آن لاموت: الكتابة هي أن تنظر حولك

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

ترجمة: سارة عبد الرحمن
مراجعة: بثينة العيسى

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث. والآن، في حال سألتني عما يحدث، فهو أن نتمكن جميعاً من الوصول إلى ذات اللحظة الواقعية، وربما ما هو أكثر أهمية؛ ألا نصرخ على بعضنا البعض، وإلا لكنا ننبح جميعا ككلب البيكينيز*: (آه! التصقت بالقذارة، إنها غلطتك! أنت فعلت هذا..).

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس و – كما عبّر روبرت ستون مرة- إيجاد معنىً ما داخلها. لكنك لا تستطيع فعل ذلك إن لم تتسم بالاحترام. إذا كنت تنظر إلى الناس وترى فقط ثياباً متسخة أو غنية، فسوف تراهم على نحو خاطئ.

الكاتب هو شخص يقف منعزلاً مثل الجبنة في أغنية (الفلاح في الوادي)* يقف وحيداً، لكنه يقرر أن يدوّن بعض الملاحظات. أنت تقف في الخارج، لكنك تستطيع رؤية الأشياء قريبة عبر منظارك. مهمتك هي أن تعرض وجهة نظرك بوضوح؛ أن تعرض حدّ رؤيتك.

مهمّتك أن ترى الناس كما هم في الحقيقة، ولتفعل ذلك، عليك أن تعرف من أنت في أقصى حسّك العاطفي. بعدئذ تستطيع التعرف على الآخرين. هذا بسيط نظريًا، لكن تطبيقه ليس سهلاً. قبل عشرين سنة، كتب لي عمي (بين) رسالة قال فيها:

“أحياناً تلتقين أشخاصًا، بغض النظر عن العمر والجنس، وتعرفين بأنهم جزءٌ مستقلّ من الكلّ الذي يحدثُ في داخلك، وكأن عينيك أبصرتا للتو، وصرت تسمعين رجع أصداء غناء القبائل، وها أنتِ .. تتعرّفين عليهم”.

هذا هو ما أتحدث عنه، تريد أن تجعل عيون القراء تبصر بإدراك، بحيث يبدؤون بالتعرف إلى إحدى شخصياتك، لكن من المرجح أنك لن تستطيع تقديم شخصية قابلة للإدراك إن لم يكن لديك التعاطف الكافي في المقام الأول.

من السهل نسبياً أن تنظر برقة وتقدير إلى طفل، خاصة إن كان طفلك، وبالتحديد وقت كونه لطيفًا أو مضحكًا، حتى لو كان يؤذي مشاعرك. كما أنه من السهل نسبياً أن تنظر برقّةٍ – لنقل – إلى سنجاب، أن تراه بشيءٍ من التأمل، لترى أن الحياة الحقيقية تقبع تحت قدميك، أو على الأقل هناك، في الغصن المنخفض، أن تدرك بأن لهذا الكائن الحيّ برنامج أعماله الخاص، أن تسمع سقسقته الحادّة، والبارعة، ومع ذلك لا تؤخذ تمامًا بظرفِه.

لا أريد أن أبدو هنا مثل “كوزميكا راما” ولكن في تلك اللحظة عندما تجد أنك أصبحت شبيهاً بالسنجاب تكونان جزءاً من الكل. أعتقد أن بإمكاننا رؤية ذلك بشكل أكثر لو لم نستحضر عقلنا الواعي.

يبدو أن عقلنا الواعي يقوم بحجبِ شعورنا بالاتحاد مع الآخر، حتى نتمكن من العمل بكفاءة، ونناور في العالم بشكلٍ أفضل؛ أن ندفع ضرائبنا في الوقت. ولكن من الممكن أيضًا أن تحسّ بهذا الشعور، عندما ترى – ترى فعلاً – شرطيًا، عندما تنظر إليه فترى أنه شخصٌ حيٌ يتنفس، ومثل أي شخصٍ آخر، يعاني كالأوغاد. ولا تراهُ بتلك الصور النمطية للعنف والفوضى والخطر، التي يمثلها رجال الشرطة؛ أن تقبل به كمساوٍ لك.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

من الأصعب بكثير، كما هو واضح، أن تنظر إلى نفسك بنفس الحس التعاطفيّ المنفصل. بإمكان الممارسة أن تساعد، قد يكون التمرّن موجعاً في الأيام الأولى، ثم يصبح أفضل مع الأيام. إنني أتعلّم ببطء كيف أعيد كرة عقلي المجنونة إلى هذا المكان ذي الطابع الودّي الموضوعي تجاه نفسي، حتى أتمكن من النظر إلى العالم من الخارج ومشاهدة كل الأمور الأخرى باحترام. حاول النظر إلى عقلك كجروٍ مشاكس تحاول ترويضه، إنك لا تركله إلى فناء جارك كلّما بال على الأرض، بل تقوم بإعادته إلى الجريدة التي يفترضُ به أن يتبوّل عليها.

هكذا أظل أحاول بلطف إعادة عقلي إلى ما هو حقيقي هناك ليُرى، ربما ليُرى ويُلاحظ بشيء من التوقير، لأنني إن لم أفعل ذلك، فسأستمر في تلقي الأمور بطريقة خاطئة.

أعتقدُ، بصدقٍ، بأنك كي تصبح كاتبًا، يجب عليك أن تتعلم أن تكون وقورًا. إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تكتب؟ لماذا أنت هنا؟
لنفكر بالتوقير كأمر مهيب، باعث للمثول والانفتاح على الوجود، سيكون بديله التسفيه، مما سيطفئنا.

فكر بتلك المرات التي قرأت فيها نثراً أو شعراً كتب بطريقة تجعلك تشعرُ بالجمال والبصيرة، بأنك تقوم بنظرة خاطفة إلى روح أحدهم. في لحظة يبدو كل شيء منسجماً، أو على الأقل تحصل لوهلة على بعض المعنى. أعتقد أن هذا هو هدفنا ككتّاب؛ مساعدة الآخرين على الحصول على هذا الإحساس المدهش بالغفران، في رؤية الأشياء جديدةً، أشياء بإمكانها أن تأسرنا، وتتحطم داخل عوالمنا الصغيرة، المحدّدة.

عندما يحدث هذا سيبدو كل شيء أكثر رحابة. جرب المشي مرة برفقة طفل ممتلئ بالدهشة بحيث يعلّق: “يا إلهي! انظر لذاك الكلب القذر، انظر لذاك المنزل المحترق، انظر لتلك السماء الحمراء”. الطفل يشير وأنت تتبع إصبعه بنظراتك وترى فتبدأ بالدهشة:” يا إلهي! انظر لذاك السياج الكبير المسعور! انظر لذاك الطفل الصغير جداً! انظر لتلك السحابة السوداء المخيفة!” أعتقد بأن هذا هو ما يفترض أن نكون عليه في العالم، حاضرين وخاشعين.

علقتُ على الجدار فوق مكتبي قصيدة رائعة للمتصوف الفارسي جلال الدين الرومي:

تتحرك بهجة الإله عبر مغلفات غير ملاحَظة
من خلية لأخرى، كما قطرات المطر إلى مشاتل الأزهار
كالوردة من الأرض إلى الأعلى
والآن يبدو كطبق الأرز والسمك
الآن كهاوية محاطة بالكروم
الآن كحصان يُمتطى
إنها تختبئ خلف هذه الأشياء
حتى يستخرجها أحدهم يوما ما

هناك نشوة في الملاحظة، يمكنك الوصول إلى نوع من الانفتاح على طريقة وليام ووردزورث تجاه الكون، بحيث ترى في كل جوهر شيء من القداسة، علامة على أن الإله كامن في كل ما في العالم. وربما لم تكن ميالاً للنظر إلى الحياة بقداسة، للنظر إلى كل شيء كإشارة مرئية لنعمة غير مرئية.

هذا لا يعني أنك حثالة جاهل بلا قيمة، أي شخصٍ يستطيع الاندهاش للجمال أو الألم الموجودين في العالم الطبيعي، للعقل والقلب الإنساني، ويستطيع محاولة القبض على التفاصيل بفوارق بسيطة لا تكاد تذكر. إذا شرعت بالنظر حولك فستبدأ بالإبصار. عندما يأسرنا فجأة ما نراه ويستولي علينا فنكتبه بقدر ما نستطيع من انفتاح وواقعية، فإن هذا يمنح الأمل. تنظر حولك وتقول: “يا إلهي! إنه نفس الطائر المحاكي! إنها نفس المرأة ذات القبعة الحمراء مجددا!” والمرأة ذات القبعة الحمراء هي الأمل أيضاً، فهي ترتدي تلك القبعة المجنونة كل يوم وتسير في البلدة. قد تظهر بعض هذه الصور بشكل باهت في أدنى ربع الدائرة الأيمن للصورة المتخيلة التي التقطتها، لم تكن تعلم منذ البداية أنها جزء من المنظر الطبيعي، وهنا انتهى بك الأمر إلى أن الصورة استدعت شيئاً عميقاً في نفسك لم تكن لتستطيع وضع إصبعك عليه. هذه إحدى الجمل لجيري سندر:

التموجات على صفحة الماء
لم تكن سوى أسماك السلمون الفضية العابرة أسفله
وهي مختلفة عن تلك التي يشكّلها النسيم

تلك الكلمات، الأقل من عشرين، تجعل التموّجات صافية ومشرقة، ومميزة مرة أخرى. لديّ شريط تسجيلي لراهبة من التبت تعيد غناء المانترا بإحساس عالٍ لأكثر من ساعة، ثمانية كلمات تعيد تكرارها وكل سطر يُسمع مختلفاً، يبدو معتنىً به جيداً ومجرباً كما تغنيه. لن تشعر أبداً ولو لوهلة أنها تسترق النظر إلى ساعتها قائلة: “يا إلهي! مرت خمسة عشر دقيقة فقط!” بل بعد خمسة وأربعين دقيقة ما زالت تغني كل سطر بوضوح، كلمة وراء كلمة، حتى لفظت آخر كلمة مغناة.

في الغالب، الأمور ليست بهذه الطريقة، بهذه البساطة والنقاء، وبكلّ هذا التركيز المعطى لكلّ مقطع لفظي للحياة، عندما تغنّي الحياة نفسها. ولكن هذا النوع من الانتباه، هو المكافأة. أن نكون منهمكين في شيءٍ خارج أنفسنا، لهو ترياقٌ قويٌ للعقل المنطقي، العقل الذي يحولُ مرارًا دون التأمل والانفتاح، الذي يرى الأشياء من زاوية نرجسية، ضيقة ومظلمة، لا تقدّم سوى نظرياتٍ عن “لاهوت القولون”، ولا تمنح الأمل لأحد.

• فصيلة من الكلاب الصينية
• أغنية للأطفال في نهايتها تظل الجبنة وحيدة.

كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

راقِب تلك الأحوال!

الأحوال في أفضل حالاتها، تُتَبّل كل من الأفعال أو الصفات.

استخدمها لتغيير معنى الفعل

روي بيتر كلارك
ترجمة: ليلى عبدال

مؤلفوا مغامرات توم سويفت الكلاسيكية للأولاد أحبوا مواضع علامات التعجب والأحوال. لاحظ في هذه الفقرة الوجيزة من توم سويفت وصاحب الكشّاف العجيب:

“انظروا!” هتف نيد فجأة وقال “ها هو العميل الآن! … انا ذاهب للتحدث إليه!” أعلن نيد بإندفاع.

علامة التعجب بعد “انظروا” ينبغي أن تكون كفيلة بإنارة عقل القارئ الشاب، لكن المؤلف يضيف “هتف” و”فجأة” لحسن التدبير. مراراً وتكراراً، يستخدم الكاتب الحال، ليس لتغيير فهمنا للفعل بل لتكثيف معنى الفعل. سخافة هذا النمط أدى إلى شكل من أشكال التورية المسمى ب “توم سويفتي”، حيث أن الحال يوصل الخط الفكاهي للقارئ:

“أنا فنان” قال بسهولة.
“أنا بحاجة إلى شيء من البيتزا الآن” قال بصلابة.
“أنا فينوس دي ميلو”، قالت بثقة.
“لقد أوقعت معجون أسناني” قال بإحباط.

الأحوال في أفضل حالاتها، تُتَبّل كل من الأفعال أو الصفات. أما في أسوأ حالاتها، تُعبّرعن المعنى الوارد أساساً في ذلك:

الانفجار دمر مكتب الكنيسة تماماً.
المشجع التفت قبل صراخ المشجعين بعنف.
الحادث قطع ذراع الصبي تماماً.
الجاسوس حدّق خلسة عبر الأدغال.

