مجموعات الكتابة: كيف تجعل الكتابة أقل وحدة؟

كتابة رواية هي أن تقبض على اللحظة ثم تحلق معها حتى لا تعود تشعر بما يدور حولك

كتابة رواية هي أن تقبض على اللحظة ثم تحلق معها حتى لا تعود تشعر بما يدور حولك

آن نابوليتانو
ترجمة: نداء غانم

استمعت مؤخرا لمقابلة مع آن باتشيت، سئلت فيها عن مرحلة مراجعة وتحرير النصوص. فأجابت: “مرحلة المراجعة عندي اسمها إليزابيث ماكراكين.” اعتقدت وقتها أنه أمر مضحك، ولكنها كانت على حق. أنا أيضا أسمي هذه المرحلة في جزء كبير منها بـ هانا تينتي وهيلين إليس.

التقيت هانا وهيلين منذ ستة عشر عاما في ورشة حول “تقنيات الكتابة الإبداعية” لداني شابيرو في جامعة نيويورك. كنا في أوائل العشرينات، ولم يسبق لنا النشر من قبل. أدركنا منذ البداية أن ظروفنا متشابهة مما دفعنا لرسم طريقنا معا. كل منا كان أحد والديها يعمل محاميا، ما يعني أن كل واحدة رسم لها مسار أكاديمي محدد الأهداف بعيدا عن أي مسار آخر يحتاج للإبداع.

استمعنا بكل حواسنا ودوّنا كل ملحوظة قيلت في الورشة التدريبية، في الوقت الذي أمضى فيه بقية الطلية وقتهم مكتوفي الأيدي بجفون ثقيلة، شاردي الذهن معتمدين على التخمين. وربما يعود تميزنا عن البقية لطباعنا المشتركة، ومنها تقديس الوقت! والعمل بجد واجتهاد قدر الإمكان!

أنا وهيلين وهانا قرّرنا البدء في الكتابة معا في الصيف. وكنا على علم أن هذا الأمر مسألة مؤقتة فقط. كان لكل منا أسلوب مختلف في الكتابة فنحن أساسا تختلف عن بعضنا البعض، فمثلا هيلين الحسناء القادمة من الجنوب ذات الطلة البهية، وهانا هي العقل والعضلات، أما أنا فقد كنت الخجولة والمتحفظة. و ما اتضح لاحقا، أن الاختلاف خلق ذلك النوع من التجانس والمنافسة الشريفة، جعلنا نعمل معا بلا ضغائن وبلا أحقاد، وكل واحدة منا لها أهميتها وقراءها.

خلال عام 1995 بدأنا نلتقي أسبوعيا في شقة أي منا. في السنوات المبكرة التي أعقبت تخرجنا من المدرسة الثانوية، كنا قادمات بالكعب العالي والملابس غير الملائمة. هانا كانت تقطن في الطابق السادس من الممشى التابع لقرية الشرق، وأصرت شريكة هيلين في السكن على أن نتناول العشاء في البيت، وعدم المغامرة بالذهاب لمكان آخر، وكلما تواجد مديري في المدينة، كنت أمضي معظم وقتي في المساء على هاتفي النقال بالتحدث مع السائقين والخدم والمربيات.

مررنا بفترة هادئة بلا ضغوط، كل واحدة تعيش في عالمها، نستخدم المصاعد ونلبس الجينز. ونأكل الطعام البيتي الصنع، ونشرب ونناقش احتياجاتنا معا. عندما كنا أصغر سنا، كان كل نقد يبدأ بكمٍ من المجاملات المبالغ فيها، ببساطة كنا بحاجة للتشجيع. الآن صار المديح غير معلن في الغالب، وصرنا نعلم أننا لن نكون هنا لو كانت كتابتنا غير ممتازة، وركزنا على تجاوز نقاط الضعف في الكتابة. تبادلنا قراءة مئات الصفحات، ودوّنا الملحوظات الصغيرة. وفرنا الدعم المعنوي لبعضنا من خلال الإستشارات الهاتفية في أي مكان وفي أي وقت. وتمتعنا بحضور حفلات التوقيع والقراءة معا.

ثم صدرت رواية هيلين الأولى“Eating the Cheshire”. شاركت هانا في تأسيس مجلة One Story الأدبية، أما مجموعتها القصصية ” Animal Crackers ” فظهرت في نفس العام الذي أصدرتُ فيه روايتي الأولى وأصبحت في متناول الجميع. بعد ذلك أعقبت هيلين روايتها الأولى برواية “The Turning” للشباب اليافعين. وأصدرت هانا رواية جديدة بعنوان”The Good Thief” والتي لاقت استحسان الجمهور. في هذا العام تحديدا، قامتا بتشجيعي على قراءة مقاطع من روايتي الجديدة “A Good Hard Look”، ولو اضطرتا لقامتا بدفعي عنوة للوقوف على المنصة -لأني خجولة بطبعي-.

أدركت كم أنا محظوظة بوجود هاتين المرأتين في حياتي. بعد الدراسات العليا، يصبح أشبه بالمستحيل الحصول على رأي سديد وصادق في عملك. وإذا كنت محظوظا سيكون لديك وكيل يتابع أعمالك أو حتى محرر، ومع ذلك سيتعذر عليه القراءة لك مع أجندته المليئة بالمواعيد، مع أن هذا ما عليه القيام به. الوكلاء والمحررون لديهم أعمالهم التجارية الخاصة بهم. “مجموعة الكتابة” التي شاركت فيها، كانت تقرأ وتفكر وتناقش العمل بهدف واحد فقط، وهو أن تصل إلى أفضل ما يمكنك أن تكون عليه ككاتب. تدفعني للكتابة حد المخاطرة بطرق أبواب جديدة في السرد، والعمل على اكتشاف الشخصية المدفونة داخلي، عن طريق إعادة كتابة الفقرة التي تثير غضبي آلاف المرات بهدف الوصول للأفضل. هانا وهيلين كانتا دائما تحرصان على إبداء رأيهما بما أكتب حتى عندما لا أريد سماع ذلك.

ظهور شخصية فلانري أوكونور في روايتي “A Good Hard Look”، كان غير مخطط له. لأنه لم تكن لي أي نية لكتابة رواية تاريخية، ناهيك عن الكتابة عن رمز من الرموز الأدبية المقدسة. هذا الحضور أثار حماسي وفزعي على حد سواء. في البداية كانت تفصلني عن فلانري مسافة بعيدة، لذا لم أكتب عنها بعمق، فظهرت في الكواليس فحسب، لأني لم يسبق لي أن اقتربت منها بشكل حقيقي. وبعد كل هذا، كلما عرفت عنها أقل، كلما كان ظهورها سطحيا في روايتي.

هيلين وهانا قرأتا أول مئة صفحة من روايتي، وأخبرتاني بأني أملك خيارين لا ثالث لهما: إما أن ألغي وجود شخصية فلانري من الرواية، أو الإلتزام بالعمل على إثراء دورها بشكل أفضل. كان من المستحيل أن ألغي دورها، وسيلزمني سنوات لفهم السبب الذي يحتم حضور فلانري في أحداث الرواية، مع أني على قناعة تامة بضرورة حضورها. لذا مع دعم صديقتيّ، بدأت أتعمق بلطف في الشخصية. هل كان من الممكن الوصول لتلك المرحلة في فهم الشخصية بنفسي بلا مساعدة من أحد؟ لا أعلم، لكن من المؤكد أنه كان سيستغرق وقتا أطول حتى أصل إليه. استغرقت سبع سنوات لكتابة هذه الرواية، ولم أكن على يقين إن كانت ستحتاج وقتا أطول، لذا نصيحتهما وفرت عليّ الكثير من الوقت. (على الأقل، نصيحتهما أنقذت روايتي من الفشل، وحافظت على صورة فلانري أوكنور.)
ثم تكفل الوقت بالأمر، حيث دأبت كل من هانا وهيلين بحرص واهتمام بدا في بعض الأحيان مبالغا فيه على قراءة ومراجعة مسودة نفس الرواية على مدار سبع سنوات. ربما عانيت من هذه الرواية.. لا بل فعلا عانيت، ولكني لم أكن وحيدة بل كانتا تعانيان معي. لم أتفاجأ بالتزامهما فهذا ما تعاهدنا عليه. مضيت في الطريق الذي خطته لي كتاباتهن بلا أسئلة وبلا إضافات، وهن فعلن ذات الشيء معي. اشتهرت الكتابة أنها فعل فردي، لكننا معا جعلناها أقل وحدة مما هي عليه.

لطالما قرأت عن الكتاب الذين يكتبون بمفردهم، يجلسون على مكاتبهم في انتظار إيماءة موافقة من ناشر على ما يكتبونه، معتقدين أن هذا هو الذكاء المطلوب. وهو الأمر الذي لا أتفق معهم فيه، حيث أنه يصعب عليّ تصديق هذا النوع من الكُتاب ويلزمني وقت لاستيعاب طيفية قيامهم بذلك.

كتابة رواية هي أن تقبض على اللحظة ثم تحلق معها حتى لا تعود تشعر بما يدور حولك. فأنت تتبع القصة حتى تعيش كل تفاصيلها. هناك متعة حقيقية في أن تسبح في تيار كهذا. وهذا بالضبط ما يدفع معظمنا لفعل الكتابة التي تمنحك الفرصة لتعيش في العالم الذي خلقته بنفسك حين تكتب. والآن ما الذي تنتظره أكثر بعد هذه المتعة؟!

ولكن أثناء الرحلة يصبح من غير الممكن أن تشاهد الصخور المثيرة، وتتلفت كي ترى الجمال من حولك، ثم لا تنسى مفترق الطرق حيث يتوجب عليك أن تختار أحيانا. الروائي لديه رؤية مهما اتسعت تظل محصورة فيما يكتبه. هيلين وهانا سمح وجودهما بأن تتسع رؤيتي لكل ما يحتويه النص وهوامشه.

أستعرض فيما يلي كيفية القيام بذلك بطريقة عملية:

أسلمهما نسخة مما عانيت على مدى أشهر لكتابته، على أن تكون تلك النسخة نهائية وأكون راضية عنها تماما. تقوما بعدها بقراءتها قراءة متأنية ووافية، ثم تعملان بعدها على أربعة أو خمسة أخطاء لمعالجتها. كل كاتب يبحث عن قارئ ليعد له أو لها الأفضل.
جي كورتني سوليفان، مؤلفة الرواية الأكثر مبيعا ” Commencement “وهذا العام انتهت من روايتها الجديدة ” Maine “، لديها عدد كبير من القراء على أنواعهم. تشرح الأمر قائلة:

“لدي صديقان يقرآن تفاصيل كل ما أكتب من قصص، أحدهما كاتب ومحررلنفسه، والآخر زميلي في الجامعة والذي يعمل محاميا في وزارة العدل. وأفضل أصدقائي كان زميلا لي في الثانوية، يعمل محاميا، عادة يكون أول من يقرأ رواياتي. وصديق آخر هو محرر سابق لمجلة، قرأ المسودات الأولى لرواياتي ونصحني بتعديلات تفصيلية لاتصدق.

هزت رأسها وابتسمت ثم قالت: ”ليس لدي فكرة لماذا هؤلاء الناس قدموا لي وقتهم بسخاء. حقا لقد كنت محظوظة على مدى سنوات، ربما يعود ذاك لحقيقة أني ماهرة في إعداد طبق الدجاج المشوي وكيكة الشوكولاتة.” تجربة كورتني مع الكتابة في مجموعات تثبت أنه لا توجد قواعد في هذه اللعبة.

“مجموعات الكتابة” لا تحتاج أشخاص في نفس العمر أو نفس الجنس، أو علاقات على مدى سنوات، إذا كان جارك جزارا ولديه نظرة ثاقبة دعه يقرأ عملك، وإذا كانت أمك تملك مشورة مميزة دعها تفعل. وهكذا دع الناس تقرأ لك فكل منهم سيكمل الآخر بحيث ستحصل في النهاية على نتيجة مميزة.

عندما أقدم مسودة، تقوم هيلين بمعالجة التفاصيل، وإعادة ترتيب الفقرات من جديد، وكتابة الجمل في الهامش. أما هانا فمن غير الممكن أن تترك حبرا على الصفحة، حيث تدون كل ملاحظاتها حول سير الأحداث في القصة والحبكة والشخصيات. وردود الفعل منهما نادرا ما تتداخل مع بعضها وإن حدث ذلك فإني أقوم على الفور بمعالجة الأمر. كورتني ببساطة لديها عدد أكبر من القراء تقوم معهم بذات الشيء ألا وهو النقد البناء.

راي ميدوز مؤلفة رواية “Mothers and Daughters”، والتي يتنوع قراؤها من رواية لأخرى، تقول: “دائما لدي قراء أساسيين: زوجي الذي يعد أقسى ناقد لي، وأخته الطيبة، وأختي الصغرى التي تقع في منطقة بينهما.

وفيما يخص روايتي الأخيرة، جمعتني صداقة حقيقية ومساعدة كبيرة بمجموعة للكتابة في ماديسون، حيث عشت حتى الخريف.
النساء الأربع الأخريات في المجموعة، كن روائيات يتسمن بالصراحة والحرص والدعم مع حرفية عالية في فن السرد، الأمر الذي جعل عملية المراجعة توصف بأنها ثاقبة ومفيدة. كم أفتقد ان أكون جزءا من تلك المجموعة.”

نادرا ما يأخذ الكتاب بآراء القراء كأمر مسلم به، لذا العثور على هذه النوعية من الأشخاص الذين لا يكتفون فقط بتحليل النص وإنما يقومون بإثرائه، هو أمر صعب تكراره. فهناك سحر خاص في هكذا علاقة.

وأشارت راي قائلة:” أن تشرك أحدًا ما في عملك هو فعل ينطوي على نوع من الحميمية، ويكاد يكون أمرا مستحيلا أن تجد الآخر الذي يملك وجهة نظرتحوز على رضاك فيما تكتب، ويخبرك بما يتوجب عليك حذفه أو تعديله بطريقة محببة للنفس، لدرجة تدفعك للجلوس معه لأكثر من مجرد فنجان قهوة.”

يجب أن يكون القارئ صديقًا، روحه تشبه روحك، لا بل أكثر من ذلك. عندما تختار الكاتبة مثلا أن تتعامل مع شخص ما فإنها تتجرد من روحها لتنصت بكل ثقة وشغف. عندما يجد الكاتب القارئ الجيد، عليه أن يتمسك به ويحافظ عليه. في عملية تشبه الوقوع في الحب. ذات الأجواء حيث الفراشات، واللذة، والشعور أنك في حالة عناق مع ما تحب.

وبتعبير مجازي طبعا، كانت علاقتي أنا وهانا وهيلين أشبه بالزواج، بكل تبعاته من اهتمام ورعاية، حيث لم ننسى يوما أعياد ميلادنا، ولم يحدث أن أسأنا لبعضنا أبدا. كنا نحرص على بعضنا البعض، ونتحدث بكياسة، ولباقة. وهكذا بمرو السنوات نجحنا معا، وعانينا قليلا. في حال تعرضت إحدانا للإحباط جراء النقد، نعمل معا على رفع معنوياتها وتقوية عزيمتها. ونحن على يقين أن الإساءة أوالمزاج السيء تعمل على استنزاف نقد الكتابة الخاصة بنا.

العلاقة التي بيننا تمثل نوع من الدعم المتبادل الذي نحن بحاجة إليه كي نحافظ على صحتنا، كل حلقة في سلسلة علاقتنا يجب أن تكون متينة. وعملنا على المحافظة على صداقتنا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بعد ما ذكرته سابقا، هيلين وهانا هما أفضل من عايشت من الكتاب، إنه لفخر وشرف لي أن أقرأ ما يكتبان قبل أي أحد آخر. وإنه لمن المثير أن أعلم ما ينويان القيام به لاحقا.
لست من النوع البكاء، لكنني خجولة ومتحفظة، ومع ذلك الحديث عن علاقتي بهاتين الجميلتين يدمع عينيّ. كلما نظرت لستة عشر عاما مضت تشاركنا فيها الكتب التي فشلت والتي نجحت، والأوقات الصعبة، ولحظات اليأس وسحق الآمال، وحقيقة أنه مهما حصل فإنا نتشبث بأننا من الممكن أن نفعلها، وأن نصبح كاتبات حقيقيات. كم أنا فخورة بنا!

كان لنا لقاء في الليلة الماضية في شقة هانا في بروكلين، حيث قدم لنا كلبها كانادا تحية حماسية. جلسنا حول طاولة هانا المستديرة وتحدثتنا عن أعمالنا الحالية، ومواقع التواصل الإجتماعي، وعن روايتي القادمة وأطفالي. وتناولنا طعاما تايلنديا فيما كانت تحدثنا هيلين عن رحلتها في فيغاس ولعبة البوكر، وبعد العشاء استمعنا لأغنية عزفتها هانا على القيثارة التي تعلمتها حديثا.

غادرت في وقت متأخر من الليل مع شعور بالإنتعاش كما يحدث دائما. تلك اللقاءات التي تعيد شحننا بالأمل، وتفي أذهاننا، وتهدئ أرواحنا. ثلاثتنا كنا صغيرات لنعرف الأفضل، تشاركنا القرار في المضي في رحلة مجنونة لنكون كاتبات.

نحن اللواتي امتدت علاقتنا لمدى طويل، لذلك أشعر بامتنان عظيم.

* نشرت في آراء. 

3 مارس,2014 - takween
كُتب في أساليب, حياة الكاتب | التعليقات مغلقة

ستيفن كينغ: الكتابة نوع من الإدمان

ستيفن كنغ

وحتى ولو كانت كتابتي سيئة لا يمكنني التوقف عن الكتابة

أجرى اللقاء: كريستوفر ليمان-هاوت وناثانيال ريتش
ترجمه (بتصرف): علي سيف الرواحي

- كم كان عمرك حين بدأت الكتابة؟

- لقد كان عمري، صدق أو لا تصدق، ست أو سبع سنوات، حيث كنت أنقل الرسومات من المجلات المصورة وأختلق قصصا خاصة بي وأكتبها. كنت أتلهى كثيرا بتلك المجلات حين أعود من المدرسة. الأفلام كان لها تأثيرا كبيرا عليّ أيضا. أتذكر أول مرة ذهبت إلى السينما مع أمي لمشاهدة فيلم بامبي. لقد أبهرني كل شيء، القاعة الهائلة والفيلم بمؤثراته العجيبة، كل ذلك ترك أثرا في نفسي. لذلك في بداياتي في الكتابة كنت أفكر في الصور أولا لأنها كانت المصدر الأول المحفز لمخيلتي حينها.

- في كتابك (عن الكتابة) ذكرت أن الفكرة الأساسية لروايتك الأولى (كيري) جاءت من تلاقي أمرين لا يجمعهما شيئا وهما الاضطهاد التي يتعرض له المراهقين والشبان من أقرانهم، والقدرة على تحريك الأشياء عن بعد بواسطة القدرة العقلية، وهل مثل هذه التلاقي بين الأفكار يمثل لك نقطة بداية في أعمالك؟

- نعم، ذلك يحدث كثيرا. عندما كتبت روايتي (كوجو) والتي تتحدث عن كلب مسعور، كانت لدي مشكلة مع دراجتي النارية وسمعت عن مكان يمكنني إصلاحها فيه. في ذلك الوقت كنت أعيش في مدينة تشبه المنتجعات السياحية مع وجود بحيرة كبيرة. كان هنالك الكثير من المزارعين يتنقلون بصورة بدائية. الميكانيكي الذي كان سيصلح دراجتي يعيش في مزرعة. وحين دخلت الباحة الخلفية لورشته استقبلني أكبر كلب رأيته في حياتي وكان يجري باتجاهي.

كلاب المزارع هذه لا تكون في مزاج جيد في العادة خاصة في فصل الصيف. وقف في وجهي وبدأ يزأر بشدة. خرج الميكانكي وطمأنني بأن تلك هي عادة الكلب مع الجميع وأنه ليس لدي ما أقلق بشأنه. ومع ذلك بدا الكلب أنه ينوي الهجوم عليّ مما استدعى أن يتدخل صاحبه وهو يعتذر. أتذكر كم بدوت خائفا خاصة وأنه لم يكن لدي مكان أختبئ فيه. من حسن الحظ أن صاحبه كان متواجدا. وعلى نفس السياق عندما تعطلت سيارة زوجتي فكرت في أخذها إلى نفس الميكانيكي. وهنا تذكرت الكلب وبدأت القصة في التشكل.

- هل لديك مصادر أخرى تستقي منها مواد للكتابة بالإضافة إلى الخبرة؟

- في بعض الأحيان، القصص الأخرى التي أقرأها تكون مصدر الشعلة لدي. منذ عدة سنوات مضت كنت أستمع إلى كتاب مسجل على شريط للكاتب (جون تولاند) عنوانه أيام ديلينجر. أحد قصص الكتاب تتحدث عن (جون ديلينجر) أحد لصوص البنوك المشهورين وأصدقائه (هومر فان ميتر) و (جاك هاميلتن). في أثناء تواجدهم في مدينة بوهيميا الصغيرة أصيب (جاك هاميلتن) بطلق ناري من الشرطة التي كانت تلاحقه وهو يعبر نهر الميسسيبي. والمؤلف هنا حجب أحداثًا كثيرة جرت لهذه العصابة. وأخذت أفكر لنفسي أنني لست بحاجة إلى تولاند ليخبرني عما يحدث، ولست ملزما بالتقيد بتفاصيل القصة بحذافيرها. لأن هؤلاء، وإن كانوا شخصيات حقيقة، فإنهم دخلوا في دائرة الأسطورة الشعبية في أمريكا. ومن تلك القصة استلهمت قصة خاصة بي سميتها “مقتل جاك هاملتين”

وفي أحيان أخرى أستقي بعض الإلهام من الأفلام. في قصتي “ذئاب كالا” من سلسلة قصص “البرج الأسود” كنت أحاول عدم ترديد أحداث الأفلام التي ألهمتني القصة. الفكرة الأساسية في الأفلام تتشابه مع قصتي التي تحكي عن بعض المزارعين الذين استعانوا بسبعة فرسان ليذودوا عن قريتهم التي كانت تتعرض لهجوم اللصوص وقطاع الطرق على الدوام والذين كانوا يسرقون محصول المزارعين. أما أنا فأردت أن أرفع مستوى الإثارة قليلا، فجعلتهم في قصتي يسرقون الأطفال عوضا عن المحاصيل الزراعية.

- حين تنظر إلى رواياتك السابقة هل تصنفهم إلى مجموعات معينة؟

- أنا أكتب نوعين مختلفين من الكتب. بعض كتبي مثل الموقف، يأس، وسلسلة البرج الأسود، أصنفها على أنها تصف العالم الخارجي حول الإنسان. وروايات من قبيل مقبرة الحيوانات، بؤس، اللامع، وشبيهاتها على أنها تصف العالم الداخلي الدائر في الإنسان. ولكل صنف معجبيه من القراء.

- لكن حتى في الكتب الخارقة للطبيعة فإن الرعب الدائر فيها ناتج عن أمور نفسية تدور في عقلية وأحاسيس شخصياتها، أليس كذلك؟ ألا يمكننا تصنيفيها من نوع العالم الداخلي؟

- في الحقيقة لدي تصنيفا آخر للشخصيات وأعدادها. قصص العالم الداخلي تغوص عميقا في عالم شخصية واحدة فقط. روايتي الجديدة قصة ليزي، هي من هذا النوع لأنها رواية طويلة وبها شخصيات قليلة. لكن قصتي “الخلية” هي عن العالم الخارجي لأن بها العديد من الشخصيات وهي تتحدث عن الصداقة، بإمكانك أن تسميها قصة رحلات، لأنها تنتقل من مكان إلى آخر. وقس على ذلك رواياتي الأخرى.

- تتحدث كثيرا عن الأطفال في أعمالك، ترى ما السبب في ذلك؟

- لدي سببان رئيسيان لذلك. لقد كنت محظوظا حيث بدأت في بيع كتبي في سن مبكرة نسبيا، تزوجت باكرا، وأنجبت أطفال وعمري ليس بالكبير. أصبح لدي ثلاثة أطفال وعمري لم يتجاوز الثلاثين. لذا كانت لدي لفرصة لأراقبهم وهم يكبرون وأنا في أوج عطائي الأدبي، في حين أن بعض معاصري من الكتاب كانوا عزابا لاهين. وكانت العناية وتربية أطفالي مصدر إلهام مهم لدي خاصة في تلك الفترة من الزمن. وأيضا القلق والإرهاق الناتج عن محاولة التوفيق بين الكتابة ورعاية أسرة بها أطفال صغار. كل ذلك وجد طريقه ليمتزج في جوهر معظم قصصي وأعمالي.

- روايتك اللامع هل كانت مبنية على تجربة شخصية؟ هل مكثت في ذلك الفندق التي تدور فيه أحداث الرواية؟

- نعم ذلك صحيح، وهو (فندق ستانلي) الذي يقع في (استيس بارك) في ولاية كولورادو. لقد ذهبت إلى هناك مع زوجتي في شهر أكتوبر. كان ذلك في نهاية الموسم بالنسبة لهم لذلك كان المكان شبه فارغ. توجب عليّ الدفع نقدا لأنهم كانوا يضبون ايصالات بطاقات الأئتمان. وحين تجاوزت أول لوحة تحذيرية على قارعة الطريق التي كانت تقول “سيكون هنالك احتمالية لغلق الطرق في شهر نوفمبر” اندهشت ولمعت في عقلي فكرة الرواية.

- ما هو رأيك في فيلم المخرج (ستانلي كوبريك) المقتبس عن الرواية؟

- بارد جدا. لم يكن هنالك استثمار حسي مناسب للعائلة في الفيلم. شعرت بأن هنالك اساءة لبطلة الرواية في طريقة عرضها وتجسدها. كل ما فعلته على الشاشة هو الصراخ معظم الوقت. وديناميكية تفاعل أعضاء العائلة مع بعضها البعض قد تم تجاهلها تماما. أما عن بطل الرواية فإن المخرج قد صنع منه نسخة مكررة من أبطال أفلامه الأخرى. فمن بداية الفيلم تم تصويره كشخص سافل ومجنون وهذا عكس ما هو عليه في الرواية.

- يدهشني ما تقوم به في مقدمة أو الكلمة النهائية في الكثير من كتبك حيث تطلب فيها رأي قرائك. لماذا يهمك الحصول على الرسائل منهم؟

- أنا دائما أهتم برأي القراء فيما أقوم به. وأنا أعي رغبة الكثيرين منهم في المساهمة بطريقة أو بأخرى في القصص التي أكتبها. وليس لدي مشكلة في ذلك طالما أنهم يتفهمون أن آراءهم لن تغير الطريقة التي أكتب بها بالضرورة. وطبعا عليهم أن يعوا أنني لا أسألهم أن يعطوني، مثلا، النهاية الكاملة بتفاصيلها لقصة أنا في صدد كتابتها.

- ما أهمية البيئة المحيطة بك عندما تكتب فيه؟

- من الجيد أن يكون هنالك مكتب، كرسي مريح بحيث لا تضطر تغيير وضيعة جلوسك طوال الوقت، وضوء كاف. وأينما كان المكان الذي تكتب فيه يجب أن يكون بمثابة ملجأ تهرب إليه من كل العالم. لأن الناس لديهم طريقتهم الخاصة في كبح جناح مخيلتك. مكتبي هو عبارة عن الغرفة التي أعمل منها. لدي نظام دقيق ومرتب للأرشفة ولحفظ الملفات. ولدي أيضا ملاحظات كثيرة عن الروايات التي أن في صدد كتابتها ومن ضمن تلك الملاحظات تواريخ ميلاد الشخصيات المهمة وملاحظات تذكرني بالقيام بشيء ما لاحقا.

- هل كتبت شيئا هذا الصباح؟

- نعم، كتبت أربع صفحات. وهذا ما آل إليه الأمر. لقد كنت في السابق أكتب ألفي كلمة على الأقل، أما الآن فبالكاد أكتب ألف كلمة.

- هل تستخدم الكمبيوتر في الكتابة؟

- نعم، لكن في بعض الأحيان أكتب بيدي على الورق. لأرى مدى الفرق الحاصل. الكتابة باليد تأخذ مني وقتا طويلا وتمنحي فرصة للتأمل والتفكير. وهذا يجعل عملي أكثر توفيقا. لأن ذلك يجعل المسودة أكثر نضجا بسبب كثرة التعديلات وإعادة الكتابة والمراجعة.

- ماذا تفعل بعد أن تنتهي من مسودتك الأولى؟

- أنا أرى أنه من الجيد أن أتركها لستة أسابيع من دون أن أعود إليها. لكن لا يكون متاحا لي ذلك الخيار دائما. ففي بعض الأحيان يكون الناشر في عجلة من أمره، رغم أنني كنت قد سلمته مسودة لرواية أخرى.

- هل تشعر بأنك تعيد كتابة ومراجعة نص مكتمل بشكل مبالغ فيه؟

- من ضمن المتغيرات التي أحدثها فيّ استخدام الكمبيوتر: ميلي للقيام بالتعديل أثناء الكتابة. أحيانا أقوم بقراءة النص أكثر من مرة وهو غير مكتمل على الشاشة مع الاستعانة بالمصحح الإلكتروني الملحق بالكمبيوتر. وفي بعض الأثناء أفتح شاشة بيضاء أخرى وأقوم بنسخ النص ومراجعته بصورة مجزأة كي يسهل عليّ اكتشاف الأخطاء والقيام بالتعديلات المناسبة.

على أية حال فإن لكل كتاب وضعه الخاص به. أحيانا تشعر عندما تنتهي من الكتابة بأن الكلام المتكون على الصفحات ليس هو ما عنيت قوله. وبعض الكتب لديها من القوة بحيث لا تستطيع القيام بتغييرات كثيرة عليها، عليك فقط مجاراتها إلى حيث تتجه.

- هل هناك فرق كبير بين الأدب (التجاري) والأدب الفني؟

- النقطة الحاسمة هنا هي عندما تسأل نفسك، هل نجح الكتاب في إدخالك اجواء القصة، هل خاطب فيك النص شعورًا معينًا؟ بعض النقاد الجادين يتوجسون من الأدب الذي يدفع أحاسيس القراء إلى أقاصي عليا. بالنسبة لي فإن مبعث الخوف لدى هؤلاء النقاد هو عدم رغبتهم في المساومة على المعايير التي تحافظ على سمو ورفعة الأدب الجاد، وهم يعتقدون أن السماح لمن هب ودب في مخاطبة القارئ العادي باللغة التي يفهمها سيؤدي إلى الابتذال.

- هل تعتقد أن الكتب التي يتم تلقيها ببرود يتحسن وضعها متى ما تحولت إلى أفلام سينمائية؟

- الفيلم السنيمائي ينتج عنه العديد من المراجعات النقدية وبكل صراحة فإن ذلك النقد يميل إلى التسامح والقبول في صورته الفلمية أكثر. وهذا قد حدث معي أكثر من مرة.

- ماذا تعلمت من بعض الكتاب أمثال (فوكنر) و(دريسير) و (ماك كولر)؟

- الأصوات. أنا الآن أقرأ رواية “رجال الملك” ل (روبرت ورن) مرة أخرى، وفي نفس الوقت أستمع إليها على قرص سمعي. صوت السارد في روايات هؤلاء العظماء. حتى وأنت تسمعه من فم قارئ آخر يأخذ روحك ويسكن في عقلك.

- يتم تصنيفك أحيانا على أنك كاتب شعبي. تنتمي إلى منطقة واحدة أكثر من سواها.

- لقد عشت في (ماين) معظم حياتي وحين أكتب عن هذه المنطقة تتسلل لهجتها المحلية إلى النص. وهنالك العديد من الكتاب أكثر “شعبية” مني في مضمون قصصهم رغم أن لديهم قاعدة قراء أقل. وهنالك أيضا كتاب متخصصون في الكتابة عن مناطق معينة مثل (جريشام) الذي كتب عن الجنوب الأمريكي.

- متى تكتب قصصك القصيرة؟

- في العادة بين مشروعي رواية. فعندما أنتهي من كتابة رواية أشعر بخلو في الفكر. أود حينها أن أبدأ في كتابة رواية أخرى لكن لا أستطيع. لذا أكتب قصص قصيرة. فغالبا ما تأتيني أفكار لكتابة قصص بينما أنا أعمل على مشروع آخر. لكن مع الأسف لا أستطيع ترك ما أنا منهمك في أداءه لأكتبها. كحال الرجل المتزوج يحاول جاهدا ألا ينظر للنساء على الشارع.

- وضعك مع المال الآن تعدى مرحلة الكسب من أجل العيش. هل ما يزال المال يمثل لك أي شيء؟

- أعتقد أن كل عمل يجب أن يكافأ. وأنا أجاهد كل يوم لأكتب، لذلك أستحق أن أحصل على مقابل. لكن الآن لم أعد مهتما بالحصول على دفعات كبيرة مقدمة. وعندما أتعاقد مع ناشر لا أهتم كثيرا بالعائد المادي وأكون متساهلا فيه. ولو كنت أكتب الآن من أجل المال لكنت توقفت لأن لدي ثروة كبيرة.

- لقد مر عليك سبع سنوات منذ تعرضك لحادث فظيع. هل ما زلت تشعر بالألم؟

- نعم، طوال الوقت. لكنني لم أعد أتناول الدواء من أجل تخفيف الألم. قبل سنتين من الآن اضطررت إلى دخول المستشفى. وفي تلك الأثناء وصلت إلى قناعة مفادها أنني لا يمكنني الأستمرار في تعاطي الأدوية. ولكن التوقف عن تناول الأدوية بعد إدمانها له آثار سلبية مثل الأرق. لكن مع مرور الوقت يتأقلم الجسد مع الوضع الجديد.

- ها تشعر بأن الكتابة لديك هي نوع من الإدمان؟

- أعتقد أنها كذلك. وحتى ولو كانت كتابتي سيئة لا يمكنني التوقف عن الكتابة. الكتابة هو فعل رائع. وحين تمضي على النحو الذي تتمناه يكون الأمر غاية في الجمال. وهو نشاط مفيد وجيد لتمضية الوقت، حتى وإن كانت ليست على المستوى المطلوب.

- هل تفكر بوعي من أين تأتي مخلوقاتك أثناء عملية الكتابة؟

- بين الفينة والأخرى. تلح عليّ بعض الشخصيات بوضوح وجلاء بحيث لا أستطيع تجاهلها. خذ شخصية الممرضة المجنونة في روايتي بؤس، التي كتبتها بينما كنت أمر بمرحلة إدمان المخدرات، على سبيل المثال. لقد تجسدت آني الممرضة لتمثل إدماني للمخدرات وفي الوقت نفسه كانت هي المعجبة رقم واحد بي. لم تكن تود مغادرتي. وهنالك أمثلة في المقابل لأوقات أسعد مدتني بالكثير من الإلهام لشخصياتي.

- في أي مرحلة من مراحل الكتابة تقرر إن كان لابد من إضافة عنصر فنتازي خيالي إلى العمل؟

- هذا القرار لا يأتي بمشيئتي بل رغما عني. حين ينقص عنصر ما من عناصر الشخصية أعوضها عادة بشيء خارق، إن صح التعبير. وأتفاجأ أحيانا حين أتخيل موقفا خياليا ويكون له صدى حقيقي في الواقع عندما أقوم بأبحاثي. والخوارق في معظم قصصي حققت النجاح مع القراء لمثل هذا السبب.

- لقد سبق لك وأن نشرت في مجلة (النيويوركر) وقد تم تكريمك بالجائزة القومية للكتاب بالإضافة إلى جوائز أخرى دولية. هل ما زلت تشعر بأنك معزول عن المؤسسة الثقافية الرسمية؟

- لقد تغير الوضع كثيرا عما كان عليه. عندما تكون عندك موهبة متواضعة وتحاول أن تنميها وتطورها ولا تقبل بأقل من ذلك، فإنك حينها تنال الأحترام. قراءك المخلصون الذين رافقوك منذ البداية هم جزء من تلك المؤسسة. لطالما تلقيت نقذا لاذعا عن كتب كنت قد اشتغلت عليها لسنوات. وأنا أعي أن هذا النقد هو جزء من العملية الإبداعية. وأنا أحاول دائما أن أرفع من أدائي لكي أوضع في مستوى أعلى. وأحاول الآن إنتاج شيء أفضل مما سبق فيما تبقى لي من العمر. ولأنني لا أحتاج للشهرة أو المال أو الاعتراف، فإن جل تركيزي يكون منصبا على القيمة الأدبية والفنية لأعمالي القادمة.

* نشرت في آراء. 

2 مارس,2014 - takween
كُتب في روتين الكتابة, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

عبدالرحمن ثامر: الشاعر يتيم قبل أن يكتب أول قصيدة

يكتب الشاعر قصيدته للناس، ثم تأخذه العزلة بالشعر فيكتب قصيدته لنفسه،

يكتب الشاعر قصيدته للناس، ثم تأخذه العزلة بالشعر فيكتب قصيدته لنفسه،

لعلاقة الشاعر مع الشعر سرٌ يسبق أول حرفٍ في أول قصيدةٍ له، تبدأ العلاقة على شكل مراهقة يبتسم الشاعر خلالها لأيّ بيتٍ ويفرح ولكلّ تصفيق، وينكشف له مع الوقت أن القصة ليست كما تبدو، وأن البداية لم تكن سوى اجتياح. الشاعر يتيم قبل أن يكتب أول قصيدة، وبعد أن يكتبها يصبح يتيما عرف مكان قبر والده.

يكتب الشاعر قصيدته للناس، ثم تأخذه العزلة بالشعر فيكتب قصيدته لنفسه، وعندما يتمكن منه الوجع ويبلغ منه الحرف كل مبلغ فإنه يتنازل عن كل قناعاته السابقة ويبدأ بكتابة نفسه للناس.

الشعر كمية كبيرة من الوحدة والعزلة والألم والتأمل حتى ولو أكل الشاعر الطعام ومشى في الأسواق، تلك الأنطوائية الذهنية وذلك التفاعل الداخلي الرهيب قبل خلق القصيدة هو القيمة الحقيقية للنص والجمال الخفي فيه.

إن الذين تكلموا في الشعر ومدارسه وأغراضه وتصنيفاته أسرفوا أكثر مما ينبغي، وما الشعر إلا عزفٌ أو نزف.

* المصدر: قلبي يكبرُ أمامي – دار مدارك 2013

28 فبراير,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

مهمة الشعر هي العثور على نوع آخر من اللغة

أنزعج من الصوت الذي في رأسي، من تخمة تعابيره، من ثقته بوجهات نظره، من إلحاحه للإنصات إليه في الوقت الذي يجب عليه هو أن ينصت.

أنزعج من الصوت الذي في رأسي، من تخمة تعابيره، من ثقته بوجهات نظره، من إلحاحه للإنصات إليه في الوقت الذي يجب عليه هو أن ينصت.

كتبها: جازفندر بولينا *
ترجمة: وليد الصبحي

أنزعج من الصوت الذي في رأسي، من تخمة تعابيره، من ثقته بوجهات نظره، من إلحاحه للإنصات إليه في الوقت الذي يجب عليه هو أن ينصت. فهو يترأس داخل عقلي كوزير مسيطر على برلمان غوغائي، متفوقاً على كل الجلبة المدوية الصادرة من تلك الأصوات الأخرى.

فهنالك مثلاً الصوت جاكسون الذي يستهل الكثير من قصصه بـ ذات مرة، عمي ديوي…، وجاك والد جاكسون الذي يقدم علامته التجارية اللغز: ما الفرق بين البط؟، وكذلك تريسي التي تخبر عن قصة نشأتها لتصبح عضوة في طائفة المورمونى وعن تخليها بلباقة عن جماعة قديسي الأيام الأخيرة، أو صوت والدتي ناصحةً: ضع الزنجبيل أولاً ومن ثم الثوم والا سوف يصبح طعم مذاق الثوم مراً، أو صوت والدي ملقياً نكته بالبنجابي عن رجل مسن يستعجل سائقه الشاب ليسابق الإشارة المرورية وهي صفراء قائلاً للشاب قبل ان تتخطى السيارة التقاطع: تخطها كالأسد.

عندما يشتد الصوت داخل رأسي كثيراً وتكون القصيدة في حاجة لمسار جديد، وعندما يتطلب الأمر شيئاً آخر غير التأمل في الذات، وقتها أقوم بإستدعاء تلك الأصوات الأخرى.

وليست هي وجهات نظرهم التي أسعى ورائها أو حتى قصصهم بل الشي الذي لا أجدني بارع فيه وهو لغتهم والطريقة التي يستخدم فيها صوت ينتمي لشخص آخر الكلمات ببراعة والطريقة التي يضع فيها هذه الكلمات في ترتيبات غريبة ومقنعة. ماهو الفرق بين البط؟

فثراء تلك اللغة الأخرى يعتبر كبئر نفط، إذ باستطاعتها تحرير وحث القصيدة عندما تعييها الحيلة وتكون مرهقة وعالقة بشكل كامل. ومن هذا المنطلق – بالنسبة لي على أية حال – فإن إستخدام أسلوب التحاور في الشعر لغرض تقديم وجهة نظر أخرى يعتبر أقل إذا تمت مقارنته باستخدامه لغرض تقديم نوع آخر من اللغة، وعندما أمعن التفكير في هذا الأمر فإنه يتبادر إلى ذهني أن العثور على نوع آخر من اللغة هي المهمة الرئيسية للشعر بل إنها المهمة الرئيسية للأدب بأكمله. فالكتّاب الذين يعجبني أعمالهم بشكل كبير هم مَن أعمالهم تولّد فيّ الرغبة بشكل أكبر لمحاكاتها، وكذلك الذين يستخدمون كلمات لايخطر في مخيلتي أن أقوم بإستخدامها، أولئك الكتاب الذين يصيغون هذه الكلمات معاً في صيغ لا تخطر على بالي. فكل صورة فاتنة وكل قصة جيدة وكل إلهام شعري هي نتاج إعادة تشكيل وتعديل للغة.

يكمن الفرق بين الكتابة السيئة والجيدة بشكل كامل في أسلوب الكاتب وبنائه للجمل، وأما الموضوع نفسه فليس له تأثير يذكر. وإذا كنت لا تصدقني بإمكانك أن تقرأ قصيدة “Merengue” أو أي قصيدة للكاتب Mary Ruefle، أقرأ قصيدة Skin, Inc أو قصيدة The Maverick Room لكاتبها Thomas Sayers Ellis، وأقرأ عن كل شي كتبه Dean Young. مايجعل قصائد هؤلاء الكتاب -وإذ إني أراهن أن ذلك ينطبق على أي شخص نكن له أنت أو أنا بالتقدير- قصائد ذات طابع استثنائي وبارز هو تمكنهم من التعبير عن الشيء الذي طالما أردنا قوله مستخدمين طريقة لا تخطر على مخيلاتنا، فهم في ذلك كالمصور الذي يجد الزاوية الغير من المحتمل ايجادها وتصادف الضوء المثالي.

وبالرغم من كل ذلك، نفاجئ أنفسنا في بعض الاحيان. حيث أجد أحياناً أن ذلك الصوت الذي في رأسي، ذلك الذي يغضبني ويمللني، ذلك الذي ينتمي لي أكثر من شي آخر، هو الذي ينجز العمل بإاستدعائه لعبارات غير متوقعة وبايجاده لتراتيب جديدة للكلمات. ومع ذلك، فأنه في أحيان أخرى يصنع أسلوبه الخاص فيه، ويكون الشيء الجلي الواضح هو كل ما يمكنه التعبيرعنه. لحظتها، أصمت واترك المنصة، أدع الكلام لشخص آخر لأنه بعض الاحيان يقولون بالضبط ما أعني أن أقول.

——————–

* Jaswinder Bolina هو مؤلف قصيدة Carrier Wave الحائزة على جائزة كولورادو للشعر عام ٢٠٠٦، وقصيدة Phantom Camera الفائزة في عام ٢٠١٢ بجائزة Green Rose للشعر. بجانب ذلك يدرس الكتابة الإبداعية والأدب في جامعة ليزلي في كامبريدج، ماساشوستس.

* نشرت في آراء

27 فبراير,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

قواعد جوناثان فرانزين العشر للكتابة

ترى عند الجلوس والهدوء أكثر مما ترى عند المطاردة.

ترى عند الجلوس والهدوء أكثر مما ترى عند المطاردة.

 

ترجمة: ميادة خليل

1. القارئ صديق، ليس عدوًا ولا متفرجًا.
2. الخيال إن لم يكن رحلة الكاتب الشخصية الى الرعب أو المجهول، فلا يستحق الكتابة إلا من أجل المال.
3. لا تستخدم أبداً كلمة “ثم” لربط الجمل ببعضها ــ لدينا “و” لهذا الغرض. استبدالها بــ “ثم” كسل أو لهجة صماء لكاتب ليس لديه حل لمشكلة الكثير من الــ “و” على الصفحة.
4. اكتب من منظور الشخص الثالث ما لم يكون صوت الشخص الأول المميز الحقيقي يفرض نفسه بشكل لا يمكن مقاومته.
5. عندما تصبح المعلومات مجانية ومتاحة للجميع، تقل بنفس القدر قيمة البحث الطويل للرواية.
6. أغلب أدب السيرة الذاتية يحتاج ببساطة إلى افتراء محض. لا أحد يكتب قصة سيرة ذاتية أكثر من “التحول”.
7. ترى عند الجلوس والهدوء أكثر مما ترى عند المطاردة.
8. أشك بأن أي شخص لديه اتصال بالإنترنت في مكان عمله يكتب بشكل جيد.
9. الأفعال المشوقة نادراً ما تكون مشوقة جداً.
10. عليك أن تحب قبل أن تكون قاسياً.

26 فبراير,2014 - ميادة خليل
كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

جون إيرفنغ: يجب أن تكون أجواء الرواية حقيقية أكثر من الحقيقة

الكتابة عندي قهرية. أحتاج أن أمارسها كما أحتاج إلى النوم والتمارين والأكل والجنس.

الكتابة عندي قهرية. أحتاج أن أمارسها كما أحتاج إلى النوم والتمارين والأكل والجنس.

ترجمته بتصرّف: بثينة العيسى

يعتبر جون إيرفنغ واحدًا من أشهر وأهم الروائيين الأمريكيين المعاصرين. صدر له ثمانية عشر فيلم ورواية، ودرس الكتابة الإبداعية في ورشة عمل للكتّاب يقدمها المبدع كورت فونيجت. حققت بعض أعماله نجاحًا كبيرا في قوائم الأكثر مبيعا، وحوّلت 5 من رواياته إلى أفلام.

لم يترجم جون إيرفنغ إلى العربية إطلاقا، ويكاد المرء لا يجد عنه إلا بعض المقالات القليلة المتفرقة في محركات البحث. في هذا الحوار الصحفي الذي أجراه رون هانسون في “ذا باريس ريفيو” يكشف جون إيرفنغ عن الكثير من أفكاره عن فن الرواية. والتي ربما يجدها البعض شيقة وجديرة بما يكفي لكي يأخذ على عاتقه مهمة نقل رواياتهِ إلى العربية لكي تصبح تجربته الغزيرة متوفرة للقارئ العربيّ بشكلٍ أفضل. هكذا آمل.

- أنت في الرابعة والأربعين من عمرك، ومع هذا نشرت ست روايات كبيرة ومهمة، بالإضافة إلى العديد من المقالات غير المجمّعة. كيف تنجز كل هذا العمل؟

- أنا لا أعطي نفسي فترة راحة أو أرغم نفسي على العمل. ليس عندي روتين، فالكتابة عندي قهرية. أحتاج أن أمارسها كما أحتاج إلى النوم والتمارين والأكل والجنس. أستطيع المضيّ من دونها لفترة، ولكنني أحتاجها بعد ذلك.

الرواية هي ارتباطٌ طويل الأمد. عندما أبدأ كتابًا لا أستطيع أن أعمل لأكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا. لا أعرف عن الرواية الجديدة أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا. ثمَّ هناك منتصف الكتاب، حيث أستطيع أن أعمل لثمان، تسع، اثنا عشرة ساعة، لسبعة أيامٍ في الأسبوع، إذا سمح لي أطفالي بهذا، وعادةً لا يسمحون لي.

أحد أوجه الترف في أن أملك مالا كافيا كي أعيل نفسي ككاتب هو أن أتمكن من الحصول على أيام الساعات الثمانية، التسعة، أو الاثنتا عشر. لقد رفضتُ أن أضطر إلى التدريس أو التدريب، ليس لأنني لا أحب التدريس أو التدريب أو المصارعة، ولكن لأنه لن يكون عندي وقت للكتابة. اطلب من طبيب أن يكون طبيبا لساعتين في اليوم. ثمان ساعات في اليوم على الآلة الكاتبة هي أمرٌ سهل، وساعتان من القراءة للمادة المكتوبة في المساء أيضًا. هذا هو الروتين. ثمّ عندما يحين وقت إنهاء الكتاب أعود إلى الساعتين والثلاث ساعات يوميا. أنا أكتبُ بسرعةٍ شديدة، وأعيد الكتابة ببطء. تستغرقني إعادة الكتابة تقريبا نفس الزمن الذي يستغرقني لإنجاز المسودة الأولى. أستطيع أن أكتب أسرع مما أقرأ.

. أنا أكتبُ بسرعةٍ شديدة، وأعيد الكتابة ببطء. تستغرقني إعادة الكتابة تقريبا نفس الزمن الذي يستغرقني لإنجاز المسودة الأولى.

. أنا أكتبُ بسرعةٍ شديدة، وأعيد الكتابة ببطء. تستغرقني إعادة الكتابة تقريبا نفس الزمن الذي يستغرقني لإنجاز المسودة الأولى.

- كيف تبدأ كتابًا؟

- ليس قبل أن أعرف عنه أكبر قدرٍ يمكنني أن أعرفه، دون أن أدوّن شيئا على الورق. هنري روبنز، محرري السابق، أطلق على هذا اسم “نظرية الحقنة الشرجية”. امتنع عن كتابة الكتاب بقدرِ ما تستطيع، أرغم نفسك ألا تبدأ، خزّن الأمر. هذا امتيازٌ في الروايات التاريخية، في “إطلاق سراح الدببة” و”قوانين بيت النبيذ” على سبيل المثال. كان عليّ أن أتعلم الكثير في البداية. كان عليّ أن أجمع الكثير من المعلومات، أدون الكثير من الملاحظات، ألتقي بالشهود، ألاحظ، أدرس أيّ شيء بحيث أنني عندما كنت أخيراً جاهزا للبدء بالكتابة، كنتُ أعرف كل ما سيحدث مقدمًا. هذا لا يضرُّ أبدأ. أريد أن أعرف طبيعة المشاعر التي يولدها الكتاب بعد أن تنتهي الأحداث الرئيسية. سُلطة صوت الراوي، صوتي على أي حال، تأتي من معرفة كيف ستبدو الحكاية قبل أن تبدأ. إنه كدحٌ شديد، حقا.

- هل سبق لأيٍ من رواياتك أن تغيرت بشكلٍ جذري فيمَ أنت تكتبها؟

- الحوادث تقع على طول الطريق. تأخذ انعطافات. اتضح أن الحوادث هي من أفضل الأشياء. ولكنها ليست حوادث إلهية؛ أنا لا أؤمن بهذه. أؤمن بأنك تتعرض لحوادث البناء في طريقك إلى الرواية، فقط لأنك خططت بطريقة واضحة. إذا كان لديك ثقة بشأن اتجاهٍ واضح سوف تأخذه، ستكون لديك الثقة لاكتشاف طرق أخرى. إذا تبين بأنها مجرد استطرادات، سوف تعي ذلك وتقوم بالمراجعات الضرورية. كلما عرفت أكثر عن الكتاب، كلما كنت أكثر حرية للعبث به. كلما عرفت أقل، كلما صرتَ أضيق.

- يبدو أنك تعرف عناوين رواياتك في مرحلة مبكرة من حملك لها. هل من الضروري بالنسبة لك أن يكون لك عنوانا ناجحا قبل أن تبدأ في مشروع؟

- العناوين مهمة. أمتلك العناوين قبل أن أمتلك الكتب التي تنتمي إليها. وأيضا، أحتفظ بالفصول الأخيرة في رأسي قبل أن أرى الفصول الأولى. عادة ما أبدأ من النهايات، بإحساسٍ ما بعد الحادثة، بعد ترسّب الغبار، من الخاتمة. أحب الحبكة، فكيف يمكنك أن تحبك رواية دون معرفة النهاية أولا؟ من أين ستعرف كيف تقدّم شخصيتك إذا كنت لا تعرف كيف سينتهي أمرها. قد تقولُ لي: بالرجوع للرواية.

يعرف الممثلون كيف ينتهي أمرهم، أعني كيف ينتهي أمر الشخصيات التي يؤودونها. ألا يجدر بالكتاب أن يعرفوا هذا القدر على الأقل عن شخصياتهم؟ أظن ذلك، ولكنني ديناصور!

امتنع عن كتابة الكتاب بقدرِ ما تستطيع، أرغم نفسك ألا تبدأ، خزّن الأمر.

امتنع عن كتابة الكتاب بقدرِ ما تستطيع، أرغم نفسك ألا تبدأ، خزّن الأمر.

- ماذا تقصد؟

- أنا لست روائيا من القرن العشرين. لست حداثيا، وحتما لست ما بعد حداثي. أنا أتبع شكل رواية القرن التاسع عشر، كان هذا هو القرن الذي أنتج نماذج الأشكال. أنا قديم الطراز، أنا راوٍ للقصص. لستُ محللا ولا مفكرا.

- وماذا عن المحللين والمفكرين؟ هل تعلمت شيئا من قراءة النقد الذي يتناول أعمالك؟ هل تزعجك أو ترضيك القراءات النقدية؟ أم أنك تولي اهتماما قليلا لهذا الأمر؟

- القراءات النقدية مهمة فقط في حال لم يعرف أحد من أنت. في عالمٍ مثالي، جميع الكتاب سيكونون معروفين بما يكفي بحيث لن يحتاجوا إلى القراءات. كما كتب توماس مان: “تقبّلنا للثناء لا علاقة له بهشاشتنا أمام الازراء والإساءة الحاقدة. مهما كانت غبية تلك الإساءة، مهما كانت مدفوعة بالأحقاد الخاصة، بصفتها تعبيرا عن العداء، فهي تسكننا أكثر وأعمق من الثناء. وهو الأمر الأحمق بالضرورة، لأن هؤلاء الأعداء – بالتأكيد – هم المرافقون الضروريون للحياة القوية، وهم الدليل على قوّتها”.

لديّ صديق يقولُ بأن النقّاد هم بمثابة العصافير النقارة لوحيد القرن الأدبي. العصافير النقارة تؤدي خدمة جليلة لوحيد القرن، ووحيد القرن بالكادِ ينتبه لوجودها. إلا أن النقاد لا يقدمون أي خدمة للكاتب، ويحصلون على الكثير من الاهتمام. أحبّ ما قاله “كوكتو” عنهم: استمع بعنايةٍ بالغة للانتقادات الأولى لعملك. لاحظ ما هو الأمر الذي لا يعجب النقاد في عملك؛ إذ يمكن أن يكون الشيء الوحيد الأصيل والجدير في عملك.

- ومع هذا أنت تكتب قراءات نقدية ..

- أنا أكتب قراءات نقدية إيجابية فقط. كاتب الأدب القصصي الذي تأتي كتاباته أولا هو شخصانيٌ أكثر مما ينبغي لكتابة قراءة سلبية. كما أن هناك عدد وفير من النقاد المهنيين الذين يتحمسون للكتابة بسلبية. إذا حصلتُ على كتابٍ لأنقده، ولم يعجبني، فأنا أعيدُه. أنا أكتب فقط عن الكتاب الذي أحبّه. ولهذا كتبتُ قراءات نقدية قليلة جدًا، وهي في الحقيقة مجرد أغنيات للمديح، أكثر مما هي قراءات طويلة واسترجاعية لأعمال الكاتب: جون تشيفر، كورت فونيجت، وغونتر غراس على سبيل المثال. ومع هذا، هناك ذلك الكاتب “الشاب” الذي أقدّمه للقراء بين آونةٍ وأخرى، مثل جيني آني فيليب، وكريغ نوفا. أمرٌ آخر أذكره عن عدم كتابة القراءات السلبية. لا يجب على البالغين إنهاء كتب لا يستمتعون بها. عندما لا تعود طفلا، ولا تعود تعيش في وطنك، ولا تعود مضطرا لإنهاء كل شيء في طبقك. إحدى مكافآت مغادرة المدرسة هي أنك لست مضطرا لإنهاء كتب لا تعجبك. أنت تعرف، لو أنني كنتُ ناقدا، سأكون أيضا غاضبا وشرسا. هذا يجعل النقاد الفقراء غاضبين وشرسين، إذ أن عليهم أن ينهوا كل تلك الكتب التي لا يستمتعون بقراءتها. أي عملٍ سخيف هو النقد! أي عملٍ متصنّع هو! إنه بالتأكيد ليس عملا للناضجين.

- ماذا عن أدب الخيال؟

- بالتأكيد. ما أقومُ به – أي رواية القصص – هو عمل طفولي أيضا. لم أكن قط قادرًا على الاحتفاظ بمذكراتي، أو كتابة سيرة ذاتية. لقد حاولت أن أبدأ بقولِ الحقيقة، من خلال تذكّر أشخاص حقيقيين، أقارب وأصدقاء. تفاصيل الفضاء المكاني جيدة جدا، ولكن الأشخاص ليسوا ممتعين بما يكفي. ليس عندهم ما يكفي للتعامل مع بعضهم البعض. وبالتأكيد.. ما يقلقني ويسئمني هو غياب الحبكة. ليست هناك قصة في حياتي! وعليهِ فأنا أجد أمرًا صغيرًا وأبالغ بشأنه. شيء صغير. وبالتدريج، يصير عندي سيرة ذاتية في طريقها للتحول إلى كذبة. والكذبة، حتما، أكثر تشويقا. أصبح أكثر انجذابا إلى تلك الأجزاء التي أختلقها من القصة. إلى الأقارب الذين لم أحظَ بهم. ثم أبدأ بالتفكير في رواية، وهذه هي نهاية المذكرات. أعدُ بأن أبدأ بواحدة جديدة بمجرد الانتهاء من الرواية. ثم يحدث الشيء نفسه. تصبح الأكاذيب أكثر إثارة، دائمًا.

القراءات النقدية مهمة فقط في حال لم يعرف أحد من أنت

القراءات النقدية مهمة فقط في حال لم يعرف أحد من أنت

- خاصة في أعمالك الأقل نضجا، وحتى الآن، يشعر القارئ بأنه أمام رجل بالغٍ يلعب، كاتب طبيعي يستمتع بما يفعل. هل تحصل على القدر نفسه من المتعة الآن كما كنت تحصل عليه عندما بدأت كتابة القصص؟

- لا أستطيع القول بأنني أتسلى بالكتابة. قصصي حزينة بالنسبة لي، وكوميدية أيضا، ولكنها غير سعيدة بدرجة كبيرة. أشعر بالسوء تجاه الشخصيات – هذا إذا ما كانت القصة جيدة. كتابة الرواية هي في الواقع عملية بحث عن الضحايا. وفيمَ أكتب أبحث عن المصابين. القصة تكشف المصابين.

- يقول بعض الأشخاص بأنك تكتب أدب الكوارث ..

- ألا تحدث أشياء كهذه؟ هل هذا هو ما يقصدونه؟ بالتأكيد أكتبُ أدب الكوارث. لقد راكمنا سجلا كارثيا على هذا الكوكب. سجلا من الغباء والسخف، الاضطهاد الذاتي والتعظيم الذاتي، الخداع الذاتي، التفاخر، التعصب للذات والقسوة واللا مبالاة بما يتجاوز ما أثبتت جميع الكائنات الأخرى مقدرتها عليه، أي القدرة على كل ما سبق. لقد سئمتُ من الناس الذين يشعرون بالأمان، المتعجرفين التقليديين، الذين يخبرونني بأن ما أكتبه غريب لمجرد أنهم وجدوا لأنفسهم مكانا آمنا صغيرا يعيشون فيه خارج فوضى العالم، ثم ينكرون أن هذه الفوضى تحدث لأشخاصٍ آخرين أقل حظًا. إذا كنت غنيا، فهل يسمح لك بالقول بأنه ليس هناك فقر، ولا جوع؟ إذا كنت روحًا هادئة، وديعة، هل يمكنك القول بأنه لا يوجد عنف إلا في الأفلام الرديئة والكتب الرديئة؟ أنا لا أختلق الكثير. إنني أعني ذلك. فأنا لستُ المبتكر الذي ينسبونه لي، أنا فقط أشاهد أخبارا مختلفة، لا زالت أخبارًا، لا زالت أشياء تحدث فعلا، ولكنها أكثر عزلة، ويتم وصفها بشكل أفضل بحيث يمكنك أن تلاحظها بشكلٍ أوضح. كتبَ جورج سانتيانا: ” عندما يقول الناس بأن تشارلز ديكنز يبالغ، يبدو لي بأنهم بلا أعين ولا آذان. الأرجح أنهم لا يملكون إلا مفاهيم لما تكون عليه الأشياء والناس؛ إنهم يقبلون بها تقليديًا، بسبب قيمهم الدبلوماسية”.

- ديونك الأدبية تجاه تشارلز ديكنز، غونتر غراس، وكورت فونيجت واضحة جدا في أعمالك، على الأقل لبعض القرّاء. كيف ترى مساهمة كتبهم في كتبك؟

- حسنا. إنهم جميعا آباءٌ لعملي، بطريقةٍ ما. العالم المهذب يدعوهم بالمتطرفين، ولكنني أظن بأنهم صادقون جدا، ودقيقون جدا. أنا لا أرتبط بالكتاب وفق الأسلوب، ما هو الأسلوب المشترك الذي يجمع ديكنز، غراس، وفونيجت معا؟ هذا سخف. أنا مرتبط بما يجعلهم يغضبون، ما يجعلهم يتعاطفون، ما يفقدهم صوابهم، ما يثير استحسانهم وتعاطفهم فيما يتعلق بالكائنات البشرية أيضا. إنهم كتّاب بنطاقٍ عاطفي واسع، إنهم جميعا منزعجون – سواء كوميديا أو تراجيديا – على ضحايا المجتمع (أو ضحايا بعضنا البعض). لا يمكنك أن تنسخ أمرا كهذا، يمكنك فقط أن تتفق معه.

- إلى أي حدٍ كانت سنواتك التي قضيتها في (ورشة آيوا للكتّاب) مفيدة؟

- كطالب، لم أتعلم شيئا بالضرورة، ورغم ذلك.. تم تشجيعي ومساندتي، والنصائح التي حصلت عليها من فانس بورجيلي، كورت فونيجت، وجوزيه دونوسو، وفرت عليّ الكثير من الوقت الثمين. لقد قالوا لي أشياء عن كتاباتي وعن الكتابة بشكلٍ عام، مما يمكن لي اكتشافه بنفسي. ولكن الوقت ثمين لأي كاتب شاب. دائما ما أقول بأن هذا هو ما أستطيع “تعليمه” لكاتب شاب: شيءٌ سوف يتعلمه بنفسه في وقتٍ أطول؛ فلماذا تنتظر لمعرفة هذه الأمور؟ إنني أتحدث عن أمور فنية، الأمور الوحيدة التي يفترض تدريسها بأي حال.

- ما هي أهم تلك الأمور الفنية؟

- الصوت هو أمرٌ فني؛ الصوت الذي يقرّبك من هذه الشخصية، ويبعدك عن تلك. أن تكون في منظور هذه أو تلك. يمكنك أن تتعلم هذه الأمور، يمكنك أن تتعلم تمييز عاداتك الجيدة والسيئة، ما تفعله بشكلٍ جيد بصوت الراوي الأول (الراوي الذاتي) وما تفعله متجاوزا الحدود. وعلى سبيل المثال، ما هي مخاطر وإيجابيات الراوي الثالث (الراوي الموضوعي) الذي يحافظ على المسافة التاريخية (صوت كاتب السيرة الذاتية، مثلا). هناك خيارات كثيرة للكتابة، وضعيات كثيرة يمكنك أن تفترضها فيمَ أنت تروي قصة؛ يمكن أن تكون متعمدة أكثر، وأكثر خضوعا تحت سيطرة الكاتب، مما هي عليه مع الكاتب المبتدئ.

لا ينبغي للقارئ، بالتأكيد، أن يحيط بهذه الأمور. من الرائع – على سبيل المثال – أن يشير غونتر غراس إلى “أوسكار ماتزيراث” بـ (هو)، أو (أوسكار) في لحظة، ثمّ في وقتٍ ما في نفس الجملة، يشير إلى (أوسكار) الصغير بـ (أنا). إنه راوٍ ذاتيّ وموضوعي في الجملة نفسها. ولكن الأمر يحدث بسلاسة بالغة، إلى حدّ أنه لا يجذب الانتباه لنفسه. إنني أكره تلك الأشكال والأساليب التي تستدعي الكثير من الانتباه لنفسها.

- كم حجم أناك؟

- إنها تنمو أصغر قليلا طوال الوقت. أن تكون رياضي سابق هو أمر جيد لكي تخسر غرورك، والكتابة – من وجهة نظري – هي العكس فيما يتعلق بتضخم الذات. ثقتك ككاتب يجب ألا تلتبس بثقتك بذاتك كشخص. الكاتب هو عربة. أشعر بأن القصة التي أكتبها قد وجدت قبل أن أوجد. أنا فقط الشخص القذر الذي يجدها، ويحاول بشكلٍ أخرق أن ينصفها، وينصف الشخوص. أفكّر بكتابة الرواية على أنها إنصاف للأشخاص في الحكاية. إنصاف حكايتهم. إنها ليست حكايتي، إنها عملٌ شبحيٌّ بالكامل. أنا مجرد وسيط. ككاتب، أنا أستمع أكثر مما أتحدث. و. هـ. أودين يطلق على أول فعلٍ في الكتابة اسم: الملاحظة. كان يقصد الرؤية، ليس ما نختلقه بل ما نلاحظه. الكتّاب – بالتأكيد – يختلقون: الصوت، التنقلات، وجميع الجسور التي تمدُّ أجزاء الحكاية. أشياء كهذه. صحيح أنها مختلقة. أنا لا زالتُ شخصا قديم الطراز بما يكفي لكي أحافظ على رأيي بأن ما يحدث في الرواية هو ما يميزها، وما يحدث هو ما نراه. بهذا المعنى، فنحن جميعنا مجرد مراسلون. ألم يقل فوكنر شيئا على أنه كان من الضروري أن يكتب (القلب البشري في صراعٍ مع نفسه) لكي يكتب بشكلٍ جيد؟ حسنا، أعتقد بأن هذا هو كل ما نفعله: نحن نعثر أكثر مما نخلق، نحن ببساطة نرى ونكشف أكثر مما نؤلف ونبتكر. أنا على الأقل أفعل ذلك. من الضروري بالتأكيد أن تجعل أجواء الرواية حقيقية أكثر من الحقيقة، كما نقول. أيا كان هذا المكان، فيجب أن نشعر به بشكل ملموس، كمكانٍ بتفاصيل أغنى من أي مكان آخر يمكنك أن تتذكره. أعتقد بأن ما يعجب القارئ أكثر من أي شيء هو الذكريات، كلما كانت نابضة أكثر كان أفضل. هذا هو دور أجواء الرواية، إنها توفر تفاصيل تشعر بأنها جيدة، أو مرعبة، كالذكريات. فيينا في كتبي هي فيينا أكثر من فيينا.

نشرت في آراء. 

24 فبراير,2014 - takween
كُتب في أساليب, حياة الكاتب, روتين الكتابة, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

بشرى خلفان: الكتابة هي ملاذنا الوحيد من جنون العالم

نحن نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة

نحن نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة

حاورتها: بثينة العيسى

• ما الذي يجعل الكاتب كاتبا؟ وما الذي يجعل الكاتب قاصا، أو شاعرا؟

في لحظة ما وبطريقة خارقة أو عادية جدا، يكتشف الكاتب أن الكتابة هي وسيلته الوحيدة للعيش. يكتشف الكاتب أن الكتابة هي ملاذه الوحيد من جنون العالم، ومكان اختبائه الحميم، وهي في ذات الوقت أصل الجرح الذي لا يكف عن التجدد في روحه.

أن يكتشف الكاتب أن الكتابة وحدها طريقه لاكتشاف ذاته وإعادة صياغة الوجود الذي يشكل بالنسبة له أحجية عظيمة لا يستطيع التسليم بفشله في فهمها . قاصا كان أو شاعرا،لا يهم، فكل ذئب يختار طريقته في العواء لكن الجرح واحد..جرح الوجود.

• تحدثنا مرة عن علاقة تشكيل الكلمة، بالصوت والمعنى. هل تأخذين هذه الأمور بعين الاعتبار عند الكتابة أم أن اللغة تنفجر بشكل تلقائي وغير مقصود أثناء الكتابة؟

عند الكتابة تتفجر اللغة بشكل تلقائي وأتركها تفعل ذلك بمحبة وامتنان تام. لكن في مراجعاتي للنص أحاول تشذيب اللغة، أعيد اختيار بعض الكلمات لأصل إلى المعنى بشكل أعمق وأدق. مع هذا لا أستطيع الادعاء بأنني أنجو من غواية الكلمات، فأغمض عيني عن تلاعبها بي أحيانا.

وأستمتع بالكلمات، أحب ترديد كلماتي الأثيرة وأنساق إلى غواية الصوت، إلى جرس المعنى البعيد. الكلمات تصبح غابات أحيانا، وتتحول كرات ثلج، أو انثيال لحفنة رمل، أو أرنب بري. الكلمات صور وموسيقى، غواية حقيقية، وعلى السارد أن يكون حذرًا جدًا في تعامله الحميم مع الكلمات.

• متى بدأت علاقتك بالكتابة؟

أزعم أن هناك بدايتان، الأولى كانت بسبب فخذ دجاجة وكان عمري حينها ثمان أو تسع سنوات، كتبت رسالة غاضبة لأبي إثر حادثة فخذ الدجاجة (ربما رويتها يوما ما)، كانت رسالة غاضبة أعبر فيها عن تمردي الأول على سلطة أبي.

البداية الثانية، كانت بسبب صرصار وكان عمري حينها أربع وعشرين سنة، وكان بطلها صرصار، صرصار وجدت نفسي في مأزق معه، مأزق وجودي، مأزق البقاء، كما تخيلته لحظتها والذي أحالني إلى محاولة الجواب عن سؤال الصراع والقوة.

بين البدايتين خربشات كثيرة في دفاتر المراهقة التي امتدت لأكثر مما يجب، والتي لم تشِ في أي لحظة بأني وفي يوم ما أني سأقع في هذا الفخ اللذيذ، وأني سأختار الكتابة كطريقة عيش وهوية، وأن الكتابة ستصبح مكاني الآمن وربما الأخير.

تعزف دور النشر مؤخرا عن نشر القصص القصيرة بسبب قلة الإقبال عليها. ومع ذلك أنت ما زلت تصرين على كتابة القصة القصيرة تحديداً. ولأنني أعرف بأن الكاتب الحقيقي لا يكتب بحسب رغبة “السوق” بل يستجيب لرؤيته وحدسه الداخلي، أحب أن أعرف ما الذي تفعلينه لكي تضمني أن تحصل قصصك على الاهتمام نفسه الذي تحظى به الدواوين الشعرية والروايات؟

يبدو أننا في مأزق حقيقي هنا.

القصة القصيرة تتوارى أمام زخم الشعر والرواية، وربما توارى الشعر أيضا أمام زخم الرواية ونجوميتها في هذه المرحلة، وهذا شيء جيد جدا لكتاب الرواية وعشاقها وأنا منهم. وعندما يمل كتاب القصة القصيرة منها يهاجرون إلى الرواية، أحيانا يعودون إن كانت القصة القصيرة هي الأقرب إلى التعبير عما يريدون قوله، وأحيانا يقيمون في الرواية.

يقول صديقي الذي يكتب الشعر والرواية والقصة القصيرة، أن هناك روايات جيدة وأخرى متوسطة وأخرى ضعيفة، يقول الرواية تحتمل، أما القصة القصيرة فتعاني من الحدة فإما أن تكون جيدة أو ألا تكون.

لا أعرف إن كنت أتفق معه تماما (ربما احتاج الأمر إلى شيء من الصمت والتأمل). لكنني مضطرة لذلك حتى لا أتساهل مع كتابتي، وحتى لا أعطي نفسي مبررا للتخلي عن القصة القصيرة بوصفها الشكل الأدبي الذي أدعي إجادته.

ماذا أفعل حتى أضمن نيل قصصي الإهتمام المطلوب، في الحقيقة أنا لا أفعل شيئا. كل ما أفعله أن أكتب قصصي ثم أبعثها للناشر، في مرحلة ما بين الكتابة والنشر، أرسل بعض القصص لبعض المجلات الثقافية داخل وخارج عمان. وعندما تظهر مجموعتي، أرسلها لبعض الأصدقاء هنا وهناك.

هذا ما أفعله تقريبا. نعم أشعر أحيانا بأنني مقصرة في إشهار كتابتي ومحاولة الوصول إلى قاريء جديد ومختلف، لكنني كسولة على ما يبدو، والوضع مريح، في الحقيقة مريح جدا. يكفيني جدا الآن أنني وجدت مكاني الآمن، حيث أستطيع أن أفهم العالم وأعيد صياغته كما أحب، يكفيني أنني سعيدة الآن، وأنني ما زلت أكتشف عوالم الكتابة، وأساليب جديدة للتعبير عن أفكاري وعذاباتي وأن أعيد الحياة للحكايات المنسية.

• يكتب الناس أحيانا راغبين بالتشافي. يرددون بيت المجنون “وما أنشد الأشعار إلا تداويا”. إيميل سيوران يرى بأن الكتابة الحقيقية لا تكتفي بأن تغرف من الجرح، بل هي صناعة مستمرة له. إلى أي الرأيين تميلين؟

أظن كلاهما يحتمل الصواب، أحيانا تريحني الكتابة فاعتبرها شكلا من أشكال التشافي، وأحيانا تكشف الكتابة (التي هي محاولة للفهم وتقديم قراءة ذاتية أو شخصية للوجود) عن حجم الجرح الذي نعيشه، جرح الوجود، وبهذا نعيد صناعة الجرح في كل مقاربة للكتابة.

• كيف تنجو الكاتبة بداخلك من التآكل في غمرة الطوفان السياسي الذي يسمى “بالربيع العربي”؟

هل نجت الكاتبة فعلا؟

في فبراير 2011، في فترة الحراك الشعبي في الشارع العماني كنت هناك، جزأ منه، كان الأمر واضحا في بداية الأمر، ثم التبس علي وتشوش تماما. دخلت في متاهة “الربيع العربي” الذي تحول صقيعا ودما. توقفت عن الكتابة. كنت أكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الرؤية العمانية، وعندما أصبحت الرؤية ضبابية تماما توقفت. كنت خائفة، ففضلت الإنسحاب.

صرت أراقب من البعيد التحولات في المواقف والخطاب، أراقب تأثير الجموع، أبطال الورق، ردود فعل السلطة، المنحى المأساوي لثورة الورد، القرابين البشرية التي تقدم بشكل يومي. أراقب فقط.. وأتجمد! لم أكتب، مكاني الآمن لم يعد آمنا، لم يعد هناك مكان آمن في الحقيقة. كان علي أن أعبر نهر الموت والعودة منه بالحياة التي فقدتها أثناء تلك التجربة.

غرقت في القراءة، في الحياة اليومية، في وظيفتي، في التفاصيل الصغيرة، في الأشياء الأخرى كلها، كل الأشياء التي تبعدني عن مواجهة السؤال/الجرح، موجهات الخيبات والخيانات، مواجهة الكاتبة في داخلي . في أوائل 2012 بدأت أستعيد نفسي. كتبت روايتين لم تكتملا أبدا. تدريجيا عدت للمشاركة في الفعاليات الثقافية ” بحكم أني كائن إجتماعي جدا”، تدريجيا بدأت أشعر بالحياة تتسرب إلي ثانية.

في 2013، عدت، انتهيت من كتابي: ” مظلة الحب والضحك” الذي بدأت كتابة نصوصه الصغيرة منذ فترة، أصدرته في أبريل.
أصدرت النسخة الثانية من كتابي الأول” رفرفة”. ثم قررت أن أعود لمكاني الآمن، للقصة القصيرة فكتبت مجموعتي القصصية ” حبيب رمان” والتي هي الآن قيد الطباعة.

نعم عبرت نهر الموت وعدت، لكن لم أعد كما كنت، دائما هناك شيء يفقد ولا يمكننا استرجاعه أبدا. هناك شيء جديد يكتسب أيضا، لمقاومة هذا التآكل ،عليك بالحياة والكتابة. عليك أن تكون مستعدا للتعلم واكتساب الخبرات الجديدة وتدريب نفسك على النظر جيدا والتأمل جيدا والعمل بطاقة متجددة.

لم تعد الكتابة بيتي الآمن فقط، أصبحت الكتابة أسلوب حياة وهوية وسؤال وجرح دائم التجدد.

- نشرت في آراء. 

19 فبراير,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

مورين هوارد: الالتزام الثابت للقاصّ المخلص

كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات.

كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات.

ترجمة: ناصر البريكي
مراجعة: أحمد بن عايدة

 منذ مدة ليست طويلة، عثرتُ على نسخة من القصّة الأولى والوحيدة التي قمت بنشرها. لم تبدُ لي مريعة تمامًا، لكن ربما لأنني لم أقرأ إلا الصفحة الأولى. لم أكتب قصة منذ ذلك الحين، فقد أصبحت الرواية هي حرفتي.

عندما كتبت تلك القصة لم أكن غير جادة بشأن هدفي في أن أُصبح كاتبة، رغم أنني، على مرّ السنين، لم أملك أدنى فكرة عما يستلزمه الأمر. لا يمكنني، إذا نظرت للخلف، أن أتبرأ من تلك الفتاة السطحية التي افترضت أنها وجدت مدخلاً إلى عالمٍ شبحيّ من الحروف. الآن قد أسألها: ما الذي كنتِ تدفعين بنفسك إليه؟

كتابة الأدب القصصي ليست عن الحب الأول، ولا عن الحب الذاتي الذي يجعلك تحمرّ خجلًا عندما تجد اسمك مطبوعًا على كتاب. بل عن الشغف والجَلَدْ، مزيج من الرغبة والعمل الشاق يتصارعان فيما بينهما أغلب الأوقات. هل تشبه الزواج المعمّر؟ نعم، هي عبارة عن إعادة إضرام شعلة الحب للكتابة، وعن ذلك الالتزام بالساعات المنعزلة للبحث عن الكلمة، النبرة، الأسلوب – وهل لي بإضافة، المعنى؟- لماذا تروي هذه القصة التي سوف تتحول إلى صفحات كتاب؟

 هذا النداء الباطني، لن أسمّيه ”حرفة“، أصبح عبارة عن  مراقبة لوقتي، وقتي الشخصي ووقتي العام المجتمعين في الجوهر بطريقة لا يمكن فكّها. بدأ تعليمي في “الخمسينيات الصامتة”، وهي تسمية مغلوطة، كما هي التسميات العديدة التي تثبّت على العصور. فقد حظينا بفرصتنا للكلام، بكثير من التهذيب على ما يبدو، عندما جاء السيناتور مكارثي ليلقي علينا خطابه المشتت والمفكك في كلية النساء الخاصة بي.

حصلت حركة الحداثة على اعتبارٍ عالٍ في الصف الدراسي. قرأتُ فيرجينيا وولف بإجلال، وقمت بحفظ مقاطع طويلة من (الأرض اليباب) للشاعر ت. س. إليوت، وفُتنتُ باتساق قصيدة عزرا باوند (اجعلها جديدة)، وبجسارة جيرترود شتاين اللغوية لدى كتابتها قصصًا ساخرة بينما كانت طالبة، في محاذاة أناقة مجلة (النيويوركر) المتكلّفة. وفي تلك السنوات، في الخمسينيات التي لم تكن بذلك الخمول المزعوم، كان كُتاب أمريكيون عظماء -هرمان ملفيل، ناثانيال هاوثورن، إدغار آلان بو، وإميلي ديكينسن – يُستلّوْن من خزائن الكتب الزجاجية، ويُقرأون باهتمام جديد من قبل جيل حديث من الباحثين، أغلبهم لا زال يسدد فواتيره تحت قانون الجي آي[i].

نعم، كانت الخمسينات حافلةً بالنسبة لطالبة جادة تؤمن أن الأدب (Literature) يجب أن يُمنح الحرف (L) الكبير. وبالتأكيد كانت مبادئ الحداثة وأعمالها، التي كنت أعتز بها، جذرية منذ أكثر من أربعين سنة، إذا اتفقنا مع تصريح فيرجينيا وولف الشهير “في، أو بما يقارب، ديسمبر من عام ١٩١٠، الشخصية الإنسانية تغيرت”.

الحرب ضد التركيب الشعري للنظم الفيكتوري، وضد الآراء الأخلاقية المُطَمْئنة لروايات العصر الإدواردي، كانت قد انتهت منذ مدة. إلا أن أهداف الحداثة المعلنة قبل الحرب العالمية الأولى كانت ملائمة للسنوات التي تبعت الحرب العالمية الثانية. فقد تناغم تفكّك الإنسان في الحياة المدنيّة غير المكترثة بشكلٍ مناسب مع ضياع الذات الذي قرأناه في نبوءة الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين آيزنهاور في “مركّب عسكري صناعيّ”.

يجب أن تكون مكافأة النظر للخلف هي المضيّ للأمام، وإلا فسوف أعتبر نفسي قطعةٌ زمنية، كذلك الجمال القديم المتمثل في تسريحات البامبادور التي أراها في الحي، بأحمر الشفاه البراق وسوار كاحلها. نمضي قُدماً، لقد فهمتُ أن الأعمال الموقرة لسادتي وسيداتي الحداثيين لم تكن البادرة الوحيدة في المنطقة. فقد تعقبتهم، في تسلسل بانورامي، الأناشيد الدينية غير الموقرة في الستينات، والاكتشاف الذي حرر أصوات نسائية مكبوتة، وفترة ما بعد الحداثة القصيرة الحديثة اللعب (أو القفص) الساخر، الغمغمة الخافتة للحركة التقليلية وأدب التضمين، لنأمل لهم بالاستمرار.

خلال الأربعين سنة -هل مرّ كل هذا الوقت حقًا؟ – من الكتابة، أرى نفسي ساكنةً ومع ذلك أتحرك. تمامًا كالوقوف على أحد السيور المتحركة في المطارات. حيث المسار في النهاية يلفظ المسافر، وليس هناك من يمكنه معرفة وجهتي سواي: كما في غرفة القيادة الصامتة للطيران المنفرد حيث المغامرة الخطيرة تتمثل في اكتشاف نقطة التوازن. الغاية الثابتة للرواية يجب أن تكون عن عصري غير متأثرةً بالنمط السائد. فإن الفشل يُقحم في النص إقحامًا. وكما فعلا جنجير جروز وفريد أستير إذا سقطا خلال تأدية رقصاتهما على الجليد؛ عليك بالنهوض، ومسح الغبار، والبدء من جديد.

أعتقد بمثل هذه الصراحة كنت سأوقظ تلك الفتاة المفتونة بالنجوم. الفتاة التي ابتاعت تذكرة قطار لمدينة نيوهيفن بآخر دولار كانت تملكه، لتستمع إلى إلقاء ت. س. إليوت الكئيب لقصيدته “الصخور الناضبة”، أو وربما كان روبرت فروست، فقد كانت قراءاته كئيبة أيضًا. ولكن في مجموعة مقالات إليوت أجد الآن رسالة من شخص ما اسمه جيرالد يخبرني أن أستقل قطار الساعة ١١:١٥من نورثامتون، ماسيتشوسيس لأصل إلى كنيسة دوايت[ii] في الوقت المحدد. بعد ذلك كان عليّ أن أستدين المال حتى أتمكن من العودة للكلية، ربما من جيرالد، ولكنني نسيته تمامًا.

أعترف باختراعي لشخصيات نسائية تدفعها غاية موعظة اليافعين عن الماضي، أو عن التاريخ إن أحببت، كلاهما العام والخاص. وعظ أنفسهم، على أمل أن تخبرهم معاينتهم للزمن الذي عاشوه عن موضعهم، وربما حتى عن هويتهم. أنا أعلّم نفسي، فبالنهاية، أنا أول وأقسى اللا متسامحين من جمهوري.

متى كانت المرة الأولى التي من خلالها أدركت أن تسليم الصفحات لكي تطبع وتثبّت، لكي تُقرأ من قبل جمهور موجود خارج حدود مكتب العمل، هي عملية إفضاح؟ آه، لا أقصد أسلوب يوميات “سأقول كل شيء” المبالغ فيها بمجلات الإثارة، ولكن في الإظهار الفاضح لنفسي في إيقاع جملة، في شكل الفقرة، في تحول الحبكة بشكل مصادف، في انهيار المدن البشعة والحب المكسور الذين اختيروا كموضوع لعملٍ في الأدب القصصي.

من خلال كل الأصوات والأقنعة التي أدّيتها في أعمالي، توجد هناك حميمية مع القارئ. فإننا في هذه اللعبة معًا. القراءة، القراءة الحقيقية، هي رياضة التماس شاقة وممتعة. مسلية، لكنها ليست تلفازا. ذكرت جانيت وينترسن في كتابها (غايات الفن) أن القراءة مثيرة جنسيًا. سأماشي هذه الفكرة الذكية. قد أقول لتلاميذي أن القراءة ليست مثل الخروج في موعد غرامي، بل هي خطوبة كاملة.

 كوننا نتقدّم في الزمن، ماذا لو، كما أشار طالب لامع في الفصل الدراسي السابق، ماذا لو لم نشعر بأننا جديرين بما كان يُعتبر سلفًا جادًا؟ أو حتى بما هو بطولي؟ ماذا لو كنت تشعر بأنك قلق ومُحرج، إذا ما تحدثت عن الالتزام، ناهيك عن الفن؟ ماذا لو، في ظل تواجد وسائل الإعلام العامة، والأنظمة الكبيرة، تفشل الكلمات؟ إذاً اكتب ما يعتبره الإعلام رائجًا، ليس هنالك عيب في ذلك. فلتنسَ الروايات الأدبية السيئة والمهمّشة بتفانيها الصارخ. ولكن تذكر، حتى (ساينفلد Seinfeld ) [iii] رغم ظرافته ودهائه وواقعيته المسلية، جاء في الأخير إلى خاتمته.

انظر إلى العجائب والأهوال التي تنتظرنا في مواجهة الكتب للتكنولوجيا. اختفى النسّاخون مع اختراع الآلة الطابعة المتنقلة، ولكن احترام اللغة لم ينقضِ. وإني أرى الآن نبضات مؤشّر الكتابة، ودفاتر التدوين تتوسل إليّ لكتابة جملة أخرى. وإن الكلمات هي كل ما أملك، مع قدر قليل من الخيال، ولكن فكر فقط فيما ستؤول إليه حالك، أنت الذي أتيت فيما بعد. التكنولوجيا سوف تستجلب قوالب حديثة، ستكون أقرب إلى قاصٍّ متجول قديم في شبكة الانترنت، أو أيَّ لقب آخر سينتهون إلى تسميته. سوف تمتلك قدرة الولوج إلى منزل أي إنسان وتحكي له قصتك قرب المدفأة.

قد لا أكون في الجوار لأوبّخك إذا ما كنت حريصًا مع كلماتك. ففي “الأدب الحديث” تخيّلتْ فيرجينيا وولف لو أن الحياة دبّت في فن الأدب القصصي، فإنها “ستقوم بلا شك بأمرنا بأن نكسرها ونتنمر عليها، وأيضًا تشريفها وحبها، لأجل أن يتجدد شبابها وتتأكد سيادتها”. ها أنا أعود من جديد، وأعوّل على معبودة تلك الطالبة في الخمسينات، على مقالتها عن عام ١٩١٩.

أما بالنسبة لي، فإني حاليا أكتب عن أودوبون[iv]، محاولتي الأولى في كتابة حكاية تاريخية. لقد قتل أودوبون جميع تلك الطيور من فرط حبه للطبيعة والعلم، أو من أجل فنه، كما أظن.

في أحد الأيام قام أودوبون باصطياد نقار الخشب ذي القبعة الحمراء وجلبه معه حياً إلى غرفة عمله. أكمل الطير عمله عبر نقر الخشب في الحوائط فيما كان الفنّان يرسم ريشه الأسود المخطط بالأبيض، منقاره الحادّ، ومخالبه الزرقاء، والريش الأحمر على قبعته. في كتاب رسوماته (طيور أمريكا) هناك ثلاثة من طيور نقار الخشب تحط على غصن صنوبر، فكرة مبتكرة ليصوّر طيره بكافة أبعاده. وبهذه الطريقة، فإن غاية الطبيعيين هذه تشبه إلى حد كبير مهمة كاتب الأدب القصصي، تدوين الحقيقة معززةً بالخيال.

إنني أكتب هذه الرواية في عالمٍ افتراضي، تحوير بسيط ومذهل للواقع. ولكن دعني أُخبرك أفضل جزء في حكاية أودوبون: عندما انتهى من عمله، فتح النافذة، وترك الطيور تحلق بحرية.


[i]  قانون يعطي مساحة من الفوائد المادية للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية بصكوك رهون منخفضة السعر وقروض منخفضة الفوائد، دفع تكاليف الجامعات والمعاهد الوظيفية والمدارس، مع سنة إجازة من العمل مدفوعة التعويضات.
[ii]  مبنى مكتبة جامعة ييل في مدينة نيوهيفن، ولاية كونيتيكيت في ذاك الوقت.
[iii]  مسلسل تلفزيوني أمريكي يعتمد على كوميديا الموقف، حقق نجاحاً استثنائياً في التسعينات من القرن العشرين.
[iv]  عالم طيور ورسام أمريكي من أصول فرنسية.

19 فبراير,2014 - takween
كُتب في عن الكتابة | التعليقات مغلقة

ابراهيم نصرالله: الكتابة عمل جديٌ، ومساحة للعب

اكتب بحريّة علمكَ وتمرَّد، لا بنزق عدم معرفتك، لأنك لن تستطيع أن تكون أفضل من الجميع وأنت لم تقرأهم!

اكتب بحريّة علمكَ وتمرَّد، لا بنزق عدم معرفتك، لأنك لن تستطيع أن تكون أفضل من الجميع وأنت لم تقرأهم!

حاورته: بثينة العيسى

 * توجد في العالم أشكالٌ لا نهائية للتعبير، لماذا اخترت الكتابة؟

اخترتها في البداية لأنها الوسيلة الأقرب إلى نفسي وربما إلى إمكانياتي، فأنت فيها لا تحتاج لأكثر من ورقة وقلم، ولكن طموحي دائما كان أن أدرس الموسيقى، وهذا ما لم يتحقق لأسباب مادية واجتماعية، وأظن أنني لو درست الموسيقى لتوقفت عن الكتابة، أو لتراجع الحيز الذي تشغله لدي كوسيلة تعبير، لكنني فيما بعد اكتشفت الرسم والتصوير والسينما، وأقمت عدة معارض وأصدرت كتابين في السينما وكتبت الأغاني، لكن هذه الفنون غدت من روافد تجربتي الأدبية عبر ممارستها التي عمقت فهمي لها، وليس عبر التعامل معها كمتذوق.

* يرى كثير من المبدعين بأن الكتابة “حدثت” لهم، كما تحدث المصادفات، أو الأقدار. كأن يكتشف طفل السادسة بأن عالما عجائبيا ينتظره كلما أمسك بورقة وقلم، هل حدث ذلك معك؟

أعتقد أن كثيرا من المبدعين يعيدون تأليف تلك اللحظة التي بدأوا فيها الكتابة، بوعي أو دون وعي منهم، ويحيلونها إلى نص من نصوصهم المكتوبة الآن. أظن أن المسألة بدأت لدي من شغفي غير العادي ببعض القصائد التي سكنتني في المرحلة الإعدادية، وبالذات القصائد القصصية، وتركت أثرا عميقا في داخلي، أو أوجدت حسا قويا غامضا لدي، فتح عيني على ما حولي فحاولت التعبير عنه وتقليد تلك القصائد في آن، ثم اكتشفت أن أفضل طريقة للتعبير عن نفسي هي هذه الطريقة. كما أن لحظة الكتابة لحظة صافية تستطيع أن تتركز فيها تماما، وتجد فيها مساحة تبعدك عن ذلك البؤس المحيط بك، أو تجعلك تتخفف من وطأته، وأعني هنا قسوة الحياة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في ستينات القرن الماضي.

* إنتاجك غزير ومتنوع، بين الشعر والرواية والدراسة وأدب الطفل، حتى أنك شاركت في معارض فنية وجربت الرسم. كيف استطعت أن تحافظ على طلاقتك الإبداعية بحيث تضمن تدفق إنتاجك الأدبي والفني طوال تلك السنوات؟

أعتقد أن منسوب الحياة متفاوت بين إنسان وآخر، وبالتالي كاتب وآخر، وأعتقد أنني عشت الكثير حلوا ومرا، وما زلت، كما أنني تعاملت مع الكتابة كعمل في غاية الجدية، رغم أنه مساحة كبرى للعب أيضا. منذ البداية أعمل على أفكار كثيرة في وقت واحد، لكن لم يسبق لي أن كتبت رواية مثلا إلا بعد سبع سنوات، على الأقل، من التفكير فيها والإعداد لها، وبعض الروايات فكرت فيها وعملت لها أكثر من عشرين سنة. هناك كتاب يكتبون ما إن تأتيهم فكرة جميلة، هذا لم يحدث معي أبدا، لأنني أعمل على مسارات، يمكن القول طويلة الأمد، وأحيانا تنضج فكرتان معا، وهذا حدث معي في روايتي الأخيرة (شرفة الهاوية) ورواية أخرى عن مدينة طبرية في سنوات الأربعينات من القرن الماضي، حين فتحت الكمبيوتر لأكتب، لم أكن أعرف هل سأكتب رواية طبرية أم شرفة الهاوية، ولكن صدف أن كتبتُ الجملة الأولى في شرفة الهاوية، فكتبتها. ولو حدث العكس لكتبت رواية طبرية. الآن لدي عدة أفكار تتصارع لتولد.
أما عن الجزء الثاني من السؤال فأظن أن المسألة عائدة إلى قدر كبير من التفاعل مع العالم ومتابعة كل جديد، وذلك التحدي الجميل الذي تفرضه عليَّ فنون أخرى غير الشعر والرواية، مثل السينما.

* في غمرة الطوفان السياسي الذي يجتاح المنطقة، منذ النكبة وحتى ما سمي بـ “الربيع العربي”.. أين نضع الفن؟

الفن في مكانه الذي وضعته البشرية دائما، عمَّ سلام واشتعلت حروب وعمّ سلام و…، وجاءت كوارث طبيعية وأمراض اجتاحت الأرض، ودائما يواصل الفن، وقد تساءلت يوما من يحرث الحقل فعلا يد الفلاح أم الأغنية التي يرددها وهو يحرث أرضه، وكذلك الأمر يمكن أن ينطبق على كل يد تبني أو تعيد بناء انهار.

* في كتابتك “تحت شمس الضحى” كنت تؤكد على حقنا بأن نكون جميلين. هل تعتقد بأن الاشتغال في الحقل الجمالي (الأدبي والفني) هو فعل مقاومة؟

بالتأكيد، فنحن مجرد (مانيكانات) بلاستيكية في الواجهات أو على الأرصفة إن لم يكن الفن جزءا أصيلا من أرواحنا. صحيح أن الفن لا يحدث انقلابات مباشرة في الحياة، لكنه يؤثر في البشر تدريجيا بحيث يغيرون الحياة فيما بعد. في الأدب الفلسطيني مثلا وجد أدب المقاومة قبل أن توجد المقاومة الحديثة في الستينات من القرن الماضي.

* إيميل سيوران يقول بأن الكتابة هي صناعة مستمرة للجرح. كافكا يقول بأن الكتابة هي انفتاح جرحٍ ما. مجنون ليلى يقول: وما أنشد الأشعار إلا تداويا. أين تجد مشروعك الكتابي، في الجرح أم في البلسم؟

في كل هذا، فنحن على الدوام بين الجرح والبلسم، بين الأمل واليأس، بين محو الذاكرة واستعادتها، وأظن أن الكتابة في الحالة الفلسطينية هي فعل وجود، نحن نكتب لنقول أيضا أننا هنا، أحياء، وقادرون على إعطاء البشرية شيئا جميلا، ولذلك هي جزء من وجودنا، ولعل جملة الصهيونية غولدا مائير تدل على أيِّ حدّ ترعبهم كتابتنا، فقد قالت ذات يوم: لو كان الفلسطينيون شعبا لكان لهم أدب. الآن لا يستطيع أي زعيم صهيوني أن يقول بأن الفلسطينيين ليس لهم أدب، وكلما أثبتنا أن لنا أدبا كبيرا وفنا كبيرا أثبتنا بأننا شعب لا يمكن أن يتجاهله أحد. بالجمال نقاوم فعلا كما قاومنا بالحجر وبالسلاح.

* هل توجد ملامح واضحة ومحددة، وربما طقسية، للفعل الكتابي بالنسبة لك؟ هل لديك روتين كتابي، عادات معينة، مكانٌ محدد للكتابة؟

لدي طقوسي البسيطة: حين أكتب لا أسافر أبدا؛ أكتب كل يوم حين أبدأ بمشرع حتى أيام الجمعة، حتى أنهيه؛ يلزمني الهدوء فقط؛ في الماضي كنت أكتب صباحا وبعد أن تفرغت للكتابة، منذ سبع سنوات، أكتب مساء أيضا؛ وخلال فترة الكتابة لا أقرا كتبا، في الليل أشاهد أفلاما.

* هل تخطط قبل كتابة رواياتك، أم أنك تكتشف الرواية وأنت تكتب؟

أخطط بالتأكيد، لكنني أحضِّر كثيرا وأعايش فكرتي كثيرا، لكن رغم ذلك حين أبدأ الكتابة أكتشف أنني لم أستخدم أكثر من عشرين بالمائة من الأشياء التي حضرتها أو خططت لها.

* ما هو أكثر نص أرهقتك كتابته؟

كل نص مرهق عموما، هناك النص الذي تخشاه، فتظل تؤجله، وهناك النص الذي تمضي فترات بحثية طويلة من أجله، وهنا النص الذي قد يدمر أعصابك لفرط معايشة لحظاته القاسية، ولولا ذلك الخيط الدقيق من المتعة في أنك تبتكر شكلا جديدا وشخصيات لم يكن لها وجود لكانت الكتابة أمر قاسيا فعلا.

* ماذا تقول لكاتبٍ شاب قرر أن يبدأ مشروعه الإبداعي الأول؟

اكتب بحريّة علمكَ وتمرَّد، لا بنزق عدم معرفتك، لأنك لن تستطيع أن تكون أفضل من الجميع وأنت لم تقرأهم!

* يقول إرنستو ساباتو: ليس هناك من رواية عظيمة لم تكن في المحصلة شعرًا. وبصفتك صاحب تجربة سردية شعرية مترامية الاتساع، كيف تجد العلاقة بين السرد والشعر؟

أظن أن جملة ساباتو العظيم في الصميم، فهو لا يتحدث عن الشعر باعتباره لغة بل باعتباره كثافة استثنائية لوجود العمل الأدبي ككون جمالي، ولوجود الكائنات التي تسكنه كذوات بالغة الدلالة والعمق، وباعتبار الحدث ليس واقعة، بل جوهر اللحظة البشرية في لحظة التقاء أو اصطدام الإنسان بأي شيء حوله أو فيه.

 * نشرت في آراء 

17 فبراير,2014 - takween
كُتب في أساليب, حياة الكاتب, روتين الكتابة, طقوس الكتابة, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

مخاطر التخطيط: لماذا يتطلب الإبداع القفز نحو المجهول؟

لماذا يتطلب الإبداع القفز نحو المجهول؟

لماذا يتطلب الإبداع القفز نحو المجهول؟

كتبت: ماريا بوبفا
ترجمة : أمينة الحسن
مراجعة: أحمد بن عايدة

“إن مهمة الفنان، وكذلك مصيبته، والمتعة غير المتوقعة، تكمن في المضي نحو الغموض. في جعله يحدّك من كل جانب”.

 ”اسمح لنفسك أن تحظى بتلك الفرصة المترفة وغير المريحة؛ تغيير وجهة نظرك”.

كان هذا اقتراحي في إحدى الدروس السبعة نتيجة سبعة سنوات في مدونتي (انتقاءات فكرية). في الواقع لا شيء يعيق التطور أكثر من تمسكنا بالمألوف، التشبث الأعمى بالخطط المعدّة سلفًا. وعدم قدرتنا، كما قالها ريلكه، “على معايشة الأسئلة“.

وصف كيتس إرادة المضي نحو المجهول، والعيش مع الغموض، والتصالح مع المبهم، “بالقدرة السلبية”. وقال مجادلُا أن هذا ضروري في العملية الإبداعية.

أما أناييس نِن فاعتقدت أن المجهول يجعل حياتنا مفعمة، وحتى علماء النفس يؤكدون أن الشك مهم للإبداع. وبالرغم من ذلك، لا نزال نتشبث بشدة بمحيطنا الآمن، وبخططنا المعتادة، وبالأمور المعروفة. لماذا؟

تسعى داني شابيرو إلى كسـر هذا النمط في مذكراتها الرائعة (ما زلت أكتب)، والتي قد منحتنا مسبقًا حكمتها حول مباهج ومخاطر الحياة الإبداعية. قالت:

“عندما يسألني الكتّاب الجدد متى ستصبح الكتابة أسهل، أجيبهم أبدًا. لن تصبح أسهل. لا أريد أن أخيفهم ولذا نادرًا ما أجيب بأكثر من ذلك. لكن في الحقيقة، إنها تصبح أكثر صعوبة. إن حياة الكتابة ليست فقط حافلة بالأمور الغامضة المتوقعة بل أيضًا بذلك الوعي أننا دائمًا نبدأ من جديد. وأن كل ما سوف نكتبه سيبدو ناقصًا. ربما نكون قد كتبنا كتابًا واحدًا، أو أكثر من كتاب، فإن كل ما نعرفه، لو كنا نعرف أي شيء على الإطلاق، هو كيف كتبنا الكتاب الذي كتبناه. كل الروايات عبارة عن إخفاقات. الكمال بحد ذاته نقص. كل ما يمكننا أن نسعى لأجله هو أن نخفق بشكل أفضل. وذلك في عدم استسلامنا للخوف من المجهول. وفي مقاومة ذلك السحر في تكرار ما قد نجح في الماضي. أحاول تذكير نفسي بأن مهمة الفنان، وكذلك مصيبته، والمتعة غير المتوقعة، تكمن في المضي نحو الغموض، في جعل الغموض يحدّك من كل جانب. في أن تخرج من رحم المجهول. في كل مرة نصل إلى نهاية عملنا نكون قد أخفقنا، فيما نحن نقفز بذهولٍ وجرأة نحو المجهول”.

 تقدّم شابيرو البرهان والضمان في تأمل مهنتها ككاتبة:

“قد يبدو لك هذا كله نتيجة لخطة منفذة بشكل منهجي. أو خطة من أي نوع كان. لكني لم أخطط لأي شيء من هذا. تقريبًا كل شيء حدث في حياتي الكتابية كان نتيجة إبقاء رأسي منخفضًا على المكتب والقيام بالعمل.. وفي كثير من الأحيان أقول لطلابي–خاصة ذوي الصبر النافد–أن العمل الجيد سوف يجد طريقه. عندما يكون العمل جاهزًا، كل الأمور الأخرى ستجري على أكمل وجه”.

داني شابيرو: اسمح لنفسك أن تحظى بتلك الفرصة المترفة وغير المريحة؛ تغيير وجهة نظرك

داني شابيرو: اسمح لنفسك أن تحظى بتلك الفرصة المترفة وغير المريحة؛ تغيير وجهة نظرك

وتقوم بالتحذير من ذلك الانهماك السائد في بناء قاعدة جماهيرية، لا سيما وقد أصبح مرضًا في عصر وسائل الإعلام الاجتماعية حيث الترويج الذاتي يصبح إدمانًا:

“أراهن بأن كل كاتب عصري تكنُّ له الإعجاب لم يقضِ لحظة واحدة في التفكير في كيفية بناء قاعدة أو وسيلة ليروّج لنفسه”. ففي نهاية المطاف يقوم النجاح على فكرة، مملة لكنها مهمة لدرجة تفوق الحصر، وهي أن العزم، وليس الموهبة، هو سر العبقرية. أردّدُ نصيحة ديبي ميليمان، في مقالها المصوّر المذهل الذي أصبح خطبة للطلبة الخريجين عن الفشل والشجاعة والحياة الإبداعية، “اعمل بأقصى جهد يمكنك بذله، اجعل خيالك متسعًا لا حدود له، لا تقبل الحلول الوسطى. ولا تضيع وقتك”.

وتختتم شابيرو مقالتها بنوع من الحكمة الشاعرية والواقعية:

“إذا كنت تعمل بجد، وتركيز، ومثابرة، ونزاهة، وصدق، وتفاؤل، وشجاعة، على الأقل من ناحيتك الخاصة. فإنك قد تنتج شيئًا جيدًا. وإذا أنتجت شيئًا جيدًا، سوف يساعدك الكتّاب الآخرون. سوف يتّصلون بوكلائهم وبمحرريهم. سيكتبون رسائلًا لمصلحتك. سوف تقوم معلمتك برفعك على أكتافها. سوف تحملك عاليًا حتى تصل. حتى يمكنك أن تحظى بمثل الفرصة التي حظتْ هي بها. صدقني، لا شيء يمكن أن يجعلها أسعد”.

إذا لم تقرأ وتتلذّذ بكتاب (ما زلت أكتب) بعد، فأفعل. فإن السرور سوف يدخل على روحك.

* نشرت في آراء. 

16 فبراير,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب, نصائح الكتابة | الوسوم: , , , | تعليق واحد