابتها. إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

هناك مقال أفكر به كثيراً لـ إيتالو كالفينو اسمه “طيش”، يتحدث فيه عن الطيش كفضيلة في الأدب والسرد القصصي: يجادل بضرورة الطيش ويصر على أننا نحتاجه إذا أردنا الحديث عن الحقائق المظلمة والقاسية. صورة توجيهية من الرقعة، هي الطريقة التي لم ينظر فيها فرساوس الى قبح ميدوسا مباشرة ـــ فقط كان يراها من خلال انعكاس صورتها على درعه دون أن يتسمر مثل حجر في مكانه. كما قال كالفينو: ” قوة فرساوس تكمن دائماً في رفض النظر مباشرة، لكن ليس رفض الواقع الذي قُدر له أن يعيش فيه.”

أفترض أن هذا كان جزء مما أنوي القيام به في كتابي ــ استكشاف الجرح والخسارة، نعم، وتقديم العجز والإجهاد لأكثر الطرق تقليدية ومسؤولية في الحياة. لكن في نفس الوقت أفكر دائماً باستغراب بعينيّ شيفر الواسعتين، عينيه ألهمتاني البحث مرة أخرى في ذكريات طفولتي بهذه الطريقة، لإيجاد تقدير للمستنقعات المتجمدة في مدن كونيتيكت تلك، والقناطر الحجرية لـميريت باركواي، ولجميع أولئك الرجال الذين يرتدون البدلة ويركبون قطارات الخط الساحلي.

المصدر: The Atlantic
nd Street Y92: مؤسسة ثقافية متعددة الجوانب ومركز اجتماعي يقع في مانهاتن، نيويورك.
نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

توفيق الحكيم: التعادلية في الأدب والفن

شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ.

شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ.

.. نجد “التعادلية” تقيم الأدب والفن على أساس قوّتين يجب أن تتعادلا.. هما: قوّة التعبير، وقوة التفسير. فالأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

ما المقصود بالتعبير هنا؟ أ هو الشّكل؟ لا. إنه ليس الشكل فقط، إنه شيء أكثر من ذلك، ولأضرب لك مثلا بسيطًا: فلنفرض أنك سمعت نادرة من النوادر يلقيها شخصان، أحدهما متكلم عادي، والآخر محدّثٌ لبق موهوب. هذه النادرة الواحدة تتخذ عندئذ مظهرين مختلفين، فهي في الحالة الأولى تبدو مجرد حادثة، أما في الحالة الثانية فتبدو هذه الحادة نفسها وكأنها لوّنت أو أضيئت وتحرّكات بحياة نابضة، لا تدري من أين أتتها ولا كيف نفخت فيها. تلك هي قوة التعبير، إنها ليست فقط طريقة الإبراز والإظهار، لأن هذه الطريقة لا تقوم وحدها بغير الحادثة التي في جوفها، فالتعبير إذن ليس مجرد الشكل؛ بل هو الشكل والموضوع معًا، هو الشكل والشيء الذي يتشكل فيه، هو النادرة والأسلوب الذي رويت به. فالأسلوب وحده بغير النادرة لا يعني شيئًا في ذاته، ولا يعبّر عن شيء. فالتعبير إذن يستوجب وجود الأسلوب وموضوعه معًا، لأن التعبير عن شيء يحتّم وجود الشيء.

وقوّة التعبير هي أيضًا توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

فإذا طغى أحدهما على الآخر، فإنك تشعر في الحال أن الوضع غير طبيعي، فالأسلوب البارع والموضوع التافه يثيران في النفس إحساسا بالتكلّف، وكلمة “التكلّف” هنا ليست مجازا ولا مجرد وصفٍ أدبي، بل هي ذات مدلول يكاد يكون ماديًا. فإن الأديب أو الفنان الذي يحتفل احتفالا بالغا بإبراز موضوع، إنما يتكلف فعلا أمرًا لا لزوم له، كمن يرتدي لباس السهرة ليجلس بمفرده في حجرته يتعشى بكسرة خبز! فعدم مراعاة مقتضى الحال تكلف، والتكلف في الأسلوب قبحٌ كما هو في الحياة، لأن شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ، ومهارة الفنان هي في إحداث هذا الشعور الطبيعي دائمًا، فإذا أحسّ الناس منه أن جماله خارجٌ من نبعٍ صناعي؛ فقد أخفق.

الأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

الأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

كذلك الحال إذا طغى الموضوع على الأسلوب، فالموضوع العظيم في الشكل السقيم يثير في النفس إحساسًا بالتحسّر، كمن يصوغ اللؤلؤة في خاتم من الصفيح. اختلال التعادل إذن في الحالتين بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع يحدث الشعور كذلك بأن الوضع غير طبيعي.

قد تسأل: ما هو الأسلوب في الأدب والفن؟ وما هو الموضوع؟ الأسلوب هو طريقتك الخاصة في الظفر بإعجاب الغير وشعوره وفكره؛ ليرى ما ترى، ويحس ما تحس، ويفهم ما تفهم.

وهذه الطريقة في الأدب والفن مردها إلى الاستعداد الفطري والدرس الاكتسابي والاجتهاد الشخصي، فلا بد من بعض الهبة، ولا بد بعد ذلك من الدرس الطويل لمعارف الأعلام وأساليبهم من الأقدمين والمحدثين، و لابد أخيرا من تصرّفك الخاص لتلائم وتوازن بين المحاكاة والابتكار. فإن المحاكاة إذا غلبت عليك فأنت لم تضف شيئًا إلى ما سبقوك، وإذا أسرفت في الابتكار فقد قطعت الصلة بينك وبين الآخرين، وانفصلت حلقتك من سلسلة التطورات الطبيعية في حياة الأدب أو تاريخ الفن. هكذا فعل “شكسبير” و”بتهوفن” فيما قاما به من محاكاة وابتكار.

أما الموضوع في الأدب والفن؛ فهو كل ما تستطيع أن تثير به اهتمام الناس، على نحوٍ غير مسف ولا فارغ ولا مبتذل.

وليس للموضوع العظيم أو التافه شروط معيّنة أو معالم محدّدة، فتقديره متروك لعبقرية الأديب أو الفنان، فقد يتناول بمواهبه السحرية موضوعًا نحسبه تافهًا، فإذا هو يخلق منه بقلمه أو ريشته أو مطرقته أو ألحانه شيئًا يثير اهتمام الناس في جيله، وفي جميع الأجيال.

فالموضوع لا تتحدد صفته العظيمة أو التافهة إلا بعد أن يصب فعلا في الأثر الأدبي أو الفني، فالوردة أو الآنية أو التفاحة قد تكون موضوعًا تافها أو عظيما؛ تبعًا للفنان الذي يتناولها، أي تبعًا لدرجة خبرته وإحساسه وقدرته على النفوذ إلى حقائق الأشياء، أو تبعا للطريقة التي يختارها الفنان. فموضوع “هاملت” كان من الممكن أن يبقى موضوعًا تافهًا عاديًا لو عالجه شاعرٌ عادي، وموضوع “هاملت” نفسه كان يمكن أن يصبح في خفة موضوع “زوجات وندرسور المرحات” لو أن شكسبير اختار أن يجعل منه مسرحية ضاحكة عابثة بدلا من تلك المسرحية الفكرية الجليلة، وشكسبير كان يدرك بسليقته الفنية معنى التعادل بين الأسلوب والموضوع؛ فكان إذا أراد الجد اتخذ أسلوبه ما يناسب ذلك من العمق، وإذا أراد الهزل خف أسلوبه فلم يثقله بكنوز فكره. كان إذا أراد للفكر أن يتألق كالجوهرة كي يضيء حقائق الكون صاغه في معدنٍ نفيس من أسلوب عميق، وإذا أراد للنفس أن تضحك لتلهو ساعة عن تعب الحياة استخدم معدنًا رقيقًا من أسلوبٍ خفيف.