لاحظ تأثير حذف الأحوال:

الإنفجار دمر مكتب الكنيسة.
المشجع التفتَ قبل صراخ المشجعين.
الحادث قطع ذراع الصبي.
الجاسوس حدّق عبر الأدغال.

في كل حالة، الحذف يقصّرالجملة، يحدد النقطة، ويخلق حيزاً أوسع للفعل. لا تتردد في الإختلاف.

نصف قرن بعد وفاته، ماير بيرغر يبقى أحد أعظم المصممين في تاريخ نيويورك تايمز. في واحدة من آخر مقالاته يصف الرعاية التي تلقاها من قبل عازف الكمان الأعمى والكبير في السن في المستشفى الكاثوليكي:

“تحدث طاقم الموظفين إلى الأخت ماري فينتان – المسؤولة عن المستشفى- وأحضروا الكمان القديم إلى الغرفة (203) بعد أن أذنت لهم بذلك. لم يُستخدم لسنوات، لكن لورانس ستروتز تلمّسه بأصابعه القوية البيضاء الطويلة وضبطه بجهد، وشدّ قوسه القديم، فرفعه إلى ذقنه ونزل بذقنه الكث إلى أسفل”.

حيوية الأفعال وغياب الأحوال من علامات نثر بيرغر. كما لعب الرجل العجوز ” آفي ماريا”:

“انتقلت الراهبات مرتديات ملابس سوداء وبيضاء، يحركن شفاههن، في صلاة صامتة. وهنّ مختنقات. السنوات الطويلة على حي بوري لم تسرق لمسة لورانس ستروتز. العمى جعل أصابعه تتعثر في الوصول إلى جسر الكمان، لكنها شُفِيَت. ماتت الموسيقى والجمهور يهمهم بالتصفيق. انحنى عازف الكمان القديم ووجنتيه المجعدتين غارقتين في ابتسامة”.

كم هو أفضل أن “الجمهور يهمهم بالتصفيق” من أن يقول “صفقوا بأدب”؟

استخدام الحال يعكس الأسلوب غير الناضج للكاتب، لكن يمكن لسيقان الخبراء التعثر أيضاً. في عام 1963 كتب جون أبدايك مقالة “قنينة البيرة”. في فقرة واحدة، يصف فيها جمال تلك القنينة المقدسة قبل اختراع صفيحة فتح العلب المعدنية. تذكّرت مرة واحدة كيف أن البيرة “زبَّدت اللذة بشغف لحظة التحرر”. وأنا أقرأ هذه الجملة على مر السنين، كبرت غير صبور مع كلمة “بشغف”. فهي تسد الفراغ بين الفعل الممتاز “زبَّدت” والفاعل الممتاز “اللذة”، التي تجسد البيرة وتعكس لنا كل ما نحتاج معرفته عن الشغف.

لفهم الفرق بين الحال الجيد والحال السيئ، انظر في هاتين الجملتين: “ابتسمت بسعادة” و “ابتسمت بحزن،” أي جملة تعمل على نحو أفضل؟ الأولى تبدو ضعيفة لأن الفعل “ابتسم” يتضمن معنى “السعادة”. لكن من ناحية أخرى “بحزن” يغير المعنى.

يستخدم الكاتب كيرت فونيغت الأحوال بعدد مرات ظهور مذنب هالي. كان عليّ قراءة عدة صفحات من كتابه “أحد الشعانين” قبل أن أعثر على أحدهم. عندما قدّم عظة الأحد ختم خطبته الدينية قائلاً “أشكركم على لطف اهتمامكم المزوّر”. مرة أخرى، كلمة “لطف” حددت معنى “المزوّر”. حالٌ جيد.

هل تذكر أغنية “يقتلني برقة”؟ حال جيد. ماذا عن “يقتلني بعنف”؟ حال سيئ.

انظر أيضا لتركيبات (الفعل – الحال) الضعيفة التي بإمكانك استبدالها بأفعال أقوى: “نزلت إلى أسفل الدرج بسرعة” يمكن أن تصبح “اندفعت إلى أسفل الدرج”. “استمع خلسة” يمكن أن تصبح “تنصّت”. أعطِ لنفسك الاختيار.

وأختم مع تنويه: أغنى كاتبة في العالم هي ج. ك. رولينج، مؤلفة سلسلة هاري بوتر، تحب استخدام الأحوال وخصوصاً عندما تصف الكلام. في أول صفحتين من كتابها الأول، لقد وجدت هذه الأحوال:

“قال هيرميون بخجل”.
“قال هيرميون بصوت ضعيف”.
“قال ببساطة”.
“قال هاجريد بعبوس”.
“قال هاجريد بانفعال”.

إذا كنت ترغب بكسب أموال أكثر من ملكة إنجلترا، ربما يجب عليك استخدام المزيد من الأحوال. إذا كانت طموحك مثلي، أكثر تواضعاً، استخدمها بإعتدال.

ورشة عمل

1- ألقِ نظرة في الصحيفة وابحث عن أي جملة تتضمن حالًا. اشطب الحال واقرأ الجملة الجديدة بصوت عال. أي جملة تعمل على نحو أفضل؟

2- افعل الشيء نفسه مع ثلاثة من كتاباتك السابقة. ضع دائرة حول الأحوال، احذفها، وقرر ما إذا كانت الجديدة أقوى أو أضعف.

3- اقرأ الأحوال الخاصة بك مرة أخرى وحدد تلك الأحوال التي تحوِّر الفعل بدلاً من تلك التي تكثف المعنى.

4- ابحث عن تركيبات (الفعل – الحال) الضعيفة. “تحدث هو بهدوء” قد تصبح “همس” أو “تمتم”. إذا عثرت على تركيبات ضعيفة، حاول استخدام فعل أقوى لتحسّن الجملة.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

آن لاموت؛ العقبة ضد إلهام الكاتب

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

ترجمة: حمد عبود / بثينة العيسى

أريد أن أذكر هنا محطة الراديو (KFKD) أو كما تسمىK-FUCKED ، حيث أنها على الأغلب العقبة المهولة الوحيدة التي تقف في وجه الإصغاء للإلهام لدى الكُتّاب.

أعدكم بعدها بأنني لن أذكرها مرة أخرى.

إن لم تكن حذرا، فإنّ محطة الراديو العاطلة سوف تدور في رأسك أربعا وعشرين ساعة في اليوم، دون توقف، مثل نظامٍ صوتيّ.

سيخرج من السماعة الموجودة في أذنك الداخلية اليمنى تدفقٌ غير منتهٍ من الـتضخيم النفسي، تلاوة لخصوصية المرء المميزة، وكيف يمكن أن يكون هذا الشخص منفتحًا وموهوبًا متألقا وعارفاً مظلومًا ومتواضعا جدًا.

ما سيخرج من السماعة اليسرى سيكون أغانٍ مقفاه عن كراهية الذات، القوائم التي تحتوي على كل الأشياء التي لا يستطيع المرء فعلها بشكل جيد، كل الأخطاء التي فعلها المرء اليوم وعبر حياة كاملة، الشك واليقين بأن كل شيء سيلمسه المرء سيتحول إلى بذاءة، هذا الشخص الذي لا يعرف كيف يقيم علاقات جيدة، المزيف بكل شكل ممكن، غير القادر على الحب بدون أنانية، ذلك الشخص ليس عنده أية موهبة أو رؤية عميقة، وهكذا وهكذا إلخ..

كأنك تستمع إلى تدفقٍ موسيقى “الهيفي ميتل” عبر السماعات بينما تحاول أن تنجز عملك، يجب عليك أن تهدِّئ من صخب الأشياء في رأسكَ لتتمكن من الاستماع إلى الشخصيات، فتجعلهم يقودون حكايتك.

الطريقة الأمثل لتهدأ، بعيدًا عن مزيج جلسات العلاج النفسي وحبوب البروزاك وعملية الجراحة الدقيقة في الفُصيص المخّي، هو أنْ تلاحظ أولاً بأن محطة الراديو مازالت تبث.

محطة الراديو العاطلة (KFKD) تبثُ كل صباح عندما أجلس على مكتبي، لذا أجلس للحظةٍ ثم أتلو صلاة صغيرة: ” أرجوك، ساعدني لأتنحّى عن الطريق حتى أكتبَ الأشياء التي تريد أن تُكتب”.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها. عدد غير محدود من الأشياء يمكن أن تفي بالغرض الذي تريده، المذبح على سبيل المثال، أو الشموع الخاصة بالنذور، البخور. قربانٌ لحيوان صغير، خصوصا أن المحكمة العليا جعلتْ التضحيات أمرا قانونيا في وقتنا الحالي. (اقتطعتُ العنوان الرئيسي في اليوم الذي صدر فيه الخبر وألصقته فوق صحن الماء الخاص بالقطة). الطقوس علامة جيدة على أنّ عقلك الباطن بدأ يعمل.

حريٌّ بك أيضا أن تأخذ بعين الاعتبار محاولتك في التنفس، وهو أمرٌ لا أتذكره غالبا. ولا أحبذُ عادة أن أتواجد حول أناس يتحدثون عن التنفس البطيء الواعي؛ أبدأ في القلق من أن يلي ذلك نقاشٌ طويل عن العلاج بالروائح. ولكن أولئك الذين يتنفسون ببطء واعٍ هم بصدد إنجاز شيء ما، لأنك إذا حاولت أن تلاحق تنفسك فستصل إلى حالة من الصمت النسبي.

إذن، تجلس للعمل في التاسعة صباحا، وتقوم بصلاتك أو بخورك أو أيًا كان، ثمّ تتنفس للحظة، وتحاول أن تركز على مكان تواجد شخصياتك، لتكتشف بأن عقلك قد بدأ بالتجوال قليلاً. بطبيعة الحال، قد تجد نفسك تتساءل عما يفعله كاتبٌ رديءٌ تعرفه، ولماذا يبلي أحسن منك، وكيف سيكون الأمر لو ظهرت في برنامج ديفيد ليترمان، وإن كان سيسخر منك أو يضحك على كل مزاحك ويجعلك صديقه المقرب الجديد. وعما يجدر بك أكله على الغداء، وكيف يبدو الأمر لشعرك لو اشتعلت فيه النار، أو كيف سيبدو الأمر لشخصٍ ما، شخص مثل ناقدٍ أو نحوه، إذا غرز جسمًا حادًا في عينك. لا تقلق، برفقٍ أعد عقلك إلى عملك.

لنقل بأن بطلك يجلس برفقة ابنه تحت شجرة سرو بمنحدرتلٍ لونه يشبه لون الأسد. يستذكرُ، بصوتٍ عامرٍ بالأسى، لحظات النشوة القليلة في حياته. كل ما ستفعله هو أنك سترافقه لتستمع إليه، وربما لتكتشف كيف كانت بعض تلك اللحظات.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

أحيانا الطقوس تهدئ من الجلبة، جربها.

بعد دقيقة، ستبدأ برؤية رجلك في الحديقة الخلفية المعشبة لأحدهم، يلعب كرة الطاولة، ليس منذ مدة طويلة، مع “هيبي” أكثر شبابًا. إنهما لا يتنافسان، بل يضربان الكرة سويًّا وحسب، وتبدأ أنتَ بالتقاط ذلك على الورق. بعد جملتينِ سوف تبدأ بالقلقِ من انهيارٍ ماليّ كامل. كيف يبدو الأمر لو عشت في سيارة؟ في تلك اللحظة تتصل بك أمك، لتخبرك فرحةً بأن أمرًا رائعا قد حدث لشخصٍ كان لئيمًا معك في الصفّ الثامن. تنهي المكالمة، ويبدو عقلك مثل عقلِ ضفدعٍ قام العلماء بإغراقه في الكافيين. قد تحتاج دقيقة أخرى لتعود بتفكيرك إلى لحظة الرجل في الحديقة الخلفية المعشبة. أغلق عينيك، تنفس، ابدأ من جديد.

أنا أعتذر، أتمنى لو كانت هناك طريقة أدق وأذكى للقيام بذلك، ولكن يبدو أنه الحل الوحيد، صدقني أنا أكره الحلول الطبيعية، وهي غالبًا الملجأ الأخير بالنسبة لي. منذ ليليتين حضرتُ لأعلِّم صفي بألمٍ في الصدر والحلق، من النوع الذي تشعر معه بأنك مصابٌ بسرطان القصبات الهوائية، صادف ذلك وجود طبيبين عندي في الصف، أحدهما حاول طمأنتي بأن الاحتمال الأكبر هو ألا أكون مصابا بسرطان القصبات الهوائية، وأنَ سحابة منتصف الخريف الفيروسية قد هبطت، وأن الكثير من الناس يعانون من أعراضٍ مشابهة. الطبيب الآخر نصحَ بأن أشرب ماءً ساخنًا جدًا.

“ماء ساخن؟” قلتُ، “ماء ساخن؟ يجدر بي أن أكون في البيت موصّلة بحقنة الإيبديورال، أتجرع شراب كودين للسعال، وأنتَ تصفُ لي الماء الساخن؟”. هددته بعدها بأن أخفّضَ من درجته (بالطبع هذه ليست ورشة عمل بدرجات، لذلك مال طلابي لفتل عيونهم في المكان عندما هددتهم). في وقت الاستراحة أحضر لي ذلك الطبيب كوبا من الماء المغلي مثل الذي نستخدمه لكوب الشاي ولكن من دون كيس الشاي وشربته، حنجرتي وصدري توقفا عن إيلامي بعد عشرين ثانية.

كرهتُ ذلك.

ومع ذلك، التنفسُ بهدوء يساعد على الوصول إلى ذلك المكان، حيث تعمل قلوب شخصياتك، والأشياء التي يقولها الناس في الشوارع، تصبح مسموعة فوق صوت محطة الراديو العاطلة. عندما تكون في تلك الوضعية ستعرف. أجاهدُ نفسي بشكل كبير لكيلا أستخدم كلمة تناغم هنا. إذن، دعني أقصّ عليك قصة سريعة.

في الصيف الماضي استقبلتُ مكالمة هاتفية من منتج في مدينة نيويورك، أراد مني أن أسافر بواسطة الطيارة شرقا بعد يومين وأن أبيت الليلة لأشارك في برنامج حواري تلفزيوني ثم أطير عائدةً إلى مدينتي. فكّرتُ طويلاً، ومليًّا، فيما إذا كان يجدر بي الذهاب. استغرق الأمر ثلاثين ثانية تقريبًا.

بالطبع أردت الذهاب، لكن كان عليّ أن أقوم بترتيبات من أجل ابني سام ليبيت عند جديه، واحتجتُ لحجز رحلة عودة لتوصلني في الوقت المناسب لأعطي المحاضرة لورشة العمل التي أشرف عليها في الليلة التالية، والرحلة الوحيدة التي ستفي بالغرض كانت مرتبطة بالتوقف في مطار مدينة دالاس فورت وورث. توقف الطائرة في مطار دالاس هو شيء لم أكن صدقا متصالح معه. لذا شاركت كل هذا مع المنتج، ثمّ خرجتُ إلى اجتماع لجنة في كنيسة.

كنتُ حالة من الفوضى، من السماعة اليمنى، كانت قناة الراديو المعطلة تعزف بروفات برنامج تلفزيوني، وظهورات متتالية لـ ديف وأرسينيو. من السماعة اليسرى، كان هناك برنامج يستقبل اتصالات عن حوادث الطائرات، رافقها وصف لما يحدث للجسدِ عند الاصطدام.

وصلتُ إلى الكنيسة ولم تكن اللجنة قد اجتمعت بعد، و لكن أربعة من كبار الكنيسة –كانوا نساء بالمجمل- ثلاث نساء من أفارقة أمريكا و واحدة بيضاء. كنّ يعقدن جلسة صلاة، كنّ يصلّين للأطفال المشرّدين.

“هل نستطيع أن نناقش مشكلتي الشخصية للحظة؟ ” سألت. أومأن برؤوسهن، فأخبرتهن كل شيء عن مخاوفي المتعلقة بالطيران، وكم عدد الأجزاء المتحرّكة في تلك الرحلة الذاهبة شرقا. أومأن برؤوسهن مجددًا. بدا أنهن مؤمنات بأنه بين يسوع المسيح ووكالة السفر، يمكنُ للأمور أن تُحل. تنهّدتُ. كان اجتماعي يبدأ في غرفةٍ أخرى، لذا جررتُ نفسي خارجا. كان عقلي محاصرًا بصورٍ من البرنامج الحواري، سقوط الطائرة، والرجل المجنون ببندقية في مطار دالاس. كنتُ أعاني من بعض المشاكل في التركيز. انتهى الاجتماع، وفي طريقي إلى الخارج، لفت نظري كتاب صغير للصلوات. حملته و دسسته في حقيبتي.. فكرتُ بأنه يمكنني إلقاء نظرة عليه خلال العشاء وثمّ إعادته في الأحد القادم. طوال الطريق إلى مفصل شارع الهامبرغر، قلقتُ قلقتُ أن يصيبني حادث سيارة وأنْ يُكتشف الكتاب بحوزتي. سيعرفُ منقذيَّ بأنني قد فقدتُ عقلي أخيرا، وبأنني صرتُ أحد أولئك المتعصبين الذين يعتقدون بأن العالم سوف ينتهي غدا بعد الغداء مباشرة. وصلت إلى المطعم بسلام، وعندما جلست أخرجت الكتاب الصغير ، فتحته قبل أن أخرجه من الحقيبة لكيلا يظهر الغلاف، و كأنه أكثر كتب الجنس بذاءة مثل “المؤخرات الكبيرة الجميلة” أو شيء من هذا القبيل.

بدأتُ القراءة، وفي إحدى الصفحات عثرت على هذا المقطع الجميل: “تيّارُ الخليج سوف يتدفق عبرَ قصبة إذا كانت القصبة متوازية مع تيّار الخليج، وليست متقاطعة معه.”

لتلخيص القصة الطويلة، طرتُ إلى نيويورك وكل شيء مضى على يرام. لم يكن علي التوقف في مطار دالاس وعدت إلى بيتي في الوقت المناسب لأعلم صفّي. لذا دائما ما أروي لطلابي الآن قصة تيّار الخليج: ما تعنيه لنا القصة نحن الكتاب، هو أن نضع أنفسنا بشكل متوازٍ مع نهر القصة، نهر عقلنا الباطن، مع الذاكرة والحساسية، مع حيوات شخصياتنا، وعندها سوف يتدفق السرد من خلالنا، ونكون نحن القصبة.

عندما تبث محطة الراديو العاطلة، نكون بموضع متقاطع مع النهر. لذا نحتاج أن نجلس هناك ونتنفس، نهدئ من أنفسنا، نرفع أكمامنا ونبدأ من جديد.

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

إيمان مرسال؛ كتابةٌ عن الكتابة

 أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه

أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه

أنت لا تعرف لماذا استبدلت هذه المفردة بأخرى، حرّكت ذلك المقطع إلى أعلى الصفحة ومحوتَ ما كان النصّ قد بدأ به. ما محوْته هو بالضبط ما كان يسيطر عليك منذ عدّة ليالي بينما تحاول أن تنام، ثم عاد إليك بالأمس وأنت عائدٌ من العمل إلى البيت وفاجأك بصورة جديدة عندما استيقظتَ اليوم؛ المقطع الذي محوته دون ندم هو ما كان قد شجّعك على أن تجلس أخيراً وتكتب. لقد بدا في لحظة سابقة وكأنه نواة ما يشغلك.. أين تذهب كل هذه الكلمات التي يتم حذفها من نصٍّ يُكتَب؟ هل تترك ما يدلّ على حضورها قبل أن تختفي، وهل تعود للحياة مرةً أخرى في نصٍ آخر؟

مِن الصعب حقاً أن نكتُب عن “الكتابة”، تبدو الإجابات على أسئلة مثل لماذا تكتب وما الدافع، ما علاقتك بها، لماذا أنت مُقلّ أو غزير الإنتاج، مثل إجابات على أسئلة من قبيل: من أنا؟ لماذا أنا هكذا؟ كأنك تعرف، الأدهى أن تتصوّر أن إجابتك أيّاً كانت ستساعدك على “تعريف” ما تظنه نفسك.

أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه؛ الكتابة بكل بساطة – أوتعقيد – مِزاجٌ؛ مِزاجٌ فرديّ وخاصّ ومن المستحيل وصفه مِن الداخل دون أن يبدو الواصِف وكأنه يتكلّم عن شيء آخر من قبيل مركزيته وهو يكتب، خبرته، مُعاناته، تصوراته، طقوسه… إلخ. أنا لستُ مشغولة بذلك في الحقيقة؛ إذا كان عندي سؤال يخصّ الكتابة فهو: كيف يعيش مَن لا يكتبون؟ أقصد كيف يتنازلون عن إمكانيّة أن يقيموا علاقة مختلفة بالحياة عبر الكتابة؟

هل في مقدرة مهن وهوايات مثل الطب والنجارة والشطرنج أن تعيد تشكيل هوية شخص ما؟ لا أدعي أن “الكتابة” في حد ذاتها تستطيع القيام بذلك (انظر إلى كل هؤلاء الكُتّاب الذين يدافعون عن هويّات صلدة وجاهزة قبل أن يولدوا أو يكتبوا)، لكني أظن أن في استطاعتها أحياناً القيام بذلك، مثلما يمكنها أن تجعل حياة شخص ما مضطربة بشكلٍ مهول. ربما لا يمكن وصف هذا الاضطراب إلا بتقديم سرد عنه مما سيجعل من يقدمه موضوعاً للتشريح في معمل. أقول ذلك وليس في خيالي الصورة المبتذلة للكاتب المتنصل، المتفرّغ للتأمل، المتعالي على العامة والدهماء؛ بل صورة كاتب مثلي ومثلك، يعمل من أجل أن يعيش، قد ينجب أطفالاً فلا يتخلّى عنهم، ويقبل مسئوليته المباشرة تجاه المجتمع والعالم ليس كمصلح ولا نبيّ بل كفرد يعيشُ الآن وهنا. أتخيله شخصاً وحيداً وليس باحثاً عن الوحدة كشرط لأن يكتب. أنه يقاوم بئر وحدته الذي يسقط في قعره أحياناً بالكتابة فلا يغرق، بالكتابة يظن – واهماً ربما- أنه يصنع خروماً في سياج حوله فيتواصل مع أشباهه. قد يتعطل كثيراً في قعر بئر أو خلف سياج بما يعني أن الكتابة كالحياة تجربة وإعادة اختبار دائم.

لعلّ أجمل ما فِعل الكتابة هو تعدّد الاختيارات، لانهائيّتها. كأننا نتعلّم ونحن نكتب حُريّة الاختيار بين إمكانات شتّى لم نر مثلها في الواقع، إنّها الحُريّة الوحيدة التي نعمل من أجلها بإخلاص، ذلك أننا نستحقها.. إنها أكبر من الحُريّة التي حصلنا عليها أو حتى طالبنا بها داخل الأسرة والمدرسة والعمل والصداقة والحب. لا أعني بهذا أن الكاتب حرٌّ تماماً عندما يكتب؛ فاللغة التي يكتب بها هي أقدم وأقوى أعدائه، كما أنه لا يمكن امتلاك الكلمات اللازمة لنُمسك لحظة واحدة من الحياة في هذه المسافة المحدودة من الوقت على هذه المساحة البيضاء من الصفحة.

بدأتُ في سنة 2004 كتابة مشهد يُهدم فيه بيت الأهل، ويخرج شَعر الأم الميّتة من شق قديم في جدارغرفتها. كان المشهد هناك كاملاً في الطفولة، واقعيّاً، بعيداً، حدث بالفعل.. لكنه يُفلت بمجرد استخدام الكلمات.. يصبح مشهداً خياليّاً مرة، دراميّاً أُخرى.. كأن كتابة بيتٍ يُهدم ويطاردك من الذاكرة يعني أن تهدمه مرةً أُخرى وتكون تحت الأنقاض تُعارك لُغتك الأم – أظن أننا لا نتعارك إلا مع لُغتنا الأم – لتخرج بمشهدك من هيمنتها. بعد عدّة محاولات كتبتُ أن “شعر أمي يطلع كهديّة، كعقاب، أيّة علاقة تجمعنا الآن؟ أعطيتُ فساتينها صدقةً لأنها لا تناسبني، ولو تقابلنا الآن فسأبدو لها مثل أختٍ كبرى”. بمجرّد كتابة هذا المقطع اكتملت القصيدة بسلاسة وفي دفعة واحدة – وكأن مشهد هدم البيت وجد جوهره – ثم نُشِرت في مجموعة “جغرافيا بديلة” 2006. لا يوجد دليل أن المشهد قد تمّت كتابته، أو أن نبرة الصوت هذه هي ما كنتُ أبحث عنها وهذا أيضاً أحد الأشياء التي تُسحرني في الكتابة؛ أن “تتصوّر” للحظة أنك وصلت تماماً إلى ما تريد أو أن النصّ هكذا انتهى.

في صيف 2010، قال لي صديقي عبد الحكم سليمان أنه وجد في صندرة شقته صندوقاً مليئاً بأوراقي وأنه ربما يعود إلى مُنتصف التسعينيّات. أنا مثل معظم مَن أعرفهم تنقّلت في شقق عديدة في تسعينيّات القاهرة وأضعت أشياء كثيرة حتى أنني لا أعرف ما هي. عندما فتحت الصندوق، وجدت تحت طبقة رقيقة من التراب يوميّاتي في كراسات دراسيّة مُجلّدة، تمتدّ من الصفّ الخامس الابتدائيّ وحتى التخرُّج من الجامعة. احتوى هذا الكنز أيضاً على رسائل عاطفيّة ومجلّات حائط وبيانات سياسيّة وتذاكر سينما وقطارات ومسودّات لمعظم القصائد التي كتبتها في حياتي قبل 1994 سواء نُشِرت أم لا.. كانت هناك مفاجآت أكبر من كل توقّعاتي وكان من أكثر ما أدهشني، وجود قصيدة لا أذكرها على الإطلاق تعود إلى 1983 أي وأنا ما زلت طالبة في المرحلة الثانويّة؛ القصيدة هي مشهد هدم بيت الأهل وخروج شعر الأم كـ “هديّة من الموت.. كاعتذار متأخّر عن الغياب”. كانت واحدة من تلك اللحظات التي تُخرج الحياة لك لسانها فيها.. إنها ليست مجرّد محاولة جيّدة تجاه مشروع قصيدة أخرى، أكثر إخلاصاً أو”صدقاً” ربما.. أقلّ “لعباً” أوطموحاً ربما .. بل كأنك ترى نفسك أيضاً عندما كنت مشروعاً لشخصٍ آخر. الأكثر رعباً، أن تكتشف أن مشهداً ما ظل يُطاردك كل هذه السنوات دون أن تعرف.. أن اختياراتك تجاه اصطياده قد تكون قد تغيّرت كثيراً ولكن هذا لا يمنع أنك ظللت مشغولاً بنفس المشهد، بنفس المنطقة من الذاكرة وأيضاً دون أن تعرف..

 ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ

ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ

لا أتخيّل الاختيارات على صفحة بيضاء أو شاشة قرارات مُتعاقبة كواحد، اتنين، تلاتة.. أبداً.. أظنها مُتشابكة، متداخلة مع بعضها البعض ومع الحياة خارج النصّ. بهذا المعنى ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ، أكثر غرابة أو أقلّ جمالاً، أكثر تجديداً أو أقل رقابة.. هناك فقط ما هو أعمق في أصالته وفي طموحه للتواصل في هذه اللحظة بالنسبة للشخص الذي يكتب. كأنّ كل نصّ هو رحلة غامضة تبدأ من مفردة، من مشهد، من رائحة أو صوت، من تصدّع ضبابيّ لا تعرف متى بدأ ولا كيف سينتهي. رحلة توازي الحياة، تتورّط فيها أوتنهل منها ولكنها أيضاً تحاول هدمها كواقع أو خلقها مرة أخرى كما في حُلم. كلمة “رحلة” تجعل هذا النشاط الفرديّ وكأنه بالغ الجديّة والصعوبة، ربما يبدو كذلك حين نراه من بعيد ولكني أظنّ أنه في جوهره لا يخلو من اللعب والحماقة؛ مثلما يخلق طفلٌ حياة موازية أبطالها كائنات من الطين ويتحدّث إليها ويردّ بالنيابة عنها وهو يعرف أن الكبار سيعاقبونه لأنه وسّخ ملابسه.

ليست كل الاختيارات واعية بالضرورة، كأنك وأنت تكتب تمشي خلف خيط خافت من النور ولا تعرف إن كنت ستجد أي شيء في طريقك أم لا. غياب المرجعيّة والدليل هو ما يجعلك تستمتع باللعب .. لهذا لا يُوجد تراكم خبرة في الكتابة، ما كتبته من قبل ليس رصيداً صالحاً للاستثمار. لو حاولت أن تمسك نفس المشهد من نفس زاوية النظر الآن فستكتب نصّاً أسوأ مِن لو قلّدك كاتبٌ آخر. هناك اختيارات جديدة، وطرق جديدة للعب.. أحياناً تكون هناك مفاجآت في انتظارك، كأنها جوائز المشي في العتمة. أحياناً تعود من الرحلة خالي اليدين.. ولكنك تعرف أن المحاولات الفاشلة ليست فاشلة تماماً. ربما لا يولد النص عندما نبدأ بكتابته، بل تبدأ علاقتنا في الانتهاء به مع كل مسودة يتشكّل فيها، تنتهي ملاحقة مشهد ما، مزاج ما لنا. نتحرّر من ثقله وسيطرته علينا بكتابته. لهذا فالمسودات تخصّنا بينما النصّ المطبوع يصبح نصّاً عاماً لا يخصّ كاتبه حتى ولو لم يقرأه أحد. إنه كعمل الخير الذي رميناه في البحر أو كـ العمل “الردي” الذي يظهر لك كفضيحة من الماضي بين وقتٍ وآخر.

* نُشِرت هذه المقالة في عدد ديسمبر 2013 من مجلة الثقافة الجديدة في القاهرة، ضمن ملف عن إيمان مِرسال عنوانه “الحُضور المُشعّ للتفاصيل”.

كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

اصنع نمطا ثم قم بانعطافة مفاجئة

 

أنشئ هيكلين متوازيين لكن مد جسرًا بينهما

أنشئ هيكلين متوازيين لكن مد جسرًا بينهما

روي بيتر كلارك
ترجمة: علي سيف الرواحي 

يشكل معظم الكتاب كتاباتهم النثرية عن طريق بناء هياكل متوازية في كلماتهم وجملهم. في هذا الإطار تقول الكاتبة (دينا هاكر) في كتابها دليل الكاتب “عندما تتوازى فكرتان أو أكثر، فإنه من الأسهل استيعابهما حينما يعبر عنهما في نمط نحَوي متواز. النص يجب أن يكون متوازنًا بجميع كلماته المفردة والتعابير والجمل”.

 يمكن رؤية تأثير هذا الأسلوب بكل وضوح في خطابات المتحدثين العظام من أمثال (مارتن لوثر كينج) الذي يقول:

 ” دع الحرية تجوب أرجاء الوطن بدءًا من تلال “نيوهامشير” الاستثنائية. دع الحرية تحلق منطلقة من قمم جبال نيويورك العظيمة. دع صيت الحرية ورنينها يجوب سلسلة جبال بنسلفانيا الشاهقة. وأطلق العنان لتلك الحرية لكي تخترق القمم الثلجية لجبال الروكي في كولورادو.”

 لاحظ كيف قام (كينج) ببناء نمطٍ تصاعدي من خلال تكرار بعض الكلمات وهيكلها النحوي، حيث قام بتكرار معنى الجبال الشواهق وقممها بكلمات مختلفة واستخدم صفات مختلفة للتعبير عن عظمة تلك الجبال.

 “استخدم أنماطا متقابلة متى ما استطعت ذلك” ينصح الكاتب (شيردان بيكر) في كتابه “الأسلوبي العملي”، حيث يقول أيضا “الأفكار المتساوية تتطلب نظاما بنائيا متوازيا”. بعدما انتهيت من قراءة كتاب (بيكر) عثرت على مقالة من تأليف أحد كتابي المفضلين (جي كي شيسترتن) الذي قام بتأليف قصص بوليسية، وكتب دينية، والعديد من المقالات الأدبية في بداية القرن العشرين. ويظهر أسلوبه الرصين في استخدامه البناء المتوازي من خلال الجملة التالية:

 “حاملا عصاي وسكيني، وطباشيري وأوراقي البنية، تابعت مسيري إلى عظمة المجهول”.

 الجملة السابقة تمضي بخطى واثقة وهي تستند على محورين رئيسين في البناء المتوازي: أولهما استخدامه المتكرر لـ “ياء” الملكية في أربعة مواضع متوازية، ثم ربط تلك المواضع بحرف الواو.

 يعتقد (نيل بوستمان) بأن مشاكل المجتمع لا يمكن حلها بالمعرفة وحدها. وقد صاغ اعتقاده ذاك بمجموعة من الأقتراحات المتوازية:

 “إن كان يوجد أناس يعانون من الجوع، وطبعا يوجد، فليس ذلك بسبب قلة المعرفة. وإذا كانت الجريمة تعيث فسادا في الشوارع، فإن قلة المعرفة ليست السبب وراء ذلك. وإذا أسيء إلى النساء والأطفال، فشح المعلومات ليس له دخل في ذلك. وإن كانت مدارسنا لا تعمل كما يجب ومبادؤنا الديمقراطية تفقد قوتها، فليس وراء ذلك قلة المعرفة. وإذا كانت تلك المشاكل تنخر عميقا في مجتمعاتنا فإنه بسبب وجود شيء آخر ينقصنا.”

 من خلال تكراره للجمل الشرطية وإنهاءه تلك الجمل بتعبير “قلة المعرفة أو المعلومات”، فإن (بوستمان) يحاكي دقات طبلٍ لغوية بصورة مقنعة.

هكذا وبصورة مفاجئة بدأت في رؤية تلك الأنماط المتوازية في كل مكان. وفيما يلي مقطع من رواية “المخطط المضاد لأمريكا” للروائي (فيليب روث)، فيه إحدى جمل (روث) الطويلة التي يشتهر بها يصف فيها حياة الطبقة اليهودية العاملة  في الأربعينيات من القرن العشرين:

 “يعمل الرجال خمسين وستين وحتى أكثر من سبعين ساعة في الأسبوع. بينما تعمل النساء طوال الوقت وبمساندة محدودة من آلات العمل، يقمن بغسل الملابس وكيها، يرقعن الجوارب، ويصلحن الياقات ويخطن الأزرار في مكانها، وينقين الصوف من حشرات العث، ويلمعن الأثاث، ويمسحن ويغسلن الأرضيات، وينظفن زجاج النوافذ، ويعدن ترتيب المطابخ، وينظفن السجاد بالمكانس الكهربائية، ويقمن بعناية المرضى، ويتسوقن ويطبخن الأكل، ويطعمن اقربائهن، ويرتبن الخزائن والأدراج، ويشرفن على دهان المنازل وإصلاح البيوت، وينظمن الطقوس الدينية، يدفعن الفواتير ويحافظن على كتب العائلة في الوقت نفسه الذي يقمن برعاية أطفالهن وشراء الملابس لهم ومتابعة دراستهم وإطعامهم والسهر على راحتهم وتعليمهم فضائل الأخلاق”.

في النص الإبداعي السابق المدوخ للعقل أحصيت تسعة عشر تعبيرا متوازيا، جميعها بنيت على التعبير الأول “يقمن بغسل الملابس”. وهنا يكمن سر (روث) في تحويله للنص العادي إلى مقطوعة موسيقية عن طريق تفكيك الفعل الواحد إلى تفاصيله ومشتقاته الجزئية. وقام (روث) بحركة أخرى حيث كسر النمط في الجملة الأخيرة عندما تحدث عما يقوم به هؤلاء البسطاء لعوائلهم وهو مواز لما يقومون به للعوائل التي يعملون لديها.

 والبناء المتوازي النقي يشبه في وقعه الانفجارات المتتابعة. لكن البناء المتوازي الذي يحمل انعطافة مفاجئة يكون كالانفجارات الصغيرة التي تنتهي بانفجار كبير. وهذه الأنماط الحاملة للمتغيرات الذاتية هي المكون الأساسي لبعض التعبيرات المتداولة كالأمثولات الشعبية والحكم الشعرية.

 كلنا يعرف شعار (سوبرمان) الذي يقول: “الحقيقة والعدالة والعيش على الطريقة الأمريكية” وهو يحمل انعطافة لطيفة في جزئه الأخير؛ حيث تم التلاعب في معناه الذي يشير بكل بساطة إلى الوطنية أو حب الوطن. وهذا الكسر للنمط كثيرا أضاف قوة في المعنى في نهاية خطاب (مارتن لوثر كنج) الآنف الذكر.

 عندما وجه (كينج) بوصلة الحرية ناحية الجنوب الأمريكي المعروف بالتمييز العنصري آنذاك، أحدث تغييرًا كبيرًا في النمط. فقد قام باستبدال الوصف الجغرافي العام للأراضي الأمريكية بتحديد مناطق بعينها مرتبطة بالعدالة الاجتماعية: جبال صخرية وأخرى ذات إطلالة جميلة. وهذا التغيير الأخير لم يصف بسخاء الجبال الشاهقة في ميسيسيبي فحسب بل أيضا كل زاوية وركن وحفرة من ذلك المكان.

 معظم الكتاب لا يحسنون استغلال تقنية البناء المتوازي (أو المتناظر). وقد ينتج عن ذلك عدم انسيابة في النص والمعنى. ونرى تأثير أسلوب الكتابة هذا جليا في كتابات تاريخية عظيمة للقديس (بول) والرئيس الأمريكي محرر العبيد (ابراهام لينكون) الذين كتبا نصوصا غاية في الفصاحة وذات معنى نافذ عابر للزمن.

تمرينات عملية

 ١. قم بمعاينة آخر كتاباتك واضعا أسلوب المتقابلات في الحسبان. ثم استخرج أمثلة على استخدامك للبناء الموازي. وانظر هل هنالك فراغات  قد تشعر القارئ بعدم ترابط الجمل.

 ٢. عندما تقرأ الروايات والكتابات الإبداعية في الصحافة، قم بالإشارة إلى الأنماط المتوازية وحاول استنباط تأثيرها المحتمل على القارئ.

 ٣. تلاعب، على سبيل الدعابة، بتلك التعابير المتوازية بتغيير عنصرها الملتوي.

 ٤. سيساعدك تمييز الأنماط المتوازية على اكتشاف الانعطافات فيها وكسر النمط في عنصرها الأخير. ركز في الجانب الغرائبي منها.

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

آن لاموت وعذاب معالجة الحبكة

بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة

بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة

ترجمة: رؤوف علوان 

يظن تلامذتي بأن الكاتب المحترم يجلس ويبدأ بتأليف كتابه، وهو يعلم جيدًا ما سيحدث بالتحديد، لأنه قد رسم الخطوط الرئيسية لغالب الحبكة، وبسبب هذا تغدو كُتُبه جميلة جدًا، ويحيا حياة مريحة مليئة بالبهجة، واعتداده بنفسه عظيم جدًا، وثقته ودهشته الطفوليّيْن لا تتزعزعان.

حسنٌ، لا أعرف أحدًا تنطبق عليه هذه الصفات إطلاقًا. كل من أعرفهم يكابدون المشقة، يشتكون على الدوام وقد أصابهم الجزع، في بحثهم عن حبكة وبناءٍ يُجديان. يمكنك الانضمام إلى نادي العذاب هذا بكل ترحيب.

من جهةٍ أخرى، بدلاً من أن تكتشف بأن لديك حبكة، فقد تجد بأنك تحصّلتَ على عدّة خطوط مؤقتة، لعلّه مشهدٌ تخيلته ينفع كذروة. فتدفع بكل الأحداث في اتجاه ذلك المشهد، لكن عندما تصل إليه، أو قريبًا منه، تجد وبسبب كل ما تعرفه عن شخصياتك طوال الوقت، بأنه لا يُجدي نفعًا. قد يزوّدك هذا المشهد بالثقة التي تحتاجها للعمل على الكتاب، لكن الآن هو بلا قيمة، وأيضًا لا يُفضي إلى خاتمة جيدة.

لقد خضتُ هذه التجربة خلال روايتي الثانية، عندما بدأ يتملكني إحساس قوي حول الشخصيات التي أكتب عنها بسبب صورةٍ لا تنفكّ تنمو في خيالي. لكن عندما وصلتُ بالأحداث إلى تلك الصورة التي تمثل ذروة الأحداث، بدتْ لي خاطئةً تمامًا. فالتزمتُ الصمت لعدة أيام وانتظرتُ من الشخصيات أن تأتيني وتفصح لي بنفسها عن حواراتها ورغباتها. منذها فصاعدًا، كنتُ أشعر بأنني أعرف كيف سينتهي الكتاب، وكيف سيبدو مكتملاً. من ثم، أمضيتُ سنتين بأكملهما على الكتاب، أرسلُ منه رزمة بعد الأخرى إلى محرِّري في دار فايكنغ للنشر.

أُعجِبَ محرّري بالشخصيات كلها، وأعجبَتْهُ النبرة والكتابة، لكن بعد أن قرأ مسودتي الثانية كاملةً إلى نهايتها، أرسلَ إليّ رسالةً بدأها بالتالي: “هذه لربما أصعب رسالةٍ أضطر لكتابتها”. حينها بدأتُ أرى النجوم تحوم فوق رأسي في مكتب البريد، وكأنما شخص سدّدَ لي ضربة إلى رأسي. كان المكان يدور بي، وأخذ يتابع محرّري بأنه وبينما كان قد استمتع بالشخصيات وبالحوار، فإني نتيجة لذلك خلقتُ مأدبةً جميلة، لكني لم أدْعُ القارئ للجلوس ليأكل. لهذا فالقارئ بقيَ في حالةٍ من الجوع. وبمزج الاستعارات، بدا الكتاب كمنزلٍ بلا أساساتٍ، ودون دِعاماتٍ، وأنه كان ينهار على ذاته، وبأنه ما من سبيلٍ لإنقاذه من السقوط. ويجبُ عليّ أن أضعه جانبًا وأبدأ العمل على كتابٍ آخر من الصفر.

الأمر هو، أنني اضطررتُ لصرفِ الكثير من المقدّم المالي. ووصلتُ إلى حالة يرثى لها من حزنٍ وخوفٍ في مكتب البريد، وهذا الشعور لازمني لأسبوعٍ أو أكثر. كنتُ ساخطةً من الذل وخائفة كثيرًا على مستقبلي. لكنني هاتفتُ صديقةً لي تحب كتاباتي، وتشجعني على الدوام، فأخبرتني أن أمنح الكتاب بعض الوقت، القليل من الشمس والهواء المنعش. قالت لي ألا أقترب من الكتاب لمدة شهر. وقالت بأن كل شيء سيكون على ما يرام، رغم أنها لا تعلم تمامًا حالة “على ما يرام” تلك كيف ستكون.

قررتُ الدخول في عزلة، استأجرتُ غرفةً في منزلٍ قديم ضخم، يطلّ على نهر بيتالوما[i]. المكان هادئٌ جدًا تمتد فيه المراعي على امتداد البصر، لا أحد يعلم هناك من أكون، وبالكاد أحد ممن أعرفهم يعلم أين سأكون. من خارج نافذتي بدت المروج تنتشر فيها الأبقار والعشب والقش. أخذتُ أداوي جراحي هناك عدة أسابيع بانتظار ثقتي لتعود. حاولتُ ألاّ أتخذ أيّة قراراتٍ مهمةٍ حول مصير الكتاب سواء بالتخلص منه، أو بإنهاء حياتي ككاتبة، لأن الشيء الوحيد الذي أعرفه بكل تأكيد، أنك إن شئتَ تجعل الآلهة تضحك، أخبرها عن مخططاتكَ المستقبلية.

أخيرًا وجدتُ نفسي جاهزة للنظر في الكتاب من جديد. فقرأته كله بجلسةٍ واحدة، وأعجبني. وجدتُه رائعًا. أيْ نعم كان عبارة عن فوضى عارمة، ولكنها فوضى رائعة. هاتفتُ محرّري وأخبرتُه بأني عرفتُ ما الذي سأفعله وبأنني سأثبت له ذلك. لقد كان سعيدًا من أجلي من كل قلبه.

وفي غرفة كبيرة خرِبَة بالمنزل الذي أقطن فيه، أخذتُ في أحد الصباحات مسودّتي ذات الثلاثمئة صفحة وبدأتُ بفرشها على الأرض، قِسمًا بعد قِسمْ، ووضعتُ الصفحات بما يشكّل دربًا، من البداية إلى النهاية، فبدا كخطٍ أفقي مكوّنٍ من أحجار الدومينو، أو جادةٍ من حجرٍ في حديقة. وكانت هناك مشاهد في الصفحات الخمسين الأخيرة ستكون رائعة عند البداية، وهناك مشاهد وأحداث مشتتة بكل مكان، بإمكاني جمعُها وإعادة كتابتها لتصنع مقدمة عظيمة للفصلَيْنِ الرئيسَيْنِ. مشيتُ نزولاً من الأعلى، من بدايةِ إلى نهاية الأحداث. أغيّرُ مكان رزمٍ من الأوراق، أو أشبكُ الأقسام المتشابهةِ، أو أدوّن خربشة ملحوظاتٍ سريعة لنفسي حول كيفية تشكيل أو اختصارٍ أو استطرادٍ على كل قِسم، وبكلّ طريقةٍ ضرورية كانت.

بدأتُ ألاحظُ الثغرات التي أحتاج إلى ملئها – انتقالات، معلومة مهمة سنحتاج لمعرفتها قبل حدثٍ لتجعل منه منطقيًا – وثم دوّنتُ على ورقةٍ فارغة ما خِلتُه ضروريًّا ووضعتُ الورقة على كومةِ الأوراق حيث يليق بها. هذه الصفحة احتوت على ما يكفي من مساحةٍ فارغة، لعلها تكفي لمشاهد كاملة، بطريقةٍ بدت – حال شعوركَ بالفقدِ – مثل صدر صديقٍ وفيّ يتسع بما يكفي ليواسيكَ أو ليلهمك القدرة على الاحتمال فتستند عليه. أدوّنُ خربشاتٍ من الملحوظاتِ على العديد من الأقسام للإشارةِ إلى، في الواقع، أن هناك خطرٌ محدّقٌ، وأنزلتُ أحداثًا سيئة على تلك الشخصيات التي كنت أحميها. وجدتُ مواضعًا حيث باستطاعتي أن أقسو عليهم أكثر، أدفعهم، أحمّلَهم فوق طاقتهم، بطريقة ستؤدي بهم إلى كارثة لا مفرّ منها، وأغلقتُ أيضًا عليهم دائرة الكارثة حابسةً إياهم بداخلها. ثم، حين تأكدتُ من كل شيء، رتّبْتُ الصفحات في ترتيبها الجديد، وشرعتُ بكتابة مسودة ثالثة.

كتبتُ تلك المسوّدة جزءًا بعد جزء، اهتممت بكل قِسمٍ منها، مهما كان صغيرًا أو مهما بدا غير مهم، ليخرج بأفضل حالةٍ ممكنة. استبعدتُ فقراتٍ كاملة كنتُ أحبّها، فقراتٍ أحشوَ الكتاب بها لأني كنتُ معجبةٌ بها أو بطريقة الوصف أو بظرافتها. اشتغلتُ عليها لمدة تسعة أشهر، أرسلتُ ثلثها الأول، والذي اندهش به محرّري، ثم أرسلتُ القسم الثاني، الذي أعجَبَه كذلك. وقد أنهيت القسم الثالث في وقتٍ كنت فيه أنفصلُ عن رجلٍ ارتبطت به لفترة من الزمن. كان عقلي مزدحمًا وكأنما عاصفة ضربته: سأرسلُ القسم الثالث، سأستدين المال لأسافر إلى نيويورك، لأمضي أسبوعًا هناك، كي أعمل على تصحيح وتدقيق المسودة مع المحرر، وفي الوقت نفسه أيضًا كنتُ أهرب من ذلك الرجل الذي انفصلتُ عنه. وكذلك أيضًا، لعلّي أستطيع الحصول على الدفعة الأخيرة من المقدّم التي أطالب بها دار فايكينغ للنشر، فلربما أستطيع التشافي ببعض التسوق في مدينة نيويورك.

كتبتُ إلى محرّري أخبرُه بأني آتية. لم يرفض. طلبتُ من الرجل الذي كنت مرتبطةً به أن يخرج حاجياته من المنزل. استدنتُ ألفَ دولارٍ من عمّتي، على وعدٍ بأن أعيد لها المبلغ عند نهاية الشهر. وسافرتُ إلى نيويورك.

في صباحي الأول هناك، ارتديتُ فستان الفتاة الكاتبة وكعبًا عالٍ، واتجهتُ لأقابل المحرر. اعتقدتُ بأنني وإياه سنعمل على التدقيق والتصحيح ذلك الصباح، ومن ثم سوف يعطيني الدفعة الأخيرة من العربون. لو كان حدث ذلك لكنتُ خرجتُ من حالتي الكارثيّة ولكانت (الأفكار السامية) للحقيقة والجمال انتصرتا من جديد. الكل يصدم حين يعلم بأن هذا الكتاب كان على شفا هوة ويلغى. لكنّ محرّري قال: “أنا آسف”، نظرتُ إليه في حيرةٍ، وهو يضيف: “جدًا، جدًّا آسف، لا يزال الكتاب ليس بالمستوى المطلوب”.  لم يكن يفهم لماذا أشياء بعينها تحدث بطريقة معينة، أو لماذا بعض الأشياء تحدث لنا من الأصل، والأهمّ، لماذا القليل جدًا يحدث أساسًا.

جلستُ هناك أحدّقُ فيه حتى بدا وكأن وجهه يذوب. قال لي: “إني آسفٌ جدًّا”. كنتُ في حالة صدمة شديدة منعتني حتى من البكاء، بقيتُ أربّتُ على جبهتي، بالطريقة التي يربّتُ فيها أحدنا على رأسه ليتأكد من أن شعره مصفّفٌ بشكل جيّد. أعتقد بأني حينها كنتُ أشبه ما أكون بشخصية بلانش دوبوا[ii] وهي تحت تأثير مخدّرٍ فاسد. ثم انفجرتُ بالبكاء وأخبرتُه بأنّ عليّ أخرج من هنا حالاً. قال لي بأن أهاتفه غدًا. قلتُ له سأفعل، رغم أني لم أكن متيقنة حينها إن كنتُ سأبقى على قيد الحياة إلى الغد.

   لحُسنِ الحظ، كنتُ لا أزال أعاقر الخمر في تلك الفترة. عدتُ إلى منزل أصدقاءٍ قدامى لعائلتي حيث أقيم. وتجرّعتُ دزينة من الكؤوسِ معهم. وثم اتخذتُ سيارة أجرة لملاقاةِ أصدقاء آخرين. تناولتُ معهم القليل من مئات الكؤوس، وقليل القليل جدًا من المخدرات – في الواقع، حينها بتُّ مثل حيوان آكل النمل إلى حدٍّ ما. (بعدها) اتجهتُ إلى متجر الخمور وابتعتُ نصف باينتٍ[iii] من الخمر الأيرلندية وعدتُ إلى المنزل حيث أقيم. وأخذتُ أرتشفها من الزجاجة مباشرةً إلى أن فقدت الوعي.

عندما استيقظتُ كنتُ أشعر بالاكتئاب قليلًا. نظرتُ إلى مسوّدتي في حقيبة السفر، وفكّرتُ بكل الشخصيات الجميلة، المرحة، والمثيرة، التي عمِلْتُ عليها تقريبًا لثلاث سنوات. فجأةً شعرتُ بغضبٍ عارم. فهاتفتُ محرّري بمنزله، إذ فهو لم يخطط للذهاب إلى العمل في ذلك اليوم، وقد كان محبطًا قليلاً، وقلت له: “إني آتية إليك”، عمّ الصمت لوهلةٍ، وثم قال لي بتردد: “حسنًا.” وكأنه أراد أن يسألني: ” هل ستحضرين معكِ سكاكين!”. عندها كنتُ قد نزلتُ السلالم وأخذتُ سيارة أجرةٍ متجهةً إلى شقته.

حاول أن يُدخلني ويدعوني للجلوس، لكنني كنتُ مجنونةً جدًا وشعرتُ بخيبةٍ، وغضبٍ، وانهيارٍ، وإذلالٍ، وصدمة. حملتُ مسوّدتي إلى صدري مثل طفل. كانت فيها أقسام قد قرأها أصدقاء لي انفجروا ضِحكًا منها، وبعضهم اتصل بي، يبكي. كانت هناك مادةُ بعضها رائع، وبعضها مهم، لم يكتب مثلها أحد من قبل، كنت متأكدة من ذلك، نوعًا ما. بدأتُ أقطع غرفة معيشته جيئةً وذهابًا مثل محاميةٍ تترافع في قضية توضح فيها أدلتها أمام هيئة المحلّفين، وتشرح مختلف أوجه الكتاب، التي بعضها وحسب رغبتي، لا تبدو واضحة، أو نسيتُ أن أضعها من الأساس. ملأتُ الكثير من الثغرات، في توصيف أشياءٍ نشأتْ بين الشخصيات افترضتُ بأنها لا تحتاج لتوضيح. كنتُ أتحدث بصخبٍ درامي – فتاةٌ في الثامنة والعشرين من العمر، مصابةٌ بخُمارٍ حاد، وتشعر بأنها على وشك الموت – لكنني أخبرته عمن هي الشخصيات وعما هي القصة. رسمتُ له أساسات حيواتهم، وفكّرتُ بصوتٍ عالٍ حول كيف سأستطيع وضع الحلول للمشاكل الكبرى في الحبكة والفكرة، وكيف سأستطيع تبسيط بعض أشياءٍ وتعقيد بعضها الآخر. لم أكن أفكر بما كنتُ أقوله، الكلمات كانت تتدفق مني، وحين انتهيتُ، نظرَ إليَّ وقال :”شكرًا لكِ.”

جلسنا إلى جوار بعضنا على أريكته بصمتٍ لبعض الوقت. وأخيرًا قال لي: “اسمعيني، أريد منكِ أن تكتبي ذلك الكتاب الذي وصفتِه لي قبل قليل. لن تُتمّيه هنا. اذهبي إلى مكان ما، واكتبي لي معالجة، معالجة للحبكة. أخبريني فيها فصلاً بعد فصلٍ بما حدّثتِني عنه في النصف ساعة الماضية، وسوف أدبّرُ لكِ الدفعة الأخيرة من العربون”.

وهذا ما فعلته بالتحديد، رتّبتُ أموري للإقامة عند بعض الأصدقاء في مدينة كامبردج لمدة شهر، وهناك مكثتُ في كل يومٍ أكتبُ ما بين خمسمئة إلى ألف كلمة أصِفُ فيها ما يحدث بكلّ فصل. كتبتُ عن كل شخصيةٍ من الشخصيات أين ستكون، وأين كانت، وما تصبوا إليه، ولماذا. وأقتبسُ مباشرةً من المسودةِ أحيانًا. مستخدمةً بعض أفضل الحوارات لأغرس الثقة في نفسي وفي نفس المحرّر، وأوجدتُ المرة بعد الأخرى، أين تبدأ النقطة “أ” من كل فصل، وأين تنتهي النقطة “ب”، وما يجب أن يقع لشخصياتي كيما ينتقلون من النقطة “أ” إلى “ب”. ثم كيف أجعل النقطة “ب” تنتقل بي وبطريقة مبتكرة إلى نقطة “أ” من الفصل التالي. أصبح الكِتاب واضحًا مثل حروف الهجاء، مثل حلمٍ مستمر متوهج بالحياة لا ينتهي. اكتملت المعالجة في أربعين صفحة، أرسلتها بالبريد من كامبريدج، وعدتُ إلى المنزل.

لقد نجح الأمر، فلقد سلّمني محرّري الدفعة الأخيرة من العربون، أعدتُ ما استدنته من أموالٍ إلى عمّتي كي أكسب بعض الوقت لكتابة المسودة الأخيرة. وهذه المرة كنتُ أدركُ تمامًا ما يتوجّب عليّ القيام به، فهذه المرة أمتلكُ مقادير الوصفة الصحيحة. نُشِرَ الكتاب في الخريف التالي وكان أكثر رواياتي نجاحًا.

كلما أخبرتُ تلامذتي بهذه القصة، يُبدون رغبتهم برؤية المسودة الأصلية لمعالجة الحبكة. وعندما أحضرها لهم، يتهافتون عليها وكأنها حجر رشيد[iv]. كنتُ طبعتها على ورقٍ غدا هشًا مع الزمن. ممتلئ بملاحظات، ولطخات، وحلقاتٍ خلّفتْها آثار قهوةٍ أو أعقاب كؤوس نبيذ. إنها تدهشني كونها وثيقة تحلّتْ بالشجاعة على البقاء رغم عاديات الزمن، أكثر مما تدهشني قدرتنا على الاستيقاظ في الصباح التالي.

[i]بيتالوماPetaluma : نهر في ولاية كاليفورنيا.
[ii]بلانش دوبوا Blanche DuBois  أحد شخصيات مسرحية “عربة اسمها الرغبة” لتينيسي ويليامز الحائزة على جائزة بوليتزر 1947.
  [iii]باينت Pint: وحدة إمبراطورية لقياس السعة  تعادل نصف ليتر تقريبًا.
[iv]حجر رشيد: أكتشف عام 1799م يحمل نقوشًا هيروغليفية ويونانية سُمّي بذلك لاكتشافه بمدينة رشيد. فكّ رموزه شامبليون في 1822م.
 

من كتابها Bird By Bird.

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , , | التعليقات مغلقة

5 نصائح للكتابة من دينو منجستو

اجعل من التعب والإرهاق ذريعة لحريات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

اجعل من التعب والإرهاق العاطفي ذريعة لحريات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

 

ترجمة: ميادة خليل
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

دينو منجستو روائي وكاتب أثيوبي – أمريكي ولد في أديس أبابا عام 1978، وهو أحد المستفيدين من زمالة ماك آرثر، وواحدٌ من القلائل (من سن 20 – 40) الذين فازوا بجائزة الغارديان للكتاب الأول، ولديه مجموعة كاملة من الجوائز الأخرى. روايته الجديدة “كل أسمائنا” واحدة من أفضل الروايات لعام 2014.

هذه نصائحه:

1)    كن كريما مع شخصيّاتك. اقتلهم، أنقذهم، حطّم قلوبهم، ثم عالجهم. املأهم بالحياة، التاريخ، الأشياء، والأشخاص الذين يحبونهم، وما إن تفعل ذلك، وبمجرد أن تتشقق جراحهم، عرِّهم. اكتشف كيف يبدون، كيف يقفون، يتحدثون، يتحركون، عندما لا يبقى لديهم شيء. والآن، أعد تركيبهم، املأهم مرة أخرى بالحياة، ولكن هذه المرة، اترك مكانا كافيا للقارئ لكي يعصر قلبه ومخيّلته في داخله.

2)    آمن بأن يوم كتابةٍ جيّد يمكن أن يتحقّق في صمتٍ تام، بساعات تنقضي وأنت تحدّق في شاشة فارغة، أو تصرخ على كلمة أو فقرة، وتعرف بأنّ ليس هناك ما تضيفه أو تغيّره في تلك اللحظة. الإصغاء هو شريك الكتابة الذي يتمّ – عادة – إهماله والتقليل من قيمته. وعندما لا تنقر على لوحة المفاتيح، تأتيك فرصة للجلوس في مكانٍ غير مريح، أحيانًا في صمتٍ مؤلم مع الشخصيات والعالم الذي كابدت من أجل خلقه. حتى عندما لا تكتب كلمة واحدة، فقد ظهرت للعمل، وأكّدت حقيقة بسطة: أنك تهتم، ولديك صبر للتحمل.

3)    لا تفكر كيف تبدو أصوات شخصياتك، بل كيف ترى. أنظر إلى العالم من أعينهم ــ ادرس الاستثنائي والعادي من منظورهم الخاص. سِر حول الحيّ معهم، تجوّل في الغرف التي يعيشون فيها، اكتشف أيّ الأشياء على طاولة غرفة الطعام سوف يحدّقون بها أكثر من غيرها، ثم اعرف السبب.

4)    كلما كبرتُ، كلما ازدادت حياتي امتلاءً وتعقيدًا، مع العائلة والأصدقاء والطلبة، وفوق كل شيءٍ؛ مع الأطفال. لقد تعلمتُ الآن ألا أكون متطلبًا مع ظروف العمل. تعلمت ألا أنتظر الصمت الكليّ، الأمر الذي في الغالبية العظمى من الأيام، لن يأتي أبدًا. وعليه، تخلَّ عن الأمل بأن تجد الجوّ الملائم، أو الضوء الذي يبهجك أكثر من أي لونٍ آخر (العبارة مسروقة من وليم كارلوس وليمز). اهجر الرغبة، ارتدِ قناعًا لو لزم الأمر، اكتب بين الزحام، في الأزقة، في المقاعد الخلفية للسيارات الممتلئة. اسرق وقتًا من العالم المزدحم، حتى لو كان دقائق قليلة، أو ساعة مباركة. اجعل من التعب والإرهاب العاطفي ذريعة لحريّات مفرطة مع اللغة، ومع مخيّلتك.

5)    وفي حال كان بالإمكان أن تنسى، تذكّر بأن العالم لا يحتاج إلى كتابك. العالم سوف يستمرُّ على نحوٍ جيّدٍ من دونه. هناك الكثير من الروايات والقصائد والقصص والمقالات الرائعة، تكفي لحيوات كثيرة من القراءات المدهشة. لذا، اكتب من حاجة، من حرمانٍ شخصي، اكتب لأنك – وربما أنت فقط – تحتاج قراءة تلك الكلمات.

 

* نشرت في آراء. 

كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

من أين تبدأ جملتك؟

أريد منك أن تنظر إلى النواة الأساسية للجملة باعتبارها القاطرة التي تجر باقي عربات القطار.

اجعل المعني الرئيس يأتي في الصدارة، ثم دع العناصر الأقل أهمية تتبعه

 

روي بيتر كلارك
ترجمة: د. سمر طلبة *
مراجعة: بثينة العيسى

تخيل أن كلّ جملة تكتبها تُطبع على أكبر صفحة من الورق في العالم. تخيل هذا. تُكتَب الجملة العربية من اليمين إلى اليسار، فتبدأ بالفعل ثم فاعله في أغلب الأحيان، تليهما العناصر الأقل أهمية، والتي تدعّم المعنى، أو تضيف إليه بشكل أو بآخر.

أنظر على سبيل المثال إلى الجملة التي تنتهي بها الفقرة السابقة. إن أساسها هو “تُكتب الجملة العربية”، وتليه العناصر المكملة للمعنى. وهاك جملة أخري من النوع نفسه، من نص خبر نشرته النيويورك تايمز، يقول:

“سيطر المتمردون على كاب هاييتي، ثاني أكبر مدن هاييتي، يوم الأحد، دون مقاومة تُذكر من المواطنين الذين احتشد المئات منهم وأخذوا يهتفون، كما قاموا بحرق قسم الشرطة ونهب المحال التجارية التي تبيع المواد الغذائية والمطار الذي سرعان ما تم إغلاقه .وأسرع رجال الشرطة ومؤيدو الرئيس أرستيد المسلحون بالهرب.”

تتكوّن الجملة الأولى من تسع وثلاثين كلمة، وهي تعج بالأحداث حتى لتوشك أجزاؤها على التفكك والتطاير هنا وهناك مثل محرك زادت حرارته فانفجر، لكن الكاتب يرشد القارئ بوضع الجزء الأكبر من المعنى المراد توصيله في أول كلمتين، وهما “سيطر المتمردون”، اللتين تشكّلان معًا صلب الجملة ونواتها الأساسية.

أريد منك أن تنظر إلى النواة الأساسية للجملة باعتبارها القاطرة التي تجر باقي عربات القطار.

ولكبار الكتاب القدرة علي كتابة الصفحة تلو الأخرى، معتمدين علي هذه البنية النحوية سالفة الذكر. اقرأ معي تلك الفقرة التي نترجمها من رواية الكاتب الأمريكي الشهير جون شتاينبك” شارع السردين المعلب” والتي يصف فيها الروتين اليومي لعالم من علماء البحار يُدعى دوك (وقد أضفنا الخطوط تحت الأجزاء المراد التركيز عليها):

يعمل دوك وفقًا لإيقاع المدّ والجزر طوال حياته العملية تقريبًا، حتى أنه كان يشعر بتغير اتجاه التيار أثناء يومه. لم يكن يحتاج إلى ساعة. في الفجر كان يستيقظ وينظر من النافذة فيرى الماء وقد بدأ بالفعل ينحسر عن أرض الشاطئ الصخرية المسطحة. يشرب دوك بعض القهوة الساخنة عندئذ، ويأكل ثلاث شطائر ثم يحتسي شيئًا من الجعة.

ينحسر المد على نحوٍ يكاد يكون غير ملحوظ. تظهر الصخور وتبدو وكأنها ترتفع، وتتراجع مياه المحيط فلا تترك سوى برك صغيرة، وأعشاب جافة وطحالب وبعض الأسفنج جميعها ذات ألوان زاهية براقة بنية وزرقاء وحمراء صينية. أما في القيعان فترقد نفايات البحر، من بقايا قواقع وأصداف مهشمة وقطع من هياكل عظمية ومخالب، جاعلةً من قاع المحيط مقبرة عجيبة، تلهو وتتأرجح فوقها الكائنات الحية المختلفة”.

نرى هنا أن شتاينبك يضع صلب جمله، أو أنويتها الرئيسة، في بداية كل جملة، أو قرب البداية، ونري أن الفقرة تتسم، نتيجة ً لذلك، بالوضوح والتدفق السردي؛ إذ كل جملة مبنية على سابقتها. وهو يتجنب الرتابة والنمطية بافتتاح بعض جملهِ بأشباه الجمل كما في الجملة الثالثة التي يبدأها بشبه الجملة الدال علي الزمان “في الفجر”، وكذلك بتنويع أطوال جمله، والتنويع في أطوال الجمل أداة من أدوات الكتابة سنتناولها لاحقًا.

وتتيح اللغة العربية لمستخدميها مزية لا تتاح لمتحدث الإنجليزية أو مستخدمها؛ إذ يمكنه الاختيار بين الجملة الفعلية سالفة الذكر (وهي الأكثر شيوعًا في العربية) والجملة الإسمية. لكن استخدام الجملة الإسمية يخلق مشكلة حين نُضطر إلى فصل المبتدأ عن خبره، حين نريد أن نقول للقارئ شيئا ما عن المبتدأ قبل أن نصل إلى خبر الجملة.

ورغم أن تأخر الخبر على هذا النحو يكون غالبًا له أسبابه المنطقية، إلا أنه قد يؤدي إلى تشتيت القارئ وإرباكه. لكن، إذا ما توخينا الحرص، فإننا ننجح في أداء مهمتنا وتجنب التشتت والارتباك:

“قصص طفولتي – أو ما عاش وبقي من قصص طفولتي: أعني القصص التي ظلت تُحكى، المرة تلو الأخرى، على مائدة العشاء للشبان الذين كنت أواعدهم، بينما أنا جالسة أصغي وقد احمر وجهي خجلا، ثم لأطفالي بواسطة جدهم – هي قصص هروبي من المنزل.”

هكذا تبدأ آنا كويندلن مذكراتها المسماة “كيف غيّرتْ القراءة حياتي”. هنا نجد جملة الافتتاحية وقد فُصل بين المبتدأ والخبر فيها ثلاث وثلاثون كلمة. أما إذا ما كان النص نصًّا متخصّصًا في مجال علمي أو عملي معين، لا نصا أدبيا، فإن الفصل بين جزئي الجملة على هذا النحو يكون مشتتًا في العادة، كما في النص التالي:

“إصدار قانون يستثني ضريبة الدخل من القيمة المقدرَة للمنازل الجديدة من ميزانية التعلم يمكن أن يعني خسارة مدارس مقاطعة تشيسابيك لدخلها”.

إن إحدى عشرة كلمة تفصل المبتدأ “إصدار قانون” عن خبره “يمكن”، وهو خطأ فادح من الممكن أن يحول خبرًا هامًّا يمس مصالح المواطنين إلى طلاسم.

ومتي أراد الكاتب خلق جو من الإثارة أو الترقب، أو إحداث توتر، أو جعل القارئ ينتظر وقد أكله الفضول، أو جعل القارئ يشاركه رحلة الاكتشاف، أو جعل القارئ يستمر في القراءة لمعرفة ما سيسفر عنه موقفٌ ما من حياة أو موت، فيجدر به عندئذ أن يدّخر تتمة الجملة إلى النهاية، كما فعلت أنا للتو.

وقد اختارت كيلي بِنام، وهي إحدى طالباتي السابقات، أن تفعل ذلك حين كان مطلوبًا منها أن تكتب مقالا تنعى فيه تيري شيافو، المرأة التي أدّى مرضها الطويل وموتها المثير للجدل إلى نقاشات في الدول المختلفة عن حق إنهاء الحياة:

“قبل اجتماع الناس للصلاة من أجلها أسفل نافذتها، وقبل أن يدق القضاة بمطارقهم مصدرين حكمهم في ستّ محاكم، وقبل أن يصدر الفاتيكان تصريحه، وقبل أن يوقع الرئيس على القانون في منتصف الليل، وقبل أن تنتبه المحكمة العليا لما يحدث، لم تكن تيري شيافو سوى فتاة عادية تربي هرتين بدينتين، وتشغل وظيفة غير مرموقة وتحيا الحياة الأمريكية المعتادة”.

تأخير تتمة الجملة على هذا النحو يبرز التضاد بين العادي (المتمثل في حياة تيري في البداية) وبين الهام الذي يشغل الرأي العام العالمي (أي تحول تيري إلى حديث الساعة بسبب الجدل الذي أثير حول مشروعية إنهاء حياتها بعد موتها إكلينيكيا).

ولا يمكن لهذا التنويع أن يحدث إلا إذا كانت أغلب الجُمل تبدأ بنواة الجملة تليها العناصر الأقل أهمية كما تقدم، فهذا التركيب يضفي على لغة الكتابة دلالة أدبية ويعطيها زخمًا وقوة. انظر مثلا إلى هذه الفقرة من رواية كارول شيلدز المسماة “مذكرات الحجر”:

“الغرفة الرائعة تنهار مخلفةً كتلة صلدة من الظلام. وحده جسدها ينجو، ومشكلة التخلص منه. لم يتحول الجسد إلى تراب. إدراك ساطع واضح مسلٍ أشرق على عقلها وهي تفكر في أطرافها وأعضائها وقد تحولت إلى تراب مقدس أو رماد جنائزي. شيء مضحك”.

وبديع.

• تمّ التصرّف في الترجمة على ضوء متطلبات الجملة العربية وقواعدها. نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

آن لاموت: متى تعلم أنّك انتهيت؟

أنت تعلم وحسب

أنت تعلم فحسب

ترجمة: سارة أوزترك

متى تعلم بأنك انتهيت؟

هذا سؤال يسأله تلامذتي مرارًا. لا أعلمُ تمامًا كيف أجيبه. أنت تعلم فحسب. أظن أن تلامذتي يعتقدون بأنه متى ما أنْهَت كاتبةٌ قد نُشِرَ لها سابقًا شيئًا، فإنَّها تَضَعُ النقاط في أماكنها الصحيحة، تتنحّى عن المكتب، تتثاوب، تتمطَّى، وتتبسَّم.

لا علم لي بأحدٍ ممن فعل كذلك، ولا مرة واحدة. ما يحدُث بدلًا من ذلك أنك قد كررت مراجعةَ الشيءِ مراتٍ عديدة، وقد عَشَّبت وشَذَّبت وأعَدْت الكتابة، وقد قدَّم لك الشخصُ الذي يقرأُ لك أعمالك نصائحَ رائعةٍ أخذت بِجُلِّها – ثم أخيرًا شيءٌ ما بداخلك يقول بأن الوقت قد حان للانتقال إلى ما يلي. بالطبع سيكون هناك دائمًا ثمة ما يمكن أن تفعله، ولكن عليك أن تُذَكِّر نفسك بأن توخّي الكمالِ هو صوتُ الطاغيةِ.

سمعتُ أن هناك صورة يستخدمها مَن هم في مرحلة التعافي – أنًّ مَثَلَ تَحَكُّمَ المَرء بكل ما هو مُدمِنُه، إلى حد ما، كَمَثَلِ إرقادِ أخطبوطٍ لِيَنَام. أعتقد أن ذلك يصِفُ جيّدًا عملية حل العديد من المشكلات في مُسْوَدَّتك الأخيرة. لديك حُزمة مِن أذرُع الأخطبوط موضوعة تحت اللحاف بعناية -بمعنى أنك أتيت بِحَبكة، وفَضَضْتِ الخلاف بين الشخصيتين الرئيسيتين، وكان الأسلوب بليغًا – إلا أن هناك ذراعان ما زالا يتخبطان.

ربما الحوار في النصف الأول غير متفق مع الحوار في النصف الثاني، أو قد تكون هناك تلك الشخصية التي لا تزال تبدو أحادية البُعد. لكنّك أخيرًا تُدخل هذين الذراعين تحت اللحاف، وتتأهب لإطفاء الأنوار، فإذا بذراعٍ آخر طويلٍ ماصٍّ يَتَمَلَّص.

سيحدث هذا على الأرجح بينما تكون جالسًا على المكتب، تَفرُك وجهَك، وتشعُر بأنك منهمك وأنك كأنما قد عولِجت بمطَّاط. ثم، وبالرغم من أنك ترى أن كل الشفاطات في تلك المجسة في انقباض وانبساط، وأن حدقتي الأخطبوط اللتان على شكل ثُلمة تحدقان فيك بسخرية وكأنه قد يمتصك حتى الموت لمجرد شعوره بالملل، وبالرغم من أنك تعلم أن مخطوطك ليس متقنًا تمامًا وأنك تتمنى أكثر من ذلك، ولكن إن كنت تعلم أيضًا أنه، ببساطة، ما عاد في القِدْرِ الكاتِمة من بُخارٍ، وأن ذلك أفضل ما يمكنك عمله حاليًا- حسنًا؟

أعتقد أن ذلك يعني أنك انتهيت.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

قائمة عزرا باوند لـ 23 محرّمًا في كتابة الشعر

ابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

ابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

ترجمة: علي سيف الرواحي

يعد (عزرا باوند) من أهم الأسماء الشعرية في القرن العشرين. ولا تقتصر هذه الأهمية على تجلي موهبته الشعرية الفذة في قصائده الملحمية؛ ولكن أيضا في مساهمته الفاعلة في دعم والنهوض بقامات معروفة في سماء الأدب، من بينهم (ربورت فروست) و (ت. اس. اليوت) و(جميس جويس) و(إرنست همنجواي) وغيرهم.

وقد أسس باوند نفسه كأحد الطلائعيين في النقد الأدبي قبل أن يتم اتهامه بمناصرة الفاشية ومعاداة السامية. وفي هذا الإطار كتب (دايفيد بيركينز) في كتابه تاريخ الشعر المعاصر “في مرحلة حاسمة وحرجة من تاريخ الأدب المعاصر والتي امتدت في الأعوام من ١٩١٢ حتى ١٩٢٢، أصبح لباوند تأثيركبير في الساحة الأدبية كأحد أبرز نقاد الشعر في انجلترا والولايات المتحدة على حد سواء”.

في بداية القرن العشرين ساهم باوند في تأسيس حركة شعرية تميزت في تركيزها على الصور الشعرية. وكان لدى هذه الحركة ثلاثة قوانين رئيسية هي:

١. المعالجة المباشرة “للشيء” سواء كان موضوعيا أو شخصيا.
٢. عدم استخدام أية كلمة لا تخدم الموضوع أو النص أو الفكرة المراد عرضها.
٣. فيما يتعلق بالوزن، فإنه يجب مراعاة تسلسل الجملة الشعرية عوضا عن التسلسل الايقاعي.

في العام ١٩١٣ كتب باوند مقالة بعنوان “بعض المحرّمات في الشعر”. وقد أوردنا القوانين التي أرساها باوند في مقالته تلك والتي تزود الشعراء الشباب بنصائح تمكنهم من السيطرة على غرورهم وكبريائهم وتوجههم لمنح أنفسهم ومجهوداتهم كلية في سبيل فنهم. وباختصار شديد، فإن هذه القوانين تنص على ضرورة وجود هدف ومغزى لكل بيت أو جملة شعرية، مع تجنب الحشو اللغوي والكلمات التي لا تخدم النص في شيء. كما تؤكد هذه القوانين على ضرورة وجود وعي لدى الشاعر بأعمال من سبقه من شعراء كبار، واستخدام هذا الوعي في تشكيل وتأليف أعماله الجديدة.

الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

١. يجب عدم الالتفات إلى النقد الصادر من أشخاص لم يسبق لهم أن انتجوا أعمالا جليلة أو نبيلة. أنظر إلى الفارق الأدبي الكبير بين أعمال الإغريق الأوائل من شعراء ومسرحيين وبين من جاءوا بعدهم في العهد الروماني الذين كانوا مجرد شارحين لأعمال من سبقوهم من الأغريق العظام.

٢. لا تستخدم كلمات سطحية المعنى، وابتعد عن الأوصاف التي لا تكشف عن أي شيء.

٣. تجنب التشبيهات والتعابير التي تخلط بين المجاز التجريدي والواقع لأنه يخلق بعض الرتابة. وسبب ذلك أن بعض الكتاب لا يعي بأن الشيء الواقعي والطبيعي يحمل في طياته ما يكفي من الرمز للإشارة لشيء آخر.

٤. اجعل من المجاز التجريدي عدوك الأول. وما كتبته ببراعة في شكل نثري واضح لا تعاود صياغته بأسلوب شعري متواضع المستوى. ولا تظن أن باستطاعتك خداع القارئ الذكي عن طريق الهرب من الجمال الأصيل الممتنع للفن النثري إلى جمل شعرية مبتورة.

٥. ما قد يمتعض منه الناقد الخبير اليوم سوف بالتأكيد لن ينال استحسان العامة من القراء في الغد. لا تظن بأي حال من الأحوال أن فن الشعر هو أكثر بساطة من الفن الموسيقي، أو تظن أنه بامكانك إرضاء الخبير بأمور الشعر بمجهود أقل مما يبذله العازف على البيانو الراغب في احتراف الفن الموسيقي.

٦. لا تخشَ من التأثر بأقصى عدد ممكن من الشعراء والفنانين الكبار، ولكن تحلَّ باللياقة اللازمة للاعتراف بفضلهم عليك، أو اجعل هذا الفضل يتماهى مختفيا في عملك. ولا تحصر هذا التأثر في استخدام المزخرفات اللفظية المأخوذة من شعرائك المفضلين، لأنه آجلا أم عاجلا سوف يتم القبض عليك بالجرم المشهود.

٧. تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

٨. دع قارئك المحتمل يملأ نفسه بأرقى الإيقاعات الشعرية التي يمكن أن يكتشفها في نصك، خاصة وإن كان هذا القارئ سيقرأ شعرك بلغة أجنبية. وذلك لكي لا يشتت تركيزه عن حركة الايقاع حينما يحاول معرفة معنى الكلمات. مثال على ذلك بعض الأغاني الشعبية، شعر دانتي وقصائد شكسبير. دعه يحلل شعر غوته بكل هدوء ورويّة حتى يصل إلى عمق المحتويات القيمة الصوتية والإيقاعية للجمل والأبيات الشعرية، مهما كانت قصيرة أو طويلة، سواء بها تكثيف نغمي أم لا، ويصل إلى جذور الكلمات حتى يراها بطبيعتها اللغوية البحتة.

٩. ليس بالضرورة أن تعتمد القصيدة على موسيقاها الداخلية، لكن إن كان ذلك هو الحال فيجب أن تكون تلك الموسيقى غاية في الجودة بحيث تسعد القارئ الخبير.

١٠. اجعل قارئك الجديد يشعر بمعرفتك في أصول الشعر وفنونه من محسنات لفظية وسجعية، وتفنن في أسلوب القافية وتعدد الأصوات في النص، فذلك من ضروريات الكتابة تماما مثل ما تتوقع أنت أن يعرف المؤلف الموسيقي كل شيء عن حرفته ويتقنها. كل وقت هو مناسب للاهتمام بمثل هذه الجزيئات سواء كلها مجتمعة أو كل واحدة على حدة، حتى وإن كان الشاعر لا يستخدمها بكثرة.

تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

تجنب الزركشات اللفظية، الجيد منها والرديء.

١١. ما لا يصلح للنثر لا يصلح للشعر. لا تستخدم الكلمات الرتيبة التي قد تجدها في نص نثري في عملك الشعري.

١٢. لا تهتم كثيرا بالمظاهر أو تحاول إبراز ضلاعتك باللغة الوصفية، دع ذلك لكتاب المقالات الفلسفية المبتدئين. ولا تكثر من الوصف أو استخدام التفاصيل الكثيرة غير المهمة. وتذكر أن الرسام بإمكانه وصف منظر طبيعي أفضل منك وبذلك فإن معرفته بذلك الشيء أكثر بكثير.

١٣. عندما يتكلم شكسبير عن “فجر ملتف بعباءةٍ خمرية اللون” فهو يبرز شيئا ليس في مقدور فنان الرسم إبرازه. يوجد في هذا البيت العدمي الشيء المدعو الوصف، هو شيء تلقائي، كل ما على شكسبير أو أي شاعر محترف هو تقديمه كما هو للقارئ.

١٤. تعلم منهج رجل العلوم في عمله عوضا عن منهج المروّج الذي يحاول بيع صابون. فالعالم لا ينتظر أي احتفاء حتى يكتشف شيئا ذا قيمة. وهو يبدأ عمله بدراسة ما حققه العلماء من قبله. وهو لا يعتمد في عمله على شخصيته الساحرة ولا ينتظر أن يصفق له زملائه وهو في المراحل الأولية لعمله أو عندما يحقق اكتشافات صغيرة.

المشكلة لدى الشعراء الناشئين هي صعوبة تصنيفهم ووضعهم في خانة محددة لموهبتهم الشعرية ولإنجازاتهم. قد يرى بعضهم أنه حقق ما يشفع له بأن يكون شاعرا، وهذا التخبط في الساحة الشعرية هو ما جعل الجمهور يعرض عن الشعر الحديث.

١٥. لا تبتر نصك إلى قطع مشوهة عديمة الملامح. ولا تقف عند نهاية السطر بصورة تجعل الفكرة غير مكتملة. اجعل بداية البيت الشعري متناغم في الوزن مع سابقه من الأبيات، إلا إذا كنت تريد خلق حالة نفسية معينة لدى القارئ بوقوفك المفاجئ. وباختصار تصرف كأنك موسيقي موهوب، تتعامل مع المقاطع بكل حرفية. ولكي تتقن الحرفة يجب عليك اتباع القوانين غير المعلنة لها.

16. وبشكل طبيعي، يجب ألا يدمر نظام الوزن لديك تشكيل النص وألا يؤثر في وقع الكلمات أو معناها. ومن غير المحتمل أن تستطيع خلق نظام وزن قوي كفاية بحيث يؤثر على النص، لكن في الوقت نفسه قد تقع ضحية للتوقفات غير الموفقة نتيجة وصولك لنهاية السطر أو انتصاف البيت الشعري.

17. في حين يعتمد الموسيقيّ على حدة ودرجة ارتفاع نغمة عزف جوقته الموسيقية، فإنك كشاعر لا يمكنك ذلك. لقد أسيء استخدام مفهوم التناغم في الشعر كثيرا؛ حيث أن المعنى الحقيقي للتناغم هو موافقة الطبقات المختلفة للصوت الصادرة في وقت واحد مع بعضها البعض. ولكن في البيت الشعري الجيد قد تجد بقايا موسيقية حيث يكون لها صدى في أذن السامع كآلة موسيقية ضابطة للإيقاع.

18. يجب أن تحتوي القافية على عنصر المفآجأة لكي تحدث نوعا من المتعة والتشويق. وليس بالضرورة أن يكون الأمر غاية في الغرابة، يجب أن يكون هنالك توازن متى ما لزم استخدام غير المتوقع.

19. الصور الشعرية التي تحث وتثير مخيلة القارئ لن تُفقد مطلقا حين يترجم الشعر إلى لغة أخرى. ولكن الجزء الذي يطرب الأذن يجب أن يُقرأ بلغته الأصلية.

20. يمثل شعر (دانتي) الوضوح التام في التعابير، في مقابل أسلوب (ميلتون) البلاغي المتعدد المعاني. لكي تكسر الرتابة في شعرك عليك بقراءة (وردورث) كثيرا. وإذا أردت أن تستخلص بواطن الأمور عليك بـ (سافو) أو (كاتالاوس) أو (فيلون) أو (هاين) في أحسن حالاته، أو (جاتيير) عندما لا يكون بارد المشاعر. وليس هنالك أفضل من الشاعر الكبير (تشوسر) إذا أردت أن تكون متعدد اللهجات والأصوات. ولا يضر إن قرأت نثرا جيدا من حين لآخر، وهو الأمر الذي قد يعلمك الانضباط في الكتابة إن مارسته على سبيل التمرين.

٢١. وتعد الترجمة تمرينا جيدا للكتابة، خاصة حين تجد نصك مهلهلا وغير متماسك حينما تعاود صياغته. وبالترجمة تضمن أن يظل المعنى والتركيب البنائي للقصيدة متماسكا.

٢٢. حينما تكتب بأسلوب متسق بمعنى أن يكون شكل النص واحدا من حيث الجملة الشعرية والوزن (مثال على ذلك السوناتات)، تأكد من اكتمال كل جملة شعرية من حيث المعنى والوزن حتى لا تترك مجالا للحشو.

٢٣. لا تقم بإفساد معنى صورة شعرية ما في محاولتك لشرح فكرة أخرى. يحدث هذا عادة حينما تجد نفسك عاجزا عن ايجاد كلمة مناسبة لوصف صورة معينة. ولكن قد يكون هنالك استثناءات لهذه القاعدة.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , | التعليقات مغلقة