غيش جين: أمارسُ الكتابة بدلا من ممارسة العيش

كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

ترجمة: أحمد بن عايدة 

في العام الماضي كدت أتخلّى عن الكتابة. كنت سوف أتخلّى عنها، رغم أني كنت أعمل على نحو جيد، رغم أن عملية الكتابة لا زالت تذهلني: المفاجآت اللانهائية للجمل، والشعور بالإمتلاء عند تجسّد الأفكار. كان لدي كتاب جديد أردت كتابته، الكتاب الذي أكتبه في الوقت الحالي، والذي كنت أعلم أنه سيكون مشروعا جيدا. وقد أدركت ما هو أكثر من ذلك، وهو أني لم أبلغ ذروتي بعد، وذلك أمر أظن بأني كنت أنتظره بشكل مريض. لقد أقسمت منذ مدة بألّا استمر إذا ما بلغت المرحلة التي أفضل ما يمكن فعله عند بلوغها، هو التوقف.

لم أبلغها بعد. ومع ذلك، كنت على وشك الاعتزال لأني شعرت بأن حياة الكتابة ليست بحياة، لأني شعرت بأني أمارس الكتابة بدلًا من ممارسة العيش.

ليس هناك وقت كافٍ للكتابة. إنه عالم موازي حيث الأيام أيضًا يمتد طولها، بشكل مزعج، إلى أربعة وعشرين ساعة. كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

أن تكتب، هو أن تفهم لماذا يكتب كيتس واصفًا العيش “تحت وطأة القيود الأبدية، يستحيل خلاصي سوى بالكتابة.” هو أن تعي نزوع كافكا إلى أن يُحبس داخل أعمق غرفة في القبو، حيث يزوّده بالطعام شخص خفيّ الهوية. هو أن تعرف لماذا وصفت أليس مونرو الفنان بأنه يملك وجه العدو. وهو أن تحسد فيليب روث، الذي، حسب ما يقال، حجز نفسه في كابينة في جبال البيركشيرز. يقال أنه ظل يكتب ويكتب، يكتب دون أي شيء يصرف انتباهه، يكتب وحسب.

مما يدعو الواقعيّ في داخلنا إلى التساؤل: أهذه حياة؟ هل بإمكاننا حقًا اعتبارها حياة؟ والمتحدث هنا هو عقلنا. غير أنه يوجد هناك شخص آخر في الداخل، شخصية الكاتب، يجيب بنعم. إن ذلك بديهي، وأن تخوض العالم ليس بالأمر السيء، بل إنه ضروري. مع ذلك فإن ثقل الحياة اليومي يأتي كعائق. البعض يظن أن كل شيء ينتهي إلى أن يكون عائقًا، ذلك، في الحقيقة، غير صحيح. لكن قبل كل شيء، إنه لمن المحتمل ألا يحظى المرء في حياته سوى بالعوائق، فلتسأل أي شخص يعمل في وظيفة حقيرة. لكن ذلك موضوع لمقال آخر.

أسمح لي بالقول أنه في عمر الخامسة والأربعين، بعتباري أم لأبناء صغار، أنني أحظى بحياة معظمها غير مادي، إنني بكل بساطة أعيش. الكتابة تنافس تلك الحياة، تنقّصها وتقصّرها. إنني أناضل كي لا استعجل الوقت الذي أقضيه مع أطفالي، أجاهد لأنسى نفسي بصحبتهم رغم أني لاحقًا أقوم بعصر كل دقيقة متبقية من اليوم. أقوم بالحسابات، أوازن، أدفع نفسي إلى الحافة. وذلك لكي أعود لأغمر نفسي تمامًا في العمل مرة أخرى، أرسم اليوم، مساراته، خياراته. أراوغ وأرواغ. أدّخر الساعات، وأشعر باليأس في الإزدحامات المرورية. والأسوأ من ذلك، أبقى أراقب ارتباطاتي. أمنح نفسي للآخرين بالقدر الذي يحتاجونه هم مني، بذلك القدر وحسب. وإني لأتساءل ما إن كانت الكتابة تستحق ثمن ذلك الأخير على وجه التحديد. تقول سينثيا أوزيك أن الفن أنانية. وقد وضعتنا ليندال جوردون وجهًا لوجه مع قسوة هينري جيمس وتي أس إليوت. واعتقدت أوزيك أن الفن يستحق ذلك. بينما صرّح فولكنر أن مسؤولية الكاتب الوحيدة هي تجاه فنه. وفي اعلان شهير له قال أنه لو اضطر لنهب والدته فلن يتردد في ذلك، وأن “قصيدة جون كيتس (نشيد إلى جرّة إغريقية) تعادل أي عدد من النساء.”

 كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

كل لحظة يقضيها الشخص في حياته الواقعية هي لحظة مهدورة من حياته الكتابية، والعكس صحيح.

ربما نتساءل اليوم إن كانت تعادل أي عدد من الشبان، لكننا لن نجيب على ذلك. فالسؤال الحقيقي هو: لو كان اقتراف فعلة بتلك القسوة ضروري ومبرر كما في حالة هينري جيمس، فهل سيكون مبررًا لنا جميعًا؟


أعلم أنني سأتخلّى بالفعل عن الكتابة لو أدى ذلك إلى تهديد مصائر الآخرين، يكفيني أني أتحسّر لمجرد تقصيري معهم أحيانًا، أو كون توفّري لهم بين كرّ وفرّ. مع ذلك، لستُ أدري ما هو الصواب. عندما يتحدث الناس عن كونهم عالقين بين عالمين فهم غالبًا يقصدون التفكك الثقافي من الناحية الجغرافية السياسية. ومع أن الكتّاب أيضًا عالقون بين عوالم، وأننا قد نعلن بوضوح عن انتمائنا، غير أن الروائيون خصوصًا لا يمكنهم التغافل عن مشكلة اخلاقية. في الحقيقة، المنتمين على الأرجح متفككين من الداخل بقدر المتجردين.



لقد كانت بلوتي بلوة ايمانية. يكفي أن الشائع عند بلوغ منتصف العمر هو الشعور بالموت يكتنفك. وقد لا يكون مفاجئًا أن تبدأ الكتابة بأن تبدو ممارسة لا طائل منها، محاولة مؤسفة لمنح حياتنا الهشة وزنًا ومعنى. تشككت بقيمة الكتابة شيئًا فشيئًا، وفي الوقت ذاته، ندمت على الثمن المدفوع لأجلها.

لقد حاولت هجرها لبضعة أشهر على أوجه مختلفة. صرت أزرع. اصبحت أتناول الغداء. بدأت أتحدث إلى موزّعي المنشورات. ساهمت في قضايا. ثرثرت مع مربّي الكلاب. تمتّعت برفقة أطفالي. صرتُ لأجلهم مثالًا للشجاعة أمام سرطانات بحر حية. صرت لأجلهم منفتحةً للأشياء الجديدة.

مع ذلك، وجدت الحياة دون عمل ميتة. بودي لو يمكنني القول أنني عدت للعمل لأن لدي مساهمة غير اعتيادية للعالم، أو لأني وجدت الكلمات التي ستوبّخ الموت. لكن في الحقيقة، عدت للكتابة لأن الحياة دون كلمات مملة. كان يبدو كما لو أن الرياح توقفت عن الهبوب. كان يبدو كما لو أن قام أحدهم بإلغاء اختراع الموسيقى—يا له من صمت. شعرت كما لو أني فقدت أحد حواسي.

لقد قضيت وقتًا مسليًا بحريتي من العمل. أحببت الشعور بأن لدي متسعًا لأشغره. أحببت الشعور بالإنفتاح للحظة الحاضرة. لكن شيئًا فشيئًا صارت اللحظة الحاضرة تنضح بوعي للأشياء المفقودة.

اشتقت إلى منطقة التاريخ. افتقدت تطوافي العوالم الكبيرة. اشتقت إلى شربكة اللغة. افتقدت ملازمتي للعمل. اشتقت إلى اكتشافي لما أفكّر به—أو بالأحرى، إلى رؤية الأفكار وهي تذوب أسفل القلم. اشتقت إلى تفسير الأشياء. اشتقت إلى تعقّب الحبكة. اشتقت إلى امتطائي الخيال، ليس للطيران نحو الغروب بل لإختراقه.

لكن فوق هذا كله، اشتقت إلى المنحى التي تؤدي إليه تجربتي في مواجهة نفسي بالتحديد—بشكل مبهج، ومزعج—كفرد. ولقد افتقدت تواصلي مع الموتى من الكتّاب. فكنت بالطبع لا زلت أقرأ، غير أني شعرت كما لو كنت جالسة في حفلة، بينما الجميع يرقص.

ذات ربيع مشيت بالقرب من بحيرة ورأيت جزيرة ثلجية. كانت فضية ومغمورة لدرجة تبدو كما لو أنها انعكاس غيمة، إلا أن الطيور كانت تغطيها. لقد كانت الطيور غائصة في المياء الباردة إلى مستوى كاحلها. تنظر في جميع الإتجاهات. وإنها لتبدو، رغم نظراتها المحدقة المنسجمة، تائهة. وكنت أرى مشهد الجزيرة هذا وأعجب به كل عام، غير أني عندما نظرت إليه هذه المرة، رأيت أنه زائل وفي الوقت ذاته، أبدي. رأيت أن تكوين الجزيرة يعتمد على الماء، الذي يبقى يدمره ويعيد خلقه من جديد.

لقد كان الماء والثلج متضادّين، وليس ذلك فحسب. فإن الماء يخرج من الثلج رغم كل شيء، والثلج من الماء. وحامل الثلج هو الماء. تربطهما ما قد يطلق عليه جيمز ألان ماكفيرسون علاقة معاضدة متضادة.

رأيت البحيرة، ومشيت حولها مرة أخرى، وعدت للعمل ذات يوم. كنت أجهد نفسي في العمل لدرجة أني نسيت جزيرة الثلج. كنت ببساطة أعيش، أعمل، أعيش، أعمل، مع عراقيل مزعجة لكني أحاول ألا أكون منزعجة كثيرًا. بإختصار، كنت أحاول موازنة العمل مع الحياة.

وفي يوم حصلت على الفرصة لسؤال جرايس بالي عن سر موازنتها للأمور. ليس هناك موازنة، قالت لي بشكل قاطع. ورغم أنها قالت ذلك في الصيف على طريق أوريجون، فقد رأيت بحيرتي الربيعية. وجزيرة الثلج تذوب من فوقها. وتظهر مرة أخرى، وتذوب، وتظهر. يا له من مشهد يبعث السلام. مشهد أكّد لي أبدية الجزيرة، وثبات النظام. ربما في الحياة الواقعية كان كذلك. غير أنه كتعبير مجازي إرشادي، كان محدودا وخادعا.

كان هناك نهر أوريجاني عظيم إلى جانب الطريق حيث مشيت مع صديقتي بالي. كان النهر يجأر ويجأر بطريقة لا يبدو إلا أن تكون أبدية. ليس بإمكانك السباحة في النهر، حتى في الصيف. لقد كان سريعًا جدًا، باردًا جدًا، وحشيًا جدًا، بلا رحمة، جارفًا، انهيار جبلي متواصل لا سبيل إلى تهدئته، لا يدركه الليل ولا النهار. وفي سبيل التخفيف من جبروته، كان هناك بركات ساحرة وغدران تطفح بالأزهار البرية. كذلك كان هناك جبال عالية قاحلة تلوّنها بشكل عجيب شجيرات صغيرة. وإنها لتعتبر جريمة عدم التجوّل مشيًا عبر تلك الجبال. عاهدت نفسي على التنزه في الصباح التالي. قمت بضبط المنبّه، وفي الصباح، ارتديت جزمتي، وجلست قبالة الكمبيوتر.

شرح لي صديقي عالم الرياضيات قبل فترة ليست بعيدة أن هناك مجموعة متكاملة من الفرضيات الرياضية القائمة بذاتها. إنها فرضيات لا تحتمل الدحض ولا الإثبات—وذلك ما يجعلها تقع خارج عالم الرياضيات الحتمي. سألت صديقي ما إن كانت تلك الفرضيات تقلقه. جاوب بالنفي. بل بالعكس، وجد أمرهم مدهش. يقول الكثير يعتقد بأن الرياضيات تتصف بمثالية أفلاطونية، تلك صفة يحبّها الجميع. وقد أحبّ ما أحبوه—تلك الصرامة العجيبة. غير أنه أحبّ أيضًا حقيقة أن الرياضيات، في مواضع معينة، فشلت. أحبَّ وجود المتناقضات، أشياء لا يمكن ترويضها. وفيما أنا أسمعه، كنت أهز رأسي بوجع الذي بدأ يدرك.

هل يمكنني تقدير التناقضات العميقة مثل صديقي؟ (قال هينري غرين أن الحياة في النهاية عبارة عن تعارض يتلو تعارض) أفي إمكاني، أنا أيضًا، قبول واعتناق الذي لا يحتمل الترويض؟ ربما يمكنني. ربما تمكّنت من ذلك بالفعل. ربما فكّرت، أن أكتب حول ذلك. 

نشرت في آراء. 

16 يونيو,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب | التعليقات مغلقة

كيف يكتبُ جيمس باترسون؟

لم تصبني أبداً حبسة الكاتب، لأني دائماً أملك عشرات المشاريع الجيدة التي أعمل عليها، لذا أن لم ينجح أحدها، أبدل المعدات.

لم تصبني أبداً حبسة الكاتب، لأني دائماً أملك عشرات المشاريع الجيدة التي أعمل عليها، لذا أن لم ينجح أحدها، أبدل المعدات.

نوح تشارني
ترجمة: ميادة خليل

الكاتب الأكثر مبيعاً لسلسة روايات ” Alex Cross” (اليكس كروس)، والذي صدر له مؤخراً “الحب الأول” كتاب مشترك مع إميلي ريمون، يتحدث لنا عن كم أنفق من حياته في كتابة المسودات، وما يمكن أن يقوم به الكاتب الطموح بشكل مختلف لتحقيق تقدم في الخيال الشائع مقابل الخيال الأدبي.

• صف لنا روتينك اليومي؟

أكتب سبعة أيام في الأسبوع، و52 أسبوع في السنة. أستيقظ في حوالي الساعة 5:30، أرتب بيتي، أكتب القليل، ربما مسودة لذلك اليوم. ثم أخرج حوالي الساعة 7:00، أمشي لوحدي في ملعب الغولف لساعة. ثم أعود الى المنزل وأكتب حتى الساعة 11:00 أو 12:00. الكتابة بالنسبة لي مزيج مع أي عمل أقوم به، أيٍ كان ما أكتبه، رواية، مسودات.. كنت أحصي عدد المسودات التي كتبتها فوجدت أني أكتب حوالي 900 صفحة مسودة في السنة. معظم المسودات هي 3 أو 4 صفحات، لذا هي كثيرة جداً! ثم رواية كاملة في السنة، ومن ثم صقلها.. إذا أتيت الى مكتبي، نوح .. آسف، ربما سأسألك سؤال واحد فقط …

• لا مشكلة، استمر من فضلك.

ما سوف تراه في مكتبي رفوف في جميع أنحاء الغرفة. هناك حالياً 50-60 مخطوطة، وكلها مشاريع حية. لذا هناك الكثير من الكتابة.

• كيف يمكنك تنسيق هذا العدد الكبير من المشاريع؟ أعرف أن بعضها كتبته لوحدك، وبعضها كتبته مع كتّاب آخرين. كيف تتم هذه العملية، وما الذي يختلف، بين أن تكتب لوحدك أو مع زميل؟

ليست مختلفة بشكل كبير، بمعنى أني أعمل مع أناس يتفهمون ذلك، في النهاية، النتاج النهائي هو كتاب سعيد يوضع اسمي عليه. مما يعني كتابة سريعة وجيدة. أنا أذهب دائماً لأعلى قاسم مشترك. أعني، أكتب الخيال الشائع، لكني أريد كتابة خيال شائع جيد. الكتب التي أكتبها تحتوي على العديد من المسودات. أول شيء أفعله هو أن أضع القصة بشكل صحيح. إذا هذبت القصة من البداية، هناك فصول تحبها يجب ألا تكون في الكتاب، أو فقرات تحبها يجب ألا تكون في الفصل، أو جمل تحبها يجب ألا تكون في الكتاب، أو فقرات تحبها يجب ألا تكون في الفصل، أو جمل تحبها يجب ألا تكون داخل الفقرة. أُفضل دائماً التركيز أولاً على القصة، ومن ثم يمكنك الصقل قدر ما تشاء. لا أميل الى فعل ذلك، لكن هذا ممكن.

مع الكتابة المشتركة، أكتب مسودة طويلة، حوالي 60-80 صفحة، والجميل أن كل فصل يتعامل مع 80 بالمئة على الأقل من الفصول. ثم أسأل الكاتب المشترك للمساهمة في المخطوطة. لسببين: رأسين أفضل من رأس واحد، لكن أريد أن أشعر بأنهم جزء من العملية، بأنهم ساهموا بكل شيء حتى المسودة الأولى. ثم أطلب قراءة الصفحات كل بضعة أسابيع. خلافاً للناشر، بعد سنة أو 18 شهراً نعود الى المسودة، وقد يقولون: “حسناً، هذا ليس ما توقعناه تماماً!” ليس الأمر كذلك. أعتقد أنه من الأفضل أن نقرأ عدد من الصفحات كل بضعة أسابيع ونتحدث عنها. وأحياناً تكون ردة الفعل: “هذا رائع، أحب الطريقة التي تم بها ذلك!” وأحياناً: “لقد وجدنا المسار بطريقة ما!”. إذا لم أحب الشخصيات أو أجدها رائعة ــ إذا عرفت الى أين تذهب، أريد قراءة المزيد. في النهاية، عندما أحصل على المسودة كاملة من الكاتب المشترك، أبدأ بصقلها أو كتابة مسودات أخرى بنفسي، وهذا يتوقف على الحالة.

• كيف تختار شريكك في الكتابة؟ أراهن أنه بحث مزعج. ما الذي تبحث عنه في شريكك القادم؟

في الكثير من الحالات هم أناس أعرفهم وأشعر أن بأمكاني العمل معهم. أحب الكتّاب الذين يمكنهم كتابة المشاهد، والذين يرغبون بسماع السبب، ثم يمكنني العمل معهم. لدي الكثير من المشاكل مع كتاب السيناريو في هوليوود، هم يشعرون دائماً بأنهم يعرفون طريقة للكتابة أفضل مني. شخص أعطاهم “الحرب والسلام” لتقديمه، وبعد أسبوعين أعطوه نصيبه على ذلك.

• المدير التنفيذي أعجبه جزء “الحرب” وأعتقد أنه سيفشل مع جزء “السلام”.

هو جزء من بيئة غريبة “هوليوود” ولا أشعر بالراحة فيها. بالنسبة للكتابة المشتركة هناك أناس أعرفهم وربما عملت معهم في الماضي. أشعر أننا منسجمين مع بعضنا. عموماً هي عملية لطيفة. لم يهرب أحد. بعضهم كتبوا روايات خاصة بهم، لكن أغلبهم مستمتعون بها ويعتقدون بأنه إزعاج لطيف. ليس لديك صعوبات مع المحررين مثلما يحدث عادة مع الكتّاب. لا أطلب من الناس العودة مرة بعد أخرى، بعد أخرى، بعد أخرى. هي عملية مرضية ومريحة الى حد ما.

• ما هي عادتك المميزة أو الغربية في الكتابة؟

أكتب بالقلم الرصاص، لسبب واحد. لا أستخدم الكمبيوتر. هذا هو الشيء المجنون الذي أفعله. أجلس هناك أنظر الى ثلاث أو أربع أشياء على المكتب، كلها كتبتها بالقلم الرصاص، ولدي مساعد يطبع الصفحات، أو أملي عليه بالهاتف. أشرب الكثير من صودا البرتقال. أجد نفسي أمضغ علكة مرة واحدة في اليوم على الأقل. كنت أمضغها قبل أن نبدأ بالحديث، في الحقيقة، لم تصبني أبداً حبسة الكاتب، لأني دائماً أملك عشرات المشاريع الجيدة التي أعمل عليها، لذا أن لم ينجح أحدها، أبدل المعدات.

• حدثني عن ابتكار “اليكس كروس”. هل تصورته شخصية متسلسلة. وإذا كان الأمر كذلك، كم من القصة صممته قبل كتابة الكتاب الأول؟

عندما كتبت اليكس كان الكسيس، امرأة. كتبت حوالي 60 صفحة لكني لم أحب ما حدث، وغيّرت الشخصية الى رجل. في تلك الفترة على وجه الخصوص، كان هناك الكثير في هوليوود عن الأمريكيين – الأفريقيين يتجولون وعلى أكتافهم المسجلات وليس هناك الكثير من الشعور بالمسؤولية. لذا أردت خلق شخصية أمريكية – أفريقية تحل المشاكل بذكائها، ومضادة للكاريكاتير. يربي الأطفال بنفسه، يعتني بجدته، يحل المشاكل مع رئيسه بدلاً من لكمه. لذا، هذا هو ما دفعني الى تطوير الشخصية.

• كيف تغيرت عملية تسويق الكتب منذ نجاحك في بداياتك مع دعاية تلفزيونية لفيلم ” Along Came a Spider”؟

الكتاب الأول.. طلبت من الناشر أن أقوم بدعاية تلفزيونية للكتاب فقال: “بالتأكيد لا، نحن لا نعمل دعاية تلفزيونية” لذا قمت بتنفيذ دعاية غالية جداً بنفسي ــ كلفتني 2.000 دولار لإنتاجها. عرضتها على الناشر فرد قائلاً: “نعم، نحب ذلك.” لذا قدمنا الدعاية والكتاب قفز الى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. نفذناها في ثلاث مدن في البداية، نيويورك، شيكاغو وواشنطن. في تلك الأيام، أنت تعرف، كانت هي في الحقيقة كل المكتبات. ليس عليك بيع الكثير من الكتب لتكون في القائمة. كمية معقولة فحسب. الآن، في البداية على الأقل، الكتاب الإلكتروني يبيع 40-60 بالمئة، ليس من السهل الوصول الى القرّاء. أنه شيء لم أفهمه تماماً لحد الآن، من حيث الطريقة الفعالة للوصول الى الناس الذين يشترون في المحلات وعبر الأنترنت.

• هل هناك لحظة معينة شعرت أنها صنعتك ككاتب؟

عندما كنت في السادسة والعشرين من عمري، اتصلت بي امرأة وقالت أنها تعمل في إدغار، جائزة روايات الغموض، وأن عليّ الذهاب الى ذلك الحدث في فندق كومودور لليلتين من ذلك الحين، لأني قد رشحت للفوز بجائزة إدغار لأفضل كاتب غموض. أخبرتها بأني لا أستطيع أن أفعل ذلك، لا يمكنني الذهاب تلك الليلة. قالت بأني يجب عليّ الذهاب الى هناك. لقد فزت بالجائزة. قلت لها: “حقاً لا أستطيع”… قالت: “لا، يجب أن تأتي، لقد فزت بالجائزة.”، فقلت لها “آه..” ومن ثم أحضرت والدي. كنت قلقاً، حتى عندما أخبرتني بأني فزت، كنت أتساءل ما لو كانت قالت لي ذلك فقط حتى أذهب الى هناك. لذا كنت قلقاً عندما جلست في انتظار أن ينادوا اسمي. عندما نادوا اسمي ومشيت الى المنصة، أتذكر أني قلت: “أعتقد بأني كاتب الآن.” بالنسبة للكثير من الناس، إن لم تنشر أعمالك، وأخبرت شخص بما تفعله، لكنك لم تنشره، سوف يقولون: “آه، إذن لماذا تعتقد بأنك كاتب؟” لذا نشرت كتبي وفزت بهذه الجائزة المرموقة، وفي تلك اللحظة أعتبرت نفسي كاتب بالفعل.

• ما النصيحة التي تقدمها لكاتب طموح؟

الناس الذين يريدون كتابة الأدب التجاري، بالنسبة لهم لا زلت أفكر بثلاث قواعد هي القصة، القصة، القصة. ينبغي أن تكون قادراً على رواية فكرتك لشخص ما، ليقول: “أوه، أوه، يبدو هذا رائعاً.” بالنسبة للكثير من الأدوات الأدبية، هي مجرد إعداد نفسك لخيبة الأمل.

• ماذا تحب أن يكتب على قبرك؟

تاريخ الولادة ولا يكتب تاريخ الوفاة ..

المصدر: The Daily Beast

نشرت في آراء

11 يونيو,2014 - takween
كُتب في أساليب, حياة الكاتب, كيف أكتب | التعليقات مغلقة

ستة دوافع للكتابة: ماري جيتسكل ودوافع الكتّاب

أكتب من أجل أن أشبع حاجة أساسية فيّ.

أكتب من أجل أن أشبع حاجة أساسية فيّ.

ماريا بوبوڤا
ترجمة: أسماء المطيري

  “الكتابة هي القدرة على توحيد قوى الأنا والتعاطف مع كل ما حولك في الوقت نفسه .. فالتعاطف نداء، وتسخير أناك في عمل مبدع هي الاستجابة.”

 لماذا يكتب الكتّاب؟

يرى الكاتب الإنجليزي المعروف جورج أورويل على سبيل المثال أن هنالك أربعة دوافع مشتركة لدى الجميع، تحضهم على الكتابة. بينما تعد الكاتبة الأمريكية جوان ديدون الكتابة بوابة عبور لعقلها. أمّا بالنسبة للروائي الأمريكي ديفد فوستر والس فهي متعة خالصة. فيما يؤمن الكاتب الأمريكي مايكل لوسي بأنها ضرورة يكبر في ظلها وهم الإبداع لديه. وللروائية جوي ويليامز فهي النور.. آخر النفق. ويحس بها الكاتب الأمريكي تشارلز بوكوفسكي شهاب ينطلق من روحه. ويشعر الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو معها بالأمان والشعور بالانتماء لجماعة متكافلة. وتنبع في سوزان أورلين من شغف لا يخبو.

 لماذا يكتب الكتّاب؟

لا أحد أجاب على هذا السؤال بشكل أروع من الكاتبة الأمريكية ماري جيتسكل، وذلك في مقالتها التي نشرت بعنوان: الذئب المترصّد بين العشب، المأخوذ حرفياً عن تأملات فلاديمير نابوكوف المعروفة في فن الكتابة والتي ظهرت للنور عام ١٩٩٨ ضمن مختارات أدبية حملت عنوان: لماذا أكتب؟ تأملات في حرفة الكتابة (مجموعة ثرية تضم مقالة ديفد والس: طبيعة المتعة وغيرها من المقالات المميزة حول الكتابة لآن باتشيت وإليزابيث غيلبرت ورك باس ونورمان ميلر ورك مودي وغيرهم).

 ذكرت ماري في مقالتها الرائعة ستة دوافع تحضنا على الكتابة وهي كالتالي:

١- أكتب من أجل أن أشبع حاجة أساسية فيّ. أؤمن بأن هذه الحاجة متأصلة في دواخلنا.. بسببها يرسم الأطفال بيوتاً وحيوانات، بسببها يرسمون أمهاتهم، محاولين بذلك ترك بصمة في هذا العالم الملموس. هذا العالم الذي يغمرنا بكل ما يحرك حواسنا: ضوء الشمس، النجوم، الألوان، الروائح، تعابير الوجوه والأصوات، ملمس كل ماهو ناعم، طعم كل ما هو حلو، معتدل أو مالح، مليء بنكهات الدنيا، ساخن أو بارد. يغمرك العالم لسنوات بكل هذا، فما يعود بيدك سوى أن توشوش أو تصرخ إن كان في وسعك، حتى يأتي اليوم الذي تستطيع فيه أن تعكس هذا كله بريشة وورقة، فتفقد صوابك للحظة وتصرخ في مدى الكون: أنا أسمع! أنا أبصر! أنا أشعر! هذا بالضبط ما تفعله الكتابة .. إدراكٌ يولّد البهجة وإبداع جارف، نقي. نداء رائع وإجابة أروع!

أما بالنسبة للدافع الثاني للكتابة، فتعكس فيه ماري وجهة نظر الروائية الأمريكية سوزان سونتاج، والتي ترى بأن الكاتب ما هو إلاّ إنسان صوّب حواسه كافة نحو الكون من حوله .. متأمل عاكف إن صح التعبير.

٢- أكتب لأمنح ما أحس به لا ما أراه هوية وشكلا. أحاول بالكتابة حفظ لحظات كتلك التي تدخل فيها إلى غرفة المعيشة، لترى والدك وهو مستلقٍ على الأريكة، مأخوذ بلحن ما، ولصغر حجمك لا يشعر بك حوله، فتبقى مكانك تتأمل ملامح وجهه وهي تتلبس الأغنية.. مشاعر تنبع من الروح، إنها تعابير لا شك جديدة عليك. وفجأة يعي بوجودك فيبتسم .. وتظل الموسيقى تملأ المكان .. مع تعابير وجهه الجديدة عليك.

وكما كتب نابكوف في تأملاته أن الكتابة ما هي إلاّ وسيط يربط بين الذئب في قصة الراعي الكذاّب والذئب الحقيقي المترصّد بين العشب، ربط بين ما هو واضح وبين ما هو خفي، فقد أسهبت ماري في هذا الجانب وكيف أن جوهر الكتابة يكمن في القدرة على منح ما نعجز عن وصفه شكلا ما، حيث قالت:

أحاول فيما أكتب من قصص، محاكاة الحياة وتفاصيلها، مثلما تحاكي تلك المخلوقات الصغيرة أوراق الشجر والأغصان. أحاول وأنا أدوّن ما قد حدث أو ما كان سيحدث، منح الأمور الواقعية بعدا آخر وعمقا .. فهذا البعد اللا ملموس لكل ما هو معتاد ثري جداً.

 ولكن في الدافع الثالث للكتابة، تناقض ماري ما كتبته أعلاه من أن جوهر الكتابة يكمن في استشعار ما يكتنف عالمنا وأحاسيسنا من أبعادٍ غير ملموسة، وهذا يوافق ما ذكره جورج أورويل في إحدى دوافعه، حيث كتبت:

٣- أكتب لأشعر بأهميتي في هذا العالم، أكتب لأشبع الأنا فيّ ..

وحتى تكتب شيئاً ذا صدى وحضور، حول ما تراه وتشعر به، يجب أن تكون نظرتك للأمور فريدة من نوعها، ويجب أن تكون الأنا حاضرة فيك. فحين يقال لكَ وبشكل متكرر أن وجهة نظرك عديمة الجدوى، خاطئة، أوغير منطقية ستفز فيك .. ستتجهم كمراهقة أغلقت على نفسها باب غرفتها وتمتمت في عبوس: لا أحد يستمع لي .. لا أحد يهتم لي .. سيأتي اليوم الذي يرون فيه ما أنا قادرة عليه!

 وتضيف ماري:

كُنتُ فيما مضى أكتب القصص لأريهم ما أستطيع فعله.. لأشعرهم بأهميتي! ولا أخفيكم بأنني أخجل من كون الأنا أحد دوافع الكتابة عندي، ولكنها تعمل كمحرك لا يهدأ.. تكافح فيّ بلا هوادة، حتى لا يأتي شخص ما وينتزع مني بكل سهولة وجهة نظري أو يقلل منها.. بل تدفعني لأن أكون الأفضل حتى لو لم يكن هنالك أي تهديد.

 ولكنها تتدارك بعد ذلك ما كتبته حول أهمية الأنا، قبل أن يرتفع أيّ حاجب، ويُستدعى الأديب البريطاني ألان واتس ليدلي برأي معارض. تعود ماري وتعبر عن الإشكالية الحاصلة في هذا الدافع فتكتب:

توجد مشكلة واحدة فقط، كلما كبرت هالة الأنا كلما صغرت في عينك أفكارك! فقبل مدة مثلا، اضطررتُ إلى تحمّل الكثير من المشاق، من أجل أن أشعر بالثقة مجددا، لدرجة اعتزالي التام للناس! هدأت أناي بعدها وبدأت أتقبل وجهات النظر الأخرى وأستكشفها.

أكتب حتى أضم الأشياء بعضها ببعض، وأستشعر الحب.

أكتب حتى أضم الأشياء بعضها ببعض، وأستشعر الحب.

 وفي الدافع الرابع، تؤكد على دور التعاطف مع الآخرين ومنح صوت وروح لكل ما هو مهمش في حياتهم فتقول:

٤- أكتب لأميّز كل تلك اللحظات والأشياء الصغيرة التي لا نوليها الاهتمام الكافي أونغفل عنها معظم الأوقات، أكتب كي أحفظها من الضياع. قصدتُ مرة إحدى المقاهي وحدي، وبينما أنا أتناول إفطاري، لفتت انتباهي سيدة كانت تقف إلى جوار طاولة، تتبادل أطراف الحديث مع من كانوا جالسين عليها. بدت علامات تقدم العمر ظاهرة عليها، رغم صغر سنها. كان لها بشرة ذات تجاعيد، وشعر مصبوغ بشكل سيئ. كانت تبتسم لهم بحماس وتمازحهم، لكن جسدها كان ذا هيئة مهزومة، منهارة، بفعل العادة. ظهرها منحنٍ، ورأسها منحسر بعض الشيء، وكتفاها منحدران. كانت صاخبة وفجة وهي تعبر عن نفسها، ولكن مختلفة في الوقت نفسه! كانت تتحدث وكأنها أضحوكة لمن حولها. ورغم هذا كله، كان شيء ما حيالها يحاول طرد الهزيمة التي تسكنها. حيوية حلوة، ممتعة، ومشتعلة أكاد أشعر بها تنطلق من روحها. استشعرت لحظتها أهمية التأمل؛ لو لم أراقبها بانتباه لما كنتُ لأفهم هذه المرأة، لما كنت رأيت فيها ما هو حيّ وإنساني للغاية. تساءلت بيني وبين نفسي يا ترى كم شخصاً رأى فيها هذه الحياة، بل هل رأتها هي نفسها! مثل هذه التفاصيل الصغيرة التي عادة ما يتجاهلها الناس، تعني لي الكثير، وكم أكره أن تضيع، أو أن تفهم بشكل خاطئ وقبيح. أودّ أن أعطيها الاهتمام الذي يليق بها وأنميها، ولكنني أبخل فيها في قصصي التي أكتبها. أبخل لأنني أؤمن بأن جزءا ممّا يكتنف النفس البشرية من غموض، يكمن في رقة هذه التفاصيل واللحظات،وفي نفس الوقت تجاهلها وعدم الإحساس بها.

وتسلط الضوء ماري في الدافع الخامس على ما ركزّ عليه الكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد .. وهو حس الاستجابة لكل ما حولنا. إضافة إلى ذلك، عكست ماري في دافعها هذا أهمية القراءة والكتابة وكونهما مكملان لبعضهما، فتقول:

٥- نكتب لنوصل أفكارنا ومشاعرنا.. وحين نقرأ، لا نقرأ لمجرد أن نقرأ، بل لنفكر، نحلل، ونستجيب، فالقراءة فعلٌ ديناميكي يمكننا من التلقي والاستجابة .. وأنا أحب أن أتمكن من الاثنين.

 تذكر ماري بعد ذلك اقتباسها المفضل من رواية الضحية ( The Victim ) للكاتب الأمريكي سول بيلو، والذي عبر فيه عن أقصى مدى للأدب:

كتب سول مرة أن الأدب يضرب حتى النقطة الأعمق في الحياة. حين أفكر في كلامه، أستشعر هبة الحياة.

 وفي دافعها السادس للكتابة، تذكر الكاتب نابكوف فتقول:

٦- أكتب حتى أضم الأشياء بعضها ببعض، وأستشعر الحب. هذا يذكرني بإحدى روايات نابكوف القديمة والتي حملت عنوان ضحكة في الظلام ( Laughter in the Dark ). كانت مكتوبة بحبكة بسيطة، ومبتذلة بعض الشيء. تحكي قصة شاب متوسط العمر ساذج ذا ثروة طائلة اسمه ألبينوس، يقع في حب مارجت .. فتاة دنيئة وعديمة القلب تبلغ من العمر ستة عشر عاما. تحاول هي وعشيقها ركس تدمير ألبينوس وعائلته بطريقة صادمة وعديمة الرحمة. تبدو الرواية بشكل عام وكأنها مسلسل درامي، ولكن ما يجعلها مميزة إلى جانب جمال اللغة، هو قدرة نابكوف المذهلة على تقمص أبطال روايته البربريين وكل ما يتلبسهم من روح. فرغم شيطانية مارجت وركس التي لا خلاف عليها، تجدهم ملآى بالحياة ومندفعين لها، فاتنين فتنة خدّاعة. تمكّن نابكوف من تلبس قسوتهما وحيويتهما كما لو كان تيار كهربائياً، ومن ثم يخرج من حذائيهما لينتقل إلى جو أقل حدة وشرا مع الأضحوكة المسكين ألبينوس، وزوجته الساذجة اللطيفة ويخرج مجددا .. يفعلها بكل بساطة! إن القدرة على فعل كل هذا يتطلب فهمًا عميقا للحياة وكل ما يتعلق بها .. وهذا باعتقادي نوع من أنواع الحب.

تختم ماري مقالتها بوصف تجربتها في الكتابة، تجربتها التي تجلى لها من أعماقها نور الإبداع، وكيف أنها على حد قولها، محاولة لربط أجزاء مختلفة ومتباعدة، وكأنها تصميم لفسيفساء على سطح الماء! :

عندما أبدأ في كتابة قصة ما، لا أشعر بأني أربط أيّ شيء، بل أشعر وكأني أشق طريقاً طينيا! ولكن في بعض الأوقات خلال الكتابة، أحس بأنني أحمل معي كل ما وصفته من أجزاء في صندوق شفاف! لا أحاصرهم بل على العكس تماماً، أمنحهم الحياة وفرصة العيش بحرية، دون تغيير! أضطرب جراء ذلك؟ أستاء؟ بكل تأكيد، ولكن سرعان ما يغلب الحزن لا لشيء سوى أن معظم ما كتبته، ما بداخل الصندوق، مدعاة للحزن. هذا الحزن الرقيق، يوّلد فيّ التواضع، البهجة، والحب! غريب بعض الشيء؟ أعلم ذلك! معظم ما أكتبه لا يدعو للحب، لكن فعل الكتابة ذاته يمنحني هذا الإحساس.

 رغم توقف دار النشر عن طباعة أيّ نسخ إضافية من كتاب لماذا أكتب (Why I Write)، إلاّ أن نسخاً قديمة منه ما تزال متوفرة، وتستحق عناء البحث. كما أنصح بقراءة الكتاب المشابه له والذي نشر في وقتنا الحالي، حيث يعد أحد أفضل الكتب المعنية بالكتابة مبيعا لعام ٢٠١٣. أنصح كذلك بقراءة نصائح الكتّاب الكبار حول الكتابة.

- نشرت في آراء.  

1 يونيو,2014 - takween
كُتب في لماذا تكتب | التعليقات مغلقة

دانيلو كيش: نصائح إلى كاتبٍ شاب

لا تقترن بأحد: فالكاتب وحيد.

لا تقترن بأحد: فالكاتب وحيد.

 

كن حريصا على شكك في الإيديولوجيات السائدة وفي الأمراء.
ابتعد عن الأمراء.
احرص ألا تلطخ لغتك بلهجة الإيديولوجيات.
اقتنع بكونك أقوى من كل الجنرالات، لكن لا تقارن نفسك بهم.
لا تظن بأنك يمكن أن تكون أضعف من الجنرالات، لكن لا تقارن نفسك بهم.
لا تؤمن بالمشاريع اليوطوبية سوى تلك التي قد تبتكرها بنفسك.
كن معتزا بنفسك أمام الأمراء وأمام العوام أيضا.
كن مرتاح البال جراء الامتيازات التي تمنحك مهنة الكاتب.
لا تخلط بين الميزة المشئومة لاختيارك وبين الاضطهاد الطبقي.
لا تكن مهووسا بالضرورة التاريخية، ولا تؤمن بمجاز قطارات التاريخ.
لا تمتط ‘قطارات التاريخ’ إذن، لأنها ليست سوى مجرد مجاز سخيف.
احتفظ دائما في ذهنك بهذه المقولة:
‘الذي يصل إلى مراده فاته كل شيء’.
لا تكتب تقارير عن البلاد التي أقمت فيها كسائح؛ لا تكتب تقارير أبدا، فلست صحافيا.
لا تثق بالإحصائيات، بالأرقام والتصريحات العامة: الحقيقة هي ما لا يرى بالعين المجردة.

لا تزر المعامل، الكولخوزات والأوراش: التقدم هو ما لا يرى بالعين المجردة.
لا تنشغل بالاقتصاد، بالسوسيولوجيا وبالتحليل النفسي.
لا تتأثر بفلسفة الشرق الأقصى، البوذية وغيرها، فلديك انشغالات أهم.
كن واعيا بكون الخيال قرين الكذب، فهو إذن خطير.
لا تقترن بأحد: فالكاتب وحيد.
لا تصدق الذين يقولون بأن هذا العالم سيئ جدا.
لا تصدق الأنبياء، لأنك نبي.
لا تكن نبيا لأن الشك هو سلاحك.
كن مرتاح البال: فالأمراء أقل شأنا منك، لأنك أمير.
كن مرتاح البال: فعمال المناجم أقل شأنا منك، لأنك منجمي الأعماق.
اعلم أن ما لم تقله في الجرائد لم يضع إلى الأبد: إنه التُّرب.
لا تكتب تحت الطلب.

لا تراهن على اللحظة، لأنك سوف تندم على ذلك.
لا تراهن على الأبدية، لأنك سوف تندم على ذلك أيضا.
كن قلقا على مصيرك، لأن الأغبياء هم وحدهم من يفرحون.
لا تقلق على مصيرك لأنك مختار.
لا تبحث عن أعذار أخلاقية للذين خانوا.
احترس من كل أفكار قد تجر عليك متاعب.
احترس من التشبيه الخداع.
صدّق الذين يؤدون الثمن غاليا.
لا تصدق الذين يجعلون الآخرين يؤدون ثمن أخطائهم غاليا.
لا تمجد نسبية كل القيم: لأن تراتبيتها موجودة.
اقبل، بلا مبالاة، المكافآت التي يمنحك الأمراء، لكن لا تأت شيئا كي تستحقها.
كن مقتنعا أن اللغة التي تكتب فيها هي من أسوئها على الإطلاق، على أنك لن تستبدلها بغيرها.
‘مع أنك فاتر، غير حار ولا بارد سأتقيأ عليك’.(لابوكاليبس.16.3).
لا تكن خسيساـ لأن الأمراء سيجعلونك خادما.
لا تكن معجبا بنفسك لأنك سوف تشبه خدم الأمراء.
لا تنساق لاعتقاد أن أدبك غير مفيد للمجتمع.
لا تظن أن أدبك ‘مشروع نافع للمجتمع’.

لا تظن أنك فرد صالح للمجتمع.
لا تنساق كثيرا وتعتقد أنك متطفل على المجتمع.
كن متيقنا أن قصيدتك أفضل بكثير من خطابات السياسيين والأمراء.
اعلم أن لا حول ولا قوة لقصيدتك أمام بلاغة السياسيين والأمراء.
ليكن لك في كل شيء رأي خاص.
لا تعط رأيك في كل شيء.
فسعر الكلمات، بالنسبة إليك، زهيد.
كلماتك لا تقدر بثمن.

لا تتحدث باسم وطنك، لأنه من تكون كي تسول لك نفسك أن تمثل أحدا ولو حتى نفسك.
لا تكن في المعارضة، لأنك لست قدام ولكن، أسفل.
لا تقف جهة السلطة والأمراء لأنك فوقهم.
حارب الظلم الاجتماعي دون أن تجعل من ذلك برنامجا.
احترس من أن يحولك النضال ضد الظلم عن طريقك.
ادرس أفكار الآخرين ثم انسها.
لا تضع برامج سياسية، لا تضع أية برامج: ابدع انطلاقا من رواسب وسديم العالم.
احترس من الذين يقترحون عليك حلولا نهائية.
لا تكن كاتب أقليات.
متى شرعت تتبناك قومية معينة هُمّ بمراجعة نفسك.
لا تكتب لقارئ متوسط، فكل القراء متوسطون.
لا تكتب للنخبة، فالنخبة غير موجودة. أنت هو النخبة.
لا تفكر في الموت، لكن لا تنس أنك فان.
لا تعتقد بخلود الكاتب، فذلك مجرد سخافات.
لا تكن جادا بشكل تراجيدي، لأن ذلك مضحك.
لا تكن بهلوانا لأن النبلاء اعتادوا على أن نلهيهم.
لا تكن مهرج القصر.

لا تظن أن الكُتَّاب هم ‘ضمائر الإنسانية’. لقد عرفت منهم أوغادا كثيرين.
لا تنساق لاعتقاد أنك لست شيئا: لقد فهمت بأن للأمراء خوف من الشعراء.
لا تَمُت في سبيل أية فكرة، ولا تقنع أحدا بفعل ذلك.
لا تكن جبانا واحتقر الجبناء.
لا تنس بأن ثمن البطولة غال.
لا تكتب للاحتفالات وللمناسبات.
لا تدبج المدائح، لأنك سوف تندم على ذلك.
لا تكتب تأبينات لأبطال الوطن، لأنك سوف تندم على ذلك.
إن لم تكن قادرا على قول الحقيقة فاصمت.
احترس من أنصاف الحقائق.
إذا كان الجميع يقصف فليس ذلك سببا كافيا لكي تشاركهم.
لا تقدم خدمات للأمراء ولا للنبلاء.
لا تطلب خدمات من الأمراء ولا من النبلاء.
لا تسامح على سبيل اللياقة.

لا تدافع عن الحقيقة بأي ثمن: ‘لا تجادل غبيا’.
لا يجرفك الاعتقاد بأننا كلنا محقون وأن الأذواق لا تناقش.
‘أن نكون اثنين مخطئين لا يعني أن نكون اثنين على صواب’.بوبر.
‘أن نقبل بأن الآخر محق لا يحمينا من خطر آخر: أن نعتقد بأن كل الناس على صواب’ بوبر.
لا تتحدث مع من يجهل أشياء ويسمع عنها لأول مرة، وتحديدا منك.
لا تكن لك مهام.
احترس ممن لهم مهمة.
لا تؤمن بـ’الفكر العلمي’.
لا تؤمن بالحدس.
احترس من الوقاحة بما فيها وقاحتك.
تجنب العموميات الإيديولوجية والاستشهاد.
امتلك الجرأة كي تسمي قصيدة أراغون ‘إلى مجد البوليس الثوري الروسي’ فضيحة.
لا ترحمه.

لا تقتنع بأن سارتر وكامي كانا محقين كليهما في جدلهما.
لا تؤمن بالكتابة الأوتوماتيكية ولا بـ’الغموض المقصود’.
دع عنك المدارس الأدبية التي تُفرض عليك.
متى أثيرت ‘الواقعية الاشتراكية’ احجم عن كل نقاش.
لا تتحدث عن الأدب الملتزم، اترك ذلك للأساتذة.
اصرف من يقارن معاقل التعذيب بسجن لاسونتي الباريسي.
ارم في الجحيم من يرى بأن الكوليما مختلفة عن أشفيتز.
نكّب عمن يؤكد أنه لم يُبد في أوشفيتز غير القمل وليس الناس.
وعمن يؤكد بأن ذلك كان ‘ضرورة تاريخية’.
‘تعال معي واترك قال وقيل الناس’ دانتي.

(*)-دانيلو كيش كاتب يوغوسلافي ولد سنة 1935. يعيش منذ مدة في باريس. 

ترجمة عبد الله كرمون
القدس العربي- 01/10/2009 

28 مايو,2014 - takween
كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

هنري ميللر: الكتابة كالحياة.. رحلة استشكاف

الكتابة كالحياة ذاتها، رحلة استكشاف أشبه بمغامرة ميتافيزيقية، وهي وسيلة تقربك من حقيقة الحياة بشكل غير مباشر

الكتابة كالحياة ذاتها، رحلة استكشاف أشبه بمغامرة ميتافيزيقية، وهي وسيلة تقربك من حقيقة الحياة بشكل غير مباشر

ماريا بوبوفا.
ترجمة: نداء غانم 

يقدم الكاتب هنري ميللر في كتابه حكمة القلب (وهو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة والمقتطفات الأدبية والسيرة الذاتية) إضاءات على فن الحياة ومستقبل البشرية.

في مقالة مميزة بعنوان (تأملات في الكتابة) استعرض ميللر العوامل النفسية، والعاطفية، والإجتماعية التي صنعت منه كاتباً.

في هذه المقالة، يبدأ ميللر بتصدير رحلة الاستكشاف التي خاضها في الكتابة، والتي اعتبرها أساسية وغير محدودة ساعدته في تحويل المعلومات إلى معرفة ومن ثم إلى حكمة:

الكتابة كالحياة ذاتها، رحلة استكشاف أشبه بمغامرة ميتافيزيقية، وهي وسيلة تقربك من حقيقة الحياة بشكل غير مباشر، لأخذ نظرة كلية على الحياة بدلا من النظرة الجزئية. يعيش الكاتب بين عالمين؛ الواقعي والميتافيزيقي. ويأخذ مساره بينهما ليتحدا أخيراً (هو والمسار) ويصبحا كيانا ً واحدًا.

انطلاقتي كانت من القاع حيث الفوضى والظلام، في مستنقع من الأفكار والعواطف والتجارب قبل أن أصل الى ما وصلت إليه، وحتى الآن فأنا لا أعتبر نفسي كاتبا بالطريقة التي يعرف بها الكاتب. أنا مجرد شخص يسرد قصة حياته، وكلما تقدمت في العمر اتضح لي بأنها مصدر لا ينضب لسرد القصص، وعرض التجارب، وأنها لا تنتهي كتطور الكون، وهي كالسباحة عكس التيار، إنها بالأحرى رحلة في بُعد آخر غير تلك الأبعاد المتعارف عليها. والتي تدرك فيها وفي إحدى المراحل بأن ما يتوجب عليك سرده وما يتم بالفعل يفقد أهميته مقارنة بعملية السرد ذاتها. إنها نوع من الفن، الفن الذي يضيف مسحة من الميتافيزيقية لجميع أنواع الفنون، وهي التي تضع الفن في موضع القدسية، بعيدًا عن حدود الزمان والمكان وتدمجه مع الكون نفسه. هذا هو الفن الذي يُعد مذهلاً ومهمًا وشافيًا وخالداً.

منذ البداية كنت على يقين تام بعدم وجود هدف محدد لي، ومع استمرار بحثي عن يقين يتجاوز الإيمان والعقيدة، أصبحت غير مبالٍ بمصيري ككتاب، وصرت متأكدًا تماما من قدري كإنسان.

وفي وصفه لفشل محاولاته الأولية في الكتابة من خلال تحليل أعمال الكُتاب الذين يعتبرهم مثله الأعلى ومن ثَم تقليدهم، يصور ميللر الفشل كنوع من أنواع الإبداع التنفيسي، وشرط أساسي ليكتشف الفرد نفسه ثم هدفه:

فشلي الكبير كان بمثابة عُصارة تجاربي. كان الفشل في حقيقة الأمر عملية صقل محكمة. توجب عليّ أن أحصد المعرفة بكل ما يتبعها من سوء، أن أدرك عبثية كل شيء، وأن أحطم كل شيء، أن أجني اليأس، أن أتذلل، ثم أعود ثانيةً لأنقي نفسي من كل ما هو مقيت، وأن احتفظ بما تبقى، لأستعيد أصالتي. توجّب علي أن أصل إلى الحافة وأن أقفز في الظلام نحو المجهول.

ويتابع ميللر في ذات السياق، ليصنع حالة من اللامبالاة الانتقائية، حيث يجمع بين أسلوب راي برادبري القاضي بالاستمتاع عند الكتابة، وأسلوب تشارلز بوكوفسكي المبني على المعاناة والألم. فيقول:

على السطح، هناك حيث تستعر المعارك التاريخية، قد تتواجد الحياة. لكن حياة الشخص فعليًا تبدأ عندما يصبح أسفل ذاك السطح، عندها يتوقف عن الصراع، لأنه سيضمحل ويختفي عن الأنظار. حينها، أستطيع أن اكتب بنفس مقدار سهولة عدم الكتابة. بدون إكراه وبدون أغراض علاجية.

ومهما أنجزت أو ما سأنجزه سيكون نابعًا فقط من متعتي المطلقة، سألقي بثماري كشجرةٍ أفرط أُكلها بالنضوج، ولن يعود ذا قيمة ما سيقوله القراء أو سيعتقده النُقاد.

أنا لستُ هُنا لأبني قيمًا جديدة، فجُل ما أنا عليه، لا يعدو كوني مسارًا لانتقال المعرفة.

الفردوس في كل مكان، وكل الطرق تؤدي إليها.

 يعيش الكاتب بين عالمين؛ الواقعي والميتافيزيقي. ويأخذ مساره بينهما ليتحدا أخيراً (هو والمسار) ويصبحا كيانا ً واحدًا.

يعيش الكاتب بين عالمين؛ الواقعي والميتافيزيقي. ويأخذ مساره بينهما ليتحدا أخيراً (هو والمسار) ويصبحا كيانا ً واحدًا.

الكلمات واللغة:

انا لا أؤمن بالكلمات حتى ولو صيغت من قبل أمهر الرجال. أنا أؤمن فقط باللغة فهي التي تتجاوز الكلمات، ولا يتعدى دور الكلمات سوى أنها تعطي اللغة وهماً مناسباً، ولا وجود للكلمات المجردة إلا في عقول الطلاب وعلماء الحشرات والفلاسفة.. الخ

وخارج اللغة لا يتعدى كون الكلمات، أشياء ميتة عديمة القيمة، فهي لا تعبر عن حقائق ولا عن أسرار.

في الجدل القائم حول قيمة إحلال السلام مع الغموض، يردد ميللر مفهوم ريكله وجون كيتس والرأي الذي أبداه مجموعة من العلماء العظماء السابقين بالإضافة الى ريتشارد فينمان واسحق عاصموف والقائل بالقدرات السلبية (مصطلح استخدم لوصف قدرة الفرد على التصور والتفكير والعمل خارج نطاق أي افتراض مسبق لقدرة الانسان المحددة سلفاً) .

يردده ميللر بصورة جميلة:

الفهم هو ليس القدرة على اختراق الغموض، بل القبول به والعيش بسعادة معه وفيه وخلاله وبواسطته.

ويسلط الضوء على الهدف الضمني الأسمى للكتابة من خلال أسلوب شعري يسلب الأنفاس لـ أناييس نن:

إنها مادة الحياة الأولى، الإشارة الأكيدة للحياة. يصل الشخص الى القلب بواسطة الحقيقة، والتي أفترضها أسمى ما يمكن أن يسعى إليه الكاتب، بحجم ما يتخلى عن النضال، وبالحجم الذي يتخلي به عن النوايا. الكاتب العظيم هو الرمز الأوحد للحياة، لعدم الكمال. يتنقل بدون جهد، يظهر الكمال بشكل وهمي مستندًا على شيء غير معروف، وهذا الشيء هو ليس العقل قطعاً، ولكنه شيء ذو أهمية، شيء يتناغم مع الكون، كصوت ثابت وصلد، متين وممتلئ بالتحدي، فوضوي.. كالكون تماماً.

الفنون لن تُعلمنا شيء، إلا قيمة الحياة.

ويضيف ميللر إلى أدق تعريفات الفن التاريخية:

الفن هو الحياة، وليست الحياة بذاتها بل بكامل ترفها. هو ما يدلك على الطريقة للاستمتاع بالحياة، وهذا هو الذي تم تجاهله، ليس فقط من قبل العامة بل من الفنانين أنفسهم. في نهاية المطاف، فالفن يتفوق على نفسه. معظم الفنانين يهزمون الحياة من خلال صراعهم معها. أنا اعلم يقينًا أن جميع الفنون ستختفي يومًا ما، لكن الذي سيبقى هو الفنان نفسه. والحياة ذاتها ستخلو من الفن لأنها ستصبح في مجملها هي الفن.

الكاتب العظيم هو الرمز الأوحد للحياة، لعدم الكمال.

الكاتب العظيم هو الرمز الأوحد للحياة، لعدم الكمال.

وفي نطاق زيف الحقائق:

بين الذاتية والموضوعية، لا يوجد العديد من الفروقات الجوهرية. كل شيء في حقيقة الأمر وهمي وخادع. جميع الوقائع والأحداث، بما فيها الإنسان وأفكاره ومعتقداته عن حقيقته ونفسه هي ليست سوى أشياء متغيرة ومتبدلة. ولا يوجد حقائق أو معارف ثابتة تعطينا أرضية صلبة للاستناد عليها.

وفي مساهمته في التعليق على تأملات أخرى لكتاب آخرين عن موضوع الحقيقة مقابل الزيف، يضيف ميللر:

الخيال والابتكار هما الخامة الأساسية للحياة. ولا سبيل لنشر الحقيقة من خلال المصادر الروحية التأملية. وبالتالي، ومهما كان فأنا من الممكن أن أثق ثقةً مطلقة وعمياء بالأشياء المادية أكثر، مثلا إبرة جهاز قياس الزلازل، والأشكال الهندسية، ولكن ليس بتجربتي الغامضة والصاخبة في الكتابة، والتي من الممكن أن يكون قد عاشها غيري بغموض آخر وبصخب مختلف.

أصل الحقائق الثابتة، والذي يشكل حجز الزاوية، مغروس في داخلي كفنان، وتمثل في شخصي. أنا لا استطيع تضييع ما أنا عليه، لا أستطيع تغيير الحقيقة أو تمويهها، ولأكشف الحقيقة للعامة، الحقيقة التي لا تتغير كما يتغير وجه هذا العالم مع كل نفس ألتقطه، يتوجب علي طرح زيف مزدوج الأوجه، كذبة بوجهين، تكشف وهم الكذب. وأن هذا القناع المتحول هو جوهر الفن وأحد أهم مراسيه، قناع اعتماد الكذب من أجل كشف الحقيقة.

يؤكد ميللر أيضًا على ما جاء به ويليام جيبسون ووصفه بالثقافة الفردية المصغرة، والتي بدورها تدل على أن الابتكار هو مكون أساسي ونتاج طبيعي لتجارب حياة الفرد:

تبدأ الحياة في أية لحظة، من خلال الإدراك والعمل، لكن وكما لكلٍ بداية، كصفحة كتاب مثلا، أو جملة أو فقرة أدبية فكل منها تشكل مجموعة من الروابط الحيوية الأساسية التي تشكل في مجملها شيء ما. في الكتابة، كل سطر وكلمة مرتبطة ارتباطًا كليا بحياتي أنا وحدي، بأفعالي والحقائق والأفكار والانفعالات والرغبات والأحلام وحتى الأشياء عديمة القيمة وغير الجديرة بالذكر التي تطفو فوق سطح عقلي، كلها تشكل المكون الأساسي للكتابة، حتى الفراغ. كما بيت العنكبوت، ينسجه من نفسه فلا يخذله أبدًا ولا يتوقف عن العطاء.

يكرر أيضًا ميللر ما تعكسه “الوابي – سابي” وهي نظرة أو مفهوم ياباني يقدم الجمال في إطار عدم الاكتمال النهائي أو النقص ، مما يعني قبول فرضية اندثار الأشياء بعد مدة من الزمن واختفائها، فيقول:

في عصر يتسم بالفناء والتغير المستمر، الاندثار يعتبر فضيلة وليس واجبًا أخلاقيًا. لطالما نظرت دائما إلى مفهوم الاضمحلال على أنه مفهوم مذهل وغني عن الحياة وعن استمراريتها.

بثينة

الخيال والابتكار هما الخامة الأساسية للحياة 

ويختم ميللر بشكل مؤثر، وشاعري عن هدف الحياة:

كان يتوجب علي أن أتعلم كيف أفكر، وكيف أرى وكيف أحس بشكل حداثي مختلف، بطريقة غير علمية رتيبة، بطريقتي الخاصة، وهو أصعب شيء يمكن على الفرد أن يقوم به. كان علي أن ألقي بنفسي في التيار، مع إدراكي التام بإمكانية الغرق.

وهذا ما يفعله الغالبية العظمى من الفنانين أيضًا، ولكنهم يلقون بأنفسهم وأطواق النجاة حول أعناقهم، والمفارقة أن ما يغرقهم هو طوق النجاة نفسه.

ومن يسلم نفسه طوعًا ويتكبد عناء التجربة، فإنه لن يغرق أبدًا في وحل الواقع. وإن التقدم الذي تحدثه في حياتك لا يأتي كنتيجة حتمية للتكيف مع الحياة بل من خلال الجرأة والشجاعة، ومن خلال طاعة الرغبة العمياء. يقول رينيه كريفيل: “الخوف يقتل” وهو ما لن أنساه ما حييت، فالمعنى الكلي للحياة متجسد في الجرأة، وفي الإقدام.

في عملية بناء أو صناعة أو ابتكار شيء جديد، غالبًا ما يتم الخلط بين مفهومي الإقدام والإرادة. فما يحدث هو أن يحل مفهوم العملية نفسها مع الوقت محل مفهوم الإرادة والتي بدورها أيضًا (مفهوم العملية) تتلاشى وتتساقط مع الوقت لتدعم ظهور مفهوم جديد مختلف تماما عن المعرفة وعن المهارة وعن التقنية وعن الإيمان. وبالإقدام وحده يصل الفنان إلى هذا الوضع الغريب، وهذا هو المشهد الذي لا يمكن لأحد وصفه بكلمات ولكنه بات واضحًا ضمنيًا من خلال كل سطر تمت كتابته.

نشرت في آراء 

26 مايو,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

ماريو فارغاس يوسا: لماذا نقرأ الأدب؟

 لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة - إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته.

لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته.

ترجمة: راضي الشمري 
مراجعة: فيصل الحبيني.

دائمًا ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض كتاب أو مكتبة، ويسألني توقيعًا. إما لزوجته أو ابنته أو أمه أو غيرهم، ويتعذر بالقول بأنها ” قارئة رائعة ومحبة للأدب”. وعلى الفور أسأله: “وماذا عنك؟ ألا تحب القراءة؟”، وغالبًا ماتكون الإجابة: “بالطبع أحب القراءة، لكني شخص مشغول طوال الوقت.”. 

سمعت هذا التعبير عدة مرّات، هذا الشخص وبالطبع الآلاف منهم لديهم أشياء مهمة ليفعلوها، التزامات كثيرة ومسؤوليات أكثر في الحياة، لذلك لايستطيعون إضاعة وقتهم الثمين بقراءة رواية، أو ديوان شعر، أو مقال أدبي لساعات. استنادًا إلى هذا المفهوم الواسع، قراءة الأدب هي نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه، لاشك بأنه يهذب النفس ويزودها بالأخلاق الحميدة وبالإحساس بمن حولها، لكنه في الأساس ترفيه، ترف للأشخاص الذين يملكون وقت فراغ. هو شيء يمكن وضعه بين الرياضات أو الأفلام أو لعبة شطرنج؛ وهو نشاط يمكن أن نضحي به دون تردد حينما نرتب “أولوياتنا” من المهام والواجبات التي لايمكن الاستغناء عنها في سعينا الحياتي الشاق.

يبدو بشكل واضح أن الأدب شيئًا فشيئًا يتحول إلى نشاط نسوي. في المكتبات، وفي المؤتمرات الخاصة بالكتّاب، وحتى في كليّات العلوم الإنسانية، نرى بوضوح أن النساء أكثر من الرجال. وهذا الأمر يُفسَّر عادةً أن نساء الطبقة المتوسطة يقرأن أكثر لأنهن يعملن لساعاتٍ أقل، لذلك يستطيع العديد منهن تخصيص وقت أكثر من الرجال لقراءة الكتب التخييلية والتفرغ للوهم. وأنا – بشكل ما – أتحسس من التفسيرات التي تفصل النساء والرجال بتصنيفات جامدة، وتنزع لكل من الجنسين طبعه الخاص ونتائج تترتب من هذه الطباع. لكن مما لا شك فيه أن قراء الأدب في تناقص، وأن غالبية الباقين من القراء هن نساء.

هذا الأمر يحدث في كل مكان تقريبًا، في إسبانيا - على سبيل المثال - كشفت إحصائية حديثة أقامها اتحاد الكتاب الإسبان أن نصف السكان لم يقرأوا كتابًا من قبل. وكشفت أيضًا أن ضمن الأقلية التي تقرأ، النساء اللاتي يقرأن يتعدين الرجال بنحو 6.2%، وهذا الفارق يزداد مع الوقت. أنا سعيد من أجل أولئك النسوة، لكني أشعر بالأسف للرجال، وللملايين ممن يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا أن لايقرأوا.

هم يستحقون الشفقة ليس فقط لأنهم يجهلون المتعة التي تفوتهم، بل أيضًا لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والإجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته. أود أن أطرح تفنيدات لفكرة أن الأدب نشاط للمترفين، وعرضه كنشاط لايستغنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديمقراطي، مجتمع مواطنين أحرار.

نحن نعيش في عصر تخصص المعرفة، وذلك بفضل التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا، وبفضل تقسيم المعرفة إلى وحدات صغيرة وعديدة. وهذا الاتجاه الثقافي سيستمر بالنمو لسنوات قادمة. للتأكيد، فإن التخصص له منافع عديدة. فهو يسمح باكتشاف أعمق وتجارب أعظم وأكبر، وهو محرك التقدم. غير أن له أيضًا عواقبه السلبية. فهو يمحي الصفات الفكرية والثقافية بين الرجال والنساء، والتي تسمح لهم بالتعايش، والتواصل، والإحساس بالتضامن فيما بينهم. التخصص يؤدي إلى نقص في الفهم الاجتماعي، يؤدي إلى تقسيم البشر إلى جيتو1 من التقنيين والأخصائيين. إن تخصيص المعرفة يتطلب بالتالي لغة دقيقة ورموزًا تزداد غموضة كل مرة. وبالتالي، فإن المعلومة تصبح أكثر انفرادية وتشتتًا. هذا هو التخصيص والتقسيم الذي كان يحذرنا منه المثل القديم: “لاتركز كثيرًا على غصن أو ورقة، وتنسى أنهما جزء من شجرة. ولاتركز على الشجرة فتنسى أنها جزء من غابة”. الوعي بوجود الغابة يخلق شعورًا بالجماعة، شعور الانتماء، ذلك الذي يربط المجتمع ببعضه ويمنع تفككه إلى عدد لايحصى من الأجزاء بسبب هوس الخصوصية الأناني بالنفس. هوس الأمم والأشخاص بأنفسهم لم يخلق إلا الارتياب وجنون العظمة، وتشويهًا في الواقع هو مايولّد الكراهية، الحروب، وحتى الإبادات الجماعية.

في عصرنا الحالي، لايمكن للعلم والتكنولوجيا أن يكمل بعضهما الآخر. وذلك للثراء اللامتناهي من المعرفة وسرعة تطورها، والذي قادنا إلى التخصصات وغموضها. لكن لطالما كان الأدب وسيبقى واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، والتي يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم والآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ، كقرَّاء لثرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمي لذات النوعية، لأن من خلال الأعمال التي كتبوها، نحن نتعلم مانتشاركه كبشر، وماالذي يبقى شائعًا فينا تحت كل الفروقات التي تفصلنا. 

لاشيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو مايزرع التفرقة والخوف والاستغلال.

لايوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولايوجد ماهو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. قراءة الأدب الجيد هو مصدر للمتعة بطبيعة الحال، ولكنه أيضًا تجربة لنعرف من نحن وكيف نكون، بعيوبنا وبنقصنا، من أفعالنا وأحلامنا وأشباحنا، وحيدين وفي العلاقات التي تربطنا مع الآخرين، في صورتنا العامة الظاهرة لدى الآخرين أو في تجاويف وعينا السرية.

هذا المجموع المعقد من الحقائق المتعارضة – كما يصفها أشعيا برلين – تشكل جوهرًا للحالة الإنسانية. في عالم اليوم، هذا المجموع الضخم والحي من المعرفة في الإنسان لايوجد إلا في الأدب. لم تستطع حتى فروع العلوم الإنسانية الأخرى – كالفلسفة أو الفنون أو العلوم الاجتماعية – أن تحفظ هذه الرؤية المتكاملة والخطاب الموَحَّد. العلوم الإنسانية خضعت أيضًا لتقسيم التخصصات السرطاني، وعزلت تلك التخصصات نفسها في أقسام مجزأة وتقنية بأفكار ومفرديات لايستوعبها الشخص العادي. بعض النقاد والمنظرين يودون تحويل الأدب إلى علم، وهذا ما لن يحصل أبدًا، لأن الكتابة التخيلية لم توجد لتبحث في منطقة واحدة من تجربة الإنسان. وُجدت الكتابة لكي تثري الحياة البشرية بأكملها من خلال الخيال، والتي لايمكن تفكيكها، أو تجزئتها إلى عددٍ من المخططات أو القوانين دون أن تضمحل. هذا هو معنى ملاحظة بروست حينما قال أن “الحياة الواقعية، هي آخر مايكتشف وينوَّر. وأن الحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها، هي الأدب”. 

بروست لم يكن يبالغ، أو يعبر عن حبه لما يجيد. هو كان يقدم قناعته الخاصة بأن الأدب يساعد على فهم الحياة وعيشها بطريقة أفضل. وأن العيش بطريقة أقرب للكمال يتطلب وجود الآخرين بجانبك ومشاركتهم الحياة.

هذا الرابط الأخوي، الذي ينشأ بين البشر بسبب الأدب، يجبرهم على التحاور ويوعيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك، وبالتالي فهو يمحي جميع الحواجز التاريخية. الأدب ينقلنا إلى الماضي، إلى من كان في العصور الماضية قد خطط، استمتع، وحلم بتلك النصوص التي وصلت لنا، تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة، ولاشيء يساهم في تجددها كل جيل إلا الأدب.

كان بورخيس ينزعج كثيرًا كلما سُئل “ماهي فائدة الأدب؟”. كان يبدو له هذا السؤال غبيًا لدرجة أنه يود أن يجاوب بأنه “لاأحد يسأل عن فائدة تغريد الكناري، أو منظر غروب شمس جميل.”. إذا وُجد الجمال، وإذا استطاع هؤلاء ولو للحظة أن يجعلوا هذا العالم أقل قبحًا وحزنًا، أليس من السخف أن نبحث عن مبرر عملي؟ لكن السؤال جيد بالفعل. لأن الروايات والأشعار لا تشبه بأي حال تغريد الكناري أو منظر الغروب، هي لم توجد عن طريق الطبيعة أو المصادفة، هي إبداعات بشرية. ولذلك فمن اللائق أن نسأل كيف ولماذا أتت إلى العالم، مافائدتها ولماذا بقت كل هذه المدة.

تأتي الأعمال الأدبية – في البداية كأشباح بلا شكل – أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب، وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت. وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات لينتج بشكل تدريجي شكل النص، إيقاعه، حركته وحياته. حياة مصطنعة، وللتأكيد، هي حياة مُتخَيلة، صنعت من اللغة، وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة، بعضهم بشكل متكرر، والبعض الآخر بشكل متقطع، وذلك لأنهم يرون أن الحياة الواقعية لاترقى لهم، وغير قادرة على تقديم مايريدون. لاينشأ الأدب من خلال عمل فردٍ واحد، بل يوجد حينما يتبناه الآخرون ويصبح جزءًا من الحياة الإجتماعية عندما يتحول، وبفضل القراءة، إلى تجربة مشتركة.

أحد منافع الأدب للشخص في المقام الأول تكمن في اللغة. المجتمع الذي لايملك أدبًا مكتوبًا يعبر عن نفسه بدقة أقل، وأقل وضوحًا من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له، وهي الكلمة، بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية. إنسانية بلا قراءة، ولايصاحبها الأدب ستنتج ماهو أشبه بمجتمع صم وبكم، ناقص الفهم وذلك لعلته اللغوية. وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرًا للغته البدائية. وهذا يقع على مستوى الأفراد أيضًا، فالشخص الذي لايقرأ، أو يقرأ قليلًا، أو يقرأ كتبًا سيئة، سيكون لديه عائق: ستجده يتحدث كثيرًا ولكن المفهوم قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات.

وهذا الأمر لا يعني وجود قيد لفظي فقط، ولكن أيضًا وجود قيد في الخيال والتفكير. هو فقر فكري لسبب بسيط، لأن الأفكار والتصورات التي يمكن من خلالها فهم حالاتنا لايمكن لها التكون خارج الكلمات. نحن نتعلم كيف نتحدث بعمق وبدقة وبمهارة من الأدب الجيد. لن يجدي أي انضباط آخر في أي فرع من فروع الفن ماعدا الأدب في صناعة اللغة التي نتواصل بها. أن نتحدث جيدًا، أن يكون تحت تصرفنا لغة ثرية ومنوعة، أن نجد التعبير الملائم لكل فكرة ولكل شعور نود أن نتواصل به، يعني بالضرورة أن تكون جاهزًا للتفكير، أن تُعلم، أن تتعلم، أن تناقش، وأيضًا لأن تتخيل وتحلم وتشعر. بطريقة خفية، تردد الكلمات صداها في جميع أفعالنا، حتى تلك الأفعال التي لايمكن أن نعبر عنها. وكلما تطورت اللغة، وذلك بفضل الأدب، ووصلت لمستويات عالية من الصقل والأخلاق، زادت من مقدرة الإنسان على عيش حياة أفضل.

عمل الأدب حتى على صبغ الحب والرغبة والجنس بصبغة الإبداع الفني. لم يكن الشبق ليوجد بدون الأدب. الحب والمتعة سيكونان أسوأ بحيث ينقصهما الرقة والروعة. سيفشلان في تحقيق الحالة القصوى التي يمنحها الأدب. لذلك فإني لا أبالغ حينما أقول أن الثنائي الذي يقرأ لغارثيلاسو، بترارك، جونجورا أو بودلير يقدران المتعة ويعيشانها بخلاف الثنائي الذي صار أبلهًا بمشاهدة الأوبرا الصابونية2 في التلفاز. في عالمٍ أمي، لن يتعدى الحب والرغبة ماترضى به الحيوانات، كما أنها لن تتجاوز الوفاء بالأساسي من الغرائز.

وبطبيعة الحال، لايمكن لوسائل الإعلام السمعية والبصرية أن تعلم الناس كيف يستخدمون الإمكانيات الهائلة للغة بمهارة وثقة. على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام على الحط من قدر الكلمة إلى منزلة أقل بجانب الصورة، والتي تعد اللغة البدائية لتلك الوسائط، وتعمل أيضًا على تقييد اللغة بالتعبير الشفوي إلى الحد الذي لايمكن الاستغناء عنه بعيدًا عن البُعد الكتابي للغة. أن تصف فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا بالأدبي فهذه مجرد طريقة لبقة عوضًا عن وصفه بالممل. لهذا السبب، من النادر أن نرى العامة ينجذبون لمثل هذه البرامج. وحسب ماأعرف، فإن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو برنامج بيرنارد بيفوت3 “فواصل عليا” في فرنسا. وهذا يقودني إلى الاعتقاد بأن الأدب ليس فقط متطلَّبًا لمعرفة كاملة باللغة واستخدام أكمل لها، بل أن مصيرها مرتبط بشكل لاينفصل بمصير الكتاب، ذلك المنتج الصناعي الذي يعتبره الكثيرون بأنه قد عفا عليه الزمن.

هذا الحديث يقودني إلى بيل جيتس، كان في مدريد منذ فترة ليست بالطويلة وزار الأكاديمية الملكية الإسبانية، والتي قد عقدت شراكة مع مايكروسوفت. ضمن أشياء أخرى، طمأن جيتس أعضاء الأكاديمية وأكد بأن الحرف “fl” لن يحذف من برامج الحاسب، كان ذلك الوعد يكفل لأربعمائة مليون متحدث بالإسبانية أن يتنفسوا الصعداء بما أن حذف حرف أساسي مثل هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى. على كل حال، بعد تنازله الودي للغة الإسبانية، أعلن جيتس قبل أن يغادر مقر الأكاديمية في مؤتمر صحفي أنه يتوقع تحقيق حلمه الأكبر قبل أن يموت، وهو وضع حد للورق، ومن ثم للكتب.

يرى جيتس بأن الكتب هي أشياءٌ عفا عليها الزمن. وقال بأن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق الذي يستطيع عملها. أصر أيضًا أنه بالإضافة إلى كونها أقل مشقة، فشاشات الكمبيوتر تأخذ مساحة أقل، وهي أسهل للتنقل، وأيضًا بأن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية لإيقاف تدمير الغابات، وأن صناعة الورق هي أحد أسباب التدمير. أكد أيضًا بأن الناس سيستمرون بالقراءة، لكن على شاشات الكمبيوتر، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الكلوروفيل في البيئة.

لم أكن حاضرًا خلال خطاب جيتس، وعلمت بكل هذه التفاصيل عن طريق الصحافة. ولو كنت هناك، لأعلنت استهجاني لجيتس كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتّاب إلى خط البطالة. ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله. هل تستطيع الشاشة حقًا استبدال الكتاب من جميع الجوانب؟ أنا لست متأكدًا. أنا واعٍ تمامًا للتطور الهائل الذي سببته التكنولوجيا الجديدة في مجال الاتصالات وتبادل المعلومات، وأعترف بأن الانترنت يؤدي لي مساعدة لا تقدر بثمن كل يوم في عملي؛ لكن امتناني لهذه الراحة لايتضمن اعتقادًا بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية. هذه فجوة لاأستطيع تخطيها. لاأستطيع قبول فكرة أن تحقق القراءة غير الوظيفية، التي لانبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع، توفر نفس تلك الأحلام ومتعة قراءة الكلمات مع نفس الإحساس بالحميمية، ومع نفس التركيز العقلي والعزلة الروحية التي يمنحها الكتاب.

ربما يصدر تحيزي هذا لكوني لم أمارس القراءة الالكترونية، وكوني تعاملت بعلاقة أدبية طويلة مع الكتب والورق. لكني على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لايمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعرًا لجونجورا، رواية لأونيتي أو مقال لباز، لأنني موقن بأن أثر تلك القراءة لن يكون مثل القراءة بالورق. أنا مقتنع، بالرغم من أني لاأستطيع إثبات ذلك، بأن مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة. كلمة “أدب” لن تختفي بالطبع، لكنها ستدل على نصوص هي بعيدة عما نسميه أدبًا هذه الأيام، كبعد الأوبرا الصابونية عن مسرحيات سوفوكليس وشكسبير.

لايزال هناك سببٌ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم. بدون الأدب، سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لاتعوض. هذا بسبب أن الأدب الجيد كله متطرف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه. في كل النصوص الأدبية العظيمة، وغالبًا دون قصدٍ من الكتّاب، توجد نزعة تحريضية.

الأدب لايقول شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدًا أو الكثير جدًا في الحياة. الشخص منا يبحث عن ملاذه في الأدب حتى لا يكون هادئًا ومطمئنًا. أن تركب جنبًا إلى جنب مع ذلك السائس الهزيل وذلك الفارس المرتبك في حقول لامانشا، أن تبحر على ظهر حوت مع الكابتن آيهاب، أن تشرب الزرنيخ مع إيما بوفاري، أن تتحول إلى حشرة مع غريغور سامسا، هذه كلها طرقٌ اخترعناها لنجرد أنفسنا من أخطاء وإملاءات هذه الحياة الظالمة، هذه الحياة التي تجبرنا دائمًا أن نكون الشخص نفسه بينما نتمنى أن نكون مختلفين لكي نرضي رغباتنا التي تتملكنا.

يهدئ الأدب هذا الاستياء الحيوي للحظات، لكن في هذه اللحظات الخارقة، في هذا التعليق المؤقت للحياة، هذا التوهيم الأدبي ينقلنا لخارج التاريخ، ونصبح مواطنين لأرض لا تنتمي للزمان، وبالتالي هي أرض خالدة. فنصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدًا وسعادة، وأكثر وضوحًا مما نحن عليه في حياتنا الرتيبة. عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها توًا. وياللخيبة التي تنتظرنا! لكن هناك إدراكًا هائلًا ينتظرنا، وهي أن الحياة المتخيَّلة من الرواية أجمل وأكثر تنوعًا، أكثر فهمًا وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدها الظروف وضجر الواقع. بهذه الطريقة، نرى الأدب الجيد الحقيقي دائمًا كهدام، كمتمرد، كمقاوم، هو تحدٍ لما هو موجود.

كيف لايمكن أن نشعر بالخداع بعد قراءة “الحرب والسلام” أو “البحث عن الزمن المفقود” ونعود إلى عالمنا ذو التفاصيل التافهة، عالم مليء بالحدود وبالموانع التي تقف بانتظارنا في كل مكان وفي كل خطوة لتفسد خيالنا؟ فوق مهمته لاستمرارية الثقافة ولإثراء اللغة، أكبر مساهمة للأدب في التقدم البشري (دون قصد، وفي معظم الحالات) هي تذكيرنا بأن العالم جُعل سيئًا، وأن من يدعي العكس من الأقوياء والمحظوظين يكذب، وأن الكلمة يمكن أن تُطوَّر وتكون أقرب للعوالم التي يستطيع خيالنا ولغتنا تشييدها. المجتمع الحر والديمقراطي يجب أن يحتوي مواطنين واعين بالحاجة المستمرة للكلمات التي نعيشها ونحاول – بالرغم من أن المحاولة تكاد تكون مستحيلة – أن نجعلها تشبه العالم الذي نود أن نعيشه. وليس هناك من وسيلة أفضل من قراءة الأدب الجيد لإثارة عدم الرضا عما يوجد، وتكوين مواطنين ناقدين ومستقلين عمن يحكمهم، ويمتلكون روحية دائمة وخيالًا نابضًا.

مع ذلك، أن يُسمى الأدب بالتحريض لأنه يحسس وعي المواطن لعيوب العالم لا يعني بالضرورة – كما يبدو أن الحكومات والكنائس تفكر، ولذلك أنشأت الرقابة – أن النصوص الأدبية ستثير اضطرابات اجتماعية أو تسرع نشوء ثورات. لايمكن التنبؤ بالتأثير الاجتماعي والسياسي لقصيدة أو رواية أو مسرحية، لأنها لم تصنع بشكل جماعي من عدة خبراء. تصنع هذه الأعمال من قِبل أفراد وتُقرأ من قِبل أفراد ممن تختلف استنتاجاتهم بشكل كبير عندما يكتبون أو يقرأون. لذلك من الصعب، بل من المستحيل، أن تنتج أنماطًا وردود أفعال دقيقة. فضلًا عن ذلك، قد تكون القيمة الجمالية لعمل أدبي ما سببًا في حدوث القليل من العواقب الاجتماعية. هناك رواية متواضعة4 لهارييت ستاو يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في تنبيه الوعي السياسي والاجتماعي لفظاعات العبودية في الولايات المتحدة. إذًا، واقع ندرة تأثيرات الأدب لايعني أنها ليست موجودة. مايجب أن نعرفه هو أنها آثار صنعت من قِبل مواطنين تغيرت شخصياتهم جزئيًا بسبب الكتب.

فلنعد صياغة التاريخ بلعبة رائعة. ولنتخيل عالمًا بدون أدب، إنسانية لم تقرأ الشعر ولا الروايات. في هذا النوع من الحضارات الضامرة، بقواميسها الهزيلة التي تحفل بالآهات وإيماءات القرود على حساب الكلمات، من المؤكد أن بعض الصفات لن توجد. وتشمل تلك: حالم دونكيخوتي، مأساوي كافكاوي، سوداوي أورويلي، ساخر رابيلي، سادي، ماسوشي، وكلها ذات أصول أدبية. وللتأكد من ذلك، سيبقى لدينا مجانين، وضحايا جنون عظمة واضطهاد، وأشخاص بشهوة عادية وتجاوزات فاحشة، وأناس منحطين لدرجة الحيوانات يستمتعون بتلقي الألم وتسليطه. لكننا لن نستطيع أن نرى ماهو خلف هذه السلوكيات المتطرفة المحظورة من قبل قواعد المجتمعات، تلك الخصائص الأساسية في الإنسان، لم نكن لنرى السمات الخاصة بنا؛ لذلك نحن مدينون لمواهب ثيرفانتس، كافكا، أورويل، رايبليه، دو ساد، و ماسوش لأنهم استطاعوا كشفها لنا.

عندما ظهرت رواية “دون كيخوته دي لامانشا”، سخر قراءها الأوائل من هذا الحالم المتطرف كما سخرت منه بقية الشخصيات في تلك الرواية. اليوم، نحن نعرف أن إصرار ذلك الفارس ذو الوجه الحزين على رؤية عمالقة بينما كان هناك طواحين هواء، وعلى التصرف بطريقة تبدو سخيفة، هو الشكل الأعلى للكرم، وهو تعبير عن مظاهرة تجاه بؤس هذا العالم على أمل تغييره. مفاهيمنا عن المثالية والمثاليين تفوح بمعانٍ إيجابية ثانوية، لن تكون ماهي عليه، ولن تُحترم وتكون واضحة، لو لم تجسد في بطل الرواية بتلك القوة المقنعة لثيرفانتس العبقري5. يمكن أن يقال نفس الشيء عن الأثنى الصغيرة الأقرب لدونكيخوته، إيما بوفاري، والتي قاتلت بحماس لتعيش الحياة الرائعة من الفخامة والشغف، والتي عرفتها وقرأت عنها من الروايات، كفراشة اقتربت كثيرًا من ضوء اللهب واحترقت بالنار.

تلك الإبداعات لكل أولئك الأدباء المبتكرين العظماء فتحت أعيننا على آفاقٍ مجهولة لحالاتنا البشرية، جعلتنا نستطيع اكتشاف وتفهم الهوة البشرية المشتركة. عندما نقول “بورخيسي”، فإن تلك الكلمة تستحضر فصل عقولنا عن منطق الواقع وتدخلنا إلى عالمٍ مذهل، إلى عقلية دقيقة وأنيقة، غامضة وأشبه بالمتاهة بكل تلك المراجع والإشارات الأدبية، والتي لانشعر بالغرابة تجاه شخصياتها لأننا نتعرف فيها على رغباتنا الخفية وحقائقنا الحميمة الخاصة بشخصياتنا، والذي أخذت شكلها بفضل الإبداع الأدبي للويس خوسيه بورخيس. عندما نذكر “كافكاوي” يتبادر إلى الذهن كميكانيكية التركيز في الكاميرات القديمة، كل مرة شعرنا بها بأننا مهددون، كل مرة شعرنا بأنا أفراد لانستطيع الدفاع عن أنفسنا، بكل أجهزة السلطة القمعية التي سببت الخراب للعالم الحديث، الأنظمة السلطوية، الأحزاب العمودية، الكنائس المتعصبة، البيروقراطية الخانقة. من دون تلك القصص القصيرة والروايات لذلك اليهودي المعذَّب من براغ، الذي كتب بالألمانية وعاش دائمًا على اطلاع، لم نكن لنستطيع فهم الشعور بالعجز لدى الفرد المعزول، أو رعب الأقليات المضطهدة والتي تعاني التمييز، تلك المتواجهة مع القوة الطاغية التي يمكنها سحقهم والقضاء عليهم من دون أن يظهر الجلادون أوجههم حتى.

صفة الأورويلي، وهي الصفة الأقرب للكافكاوي، تعطي تنبيها لتلك السخافة الرهيبة، تلك السخافة التي صُنعت من قِبل الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، الديكتوريات الأكثر توحشًا وتعقيدًا في التاريخ، في تحكمهم بأفعال وأحاسيس المجتمع. في رواية 1984، وصف جورج أورويل في جو بارد موحش تلك الإنسانية المحكومة للأخ الأكبر، الحاكم المُطلق، والذي بواسطة مزيج مخيف من الرعب والتكنولوجيا، محق الحريات والمساواة والعفوية، وحول المجتمع إلى خلية نحل من البشر. في هذا العالم الكابوسي، طوِّعت اللغة لصالح السلطة، وحُولت إلى “خطاب جديد”، خالٍ من أي ابتكار وموضوعية، ممسوخ إلى سلسلة من التفاهات التي تضمن عبودية الفرد للنظام. صحيح أن نبوءة 1984 لم تمر حتى الآن، والشيوعية الشمولية في الاتحاد السوفيتي ذهبت مع الفاشية الشمولية في ألمانيا وأماكن أخرى، وبعد ذلك بوقتٍ قصير بدأت تتداعى في الصين، وفي كوبا وكوريا الشمالية اللتين تنتميان للماضي. لكن الخطر لم يُمْح بعد، وكلمة “أورويلي” ستبقى لتصف الخطر، ولتساعدنا على فهمه. عالم من دون أدب سيبقى أعمى عن هذه الأعماق الخطرة، والتي نحتاج أن نراها في أسرع وقت.
عالم غير حضاري، بربري، يخلو من العاطفة وذو خطاب جلف، جاهل ومأساوي، من دون شغف وجلف في الحب، هذا العالم من دون أدب، هذا الكابوس الذي أحذر منه وأرسم معالمه، سيكون سمته الأساسية الانسياق وتسليم عالمي لبني البشر إلى السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا. الغرائز الأساسية لدى الإنسان ستحدد مشواره اليومي باتجاه سد الجوع والشقاء لكي يبقى، ستحدده بالخوف من المجهول وإشباع الحاجات المادية. لن يكون هناك مكان للروح في هذا العالم. وفوق ذلك، رتابة العيش المسحوق ستولد الإحباط وستلقي بظلال شريرة للتشاؤم، الشعور بأن الحياة البشرية ماكان لها أن توجد، وأنها ستكون هكذا دائمًا، وأن لاأحد يمكنه تغييرها.

عندما يتخيل الواحد منا هذا العالم، تقفز إلى ذهنه تلك المجتمعات الصغيرة التي يختلط فيها الدين بالشعوذة، والتي تعيش على هامش التطور في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وأوقيانوسيا. ولكن فشلًا مختلفًا يخطر في بالي. الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلة التطور، بل سيكون نتيجة التحديث والتطوير المفرط. نتيجة للتكنولوجيا وتبعيتنا لها، قد نتصور مجتمعًا في المستقبل وهو ممتلئ بالشاشات والسماعات، ومن دون كتب، أو في مجتمع يعتبر الكتب – وأقصد هنا الأعمال الأدبية – ماكانوا يعتبرون الخيمياء: ذلك الفضول القديم، والشيء الذي يُمارس في سراديب ومقابر حضارة الإعلام من قِبل أقلية عُصابية ومضطربة. وأخشى أن هذا العالم المعرفي، على الرغم من ازدهاره وقوته، وهذا المعيار العالي من المعيشة والإنجاز العلمي، من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية تركت تلك الإنسانية التي تخلت عن الأدب.

ليس من المرجح، بالطبع، أن هذه اليوتوبيا المروعة سوف تأتي. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد، ماسيأتي لاحقًا مرهون برؤيتنا وبإرادتنا. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ.


هوامش
1- هو اسم لأحياء اليهود القديمة في أوروبا، والتي كانت توصف بالعشوائية والضيق.
2- هي مسلسلات كانت تعرض على التلفاز، سميت بالصابونية لكثرة إعلانات الصابون التي كانت تتخللها.
3- هو صحافي وإعلامي فرنسي، متخصص في تقديم البرامج الثقافية في فرنسا. ويشغل حاليًا رئاسة أكاديمية الغونكور، صاحبة أرفع جائزة أدبية فرنسية.
4- رواية “كوخ العم توم”، ترجمت للعربية عن طريق منير البعلبكي.
5- يشير يوسا هنا إلى تغير قراءة الناس للأدب عبر الزمن، فتأمل!

* نشرت في آراء. 

15 مايو,2014 - takween
كُتب في لماذا تكتب | الوسوم: | التعليقات مغلقة

آن بيتي: أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم

لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر

لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر

أجرى اللقاء: كريستوفر كوكس
ترجمة: أمينة الحسن
تحقيق ومراجعة: أحمد بن عايدة

أجريت أول مقابلة مع آن بيتي عام ١٩٨٣. وقد كشفت محَاضِر تلك الجلسات عن كاتبة معتادة على الأضواء، ومرهقة من الإجابة على أسئلة الصحفيين. تقول آن بيتي “لا يسعني فعل شيء حيال الناس الذين يعتقدون بأني نبيّة تنشر حكمتها على شكل قصص أدبية قصيرة تنشر في مجلة النيويوركر.” ألصق جورج بلمبتون ملاحظة على تلك المقابلة وكتب عليها “سأتولّى أمرها بنفسي.” ثم أرسلت بيتي تعديلاتها الأخيرة إلى المحررة مونا سيمبسون، ولكن لسبب غير معروف لم يتم نشر اللقاء أبدًا. وبعض مما جاء في ذلك اللقاء حفز على إجراء اللقاء هذا.

تغير الكثير خلال السنوات الفاصلة بين ذلك اللقاء والآن. لم تزل آن بيتي تنشر القصص في النيويوركر ولكن أقل بكثير من السابق. وقد تلاشى الحديث حول (جيل بيتي) رغم أنها ما تزال تكتب قصص الخيال التي تصوّر فيها بشكل حاذق حياة أقرانها. ومزاجها الذي امتاز بحرارة الشباب ونفاد صبره، قد بات يتصف بجلال رقيق.

بعد قراءتي للقاء عام ١٩٨٣، كنت مستعدًا لحوار فاتر من نوعه عندما سافرت في الشتاء إلى كي ويست حيث تعيش مع زوجها لنكولن بيري (لديها أيضًا منزل بالقرب من جامعة فيرجينا حيت تقوم بتدريس الأدب والكتابة الإبداعية، ومنزل آخر في ماين.) وبالرغم من ذلك، استقبلاني آن وبيري في المطار كوالدين يرحبان بابنهما العائد من فترة دراسة. في مطعم، بعد بضعة ليال، ظن زوجان أننا عائلة تتناول العشاء خارج المنزل.

وقد أثبتت بيتي أنها بارعة كمضيفة ومرشدة سياحية لكي ويست. رغم أنها قضت الساعات في الإجابة على الأسئلة، إلا أنها دعتني لتناول الغداء والعشاء معها كل يوم، بل وتعيرني سيارتها للتجوّل في الجزيرة. وقد كانت سخية حتى في اللقاء ذاته: حين هدد نقاش دار حول دونالد بارثليم بأن يأخذ الكثير من وقتنا، قالت “يمكننا الحديث عنه إلى الأبد. فأنا أحبُّ هذا الرجل.”

كان هناك الكثير لتغطيته حول كتاباتها: قصصها في مجلة النيويوركر، حيث نشرت أول عمل لها عام ١٩٧٤، فيما كانت في السادسة والعشرون. أيضًا مجموعاتها القصصية، والتي تشمل التشوهات (١٩٧٦) -الأسرار والمفاجآت (١٩٧٨) -البيت المحترق (١٩٨٢) – التذكّر المكتمل (٢٠٠٠) ورواياتها، مشاهد من شتاء قارس (١٩٧٦) – الإدراك (١٩٨١) – تصوير الإرادة (١٩٨٩) – أنت الآخر (١٩٩٥) – ومنزل الطبيب في عام ٢٠٠٢.

استخدام آن بيتي في قصصها المبكّرة أسلوب الحوارات غير المؤثرة والوصف المجرّد، والذي ما فتئ أن أصبح اسلوبًا منتشرًا، بدا جديدًا ومستحدثًا للأدب الأمريكي آنذاك. كانت بارعة في تجسيد العلاقات، ونتائج الطلاق، والتحرر الجنسي، والتيه الشبابي، حتى أصبحت نموذجًا لجيل الستينات والسبعينات. وعلى مرّ السنوات تغير أسلوبها ليحتوي على نطاق واسع من الأصوات الراوية، والأوصاف المزدهرة. لكن حسها الساخر، وحميمية سردها، وتصويرها الحاذق، لا زالت بارزة في كتاباتها.

كريستوفر: هل تتذكرين لقاءك الأول في باريس ريفيو؟

آن: لا أملك ذاكرة جيدة. وقد حدث ذلك قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وحينها قمت بالكثير من اللقاءات.

كريستوفر: يبدو أن الصحفيين اعتبروك رسولة آنذاك؟

آن: نعم، لقد كنت في أوج شبابي. لذا، نوعًا ما، يمكنني أن أتفهّم -أن أتفهّم- لماذا كان يأمل الناس أن تكون لدي القدرة على فهم الأشخاص الذين بمثل عمري. لقد احتضنتني النيويوركر في ذلك الوقت، وكانت تنشر بشكل اسبوعي، مما أعطاني فرصة أكبر لكي أكون تحت الأضواء.

كريستوفر: أليس في الأمر ما هو أكثر من ذلك؟

آن: في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي “لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة.” كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى “شكرًا لك” والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

حين بدأت الكتابة بشكل جدّي، لم يكن هناك كاتب قصص قصيرة وددت الاقتداء به. أُعجبت بالكثير منهم، ولكنني في كل الأحوال، لم أرغب في قولبة قصصي على طريقة الآخرين. أعتقد بأن الإيجاز، وانسيابية السرد المنثور، والنبرة، فاجأوا الكثير من القرّاء.

كريستوفر: والعديد منهم وجدوا أنفسهم في شخصياتك كذلك.

آن: لقد استغرق الأمر سنوات عديدة حتى استطعت إدراك أمر بسيط، وذلك أنه حينما تكتب أدب القصص فإنك تقوم بإثارة الأسئلة، والكثير يعتقد أنك تمارس حيلة معهم، وأنك، في الحقيقة، تملك إجابات الأسئلة تلك. يقرؤون أسئلتك، ولا يعرفون كيف يجيبون عليها بشكل صحيح. فيظنون أنهم متى التقوا بك شخصيًا ونظروا في عينيك، سوف يحصلون على الأجوبة.

في الواقع، ينعقد لساني عادةً في الجلسات النقاشية. أكون مسرورة للغاية بمعرفتي أنني سددت ضربة نحو عصب حساس. ولكن حين يتمادون قليلًا ويعتقدون أنني أمتلك مرهم لمعالجة العصب الذي ضربته، أو أنني عايشت الأمر شخصيًا، وأن ذلك يجعل بيننا صلة قرابة، كونهم عايشوا ذلك الأمر أيضًا – أدركُ حينها أن ما يوجد بيني وبين أولئك الأشخاص ليست صلة قرابة، بل هوّة.

كريستوفر: كان يدور حديث كثير آنذاك حول عالم بيتي، بل حتى: جيل بيتي.

آن: كان ذلك الأمر مصدرًا للفكاهة لي ولأصدقائي. لا أعتقد أي كاتب جاد يرغب بأن يُعتبر المتحدث الرسمي لجيله. قد لا يضرّ ذلك مبيعات كتبك، لكنه قد يؤثّر على نفسك، فحين تسمع شيئًا كهذا، تقول في نفسك: آه عظيم! لكنني في الواقع شخص متشكك. وفكرة “جيل بيتي” بأسرها لا أملك عليها أي نوع من السيطرة. لم يكن بمقدوري الإتيان بها، ولم أستطع أن أدفعها عني. كنت دائمًا أنظر للأمر من ناحية فلسفية.

كريستوفر: هل يمكنك وصف غرفة الكتابة الخاصة بك؟

آن: إنها إحدى غرف النوم في الدور الثاني، تطل على حقل وطريق ترابي. لم أقم بإعادة طلائها حين انتقلت إليها. مصبوغة بلون لزقة الجروح، ويعلوها سقف خشن مليء بالشقوق أنتظر سقوطه. توجد فيها أريكة تطوى للخارج إذا كنا بحاجة إلى أسرّة إضافية. وطاولة كبيرة قد اشتريتها عام ١٩٧٦ من فيرجينيا أستخدمها كمكتب، إنها سبورة مفقودة. هناك صور فوتوغرافية لي مع دونالد بارتلم وإليزابيث هاردويك حين كنا شبابًا. أستطيع العمل في غرف أخرى لكني لا أشعر بالخصوصية هناك. دومًا أسعدُ إذا حدث وكنت متواجدة هناك عندما أشعر بالإلهام أو أحتاج لأن أكتب مرغمةً.

 في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي "لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة." كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى "شكرًا لك" والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

في أوّل مرة التقيت جون أبدايك قال لي “لقد قمت باكتشاف طريقة مختلفة تمامًا في كتابة القصة.” كنت مذهولة، ولم يكن ردي سوى “شكرًا لك” والآن أتمنى لو كنت قد سألته ماذا كان يعني تحديدًا بذلك.

كريستوفر: هل كنتِ تقرأين كثيرًا؟

آن: كنت دومًا أشعر بالذهول تجاه أصدقائي الذين كانوا يقرأون صامويل بيكيت فيما كنت اقرأ “ونْدر وومن” لم أفكّر كثيرًا بالكتب في تلك الأيام. سجلت في حصص الكتابة الإبداعية في المدرسة الثانوية وذلك لأنها مكّنتني من الهروب من حصص الرياضة.

لم أكن أرى أنني شخص غير اعتيادي، وحتى الآن، عندما التفت إلى الماضي، لم أكن كذلك. كنت عادية أكثر من العادي. لقد كانت حياتي غير واضحة، لم تحدث لي أشياء مثيرة، ولم أتعرض لمغامرات ساخرة في المدرسة. لم يكن هنالك شيء.

كريستوفر : متى بدأتِ الكتابة ؟

آن: كتبت بعض قصص الخيال في الجامعة، وبعض القصص الإبداعية غير الخيالية لمنشورات الطلبة، متأثرةً بتوم وولف، مما جعل صوتي يتطفّل على النص. وكتبت عمود باسم تي جي إيكلبيرغ في صحيفة الكلية. كنت مأخوذة برواية غاتسبي العظيم. لكن إن سألتني عن موضوع واحد كتبته حينها لا يمكنني التذكّر.

وفي الدراسات العليا بدأت أركز على القصص أكثر. كنت أدرس اللغة الإنجليزية لكني لم أكن جادة في ذلك. عشت مع مجموعة من الأشخاص، وكنت ذلك الشخص الذي يبقى مستيقظ طوال الوقت، المصاب بالأرق، الذي يكتب خلال الليل كله. كان الجو باردًا جدًا. وكان لدي ثلاث وسائد محشوة أضعها أمام المدفئة مباشرة وأجلس على الأرض، أمدد أسلاك الكهرباء، وأعمل على الآلة الكاتبة على أقرب مسافة ممكنة من مصدر الدفء.

كريستوفر: هل كنتِ تكتبين لشعورك بالملل؟

آن: ليس الملل فقط، بل لأني لم أكن طالبة مجتهدة. يمكنني عمل الأبحاث، غير أني لا أبرع في الانتهاء إلى استنتاجات ذكية. كنت أضيّع الوقت. لم أرغب بالحصول على وظيفة.

كانت الكتابة مجرد هواية. حقًا، كانت كذلك – أمرًا أقوم به في وقت فراغي. مع روايتي الأولى “مشاهد من شتاء قارس” كنت أملك مخطوطة من ثمانين صفحة، أعطيتها لصديقي دايفيد ويغيند خلال زيارته لي، فقال “ماذا عسى أن أفعل بهذا الشيء؟” ناولني إياها وقد كتب على الصفحة الأولى “الفصل الأول” وعلى الصفحة العشرين “الفصل الثاني” وهكذا حتى النهاية. فضحكت. كنت متزوجة من ديفيد جيتس آنذاك، وهو الذي عنونها. وجدت العنوان رائعًا، ولكنني لم أكن أعرف الاغنية. تلك التي وضعها في المسجلة.

لم أفكر أبدًا أن الكتابة ستكون عمل حياتي. بقيت في كلية الدراسات العليا، واستمريت في تعليم فصول السنة التحضيرية، واستمريت في تضييع الوقت. تمنيت الحصول على – يمكنك أن تسمّيها وظيفة، لكني سوف أسمّيها الحظ الجيّد. أيْ أني أردت الحظ الجيّد. ماذا يجب أن أفعل لأستجدي الحظ الجيّد؟

تلقيت رسالة رفض شخصية من النيويوركر لإحدى الأعمال الأولى التي قمت بإرسالها إليهم – أظنه كان العمل الأول. في الحقيقة، صديقي جي دي أوهارا أرسلها دون أن يخبرني. لقد كان محررًا عطوفًا ومشجعًا. شرح لي في ملاحظاته على قصصي الأولى التي أعطيتها إياه أكثر مما شرحته لطلابي خلال عامين. غير أنه فعل ذلك من خلال تعليقات هامشية ذكية للغاية. أخرج فرانسس كيرنان تلك القصة من كومة النفايات، وقد كان قارئًا في قسم الأدب القصصي. وأكبر محرري ذلك القسم، روجر أنجل، كتب لي وقال أن عليّ توجيه كل كتاباتي إليه في المستقبل. وقد فعلت ذلك. لكنهم رفضوا القصص السبعة عشر الأولى التي قمت بإرسالها.

كريستوفر: “هذه ليست هي، أرسلي المزيد.”؟

آن: ربما لا يكون قد ذكر “أرسلي المزيد” غير أنه بالتأكيد قال “هذه ليست هي” لكنني تحمست وكتبت المزيد.

كريستوفر: هل طلب منك أنجيل إعادة كتابة قصة، بدلًا من رفضها صراحةً؟

آن: كلا. فقوانين المجلة لا تقبل القصة التي تحتاج إلى مراجعات كثيرة. بعض المرات كان روجر يتساءل ما إن كان بالإمكان الاتفاق على تعديل بعض الأمور، ولكن كانت هناك أشياء صغيرة نسبيًا، كالاستغناء عن بضعة سطور من حوار، أو إضافة توضيحًا غير مباشرًا لسبب وقوع حدث ما. حينما أنظر إلى الوراء أدرك كم جعلتني تعديلاته أعي بعض من أساليبي الكتابية، نقاط قوّتي وضعفي.

كريستوفر: هل تعتقدين أن ثمة أمر مشترك يجمع قصصك المبكرة تلك؟

آن: أفترض أنه يوجد فيها بعض الأشياء المرتبطة بحياتي، وإني آمل أن تتجاوز تلك القصص ذلك القاسم المشترك. وهذا أمر يمكنك العثور عليه لدى أي كاتب آخر. أظن أن القصص المبكرة بمثابة لقطات متفرّقة أكثر من كونها صورة متكاملة. وقد كانت تلك القصص مليئة باهتماماتي الشخصية: الموسيقى، المزيد من الموسيقى، الكلاب، الثلوج، والحُفر في نيكسون.

كريستوفر: هل تعرفين كم قصة كتبتِ إجمالًا؟

آن: لم أقم بإحصائها أبدًا. هناك ثمانية وأربعين ضمن قصص النيويوركر، وبنفس العدد على الأقل في أماكن أخرى. ربما مئة وخمسة وعشرين. بالإضافة إلى العديد من القصص التي قمت بتمزيقها بعد السطر الأخير، أو بعد الوصول إلى منتصفها. ربما هناك ثلاثة قصص أمام كل قصة أنشرها.

كريستوفر: تمزّقين هذا الكم من القصص؟

آن: إني أملك نفَسا قصيرا. ودومًا أنتهي إلى التفكير بأن هذه ليست هي اللحظة التي أنتظرها، ولا بد أن قصة أخرى في طريقها لتتجلى.

كريستوفر: هل تعودين إلى أعمالك القديمة من باب التسلية؟

آن: كلا. لم يحدث أن جلست ذات مساء وقرأت شيئًا كتبته. في إحدى اللقاءات قبل عدة سنوات، ناقشني روجر روزنبلات، الصحفي، عن قصة طويلة لم أكن قد قرأتها بصوت عالٍ أبدًا، والتي حتى لم اطّلع عليها في أفضل فترة من العشر سنوات الأخيرة حيث كنت، على عكس الآن، أكتب قصصًا كثيرة خلال السنة. وكنت أعرف أحداث القصة بشكل عام، غير أني حقًا لم أستطع الإجابة على أسئلته، ومن ثم توقفنا وبدأنا بالضحك. وفي المرة الثالثة التي فشلت بالإجابة عليه، قال لي “هل قرأت يومًا لآن بيتي؟ إنها كاتبة جيدة جدًا.”

كريستوفر: هل تتأثرين بآراء الآخرين حول أعمالك؟

آن: عندما تكون القصص جديدة، فإني أتأثّر كثيرًا بردود فعل الناس تجاهها. ومع مرور الوقت يغدو التأثير أقل. لا أظن أن هناك من أقنعني بقصة رائعة فيما كانت هي لا تعجبني. سوف تحتاج للكثير من العناء في اقناعي أن محاولتي المبكرة “بيت القزم” مثلًا، هي أفضل قصصي.

لكني لم أحظى بالكثير من التعليقات على قصصي المبكرة، سوى من النيويوركر. ولقد كنت يافعة إلى حد أني اعتقدت أن تعليقات النيويوركر لا بد من أن تكون صحيحة. ما أن تحظى القصة على ذلك الختم الشرعي، لم أكن بحاجة لأرى ما إن كانت حقًا جيدة.

كريستوفر: ما الذي جعل الناس تمانع أعمالك؟

آن: ليست أعمالي فقط. في البداية، فات الكثير من الناس حقيقة أن دون بارتليم كان له طابع رومانسي، أو حتى أن روحه الفكاهية كانت سلسة. ورايموند كرافر، في بداياته، واجه صعوبة في نشر قصصه، حتى عندما جمعها في كتاب.

كريستوفر: هل تكتبين على الكمبيوتر؟

آن: نعم. أحمل اللابتوب من مكان إلى مكان إلى آخر. أول ما أقوم به حين أعود إلى جامعة فيرجينيا – حيث يستخدم آخرون مكتبي أثناء عدم تواجدي – هو حمل الكمبيوتر بحذر من على مكتبي ووضعه على الأرض. واستخدمه في وضع كومة المعاطف عليه. إني حتى لا أنظر ناحيته.

برغم ذلك، لا يمكنني الكتابة على مفاتيح اللابتوب. لا يمكنني وكفى. ولذلك أحمل معي لوحة المفاتيح البلاستيكية التي تكلّف عشرين دولار، أوصّلها، ومن ثم تبدو الكتابة كما هي على الآلة الكاتبة الحقيقية. لا يمكنني التحكم بفأرة اللابتوب كذلك. إن الأمر أشبه بالذي يمشي خارجًا من الحانة بعد أن شرب كثيرًا. إصبعي على السهم الصغير، لا أستطيع جعله فعل أي شيء. ولذا، فإني أيضًا أحمل فأرة احتياطية.

كريستوفر: هل حدث أن فقدتِ نصًا كتبته على الحاسوب؟

آن: نعم، فقدت مئة صفحة لعمل كنت أكتبه. للأبد. وهل يعني ذلك أني استدعيت متخصّصين في الحاسوب لمحاولة استعادة ما فقدته؟ نعم. كان لينكولن يحاول العمل على برنامج لاستعادة الملفات التي فقدتها. كان ذلك قبل ثلاث سنوات. كنت أدخل شيئًا في منتصف صفحة تسعة وتسعين في الساعة الثانية فجرًا عندما قفز النص في الشاشة بأكمله إلى الأعلى، ثم اكتشفت أن أمامي مساحة بيضاء صافية. وقد فعلت أغبى ما يمكن فعله، ضغطت على زر الحفظ. لستُ خبيرة في أمور الحاسوب، ولا أملك قدرة التعلّم. فلا حاجة لأن يخطر لأحدهم أن يتصل بي ويقول بأنه قادم إلي لكي يشرح لي لأربع ساعات استخدامات الكمبيوتر. لأنها ستكون مجرد أربع ساعات من الجحيم لكلينا.

كريستوفر: كم كلّفتك هذه الخسارة؟

آن: ما زلت أحاول استعادت نفسي. لم أعد الشخص ذاته.

كريستوفر: ما زلتِ تكتبين حتى وقت متأخر ليلًا؟

آن: كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كريستوفر: هل ما زلت تنهين قصصك بنفس سرعتك السابقة؟

آن: كلا.

كريستوفر: كم من الوقت تستغرقين في كتابة الرواية؟

آن: أخذت رواية “الإدراك” سبعة أسابيع لتصبح مسودة نهائية. بينما “مشاهد من شتاء قارس” احتاجت لوقت أقل. لكنه كتاب مختلف جدًا. حوارات كثيرة، وقصير، وليس معقدًا. أما “الحب دائمًا” فكانت صياغته أعقد، فلذا تطلبت كتابته الصيف كله. ومؤخرًا، استحوذت رواية “بيت الطبيب” على أكبر جزء من السنة، مع استراحات متقطعة. وحظت رواية “أنت الآخر” على الكثير من الإخفاقات في بداياتها. وعندما عرفت أخيرًا كيف أكتبها، استغرق الأمر نحو السنة حتى تمكنت من تحويلها إلى مسودة. يمكنك أن تنسى بسهولة كم استغرقت من الوقت على كل كتاب. لأنك تبقى تنقّحها، أو أنك تظل تتلقى ملاحظات من صديقك، فتكتشف أنه لا بد من القيام بتلك التعديلات.

كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كتابتي ليست محصورة ليلًا. ولكني أمتلك طاقة أكثر للكتابة في آخر اليوم.

كريستوفر: ماذا عن القصص؟

آن: بشكل عام قصصي أصبحت أطول الآن. أحيانًا أكتب القصة في ثلاثة صفحات، ولكن غالبًا المخطوطة تصبح حوالي ثلاثين صفحة.

كريستوفر: من يطّلع على المسودة الخاصة بك؟

آن: بعد أن أنهي المسودة الثالثة أريها لنكولن. أسلّمها له ثم أجلس في الكرسي قبالته وأحدّق في وجهه فيما هو يقرأ. إذا بدت ملامح ذعر على وجهه، أسأله “ماذا هنالك؟” وإذا رأيته يضحك، اسأله “ما المضحك؟” أما الآن فقد أصبح متمرسًا، فيكون جوابه “نسيت إخبارك بأنه عليّ الذهاب للقاء فلان وفلان الآن. سوف أكون سعيدًا بقراءته غدًا في العاشرة صباحًا.” لقد تعلمّت ألّا أقرأ له بصوت عالي، وذلك لأنه سريعًا ما ينام. إنها آلية دفاع غريزية. وإني لشخص محظوظ كوني محاطة بأصدقاء هم أيضًا قرّاء متمرسون – أغلبهم كتابًا – والذين غالبًا ما يطلبون رؤية شيئًا أكتبه بعدما يبلغ مرحلة معينة.

نشرت في آراء. 

 

7 مايو,2014 - takween
كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , | تعليق واحد

أن تضع القلمَ على الورقة، ولكن ليس أي قلم، ولا أية ورقة!

لطالما آمنت بأن الكتابة مهنة عسيرة!

لطالما آمنت بأن الكتابة مهنة عسيرة!

كتبت: ماري غوردن
ترجمة: أسماء المطيري 

ربما يكون هنالك كتّاب يعكفون على الكتابة، بلا خوف يعيقهم ولا فشل يترصد لهم، ولكنني لم أقابل منهم أحداً! فحتى الكاتب الأيرلندي المعروف صمويل باركلى بيكيت، كان قد علّق لوحة إلى جانب مكتبه، خُط عليها ” افشل. افشل مجدداً. افشل بشكل أفضل”.

لطالما آمنت بأن الكتابة مهنة عسيرة! فلا يمكن لأيّ كلمة أخدشُ فيها بياض الورقة، أن توصل ما في عقلي من موسيقى أو خيالات، لابد وأن أقعَ ضحية للغة.. ضحية كتاب الصلاة المشتركة* حين تقرع كلماته نفسي، فإذا بي أراجع ما أنجزته، وما تبقى إنجازه، مقتنعة كل الاقتناع بأني عديمة الجدوى. وفي محاولة يائسة لنفض هذا الإحساس المزعج عني، وإنجاز ما يمكن إنجازه، أستعين بحيل عدة.. أستعين بقلمي ودفتري، حيث لا تطيب لي الكتابة إلاّ بخط اليد. ورغم ما يقوله بعض أصدقائي من أن خط يدي صعب القراءة إلّا أنهم مخطئون. فأنا أحب خط يدي، وأستطيع أن أقرأ ما كتبته بسهولة. حسنا! لأكون صادقة معكم تماماً، أخطأت مرة في قراءة كلمةٍ فقلتها حث عوضاً عن أحدث ولكن هذا نادراً ما يحدث.

أتذكر أن الكاتب الأمريكي الإنجليزي ويستن هيو أودن قد قال مرة بأن كل واحد منا يحب خط يده سرا، مثل ما يحب رائحة ضـ… واعذروني على عدم كتابة آخر كلمة قالها لأنها لا تليق بهذه الصفحات، ولكنني أتفق معه. من منا من مواليد ما قبل منتصف الستينات يستطيع نسيان ما أثارته فينا طريقة بالمر في الكتابة من الحماسة، والتفنن في جرة القلم العليا والسفلى والحلقات والانحناءات! فقد كان إتقانك للكتابة بهذه الطريقة آنذاك تذكرة عبور إلى عالم البالغين، وتمكين لغريزتين فطريتين هما الرغبة في ترك أثر في هذا العالم والتعبير عن الأفكار.

لا شك في أن الكتابة باليد مهمة شاقة، وذلك ما دعانا لصنع الآلة الكاتبة. ولكنني أؤمن بأن هذا العناء حسنة تضفي على الكتابة طعماً خاصا. فقبضك على القلم، واحتكاك يدك بالورق، وما يتلبس أصابعك من ألم بعد طريق وعر وطويل من الكتابة كلها مراسٍ تعيدنا إلى عالمٍ ملموس، بعد أن تهنا في عصر الاختراعات. أعلم أنني أتحدث أحياناً عن أقلامي ودفاتري كما يتحدث سلطان عثماني مفتون عن جواريه الحسان، ولكن دعوني أخبركم عنها قليلاَ. لدّي قلم فاخر من نوع واترمان، قلم مطلي بالأسود ومزخرف باللون الذهبي. أشعر وأنا أكتب به بأني في أجمل حلة، وشعري مسرحٌ للخلف مثل الروائية الأيرلندية إليزابيث بون ربما، لكن بطابع فرنسي أكثر، أو مثل الروائية الفرنسية آنا دو نواي ولكن تؤدي دورها الممثلة البريطانية ديبورا كير. ورغم هذا يبقى قلمي أنيقاً حتى لو كنت مرتدية روب قطني رث، وكأنني إحدى معتقلي معسكرات ستالين المرعبة. بالإضافة إلى قلمي الثمين من واترمان، أستخدم حبرا أسوداً من الماركة نفسها. اضطررت في إحدى المرات ولسفري أن أبتاع الأسود المائل للزرقة منه. استخدمته لعدة أسابيع ولكنني شعرت وأنا أكتب به بأني مديرة مدرسة صارمة.

ابتعت قلمي من محل غرب شارع 46 في مانهاتن يدعى آرثر براون وإخوانه للأقلام، وكم كان الاختيار صعبا! هل أخذ قلما مطلياً بلون الملكيت الأخضر أو قلما فضي اللون أو بنيا ممتزجا بالأصفر؟ أو ربما أكون شبابية أكثر فأقتني الأصفر الفاقع؟ أم من الأفضل أن أبتاع قلماً مستخدما من طراز عتيق؟ هل أخذه نحيلاَ أم عريضاَ كسيجارة كوبية؟ وازددت حيرة حين بدأت أفكر في رأس القلم نفسه، هل آخذ رأساً مدببا.. متوسطاَ أم دقيقاً؟ فالمتوسط يوحي بالتواضع ونسيان الذات، كأنه أحد أولئك الأصدقاء الذين يذكرونك دائماً بأن تطرد القلق وتكون سعيداً. بينما يوحي لي الرأس المدبب بالسلطة والملكية. ولكنني اخترت في نهاية المطاف القلم ذا الرأس الدقيق، شيء ما حول صعوبة الكتابة به، حول جرته الخادشة للورقة، ومقاومته التي تجعل الانتقال من كلمة إلى أخرى عسيرة بعض الشيء، كل هذا جذبني إلى اختياره، وأضفى على خط يدي بعض الصرامة والحذر، وبالطبع لم ألحظ هذا الطابع في بادئ الأمر.

كنت قد خصصت رفا كاملاً في خزانتي للدفاتر، أختار من بينها ما أظن بأنه مناسب لما سأكتبه، لأني أؤمن بأن هنالك علاقة تتشكل بين محتوى الدفتر والدفتر نفسه. وحين أبتاع واحدا، فأنا لا أفكر في تصنيفه أو اختلافه فحسب، بل وفيما سيتركه المكان الذي ابتعته منه من ذكرى. لذا أحرص على اقتناء دفتر من كل بلد أزوره، فكما تعبر الرقصات الشعبية والأكل التقليدي عن ثقافة بلد ما، تعبر الدفاتر أيضاً. ولم يقف هذا الهوس عندي، بل حتى أصدقائي صاروا يجلبون لي دفاتر من كل أسفارهم.

أملك ثلاثة أنواع من الدفاتر الفرنسية التي تتميز بحجمها الصغير ونعومة أغلفتها، واحد منها بلون البحر وبأوراق غير مسطرة، طُبع على غلافه livre de brouillon (مسودة الأفكار) بخط أنيق. أدون فيه كل أفكاري المتعلقة بأعمال الروائي الفرنسي الراحل مارسيل بروست، حيث أهدتني إياه طالبة كنت قد عرّفتها على إنتاجه الأدبي. وابتعت دفاتر عديدة مخصصة لتمارين الطلاب من متجر جيلبير جون الكبير على جادة سانت ميشيل في باريس، توحي أغلفتها ذات اللون الأزرق الملكي بأنني امرأة ذات سلطة. كما ابتعت دفاتر بألوان زاهية كلون الليمون الأصفر والأخضر والفراولة من مدينة أورليان. وبالنسبة لي، فهذه الدفاتر الخفيفة، القريبة للقلب أفضل خيار لكتابة القصص القصيرة، أو التدوين أثناء السفر. وحينما كنت في أيرلندا، ابتعت من محل سجائر قرب كلية ترينتي في دبلن دفاتر ذات لون أصفر فاتح وأوراق كثيرة للكتابة الطويلة مجملاَ، ودفاتر حمراء مربعة للمقالات الصحفية، وقد رُسم على أغلفتها ملامح حصن قديم، وخُط فوقها بالأحرف الكلتية كلمة Tara (قرية سكنها ملوك أيرلندا قديماً). وللنصوص النقدية، ابتعت من محل قبالة المتحف البريطاني دفاتر مغلفة بخيش فيروزي وكستنائي وبرتقالي. وفي رحلتي الأخيرة لإيطاليا، كنت أعمل على رواية بثلاثة رواة مما دعاني لابتياع ثلاثة دفاتر من كل نوع، بعضها مغلف بسواد عرق السوس اللامع من محل سكاكر توسكاني. وأخرى مصنوعة من التيركوتا ومشابهة لما أراه من قبب هناك، ابتعتها من محل أدوات مكتبية على نفس الشارع الذي ابتعت من محل فيه قفازين ذات جلد سويدي الصنع، مزخرفة بلون التوت، قرب معبد البانثيون في روما. ومن حي تراستيفيري وتحديداً قرب ساحة سانتا ماريا، ابتعت ثلاثة دفاتر ذات غلاف مقوى ورباط أحمر، عليها تصاميم كتلك التي نراها في الكنائس. بالإضافة إلى ذلك، لدي مجموعة رائعة بألوان الباستيل الدافئة والسماوي والوردي، مزينة بنقوش رمادية جميلة، أكتب فيها هرباً من مهمة المراجعة الثقيلة. ابتعتها من كشك في ساحة لورانزو حينما كنت في فلورانس، كنت عائدة وقتها من كنيسة مديتشي التي قصدتها لرؤية تماثيل مايكل انجلو .. ويالها من تماثيل! تأسرك في سكونها الذي لا تدري أمن دعةٍ أو كآبة.
كما تعد الدفاتر السويدية كنزي الدفين، وسراً من أسراري المتعلقة بالتدوين. تمنحني ألوانها الأساسية وإطاراتها المحايدة الأمان، أجدني أكتب فيها كل ما له طابع حساس، بعيداً عن أعين الرقيب .. واثقة بأنها لن تخرج عن حدود هذا الدفتر، البئر .. أبدا. ومن أجل الجمل القصيرة، الجميلة، ابتعت بمبلغ وقدره أوراقاً مصنوعة باليد، محفوظة داخل جلد مدبوغ ذا لون أخضر فاتح، في إحدى زياراتي لولاية فيرمونت. اكتب على كل ورقة جملة واحدة فقط في كل مرة.

حان الوقت لأن أقول لكم ماذا أفعل بعد اللعب بدفاتري وأقلامي كطفل صغير يحاول قتل الوقت، لا لا دعوني أعود للوراء قليلا! قبل البدء في الكتابة. اعتدت على القراءة أولاً، أبتعد عن الروايات لا لشيء سوى أنها صعبة المراس صباحا! وقتها أكون في حاجة إلى قراءة أكثر حميمية، مذكرات أو رسائل، شيء من هذا القبيل. أثناء القراءة، أدون كل ما يعلق بي من قصة أو ملاحظة عابرة ذات حكمة ومغزى. أدون معظمها في إحدى دفاتري السويدية، بينما تسكن الجميلة منها الدفتر الفيرمونتي. ومن ثم أنتقل في القراءة إلى الفرنسي بروست. أبدأ بقراءة ثلاثة صفحات من إحدى أعماله بالإنجليزية، ومن ثم أقرأ الصفحات عينها بالفرنسية. أكتب بعد ذلك في دفتري المخصص له، كل تعليقاتي وأفكاري. وأنتقل بعدها لدفتري الخاص لأكتب فيه بكل حرية، ما يجول في عقلي من هراء نرجسي.

كما أميل للاستماع للموسيقى، خاصة الرباعيات الوترية (مقطوعات تعزف على أربع آلات وترية) والبيانو. وعندما ينتصف النهار وأنا على مكتبي، أغير الموجة لتينا ترنر، صوتها ينزل السكينة على روحي. أحب جداً موسيقى أغانيها والدندنة معها بلا تركيز، ولكن في نفس الوقت بمتعة كبيرة، فأنا لم أكتب هذه الكلمات! وأستمتع كثيراً أثناء ذلك بحركة قلمي السريعة حيناً والبطيئة حينا آخر على الورقة.

وبعد كل هذه الطقوس، أوقف الموسيقى، وأتابع قراءاتي في الروايات، وكأني بذلك أستخدم شوكة رنانة لأضبط وتر ما أنا على وشك كتابته. أدون في دفتري المخصص للروايات كل مقطع ذا قيمة ووتيرة مميزة يمكن أن يثريني. وإن حالفني الحظ، كما يحدث في بعض الأحيان، ومن خلال حركة القلم التي تشبه الرقص أنسى كبري الزائف وحماقتي أمام ما أقتبسه من عظمة. إنها لمتعة كبيرة .. حركة يدك .. رسغك .. إمساكك لكل ما هو قيّم من أجل تدوين ما تركه العظماء الراحلون من أثر، أولئك الذين لا تشك لحظة بأن الفشل قد طرق بابهم يوما، أو حتى شعور الحسد تجاه حمالي الفحم، ومراقبي النفايات السامة أو أي شخص يستطيع القيام بعمله بسهولة كما أحسدهم أنا كل صباح!

وفي النهاية لا أعلم حقيقة كيف لأولئك الكتاب الذين يستخدمون الجهاز المحمول أن يحملوا أنفسهم على البدء بالكتابة! ولا أريد أن أعرف أبدا.

________
*كتاب الصلاة المشتركة: كتاب الصلاة الرسمية لكنيسة إنجلترا والكنائس الإنجيلية في بلدان آخرى.

3 مايو,2014 - takween
كُتب في طقوس الكتابة | التعليقات مغلقة

غونتر غراس: ولادة رواية تكون بقصيدة

لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً.

لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً.

الصحفية: اليزابيث جفني
ترجمة: سارة أوزترك

الصحفية: كيف أصبحتَ كاتباً؟

غونتر غراس: أعتقد أن لذلك شأنٌ بالوضع الاجتماعي الذي نشأتُ فيه. كانت عائلتي من الطبقة الوسطى ـ الدنيئة؛ كانت لدينا شقة صغيرة ذات حُجرتين. لم تكن لأختي ولي غرفنا الخاصة، ولا حتى مكاناً خاصاً بنا. كان في غرفة المعيشة، على مسافةٍ من النافذتين، رُكنٌ به كُتُبي، وأشياء أخرى—ألواني المائية وغيرها. كثيراً ما كان عليَّ أن أتخيل الأشياء التي كنتُ أحتاجُها. تَعَلّمتُ مبكراً القراءةَ وسْطَ الضجيج. وبذلك شَرَعتُ في الكتابة والرسمِ في سِنٍّ مبكّرة. نتيجةٌ أخرى هي أنني أقوم الآن بجمعِ الغُرُفات. لديّ مكتبٌ في أربعةِ أمكنةٍ مختلفة. أخافُ أن أعود مجدداً لوضعِ صباي، بركنٍ فحسب في حُجرةٍ صغيرة.

الصحفية: مالذي أدى بك للالتفات إلى القراءة في هذا الوضع، عوضاً عن، لنقل، الرياضة أو لهوٍ آخر؟

غونتر غراس: كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي. لحسن الحظِّ كانت أمي تحب أكاذيبي. وعدتُها بأشياء عجيبة. عندما كنتُ في العاشرة كانت تسميني بير جينت. بير جينت، كانت تقول، هاأنتذا تَقُصُّ عليّ قَصَصاً عَجباً عن رحلات سنقوم بها إلى نابولي وغيرها.. بدأتُ بكتابةِ أكاذيبي مبكراً جداً. وإنني ما زلتُ على ذلك! بدأتُ في روايةٍ لَمّا كنتُ في الثانية عشرة. كانت عن الكاشوبيين، الذين ظهروا بعد سنين عدة في طبل الصفيح، حيثُ جدة أوسكر، آنا، (كجدتي) كاشوبية. لكنني ارتكبتُ خطئاً عند كتابتي لروايتي الأولى: كل الشخصيات التي قدمتُها كانت ميتة في نهاية الفصلِ الأول. لم أتمكن من المواصلة! ذاك كان درسي الأول في الكتابة: كُن على حذرٍ بشأن شخصياتك.

الصحفية: أيُّ الأكاذيب منحتك المُتعةَ العظمى؟

غونتر غراس: الأكاذيبُ التي لا تؤذي، وهي تختلف عن الأكاذيبِ التي تحمي النفس أو تؤذي شخصاً آخر. تلك ليست شأني. لكن الحقيقة غالباً مُمِلةجداً، وبإمكانك أن تقدمي لها العون بالأكاذيب. لا أذية في ذلك. تعلمتُ أن أكاذيبي الفظيعة كلها ليس لها تأثيرٌ على ما هو قائم. لو أنني، قبل عدة سنين، كتبتُ شيئاً يتنبأ بالتطورات السياسية الحالية في ألمانيا، لقال الناس، يا له من كاذب!

الصحفية: ماهي المحاولة التي تَلَت الرواية الفاشلة؟

غونتر غراس: كان أول كتاب لي ديواناً شعرياً مصوراً. المسودات الأولى لقصائدي كلها تجمع أرسُماً وشعراً، منطلقة حيناً من صورةٍ، وحيناً من كلمات. ثم، عندما كنت في الخامسة والعشرين وكان بمقدوري شراء آلة كاتبة، فضّلتُ أن أطبع بنظام الإصبعين الخاص بي. النسخة الأُم لِـطبل الصفيح نُفِّذَت بالآلة الكاتبة فقط. إنني أتقدم في السن الآن وبالرغم من أنني أسمع أن عدداً من زملائي يكتبون على الآلات الحاسبة، فقد عُدتُ لكتابة المسودة الأولى باليد! النسخة الأُم لِـالفأرة موجودة على كتاب كبير بورق غير مسطّر، حصلتُ عليه من ناشري. عندما يكون أحد كتبي على وشك أن يُنشَر أطلُبُ دائماً نُسخة عمياء بأوراق فارغة للاستخدام للمخطوطة القادمة. أي أنه حالياً تُكتب النسخة الأم باليد وبإضافة الأرسُم ثم الثانية والثالثة تُنفّذان بآلة كاتبة. لم أُنهِ كتاباً قط من غير أن أكتب ثلاث نُسَخ. غالباً هناك أربعةٌ مع تعديلاتٍ عِدّة.

 كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي.

كنتُ كذّاباً عظيماً في طفولتي.

الصحفية: هل تبدأ كلُّ نسخةٍ من البداية وتواصل نحو النهاية؟

غونتر غراس: لا. أكتب المسودة الأولى سريعاً. إن كانت ثمة ثغرة، لتكن. النسخة الثانية عموماً طويلة جداً، مُفَصَّلة، وكاملة. ما مِن ثغرات، ولكن ثمة جفاف. في النسخة الثالثة أعمل على استعادة عفوية النسخة الأولى، وإبقاء ما هو أساسيٌّ في النسخة الثانية. هذا أمرٌ شاقٌ جداً.

الصحفية: ما هو برنامجك اليومي عندما تعمل؟

غونتر غراس: أكتب ما بين خمس إلى سبع صفحات في اليوم عندما أعمل على النسخة الأولى. للنسخة الثالثة، ثلاث ساعات في اليوم. إنه بطئ جداً.

الصحفية: هل تفعل ذلك في الصباح أم في الظُهر أم في الليل؟

غونتر غراس: ليس في الليل أبداً، أبداً. لا أؤمن بالكتابة في الليل لأنها تأتي بسهولة أكثر من المطلوب. عندما أقرأها في الصباح أجدها غير جيدة. أحتاج لضوء النهار كي أبدأ. بين التاسعة والعاشرة أتناول صَبوحاً طويلاً مع القراءة والموسيقى. بعد الصَبوحِ أعمل، ثم آخذ فُسحة للقهوة في الظُهر. أبدأ مجدداً وأنتهي في السابعة مساء.

الصحفية: كيف تعرف أن كتاباً قد انتهى؟

غونتر غراس: عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

الصحفية: كان برشت مدفوعاً لإعادة كتابة أعماله طوال الوقت. لم يَعُدّها منتهية حتى بعد نشرها.

غونتر غراس: لا أعتقد أنني أستطيع ذلك. أستطيع أن أكتب كتاباً مثل “طبل الصفيح” أو من “يوميات حلزونة” فقط خلال فترة خاصة من حياتي. ظهرت الكُتُب بسبب الكيفية التي كنت أشعر وأفكر بها وقت كتابتها. أنا متأكد من أنني لو شرعتُ في كتابة طبل الصفيح أو سنوات الكلاب أو من يوميات حلزونة، لأَبَدْتُها.

الصحفية: كيف تميّز نصوصك في الأدب الواقعي من نصوصك في الأدب القصصي؟

غونتر غراس: إنّ مسألة “الأدب الواقعي في مقابل الأدب القصصي” سخيفة. قد يكون تصنيف الكتب حسب النوع مفيداً لبائعي الكتب، ولكنني لا أحب أن تُصنَّف كُتُبي بتلك الطريقة. لطالما تخيلتُ لجنة مكوَّنة من بائعي الكتب تُقيم اجتماعاتٍ لتقرر أي الكتب ينبغي أن تُدعى أدباً قَصصياً وأيّها أدباً واقعياً. قُلت: ما يفعله بائعوا الكتب لَهُو أدبٌ قَصَصِيّ.

الصحفية: حسناً، هل يختلف النسق، الأسلوب، المستخدم عند كتابتك مقالاتٍ أو خُطَباً، عن إخبارك القصص أو اختلاقِكَ الأشياء؟

غونتر غراس: نعم، يختلف لأنني أواجه حقائقَ لا أستطيعُ تغييرها. لا أكتب يومياتي في الغالب، ولكنني فعلتُ ذلك استعداداً لِـمن يوميات حلزونة. كان لدي حدسٌ بأن ١٩٦٩ سيكون عاماً مهما، أنه سيُحدِثُ تغييراً سياسياً حقيقياً أبعد من الإعلان عن حكومة جديدة. بالتالي، ريثما كنتُ في الطريق أشارك في الحملة الانتخابية من مارس إلى سبتمبر ١٩٦٩ – فترة طويلة – كتبتُ يومياتي. حدث لي الشيء نفسه في كلكتا. تطورت اليوميات التي كتبتُها حينها إلى مُدّ لسانَك.

الصحفية: كيف توفّق بين نشاطك السياسي وإنتاجك في مجالي الفنون البصرية والكتابة؟

غونتر غراس: لا يُعنى الكُتاب بحيواتهم الداخلية الفكرية فقط، بل بعملية الحياة اليومية أيضاً. الكتابة والرسم والنشاط السياسي ثلاثةُ مَسَاعٍ مستقلة بالنسبة لي؛ كلٌّ له كثافته الخاصة. تجدينني منسجماً مع ومنهمكاً في المجتمع الذي أعيش فيه بالذات. كتاباتي ورسمي على السواء كُلُّها مخلوطةٌ بالسياسة، سواء أردتُ لها أن تكون كذلك أم لا. لا أنطلقُ ومعي خُطة لإدخال السياسة فيما أكتب. بالأحرى، عندما أكشِطُ موضوعاً ما للمرة الثالثة أو الرابعة، أجدُ أموراً قد أَهملها التاريخ. وإذ كان أمراً غير واردٍ أن أكتب قصة تُعنى ببساطة وخصوصية بواقع سياسي ما، فإنني لا أجد سبباً لإغفال السياسة ولها على حياتنا سلطة هائلة حاسمة. إنها تتسرب إلى جميع جوانب الحياة بشكل أو بآخر.

الصحفية: إنك تدمج من الأنواع في عملك الشيء الكثير―تاريخٌ، وصْفاتٌ، شعرٌ غنائيٌ..

غونتر غراس: .. ورسوماتٌ وأشعارٌ وتحاورٌ واقتباساتٌ وخُطَبٌ ورسائل! في حال تناولي مفاهيم ملحمية أجد أنه من الضروري استخدام كل جوانب اللغة المتاحة، وأكثر أنواع التواصل اللغوي تعدداً. ولكن تَذَكَّري أنّ بعض كتبي ذا أسلوبٍ جْزل جداً – الأقصوصة القِط والفأر واللقاء في تيلكتي.

عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

عندما أعمل على كتاب ذي طول ملحمي، تستمر عملية الكتابة طويلاً. إنجازُ المسوداتِ جميعاً يستغرق من أربع إلى خمس سنوات. ينتهي الكتابُ عندما أكون مُستَنزَفاً.

الصحفية: تعشيقُك الكلماتِ والأرسمِ بديع.

غونتر غراس: الرسمُ والكتابةُ المحتوياتُ الأوليةُ لأعمالي، لكنها ليس الوحيدة؛ إنني أنحتُ أيضاً عندما يكون لدي وقتٌ. أرى أن هناك علاقةُ أخذٍ وعطاءٍ بيّنةٍ بين الفن والكتابة. هذه العلاقة أقوى حيناً، وأضعف حيناً. غَدَت قوية جداً في بضع الأعوام الماضية. مُدّ لسانَك، التي تجري في كلكتا، مثالٌ على ذلك. ما كان لي أن أُوجِد ذلك الكتاب لوْمَا رسمتُ. الفقرُ العصيُّ على الاستيعاب في كلكتا يجرّ الزائر على الدوام إلى مواقف حيث اللغة مخنوقة― لا تَجِدين كلاماً. ساعدني الرسمُ لأجد مجدداً الكلام عندما كنت هناك.

الصحفية: نَصُّ القصائد في ذلك الكتاب لا يظهر في الطباعةِ فقط، بل في الخطِّ مُرَكَّباً على الأرسُمِ. هل المرادُ أن تُعَدّ الكلمات عناصرَ تصويريةٍ وجُزءاً من الأرسُم؟

غونتر غراس: بعضُ عناصرِ القصائد قد صيغت أو أُوحِيَت بواسطة الأرسُم. عند قدوم الكلماتِ أخيراً، رُحتُ أكتب على ما قد رسمتُ – النص والكتابة رُكِّب أحدهما على الآخر. إن تمكَّنتِ من قراءة الكلماتِ التي على الأرسُم، فذلك جيّد؛ هي هناك لتُقرأ. لكن الأرسم عموماً تحوي المسودات الأولى؛ ما كتبتُ باليد أولاً قبل أن أُجلِس نفسي أمام الآلة الكاتبة. كان إنتاجُ الكتاب هذا أمراً عسيراً، ولست متأكداً لماذا. قد يكون السبب الموضوع، كلكتا. رُحتُ إليها مرتين. المرة الأولى كانت قبل أن أبدأ مُدّ لسانَك بإحدى عشرة سنة. كانت أول مرة أتواجد فيها في الهند. قضيت بضعة أيامٍ فقط في كلكتا. كنتُ مذهولاً. كانت هناك، منذ البدء، الرغبة في العودة إليها، في المكوث لمدة أطول، في مشاهدة أشياء أكثر، في كتابة أشياء. خرجت في رحلات أخرى―إلى آسيا وأفريقيا―إلا أنني كلما رأيتُ أحياء الفقراء في هونج كونج أو مانيلا أو جاكرتا، تذكرتُ الوضع في كلكتا. ما من مكان آخر أعرفه تختلط فيه مشاكل العالم الأول بشكل صريح جداً بمشاكل العالم الثالث، في وضح النهار.

ثُمّ إذاً ذهبت إلى كلكتا ثانية، وفقدتُ قدرتي على استخدام اللغة. لم أستطع كتابةَ كلمةٍ واحدة. في هذا الطَّوْر صار الرسم مهمّاً. كان طريقة أخرى لالتقاط حقيقة كلكتا. بمساعدة الأرسُم كنت قادراً أخيراً على كتابة النثر من جديد―وذلك الجزء الأول من الكتاب، نوعٌ من المقال. بعد ذلك شرعتُ في العمل على الجزء الثالث، قصيدة طويلة من اثني عشر مقطع. إنها قصيدةُ مَدينة، عن كلكتا. إذا نظرتِ إلى النثر، والأرسُم، والقصيدة معا، سترين أنها تتناول كلكتا بطرق مرتبطة ولكن مستقلة. بينها تحاورٌ، وإن كانت بنية ثلاثتها مختلفةً جداً.

الصحفية: هل إحدى هذه البنى أهم من الآخرَين؟

غونتر غراس: يمكنني أن أجيب، عن نفسي فقط، بأن الشعر أهمّ شيء. ولادة رواية تكون بقصيدة. لن أقول إنه في النهاية أهمّ، لكنني لا أستغني عنه. أحتاجه كنقطة انطلاق.

الصحفية: نوعٌ فنّيٌّ أكثر فخامة من الأنواع الأخرى، ربما؟

غونتر غراس: لا، لا، لا! يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

الصحفية: هل ثمّة ما هو جَسَدِيٌّ، حِسِّيٌّ، في فعل الرسم غائبٌ عن عملية الكتابة؟

غونتر غراس: نعم. الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الصحفية: لهذه الدرجةِ الكتابةُ كريهةٌ مؤلِمة؟

غونتر غراس: إنها كالنحتِ تقريباً. في النحت، عليكِ أن تعملي من كل الجهات. إن غيّرتِ شيئاً هنا، عليكِ أن تغيّري شيئاً آخر هناك. تغيّرين سطحاً واحداً.. فإذا التمثالُ شيءٌ! ثمّةُ موسيقى في ذلك. يمكن للشيء نفسه أن يحدث مع قطعةِ نصٍّ. قد أعمل لأيامٍ على المسودة الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو على جملة طويلة، أو على نقطةٍ واحدة فقط. أُحبُّ النُقَّطَ، كما تعلمين. أعمل وأعمل والأمرُ على ما يرام. كلُّ شيء موجود، ولكن ثمّة ما هو ثقيل. ثُم أجري قليلاً من التغييرات، التي لا أظن أنها مهمة جداً، فأجدها مُجدِية! هذا ما أفقه عن السعادة كيف تكون، شيء شبيه بالسعادة. تدوم لثانيتين أو ثلاثة. ثم أتطلّعُ إلى النقطة الأخرى، فإذا بها مَضَت.

الصحفية: إذا عُدنا إلى الشعر قليلاً، هل تختلف القصائد التي تكتبها كأجزاء من رواياتٍ بشكلٍ ما عن الأخرى المستقلة؟

غونتر غراس: لفترةٍ ما، كنتُ تقليدياً جداً بشأن كتابة الشعر. كنتُ أعتقد أنه عندما يكون بحوزتكِ عددٌ كافٍ من قصائدَ جيّدةٍ، عليكِ أن تخرجي للبحث عن ناشر، تُنتجي بعض الرَسْم، وتطبعي كتاباً. مِن ثمّ كان سيكون لديكِ ذلك الديوانُ الباهرُ، معزولاً إلى حد كبير، لمحبي الشعر فقط. ثم بدءاً من من يوميات حلزونة، بدأتُ أضمّ الشعر والنثر معاً في صفحات كتبي. هذا الشعر ذو جَرْسٍ مختلف. لا أجد أي سبب لفصل الشعر عن النثر، لا سيما ولدينا في العُرفِ الأدبي الألماني ذاك المزجُ البديع بين النوعين الأدبيين. صرتُ أَعنى أكثر فأكثر بوضع الشعر بين الفصول واستخدامه لتحديد بنية النثر. إلى جانب ذلك، هناك فرصة لمن يشعرون بأن “الشعر ثقيلٌ جداً عليّ” لأن يروا كيف أن للشعر أحياناً أن يكون أبسط بكثيرٍ وأسهل من النثر.

يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

يقف النثرُ والشعرُ والرسمُ جنباً إلى جنب بشكل ديموقراطي جداً في عملي.

الصحفية: ما درجة خسارة القراء المتحدثين بالانجليزية عند قراءة كتبك باللغة الانجليزية؟

غونتر غراس: يصعب عليّ أن أجيب على ذلك – لستُ قارئاً يتحدث الانجليزية. لكنني أحاول أن أقدّم المساعدة بخصوص التراجم. عندما قمت بمراجعة مخطوطة السَّمَك المفلطح مع ناشري الألماني، طلبتُ عَقداً جديداً. إنه يشترط أنه حال انتهائي من نصٍ ما وقيام مُترجميَّ بدراسته، أنْ يقوم ناشري بتنسيق اجتماعٍ لنا جميعاً يدفع ثمنه. فعلنا ذلك أولاً مع السَّمَك المفلطح، ثم مع اللقاء في تيلكتي، ومع الفأرة أيضاً. أعتقد أنه مُجْدٍ جداً. يعرف المترجمون كل شيء عن كتبي ويطرحون أسئلة رائعة. يعرفون الكتب أكثر مما أعرفها. من شأن ذلك أن يكون غيرَ مستطابٍ بالنسبة لي، لأنهم يجدون عيوب الكتب أيضاً ويخبرونني عنها. يتبادل المترجمون الفرنسيون، الإيطاليون والأسبانيون الملاحظات في هذه الاجتماعات، وقد وجدوا أن تضافرهم يساعدهم جميعاً على إخراج الكتب بلغاتهم. إنني أفضِّلُ بالتأكيد الترجمات التي أقرؤها دون أن أعي أنني أقرأُ ترجمةً. في اللغة الألمانية نحن محظوظون بأن لدينا تراجم رائعة من الأدب الروسي. ترجمات تولستوي ودوستويفسكي مُحكمة―إنها حقاً جزء من الأدب الألماني. ترجماتُ شكسبير وتلك الخاصة بالكُتاب الرومانسيين مليئةٌ بالأخطاء، ولكنها أيضاً رائعة. الترجمات الأكثر جِدّة بها أخطاءٌ أقل، وقد لا تكون ذات خطأ، لكنها لا تُقارَن بتراجم فريدريش فون شليجل-لودفيغ تيك. الكتاب الأدبي، سواء كان شعراً أم نثراً، يحتاج إلى مترجم يستطيع أن يعيد خلق الكتاب في لغته. أحاول أن أشجع مترجميّ لفعل ذلك.

الصحفية: برأيك هل عانت روايتك Die Rättin بطريقةٍ ما في اللغة الانجليزية لأنه كان على العنوان أن يكون The Rat وبالتالي لم يبلّغ أنها أُنثى الفأر؟ لم يكن “The She-Rat” ليكون ذا تردد سليم في الآذان الأمريكية، و “Rattessa” مستحيل. الإشارة إلى أنوثة الفأرة تبدو مشوّقة، فيما أن كلمة rat الانجليزيةِ غيرَ المُحَدَّدَةِ الجنسية تستحضر الصور المبتَذَلة لتلك الوحوش القبيحة التي تجتاح قطاراتِ الأنفاق.

غونتر غراس: لم تكن لدينا هذه الكلمة في اللغة الألمانية أيضاً. أنا اخترعتُها. أُشجّع مترجميّ دوماً على الابتكار. أقول لهم، إن لم تكن هذه الكلمة موجودة في لغتكم، اخلقوها. في الحقيقة، هي بالنسبة لي ذات تردّدٍ حَسَنٍ؛ she-rat.

الصحفية: لِمَ الفُأر في الكتاب مؤنث؟ أذلك لأسباب شَبَقِيّةٍ أو نِسَويّةٍ أو سياسية؟

غونتر غراس: هو في السَّمَك المفلطح مذكّرٌ. لكنني، إذ أتقدم في السن، أجد أنني قد وهبتُ نفسي للنساءِ حقاً. لن أغيّر ذلك. لا يُحدِثُ فرقاً كونُها أنثى آدمية أو فأرة―she-rat. أتعلمين، تجيئني الأفكار. تجعلني أقفز وأرقص، ومن ثمّ أجد كلماتٍ وقَصَصاً، وأبدأُ بالكذب. مهمٌّ جداً أن تكذبي. لا معنى بالنسبة لي للكذب على رجلٍ―مجالسة رجل، والمشاركة في قول الأكاذيب―إلا بامرأة!

الصحفية: كثيرٌ من كتبك، مثل الفأرة، السَّمَك المفلطح، من يوميات حلزونة، أو سنوات الكلاب، يدور حول أحد الحيوانات. هل من سببٍ خاصٍّ لذلك؟

غونتر غراس: ربما. شعرتُ دوماً أننا نتكلم كثيراً عن البَشَر. إنّ هذا العالَم مزدحمٌ بالبَشَر، ولكن بالحيوانات، والطيور، والسمك، والحشرات أيضاً. إنها كانت هنا قبل أن كُنّا وسَتَظلُّ هنا إن أقبل اليومُ الذي لن يعود للبَشَرِ فيه وجودٌ. هناك فرقٌ واحدٌ بيننا: لدينا عِظامُ الديناصورات في متاحفنا، حيواناتٌ ضخامٌ قد عاشت ملايين السنين. وعندما ماتت، ماتت بشكلٍ نظيفٍ جداً. لا سُمَّ إطلاقاً. عظامُها نظيفةٌ جداً. يمكننا أن نراها. لن يحدث هذا مع البَشَر. عندما نموت ستكون هنالك نَفخةٌ مُخيفةٌ من سُّمٍ. يجب أن نتعلم أننا لسنا وَحْدنا على الأرض. تُلَقِّنُ التوراةُ درساً سيئاً عندما تقول أن للإنسانِ سُلطانٌ على السَّمَكِ، والماشيةِ، وكُلِّ ما يزحف. حاوَلْنا أن نسيطر على الأرض، بنتائج هزيلة.

الصحفية: هل تَعَلَّمتَ من النقدِ مَرَّةً؟

غونتر غراس: بالرغم من أنّني أميل إلى الاعتقادِ أنّي تلميذٌ جيّدٌ، إلا أنَّ النُّقَّاد غالباً ليسوا مُعَلِّمين أكفاء. مع ذلك كانت ثمّة فترةٍ، وأنا أشتاقُ إليها أحياناً، فيها تَعَلَّمتُ من النُّقاد. كانت فترةُ مجموعة رقم ٤٧. كنا نقرأُ جَهْراً المخطوطاتِ ونُناقشُها. هنالك تعلّمتُ أن أناقشَ نَصَّاً وآتي بأسبابٍ لآرائي، وليس فقط أن أقول، “أعجبني ذلك.” كان النقدُ يجيءُ عَفْويّاً. كان الكُتَّابُ يناقشون الصَّنعةَ، وكيف يُكتَبُ كِتابٌ، وأشياءَ من هذا القبيل. أمّا النُّقادُ، فكانت لهم توقعّاتهم الخاصة بالنسبة للكيفية التي كان على الكاتب أن يكتب بها. هذا المزيجُ من النُقّاد والكُتّاب كان بجُملته تجربةً جيّدةً لي، ودرساً. بل كانت الفترةُ تلك مُهِمّةً للأدب الألماني ما بعد الحرب عموماً. كان هناك تشوّشٌ كثيرٌ بعد الحرب، في الأوساط الأدبية خصوصاً، لأن الجيل الذي نشأ خلال الحرب – جيلي – كان إما غيرَ مُتعلّمٍ وإمّا قد عُلِّمَ بشكلٍ خاطئ. كانت اللغة ملوَّثة. الكُتّابُ المرموقون كانوا قد هاجروا. لا أحد كان يتوقع من الأدب الألماني شيئاً. منحَت اجتماعات مجموعة رقم ٤٧ السنوية لنا سياقاً استطاع الأدبُ الألماني أن يَطْلَعَ منه مُجَدَّداً. كثيرٌ من الكُتّابِ الألمانيين من جيلي كانوا موسومين بالمجموعة رقم ٤٧، وإن كان البعضُ لا يعتَرفُ به.

الصحفية: ماذا عن النقد المنشور في، لنَقُل، المجلات أو الجرائد أو الكُتُب؟ هل أثَّرَت فيك؟

غونتر غراس: لا. لكنني تعلمتُ من كُتّاب آخرين. كان لألفريد دبلن من التأثير عليَّ ما جَعَلَني أكتب مقالاً عنه معنوناً “عن أستاذي دبلن.” بإمكانكِ أن تتعلمي من دبلن من دون الوقوع في تقليده. كان، بالنسبة لي، أكثر أهمية من توماس مان. ليس لروايات دبلن التناسق، ليس لها النمط الكلاسيكي الخاص بروايات مان، والمجازفات التي قام بها كانت أكبر. كُتُبُه غنيّةٌ، طَلْقةٌ، مليئةٌ بالأفكار. يؤسفني أنه يُعرَفُ في أمريكا وألمانيا على السواء وقد حُصِرَ بـبرلين – الكسندر بلاتز. لكنني ما زلت أتعلم، وهناك الكثيرون الذين قد علّموني.

الصحفية: ماذا عن الكُتّاب الأمريكيين؟

غونتر غراس: ظَلّ مالفيلُ المفضّلَ لديّ. وقد استمتعتُ كثيراً بقراءة ويليام فوكنر، توماس وولف، وجون دوس باسوس. ما من أحد يكتب اليوم مثل دوس باسوس – في تصويره الملحميّ للجماهير. أشتاقُ للبُعد المَلحَميّ الذي كان موجوداً يوماً في الأدب الأمريكي؛ لقد غَدَا مُعَقْلَناً بزيادة.

الصحفية: ما رأيك في الإصدار السينمائي لِـطبل الصفيح؟

غونتر غراس: عمل شلوندورف فيلماً جيّداً، وإن لم يتّبع النمط الأدبي للكتاب. ربما كان ذلك ضرورياً، لأن منظور أوسكار – الذي يحكي عن قصته بالقفزِ مِراراً من فترة زمنية لأخرى – كان من شأنه أن يُنتِج فيلماً ذا تعقيدٍ شديد. قام شلوندورف بعملِ شيءٍ بسيطٍ للغاية. إنه يحكي القصةَ على خطٍّ واحد. هناك، حتماً، أجزاء كاملة قد حذفها شلوندورف من الإصدار السينمائي. إنني أفتقدُ بعضاً منها. وهناك جوانب للفيلم لا تعجبني كثيراً البتّة. إنّ المَشَاهد القصيرة في الكنيسة الكاثدرائية لا تعمل بشكل جيّد لأن شلوندورف لا يفهم عن الكاثوليكيةِ شيئاً. إنه بروتِستانْت ألماني حقاً، والكنسية الكاثدرائية في الفيلم تبدو ككنيسة بروتستانيّة حَدَثَ أن كان بها كرسي اعتراف. لكن هذه ليست سوى تفصيلٌ دقيقٌ. عموماً، وبمساعدة الصبي الصغير الذي مثّل أوسكار، أعتقد أنه فيلمٌ جيد.

الصحفية: لديك اهتمام خاص بما هو شنيع – يخطر في بالي بالأخص المشهد المشهور حيث تخرج ثعابين البحر مُلتفّةً من رأس الخيل في طبل الصفيح. أنّى يجيء ذلك؟

غونتر غراس: يجيء ذلك مني. لم أفهم أبداً لِمَ هذا المقطع، بطول ست صفحات، مُزعِجٌ لهذا الحد. إنه شيءٌ من واقعيةٍ خياليةٍ، كتبتُها كما أفعلُ عند كتابة أي تفصيل آخر. لكن الموت والجنسانية اللذين تثيرهما تلك الصورة قد وَلَّدَت اشمئزازاً هائلاً لدى الناس.

الصحفية: ماذا كان وقْعُ إعادةِ توحيدِ ألمانيا على الحياة الثقافية الألمانية؟

غونتر غراس: لم يستمع أحدٌ إلى الفنانين والكُتّاب الألمانيين الذين جَهَروا بالكلام ضدّها. أكثريّةُ المثقّفين لم يشاركوا في النقاش للأسف، لا أعلم ألِأسبابِ الكسل أم اللامبالاة. أعلن المستشار السابق، ويلي براندت، في مرحلة مبكرة، أن القطار الذاهب إلى الاتحاد الألماني قد غادر المحطة وليس باستطاعة أحد أن يوقفها. تولى الأمرَ حماسٌ جماهيريٌ غيرُ صادرٍ عن فكرٍ سليم. قد قُبِلَت تلك الاستعارةُ البلهاءُ على أنها الحقيقة؛ لقد ضَمِنَت ألّا يفكِّر أحدٌ كم سيضر ذلك الثقافةَ الألمانيةَ الشرقيةَ بشكل سيّء، بصرف النظر عن نظامهم الاقتصادي. لا، لا أرغب في ركوب قطارٍ غير ممكن التوجيه ولا يستجيب لإشارات الإنذار. لقد ظللتُ واقفاً على الرصيف.

الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الكتابة عملية مُجهِدةٌ مُجَرَّدةٌ بحق. وإذ تكونُ ممتعة، فإن اللذة مختلفةٌ تماماً عن لذة الرسم. في حالة الرسم أكون واعياً بِشِدَّةٍ بخلقِ شيء ما على ورقة. إنه فعلٌ حِسّيٌّ، وهو ما لا يمكنكِ أن تقوليه عن فعل الكتابة. في الحقيقة، كثيراً ما ألجأُ إلى الرسم لأُشفى من الكتابة.

الصحفية: ما ردُّ فعلك للنقد اللاذع الذي لاقَيتَهُ من قِبَل الصحافة الألمانية عن آرائك في إعادة التوحيد؟

غونتر غراس: أوه، لقد اعتدتُ ذلك! إنه لا يؤثر في موقفي. لقد نُفِّذَت إعادة التوحيد بأسلوبٍ مخالف لقانوننا الأساسي. كان من المفترض أن يُعَدَّ دستورٌ جديدٌ عندما تضافرت الولايات الألمانية المُقَسَّمة من جديد – دستورٌ ملائمٌ لمشاكل ألمانيا متّحدةٍ. ما حدث بدلا من ذلك أن كل ولايات ألمانيا الشرقية أُلحِقَت بألمانيا الغربية. فُعِل ذلك باستخدام ثغرةٍ نوعاً ما، بندٌ في الدستور كان يُقصَد به تمكين الولايات الألمانية المنفردة من أن تصبح جزءاً من ألمانيا الغربية. إنه أيضاً يمنح حق الجنسية الألمانية الغربية للألمان الأصليين، مثل المارِقِين من الشرق. إنها مشكلة حقيقة لأنه ليس كلُّ ما يتعلق بألمانيا الشرقية كان فاسداً، فقط الحكومة. والآن كلُّ ما هو شرق- ألماني – بما في ذلك مدارسهم، فنّهم، ثقافتهم – سيُرمى أو يُقمَع. لقد أصبح موصوماً؛ ذاك الجزء من الثقافة الألمانية بأكمله سيتلاشى.

الصحفية: توحيد ألمانيا هو ذاك النوع من الحدث التاريخي الذي تتناوله في كُتُبك مراراً. هل تسعى لتقديم سرد تاريخي “حقيقي” عندما تكتب عن مثل هذه الأوضاع؟ كيف تعمل التأريخات القصصية كأمثالِ ما تكتُب مُتَمِّمَاتٍ للتاريخ الذي نقرؤه في الكتب المدرسية والصُّحُف؟

غونتر غراس: التاريخ أكثر من الأخبار الإعلامية. عنيت خصوصاً بسَيْر الأحداث التاريخية في كتابين، اللقاء في تيلكتي، والسَّمَك المفلطح. تجِدين السَّمَك المفلطح قصةَ التطور التاريخي للتغذية البشرية. لا توجدُ بكثرةٍ موادٌ عن هذا الموضوع—إننا في الغالب نسمي تاريخاً فقط ما له شأنٌ بالحرب، السلام، الاضطهاد السياسي، أو سياسة الأحزاب. إنَّ عملية التغذية والتغذية البشرية مسألة محورية، مهمة بالأخص الآن، إذْ تمضي المجاعة والانفجار السكاني يداً بِيَد في العالم الثالث. عموماً، كان عليّ أن اخترع توثيق هذا التاريخ، فقررتُ أن أستخدم قصة على نمط قصص الحوريات على أنها الاستعارة التوجيهية. قصص الحوريات عموماً تقول الحقيقة، مُغَلِّفةً جوهرَ تجاربنا، وأحلامنا، وأمانينا، وشعورنا بالضياع في العالم. هي بهذا الشكل أكثر صحة من العديد من الحقائق.

الصحفية: ماذا عن شخصياتك؟

غونتر غراس: إن الشخصيات الأدبية، وخصوصاً البطل الذي عليه أن يُقِّلَّ كِتاباً، هي تركيباتٌ من عدة أشخاص مختلفين وأفكار وتجارب، جميعُها حُزِمَت سوّياً. كاتبةُ نثرٍ، عليكِ أن تخلقي، تخترعي شخصيات – بعضُها تحبينها وبعضها لا. بإمكانكِ أن تنجزي ذلك بنجاح فقط إن استطعتِ النفاذ في هؤلاء الأشخاص. إن لم أفهم مخلوقاتي من دواخلها، ستظل أشكالاً من ورق، لاأكثر.

الصحفية: إنها تعاود الظهور مراراً في كتب مختلفة؛ في بالي مجدداً تولا، السابيل، أوسكار، وجدته آنا، على سبيل المثال. لديّ انطباعٌ بأن هذه الشخصيات كلها أعضاء عالم خيالي أوسع قَد بدأتَ للتو توثّقه في رواياتك. هل تعتبرها ذات وجود مستقل؟

غونتر غراس: عندما أشرع في الكتابة أطوّر رسوماتٍ أوّلية لعدد من شخصيات مختلفة. كثيراً ما تبدأ تعيش هذه الشخصيات الخيالية حيواتها الخاصة إذْ أواصل عملي على الكتاب. على سبيل المثال، لم أخطط إطلاقاً لأنْ أعيد تقديم مستر ماتسرات في الفأرة كرَجُلٍ في الستين من عمره. لكنه عرَض نفسَه عليّ، ظَلَّ يسألني أن يُحتوى، قائلاً، ما زلتُ هنا؛ هذه قصتي أيضاً. أراد أن يَدخُل الكتاب. كثيراً ما وجدتُ أنّه على مدى السنين، يطالبني هؤلاء الأشخاص المُختَرَعين بأمور، ويناقضونني، وحتى يرفضون السماح باستخدامهم. على المرء أن ينتبه لهؤلاء الأشخاص بين حين وآخر. بالطبع، على المرء أيضاً أن يستمع إلى نفسه. إنه يتحول إلى مناقشة، مناقشة حميمة أحياناً. إنه تآزُرٌ.

الصحفية: لِمَ توجد تولا بوكريفكه في محور الكثير من كُتُبك؟

غونتر غراس: شخصيتها صعبة جداً ومليئة يالتناقضات. كنتُ متأثراً جداً عندما كتبتُ تلك الكُتب. لا أستطيع أن أشرحها. لو فعلتُ، لغَدَا هنالك شرحاً. أكره الشروح! أدعوكِ لتكوين صورتكِ الخاصة. يأتي الأطفال إلى المدرسة في ألمانيا وما يريدونه هو قراءة قصة جيدة أو كتابٍ فيه بَطَّةٌ ذات رأسٍ أحمر! ولكن ذلك غير مسموحٍ به. إنهم يُكَلَّفون بدلاً من ذلك بتفسير كل قصيدة، كل صفحة، باستكشاف ما يقول الشاعر. لا شأن لهذا بالفن. بإمكانكِ أن تشرحي شيئاً تِقْنِيّاً ووظيفتَه، ولكنّ احتمالاتِ صورةٍ أو قصيدةٍ أو روايةٍ كثيرةٌ جداً. كلُّ قارئ يخلُقُ قصيدةً ما مِن جديد. لهذا السبب أكره التفاسير والشروح. مع ذلك، أنا مسرورٌ جداً لأنكِ ما زلتِ على اتصالٍ بتولا بوكريفكه.

الصحفية: كثيراً ما تُحكَى كُتُبَكَ من منظورات متعددة. يتكلم أوسكار في طبل الصفيح من منظور الشخص الأول والشخص الثالث. في سنوات الكلاب، يتحول السرد من الشخص الثاني إلى الشخص الثالث، وهكذا. كيف يساعدك هذا الأسلوب في تقديم رؤيتك عن العالَم؟

غونتر غراس: على المرء أن يبحث دوماً عن زوايا جديدة. أوسكار ماتسرات، على سبيل المثال. قَزَمٌ – طفلٌ حتى في الرُشد – يجعله حجمُه وسلبيتُه أداةً مثاليةً لزوايا متعددة جداً. إنه يتوهّم الأُبّهة، وهذا ما يجعله يتحدث عن نفسه من منظور الشخص الثالث، تماماً كما يفعل الصِّبْيَةُ الصغار أحياناً. إنه جزء من تمجيده لذاته. إنه مثل ضمير نَحْنُ المَلَكي، وأن يُقال على طريقة ديغول، “أنا، ديغول..” هذه كلها وضعيَّاتٌ سَرديّةٌ تمنحُ مسافةً. هناك ثلاثُ زوايا في سنوات الكلاب، مع اختلاف دَور الكلب في كلّ منها. الكلبُ نُقطةُ انكسارٍ.

الصحفية: كيف تغيَّرَت اهتماماتُك وتطوَّرَ أسلوبُك على مدى امتهانِك الكتابة؟

غونتر غراس: أول ثلاثة كُتُب أساسية لي، طبل الصفيح، وسنوات الكلاب، والأقصوصة القِط والفأر، تمثِّل فترة زمنية واحدة – الستينات. إن التجربة الألمانية للحرب العالمية الثانية محورية لثَلاثةِ الكُتُب كُلّها، التي، مجموعةً، تكوِّن ثُلاثيّة داينتسينغ. شعرتُ بأنني مدفوعٌ إلى معالجة العهد النازي في كتاباتي في ذلك الوقت، إلى النظر إلى أسبابه وعواقبه. بعد بضع سنين، قمتُ بكتابة من يوميات حلزونة، وهي أيضاً تعالج الحرب، ولكنها كانت انصرافاً حقيقياً فيما يتعلق بأسلوبِ نثري وصيغته. تسير الأحداث في ثلاثة عهود مختلفة: الماضي (الحرب العالمية الثانية)، الحاضر (١٩٦٩ في ألمانيا، عندما شرعتُ في العمل على الكتاب)، والمستقبل (مُمَثَّلاً من قِبَل أولادي). كل هذه الفترات الزمنية مُبَلبَلٌ في رأسي وفي الكتاب. اكتشفتُ أن صِيَغ الأفعال التي تُدَرَّس في المرحلة الاعدادية—ماضي ومضارع ومستقبل—ليست سهلةً في الحياة الفعلية. كُلمَّا فكرتُ في المستقبل، وجدتُ معرفتي بالماضي والحاضرِ حاضرةً، تؤثِّرُ على ما أسميه المستقبل. والجُمَلُ التي قيلَت أمْس قد لا تكون بالفعل قد مَضَت وانتهى أمرُها—ربما هي سيكون لها مستقبلٌ. لسنا مقيَّدين بالتسلسل الزمني ذهنيَّاً—نَعي بالعديد من الأزمنة المختلفة معاً، كأنها واحدة. كاتبٌ، عليَّ أن أدرك تراكُبَ الأزمنةِ هذا وأن أكون قادراً على عرضِه. هذه المباحث الزمنيَّة قد غَدَت مهمة أكثر فأكثر في أعمالي.Kopfgeburten oder Die Deutschen sterben aus تُسرد بالفعل من داخل زمن جديدٍ، مُختَرَعٍ، أسمِّيه Vergegenkunft. إنها توليفةٌ من مفردات الماضي، المضارع، والأمر. في اللغة الألمانية، بإمكانكِ أن تربطي كلماتٍ معاً لتُشَكِّلي مُرَكَّباتٍ. تأتي Ver- من Vergangenheit،التي تعني “ماضي”؛ -gegen- من Gegenwart، التي تعني “حاضر”؛ و -kunft من Zukunft، الكلمة المستخدَمَة لِـ “المستقبل.” هذا الزمن الجديد، المختلط محوريٌّ أيضاً في السَّمَك المفلطح. إنَّ السارد في ذلك الكتاب قد تَجَسَّد مرة بعد مرة على مرّ الزمن، وتمنحُ سِيَرُهُ المختلفة المتعددة زوايا جديدةً، كلٌّ منها في الزمن الحاضر الخاص به. قدَّرتُ أنني بحاجة لشكلٍ جديد من أجل كتابة كتابٍ من زوايا عهودٍ مختلفة متعددة جداً، تنظر من الحاضر ومُتصلة بأشياء قادمة. لكن الرواية صيغة كتابية من الانفتاح بمكان بحيثُ وجَدتُ أنه يمكنني أن أبدّل الصيغ، من الشعر إلى النثر، بداخلها.

الصحفية: إنك تجمع السياسةَ المعاصرةَ وروايةً خياليةً عما حَلَّ بجماعة دانزيغ اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية في من يوميات حلزونة. هل كنت تعلم أن ما أنجزتَهُ من كتابة الخطب ومساندة المرشح الذي نفَّذتَه من أجل ويلي براندت في عام ١٩٦٩ سيصبح مادة لكتاب؟

غونتر غراس: ما كان لي من خيارٍ سوى الخروج إلى الحملة الانتخابية تلك، كتابٌ أو لا كتاب. مولودٌ في ١٩٢٧، في ألمانيا، كنت في الثانية عشر عندما بدأ الحربُ وفي السابعة عشر حين انتهى. إنني مُثْقَلٌ بالماضي الألماني هذا. لستُ في ذلك وحيداً؛ هناك كُتَّابٌ آخرون يشعرون بذلك. لو كنتُ كاتباً سُوَيْدِيَّاً أو سُوَيْسرِيَّاً لربما عَبَثْتُ أكثر، وأخبرتُ بعض النُكَتِ وما إلى ذلك. لم يكن ذلك ممكناً؛ بالنظر إلى خَلفيَّتي، لم أكن أملك أيَّ خيارٍ آخر. في الخمسينات والستينات، عهدُ أديناور، لم يستَطِب السياسيون الحديثَ عن الماضي، أو إن تحدثوا عنه، أظهروه كعهدٍ شيطانيٍّ في تاريخنا حيث غدرت الأباليسُ بالألمانيين التعساء العاجزين. أخبروا أكاذيباً دامية. كان مهماً جداً إخبارُ الجيل الذي يصغرهم كيف حدث ذلك في الحقيقة، أنَّهُ حدث في وضح النهار، وببطء شديد وبانتظامٍ. كان بإمكانِ أيِّ شخصٍ في ذلك الزمنِ أن ينظر ويرى ما كان يجري. من أفضل ما نحظى به بعد أربعين عاماً من الجمهورية الفيدرالية أننا نستطيع أن نتكلم عن العهد النازي. وأدبُ ما بعدَ الحربِ لعبَ دوراً هاماً في تمكين حدوث ذلك.

الصحفية: تبدأُ من يوميات حلزونة بِـ ، “أعزائي الأطفال.” هذه استمالةٌ للجيل الذي نشأ بعد الحربِ بأكمله، لكنك أيضاً تخاطب أولادك أنت.

غونتر غراس: أردتُ أن أشرح كيف حدثت خطيئةُ الإبادة الجماعية. أولادي، وقد وُلِدوا بعد الحرب، كان لهم أبٌ يخرجُ ليقوم بحملةٍ ويلقي خُطَباً في صباح الإثنين ولا يعود حتى السبت التالي. كانوا يسألون، “لِمَ تفعل ذلك، لِمَ أنت بعيدٌ عنا باستمرار؟” حاولتُ أن أجعل ذلك واضحاً بالنسبة لهم، ليس فقط شفهياً، بل فيما كتبتُ أيضاً. كان المُستشارُ الذي يشغل المنصب في ذلك الوقت، كورت جورج كيسنجر، نازيّاً خلال الحرب. بناء على ذلك لم أكن أقوم بحملة من أجل مستشارٍ ألمانيٍّ جديد فقط، بل ضد الماضي النازيِّ أيضاً. لم أَشَأْ أن أبقى فقط على أرقامٍ مجرَّدة—”كذا وكذا مِن اليهود كانوا قَد قُتِلوا.” سِتُّ ملايينَ رقمٌ لا يمكن فهمه. أردتُ أن يكون له وَقْعاً أكثرَ محسوسيةً. بالتالي، اخترتُ رابطاً لقصَّتي تاريخَ كنسيةِ دانزيغ، التي بقيَت في تلك المدينة لعصورٍ عديدةٍ حتى أُبيدَت خلالَ الحرب مِن قِبَل النازيِّين—الألمان. أردتُ أن أُوَثِّق حقيقةَ ما جرى هناك. أربُطُ هذا بالحاضر في المشهد الأخير من الكتاب؛ أكتبُ عن تحضيري لمحاضرةٍ على شرف عيد ميلاد ألبرخت دورر الثلاثمائة. هذا الفصل تأملٌّ كئيبٌ في نقش دورر، “السوداء” والتأثيرِ الذي قد أحدثه الاكتئابُ على تاريخ البشر. يُخَيَّلُ إليَّ أنَّ حالةً من الاكتئابِ على نطاق الثقافةِ ستكون السلوك الصحيح للألمانِ أن يتخذوه إزاء الهولوكوست. نادمةٌ أسوانةٌ، ستكون مُستنارةً بفعلِ تَبَصُّرٍ في أسباب الهولوكوست من شأنه أن يُنقلَ إلى أزمِنتنا دَرساً.

الصحفية: إنَّ التركيز على جانبٍ ما من البؤس في وضع العالَم الحالي والأهوال المُنتَظر وقوعها نمطيٌّ في الكثير جداً من كُتُبك. هل تعني أن تعطي درساً، أن تُحذِّر، أو أن تحثَّ قرائك على سلوكٍ ما؟

غونتر غراس: ببساطة، لا أريد أن أخدعهم. أريد أن أعرض الوضع الذي هم عليه، أو وضعاً قد يتطلعون إليه. الناسُ مُغِمُّون، ليس لأن كلَّ شيءٍ مهيبٍ ولكن لأننا البشر بمقدورنا أن نغيَّر الأشياء، ولكننا لا نفعل. مشاكلُنا مسببَّةٌ مِن قِبَلِنا، نحنُ نقررها، ويجدُرُ بنا أن نحلَّها.

الصحفية: فاعليتُك تمتدُّ إلى مسائل البيئة بالإضافة إلى المسائل السياسية، وقد أدرَجتَ ذلك في عملك.

غونتر غراس: لقد قمتُ بالكثير من الأسفار في البضعِ سنين الماضية، في ألمانيا وأماكن أخرى. لقد رأيتُ ورسمتُ عوالِمَ تموت، عوالِمَ مُسَمَّمة. نشرتُ كتابَ رسوماتٍ اسمه موت الغاب عن هكذا عالَمٍ، على الحدود بين جمهورية ألمانيا الفيدرالية وما كان آنذاك لا يزالُ يُعرَفُ بالجمهورية الديموقراطية الألمانية. هناك، متقدماً بكثير على التوحيد السياسي، ظهرَت إعادةُ توحيدٍ لألمانيا على شكل غاباتٍ تموت. هذا أيضاً صحيح بالنسبة للمنطقة الجبلية على حدود ألمانيا الغربية وتشيكوسلوفاكيا. إنه يبدو وكأنَّ مجزرةً قد حدثت. رسمتُ ما رأيتُ هناك. للأرسُمِ عناوينُ مختصَرَةٌ، حواملُ، معنيَّةٌ كتعليقٍ أكثر من أن تكون وصفاً، وهناك خاتمة. للرسم ثقلٌ موازٍ لِـ أو أعظم من ثقل الكتابة باحتوائه على هذا النوع من الموضوعات.

الصحفية: هل تؤمن أن للأدب قوة كافية لتسليط الضوء على الحقائق السياسية لعصرٍ ما؟ هل دخلت حيز التنفيذ السياسي لأنك، مواطناً، شعرتَ أنه بوسعك أن تفعل أكثر مما يمكنك فعله كاتباً؟

غونتر غراس: لا أعتقد أن السياسة ينبغي أن تُترك للأحزاب؛ ذاك سيكون خطِراً. هناك الكثيرُ جداً من الندوات والمؤتمرات فيما يتعلق بموضوع “هل يستطيع الأدب أن يغير العالَم!” أعتقدُ أن للأدب القوة الكافية لإحداث تغيير. كذا يفعلُ الفنُّ. نتيجةً للفن الحديث لقد غيرنا عاداتنا في النظر، بطُرُقٍ كُنا بالكادِ على وعيٍ بها. اختراعاتٌ من أمثالِ التعكيبية قد منحَتْنا قُوى إبصارٍ جديدةً. تقديمُ المونولوجِ الداخلي لجيمس جويس في عوليس قد أثَّر في صعوبة فهمنا للوجود. المسألةُ فقط أنّ التغييرات التي يمكن يحدثها الأدب ليست قابلة للقياس. إن التواصل بين كتابٍ وقارئه سِلمِيٌّ، غيرُ مُسَمَّى.

لأيِّ مدىً غيَّرت الكُتُبُ الناسَ؟ لا نَعلمُ الكثيرَ عن هذا. أستطيع فقط أن أجيب بأنَّ الكُتُب قد كانت مصيريَّةً لي. بعد الحرب، عندما كُنتُ شاباً، كان ذلك الكتاب الصغير لألبير كامو، أسطورة سيزيف، أحدَ العديدِ من الكُتُب ذات الأهمية بالنسبة لي. كان البطل الأسطوري المشهور الذي حُكِمَ عليه أن يُدحرِجَ حَجَراً لأعلى جَبَلٍ، حيث يعود يتدحرجُ للأسفلِ نحو القاع – شخصيةٌ على العادةِ مأساويَّةٌ – قد أُوِّل لي مُجَدَّداً سعيداً فيما قُسِمَ له. إنَّ فِعلَ تكرارِ دحرجةِ الحجرِ لأعلى الجبل،ِ المستمرَّ، البادي عقيماً، هو في الحقيقة فعلُ كينونتِه المَرْضِيُّ. كان سيحزن إنْ سَلَب أحدُهم الحَجَرَ منه. كان لذلك تأثيراً عظيماً عليَّ. لا أؤمن بهدفٍ نهائِيّ؛ لا أعتقد أن الحَجَرَ سيظل على قمة الجمل للأبد. يمكننا أن نرى هذه الأسطورةَ تصويراً إيجابيّاً للوضع البَشَرِيِّ، وإن كان مُعارِضاً لأيِّ شكلٍ للمثالية، بما فيها المثالية الألمانية، ولأي أيديولوجيا. كُلُّ أيديولوجيا غربية تَعِدُ هدفاً نهائياً—مجتمعاً سعيداً، عادلاً، أو سِلمِيّاً. لا أؤمن بذلك. نحنُ أشياء في تحوُّلٍ. قد يكون الواقعُ أنَّ الحَجَرَ يتدحرجُ مبتعداً عنَّا وينبغي أن يُدَحرَجَ للأعلى مُجَدَّداً، لكنَّ ذلك شيئاً علينا فعله؛ الحَجَرُ حَجَرُنا.

الصحفية: كيف تتصوَّرُ مستقبلَ البَشَرِ إذاً؟

غونتر غراس: سيكون هناك مُستقبَلاً طالما احْتِيجَ إلينا. ليس بوسعي أن أخبركِ الكثيرَ عن ذلك في كلمةٍ واحدة. لا أريد أن أقدِّم إجابة لهذا في كلمةٍ واحدة. كتبتُ كتاباً، الفأرة— “The She-Rat,” “Rattessa.” ماذا تريدين أكثرَ من ذلك؟ إنه إجابةٌ طويلةٌ لسؤالكِ.

28 أبريل,2014 - takween
كُتب في حياة الكاتب, عن الكتابة | التعليقات مغلقة

بالصور: “كيرت فونيغت” وأشكال الكتابة القصصية


 

كتابة – ماريا بابوفا*
ترجمة – موسى بهمن

  “الحقيقة هي أننا لا نعرف سوى القليل فقط عن الحياة. فنحن لا نعرف حقاً ما الأحداث السارة وما الأحداث السيئة.”

بدأ هذا الموسم بمجموعة إصدارات لـ “كيرت فونيغوت”، تضم معظم الرسائل التي كتبها، إضافة إلى أوّل وآخر أعماله التي أنجَزَت ابنته مقدمتها. لتسليط الضوء على هذا الكاتب المحبوب باعتباره شخصية عصية على الفهم وروائي بارع على حد سواء.

كل هذه الحقائق التي أشعر بها مؤخراً تذكرني بدرس مميز. تخطيط “فونيغوت” ورسمه لأشكال القصص. يشرحها بواسطة رسم خطوط متقاطعة.

أولاً “المحور الرأسي” والذي يشير إلى الأحداث الجيدة والسيئة في القصة، ثم يخط “المحور الأفقي” للإشارة إلى بداية الزمن الكوني. اللقطات أدناه مقتطفة من حديث أطول، نشر “فونيغوت” أغلبه في كتاب -شِبه سيرة ذاتية- رجل بلا وطن “A Man Without a Country” تحت فصل بعنوان “هذا درس في الكتابة الإبداعية”، ويضم مخططاته المرسومة باليد.

“أرجو أن تسمحوا لي بتقديم نصيحة اقتصادية. الناس الذين يستطيعون تحمل نفقات شراء الكتب والمجلات ويذهبون إلى السينما، لا يحبون السماع عن الفقراء أو المرضى، لذا ابدأ روايتك هنا ( يشير إلى الجزء العلوي من المحور الرأسي). سوف ترى هذه القصة مراراً وتكراراً. الناس يحبونها، ثم إنها لا تخضع للحق الأدبي أو حقوق الطباعة والنشر. القصة هي “إنسان في حفرة”، لكن لا حاجة لأن تكون القصة عن رجل أو حفرة. إنها: شخص ما في ورطة، ثم ينجو منها مجدداً (يرسم الخط A). وليس من قبيل الصدفة أن ينتهي الخط في نقطة أعلى من التي بدأ بها. هذا أمر مشجع للقراء. “

1

2

3

على الرغم من أن الفيديو ينتهي بعد سندريلا، في “رجل بلا وطن” فونيغت يقدم رسماً توضيحياً للحبكة الرابعة، متخذاً كافكا نموذجاً: الآن لدينا قصة فرانز كافكا (يبدأ الخط من أسفل المحور الرأسي). شاب غير جذاب نوعاً ماً، وليس أنيقاً جداً. لديه أقارب كريهون والعديد من الوظائف لكن بلا تقدّم / تطوّر. لا يتقاضى راتبا يكفي ليأخذ حبيبته للرقص في نادٍ أو الذهاب إلى الحانة لاحتساء جعة مع صديق. في صباح أحد الأيام استيقظ، وحان وقت الذهاب الى العمل مرة أخرى، وقد تحول إلى صرصور (يرسم خط الهبوط متجهاً نحو الأسفل إلى اللانهاية). انها قصة تشاؤمية.

4

ثم ينتقل لهاملت، لتفنيد بصمته المتألقة في الأدب والفلسفة الوجودية:

السؤال هو، هل هذا النظام الذي وضعته يساعدنا في تقييم الأدب؟ أظن بأننا لا نستطيع صلب تحفة حقيقية على هذا التصميم. ماذا عن هاملت إذاً؟ إنه عمل جيد برأيي. هل هناك من يعترض على هذا؟ لا حاجة لرسم خط جديد لأن وضع هاملت مشابه لوضع سندريلا. إلا أنهما من جنسين مختلفين.

توفي والده للتو. يشعر بالجزع. وذهبت أمه للزواج من عمه اللقيط على الفور. لذلك سار هاملت في خط سندريلا نفسه عندما قال له أحد الحرّاس: “هاملت، انظر، ذلك الشيء هناك عند المتراس، أعتقد بأن عليك محادثته. إنه والدك.”

لذا ذهب هاملت لمحادثة الشبح، كما تعلمون، هذا الشيء الذي ظهر للتو كان شبحاً، قال لهاملت “أنا والدك، لقد قُتِلت، عليك أن تثأر لي، عمك هو من فعلها، إليك التفاصيل…”

حسنا، هل كانت هذه أحداث جيدة أم أحداث سيئة؟ حتى يومنا هذا ونحن لا نعرف ما إذا كان هذا الشبح حقاً هو والد هاملت أم لا. إذا ارتكبت حماقة أمام لوح الـ”Ouija”، فإن هناك أرواحا خبيثة ستحوم في المكان، تستطيع إخبارك بكل شيء، وعليك عدم تصديقهم كما قالت السيدة بلافاتسكي -التي كانت تعرف عن عالم الأرواح أكثر مما يعرفه أي شخص آخر- “أنت أحمق إذا أخذت كلامهم على محمد الجد، لأنهم سيئين عادة، وغالباً ما تكون هذه الأرواح هي أرواح أناس قُتِلوا، انتحروا، أو خُدِعوا بطريقة رهيبة في حياتهم، وهم الآن هنا للانتقام.”

لذلك نحن لا نعرف ما إذا كان هذا الشيء هو حقاً والد هاملت أو ما إذا كانت الأخبار سارة أو سيئة. كما هي حيرة هاملت أيضاً. لكنه يقول : “حسناً، وجدت الوسيلة للتحقق من ذلك. سأوظف ممثلين ليجسّدوا ما قاله الشبح حول قتلُ عمي لوالدي، وأُلاحظ أثر ذلك على عمي. قدَّم الممثلون العرض. لكن عمه لم يكن مجنوناً ليقول. “حـ… حسـ.. حسناً لقد نلت مني، نلت مني، أنا مَن فعلها، أنا الفاعل.”

فشلت خطته هذه، ليس حدثا جيدا أو سيئا حتى. وبعد هذا الإحباط ينتهي الأمر أثناء حديث هاملت مع والدته فتتحرك الستائر، ويظن بأن عمه يختبئ خلفها، فيقول: “اللعنة! لقد سئمت من هذه الحيرة”، ثم يغرس سيفه في مَن خلف الأقمشة. من هذا الذي يقع من خلف الستائر مقتولاً؟ بولونيوس. رئيس مستشارين الملك. شكسبير يراه أحمقاً ومناسباً للموت.

هل تعلمون أن الآباء الحمقى يعتقدون بأن النصائح التي قدمها بولونيوس لابنه، عندما ذهب للدراسة بعيداً، هي أفضل النصائح التي قد يعطونها لأبنائهم على الإطلاق، وهي أغبى نصيحة ممكنة، حتى أن شكسبير كان يظن بأنها هزلية.

“لا تقرض ولا تقترض.” إذاً ما هي الحياة سوى اقتراض وتسديد، أخذ وعطاء؟

قبل كل شيء، لتحقيق النجاح الشخصي، “كن نرجسياً”!

هذا أيضاً، ليس من الأحداث الجيدة ولا السيئة. لم يتم القبض على هاملت. إنه أمير. يمكنه قتل أي شخص يريد. لذلك فهو يتقدم، وأخيراً يدخل في مبارزة، ويُقتل. حسناً، هل سيذهب إلى الجنة أو إلى الجحيم؟ هذا يعتمد. سندريلا أو حشرة كافكا؟ لا أظن بأن شكسبير يؤمن بوجود الجنة والجحيم أكثر مما أفعل. لذلك فنحن لا نعرف ما اذا كان الحدث جيد أم سيء.

أثبتُّ لكم للتو أن شكسبير لم يكن قاصاً جيداً. لكن هناك سبب لنعتبر أن هاملت نموذجاً فنياً: هو أن شكسبير قال لنا الحقيقة، والناس نادراً ما يقولون لنا الحقيقة في هذا الارتفاع والانخفاض هنا (يشير إلى الرسم). الحقيقة هي أننا نعرف القليل جداً عن الحياة، ولا نعرف حقاً ما الأحداث الجيدة وما هي الأحداث السيئة.

إذا أنا مت -لا سمح الله- أود الذهاب إلى الجنة لسؤال أحد المسؤولين هناك، “قل لي، ما الأحداث الجيدة وما الأحداث السيئة؟

المصدر- brainpickings.org

نشرت في آراء. 

27 أبريل,2014 - takween
كُتب في أساليب, فيديو | التعليقات مغلقة