ولو أنه صنع العكس، وكتب “هاملت” بأسلوب “زوجات وندرسور المرحات” لكان كالصائغ الذي لا يستطيع أن يلائم بين الجوهر والخاتم. والمقصود بالأسلوب هنا ليس بالطبع اللغة وحدها، بل ما تحمله اللغة في جوفها من ألوان الصور والأفكار، وأسلوب الفنان، بمعنى الطابع، واحد بلا شك في سِمتِهِ العامّة. ولكنه يتغير في درجة الدسامة أو الكثافة تبعًا لألوان الطعام الفني التي ينتجها، فطابع “شكسبير” واحدٌ في فنّه، ولكن درجة الدسامة في أسلوبه تختلف باختلاف أنواع مسرحياته، كذلك طابع “بتهوفن” واحد في موسيقاه، ولكن درجة الدسامة تختلف في بعض السيمفونيات عنها في بعض السوناتات.

وهذه الدسامة والرقة والعمق والخفة؛ حالات تتعاقب على الفنان، تعاقب الليل والنهار، والخريف والربيع، دون أن تخضع لترتيب منطقي، فقد يرى البعض أن المنطق يقضي أن يبدأ الفنان حياته بالخفة وينتهي إلى العمق، ولكن هذا المنطق لا يخضع له الفنان، فـ “شكسبير” بعد أن أبهرنا بعمقه في “هاملت” أضحكنا بخفته في “العبرة بالخواتيم”. و”بتهوفن” بعد أن وضع في سيمفونيته الخامسة العظيمة روح الفلسفة، تجده قد مزج سيمفونيته الثامنة الرقيقة بنسيم الخفة، فالفنان لا يسير دائمًا في خطٍ مستقيم، والتطور عنده ليس الانتقال المباشر من حسنٍ إلى أحسن، أو من عميق إلى أعمق، ولكنه كالطبيعة يتطور من خلال التجربة الذاتية تبعا لقانون الفعل ورد الفعل، أي من خلال تجارب متباينة تكشف عن إمكانيات الذات اتجاهاتها المختلفة، والفعل ورد الفعل هما أداة التجربة الكاشفة عن الإمكانية، لا عند الإنسان وحده، بل عند الكائنات جميعًا.

قوّة التعبير هي توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

قوّة التعبير هي توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

ومع ذلك، من يدري حقيقة ما نسمّيه النور والظلام، والارتفاع والانخفاض، والعمق والخفة، والدسامة والرقة؟ لعلها كلها على اختلافها، حركات ضرورية لتكون الحياة حياة، ولعلها كذلك في محيط الأدب والفن، هي العناصر الضرورية التي يتألف منها “التعبير”.

فملكة التعبير عند الأديب أو الفنان لا يمكن أن تظهر كل أشعتها وألوانها وأنغامها إذا لعب بها على وترٍ واحد مهما يكن هذا الوتر قويًا بليغًا صافيًا نقيًّا. ماذا كنا نفضل وماذا كان يفضل الفن والإنساني؟ أن يخرج لنا شكسبير كل مسرحياته على نسق “هاملت” أسلوبًا وفكرا وارتفاعًا؟ أو يلون لنا كل هذا التلوين في التعبير، فيجدُّ مرة ويهزل أخرى، ويعبس ثم يبتسم، ويرتفع ثم يتبسّط، ويطرق متأملاً ثم يقهقه ضاحكًا، ويكون تارة فيلسوفا وتارة مهرّجا، وحينا شاعرا وحينا ساخرًا؟ إن عظمة شكسبير هي في أنه استطاع أن يكون كل ذلك، وقدرته هي في أنه ملك من أوتار التعبير مقدارا أخرج كل الألوان وكل الأنغام وكل الأصوات وكل الضحكات.

ذلك هو “التعبير”. قوته ليست في مجرد ارتفاعه، بل أيضًا في اتساعه، والتعبير من غير شك هو كل شيءٍ في نظر الفن، ولكن “التعبير” ليس كل شيء في نظر “التعادلية”، فقوّة التعبير يجب أن تقترن في الأدب والفن بقوة “التفسير”.

ما هو التفسير؟

هو الضوء الذي يلقى على موضوع الإنسان في الكون والمجتمع. فالأدب أو الفن التعادلي يجب أن تتوازن فيه القوة المعبرة والقوة المفسّرة. فالقوة المعبرة وحدها لا تكفي، لأنها قد تكشف عن مجرد وجودها، ولكنها قد لا تشع ضوءا يكشف عن وجود غيرها. القوة المعبرة قد تكون جميلة في ذاتها كاللؤلؤة، ولكنها مثلها؛ حبيسة جمالها، لا تضيء غيرها، إنها ليست كالماسة المتألقة التي تشع في الظلام أضواءً تكشف عن وجود أشياء أخرى.

والأديب أو الفنان قد يعبر عن الحياة، ولكنه لا يفسرها، أي أنه قد يجيد وصفها بالحالة التي هي عليها، أو يجمّلها بوشى مصطنع، أو يقبّحها بتشويه مقصود، وهو في كل هذه الأحوال يريد اللهو بأداة التعبير تارة، أو استخدامها للدعاية تارة أخرى.

ولكن الوقوف عند حدود التعبير ليس كل مهمة الأديب أو الفنان التعادلي، لأن التعبير وحده على علو قيمته الأدبية والفنية قد يحبس أهداف الأدب والفن في نطاق التهذيب الروحي والإمتاع النفسي، ومهما يكن نبل هذه الأهداف وكفايتها، فإن المطلوب من الأديب أو الفنان –خصوصا في العصر الحديث – أن تمتد رسالته إلى أبعد من هذا النطاق.

المطلوب منه هو أن يهذب ويمتع، ثم يلقي في نفس الوقت ضوءا كاشفا موجها في طريق الإنسانية. فالأدب أو الفن يجب أن يكون معبّرا ومفسّرا؛ أي أن تتعادل قوة التعبير وقوة التفسير في الأثر الأدبي أو الفنّي، إذا طغت قوة التعبير طغيانا بالغا، فإن قسطا هامًّا من رسالة الأديب أو الفنان لم يبلغ للناس، وإذا طغت قوة التفسير حتى كادت تتلاشى بجانبها قوة التعبير، فإن صفة الأدب أو الفن ذاتها تهدد بالانهيار، إذ لا بدّ لوجود أي أدب أو فن من ضمان قوة التعبير قبل كل شيء، فموهبة التعبير الأدبي أو الفني، أي بالاختصار: الأديب أو الفنان يجب أن يوجد أولا بأداة أسلوبه الرائعة البارعة القوية قبل النظر في أمر الرسالة التي سيحملها.
التعبير يشمل الأسلوب والموضوع: أي الشكل والمضمون، وبه يمكن أن يتم الأثر الأدبي أو الفنّي في ذاته. أما التفسير؛ فهو الرسالة التي يحملها الأثر الأدبي أو الفني بعدئذ للبشرية، ليقول فيها كلمته عن وضع الإنسان في كونه وفي مجتمعه.

الفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون.

الفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون.

وليس كل أثر أدبي أو فني يحمل تفسيرا أو رسالة في هذا الشأن. فكثير من الآثار رسالته هي في مجرد روعة تعبيره، فالبحتري مثلا هو تعبير، في حين أن أبا العلاء تعبير وتفسير معًا، لأن الكثير من شعره يحمل إلينا رأيه في وضع الإنسان ومصيره، وشكسبير هو في شعره الغزلي تعبيرًا، أما في مسرحياته – مثل “هاملت” وغيرها – فهو تعبير وتفسير معًا.

وبتهوفن في “سوناتا ضوء القمر” هو تعبير، بينما هو في السيمفونية الثالثة يحمل إلينا كلمته في الإنسان والبطولة، وفي السيمفونية الخامسة ينقل إلينا قولته في الإنسان والقدر، وكذلك في السيمفونية التاسعة وفي كثير من كونسبرتاته يريد أن يقول لينا شيئا أكثر من مجرد اللحن الجميل.

والتعبير وحده قد يؤدي بنا إلى “الفن للفن”، إذا أسرف في الهيام بجمال الشكل والتأنق في المبنى على حساب المعنى والمضمون. والتفسير وحده كذلك قد يؤدي إلى “الفن الملتزم” إذا أسرف في التقيّد بمعنى خاص و مضمون معين ليس إلى التحرر والاستقلال عنهما من سبيل.

فالفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون. والسجن في الحالين يمنع الفنان من تبليغ رسالته كاملة.. تلك الرسالة التي تنبع من الحرية دائمًا، لتبشّر بالحريّة.

المصدر: كتاب (التعادلية في الإسلام) لـ توفيق الحكيم، دار الشروق.

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة