سبع نصائح للكتّاب الشباب من باسمة العنزي

لا تبخل على القارئ بالمعرفة

اخرج للحياة، تلفت حولك، وأنصت جيّدًا لما يقوله الآخرون، فنحن في النهاية نكتب عنهم.

- كن فضولياً:

لا أتصور روائياً يجلس طوال الوقت في غرفة زجاجية محكَمٍ إغلاقها ليكتب عما حوله.. اخرجْ للحياة، تلفتْ حولك، وأنصتْ جيداً لما يقوله الآخرون، فنحن في النهاية نكتب عنهم، عن كل تلك الحيوات التي تتشابك مكونة نسيجاً ضخماً نعلق به.

كثيراً ما نصادف شخصيات روائية فاقعة في حياتنا، بعضها مزعج أو شرير أو حتى سطحي جداً، اقتربْ منهم، لا تدع فرصة شرب فنجان قهوة معهم تَفُتْك، كن فضولياً لمعرفتهم واستعادتهم في عملك الأدبي.

أنا من النوع الذي يلفت انتباهه ما تحويه عربات تسوق الواقفين في طابور أمامه، ومَنْ تجذبه أحاديث الغرباء في مصعد أو عيادة، بإمكاني مقاطعة محدّثي عدة مرات للسؤال عن تفاصيل هامشية، وهو يروي حادثة ما، لكنها بالنسبة لي بالغة الأهمية، لأني أعرف أنها ستكون حكاية أخرى رديفة لحكايته.

استمعْ بفضول لما يقوله الناس بطريقتهم وقناعاتهم وإيماءاتهم الخاصة، فلربما صنعتَ منهم شخصياتك القادمة. بالنسبة لي يبدو الأمر باعثاً على التحدي الممزوج بالمتعة.

- دع المديح جانباً:

سيحدث -إن كنت موهوباً وفي بداية طريق الكتابة- أن تتلقى كلمات التشجيع من أناس طيبين.. عليك أن تشكرهم بلطف، وتسألهم عمّا لم يعجبهم فيما كتبت؟ وعما يلزمك لتطور عملك من وجهة نظرهم؟ لا تبتهج بكلمات المجاملة الرقيقة من أصدقائك وأقاربك وزملائك، ولا تتعثر بعبارات الثناء المكررة لك ولغيرك. القارئ الحقيقي مَن لا تربطه بك معرفة، مَن لا يخشى إحباطك، ولا يهدف لدغدغة مشاعرك بكلمات الإطراء، وهو القادر على تقييم عملك بصورة محايدة ومفيدة.

أنا أطرح هذا السؤال دائماً.. والآن أخبرني: ما الذي لم يرق لك فيما كتبتُ؟!

- اقرأْ بشغف:

لم يكن النشر سهلاً كما هو اليوم.. لا تكتب قبل أن تمر بالمرحلة الطبيعية، أن تكون قارئاً شغوفاً، لا شيء سيطور إمكاناتك، ويدعم موهبتك، مثل القراءة الجادة. اقرأ بشكل منتظم، وليس حسب الرغبة. ناقش الآخرين فيما قرأتَ، فتداولُ الكتب والحديث عنها يعمّق من دورها في مجتمعاتنا التي تئنّ من شح القراءة وتراجع دورها. من المستحيل أن يكتب شخص بلا مخزون معرفي كتاباً رائعاً! الكتب الرديئة إما أن كتابها لم يقرؤوا ما هو كافٍ، وإما أنهم بلا موهبة.

- لاحقِ المعلومة:

لا تبخل على القارئ بالمعرفة.. لا أتصور كاتباً يكتب عن الخيل وهو لم يدخل إسطبل خيول، ويدوّن المعلومات عنها من أفواه أصحابها، وربما يشهد عملية تنظيفها وإطعامها. لا أتصور كاتباً يكتب عن مدينة ميلانو وهو لم يزرها أبداً! ولا كاتباً يتناول مهنة الخياطة وهو لا يعرف تاريخ ماكينة سنجر.. المعلومات في كل مكان حولنا، يلزمك فقط البحث عنها وتوظيفها في عملك بشكل ذكي بعيداً عن الاستعراض الفجّ. القراءة تحوي جانبها النفعي، أنت مطالب بنقل المعرفة بطريقتك الخاصة للمتلقي. ككاتبةٍ قبل العمل وأثناءه أبحث عن المعلومات بشغف، فمرحلة استكشاف ما أنا بصدده، والتحضير له بجمع المعلومات وغربلتها هي الأجمل؛ أصبح كمن يعثر على جواهر مخبأة في الغرفة المجاورة.

- مَرّرْ مخطوطاتك:

مرر ما تكتبه لمن تثق برأيهم، حتى ولو أجزاء متفرقة من عملك.. بالنسبة لي هناك أناس أثق بهم، أحياناً يطّلعون على نصف العمل أو عدة صفحات منه، ونتحاور حوله، كل ملاحظة ولو كانت صغيرة تفتح لي آفاقاً جديدة. الشخص الذي يخبرك كل مرة بأن مسوداتك رائعة وعملك عظيم وبلا هفوات لا تثقْ برأيه كثيراً.

- لا تكررْ مواضيعك:

لو كتبتَ مرة قصة طالب مغترب مثلاً لا أتوقع منك أن تكتب ثانية عن نفس الموضوع.. إعادة اجترار ذات المواضيع، والتركيز عليها مرات ومرات يجعلني أفترض أحد أمرين؛ إما أنك أفلست، وإما أنك صاحب الفكرة الواحدة! فاجئ القارئ كل مرة بما هو جديد، غيّرْ من أسلوبك المعتاد، لا تجعله متأكداً من خطِّ سير رحلتك.

- علِّقْ لوحة بيضاء:

اشترِ لوحة بيضاء كبيرة في بداية مشروعك الروائي.. اكتبْ فيها مبدئيا خطّ سير الأحداث، ملامح أولية لشخصياتك، هواياتهم وأعمارهم، ستمتلئ اللوحة بالملاحظات وقصاصات الصحف، والمربعات الصغيرة والدوائر الكبيرة. اللوحة تبقى معي لنهاية العمل، لا أستخدمها كثيراً بعد أن أكتب الفصول الأولى، لكنها موجودة في غرفتي، إلى أن تنتهي المسودة الأولى، حينها ترحل لسلة تدوير الورق مع ابتسامة وداع!

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | 2 تعليقات

12 نصيحة في الكتابة من غابرييل ماركيز

الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

بالرغم من أن الكاتب الكولومبي الشهير الراحل غابرييل غارثيا ماركيز (1927) لم يكن من محبي إسداء النصائح للكتاب، إلا أن الأديب الشاب أحمد ضيف، جمع ما يمكن اعتباره نصائح من خلال بحثه في إرث ماركيز، وترجمه ليهدي للكُتّاب 12 نصيحة، هي: 

 

1 – هناك فارق بين أن تكتب قصة طويلة وقصة مسهبة.

2 – يمكن للكاتب أن يكتب ما يحلو له، ما دام قادراً على فعل ذلك.

3 – لا أعتقد في الأسطورة الرومانسية التي تقول: “إن على الكاتب أن يعاني من الجوع ويجب أن تنتهك إنسانيته حتى ينتج”.

4 – الإمساك بأرنب أسهل من الإمساك بقارئ.

5 – نهاية أي عمل تكتبه يجب أن تعرفها وأنت في منتصفه.

6 – ينبغي أن نبدأ بإرادة أن ما نكتبه هو أفضل ما كتب على الإطلاق، فشيء ما من هذه الإرادة سيتبقى في النهاية.

6 – عندما يشعر الكاتب بالملل من الكتابة، يشعر القارئ بالملل من القراءة.

8 – لا يصح أن نجبر القارئ على قراءة عبارة واحدة مرتين.

9 – المؤلف يتذكر كيف ينهي نصاً أكثر مما يتذكر كيف بدأه.

10 – نكتب أفضل عندما نأكل أفضل ولدينا آلة كاتبة.

11 – الواجب الثوري على الكاتب أن يكتب جيداً.

12 – عندما كنت أرهب الصفحة البيضاء خلال وقت طويل، كنت كلما أراها أتقيأ، لكن ذات يوم، قرأت أفضل ما يمكن أن يكتب حول هذا العرض. قال همينغواي: “عليك أن تبدأ، عليك أن تكتب وتكتب، حتى يشعر الواحد منا فجأة أن الأشياء تخرج بمفردها، كأن شخصاً ما يمليها علينا، أو كأن أحداً آخر هو من يكتب”، وكان محقاً، إنها لحظة سامية.

 

المصدر: رأي اليوم. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

فنّ الكتابة لدى جيمي كيبري

الكاتب عليه أن يتعلم - طوال حياته - عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة.

الكاتب عليه أن يتعلم – طوال حياته – عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة.

آنا سايفتسكا
ترجمة: خضير الأندلسي/ وارشو

الكاتب الكتالوني (جيمي كيبري) باعتباره بطل الأدب الأوروبي يكشف لنا سر ورشته الأدبية، حيث أنجز كتابهُ الثالث بهذا الخصوص، والذي يحتوي على تأملات في فن الكتابة والقراءة، وسوف يشاركنا بعضها في لقاءنا الموجز.

1) في أي سن بدأ جايمي كيبري يكتب الأدب؟ هل صاحبتهُ لحظة مميزة؟ 

إذا كنت أتذكر بشكل صحيح، بين سن الثامنة عشرة والعشرين، آمنتُ بأن الكتابة بإمكانها أن تصنع لي عالماً مميزاً. لكنني أيضا أدركت على الفور أن المسألة ليست بالبساطة التي أتخيلها. واحدة من الأسباب التي حفّزتني على الكتابة قراءتي لكتاب معين وددت أن أعرف الكيفية التي تعمل بها آلية الكتابة وهل تجلب لي ذات النتائج التي أترقبها.

2) كيف تُقيم أوّل مطبوع نشرته؟ هل ما يزال عالقا في ذهنكم أم تفضلون دفنه مع الماضي؟

كان عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة، والتي افضل ألا أعود اليها. لأنني اتعاطى معها على أنها كتابة غير ناضجة. يجب على الكاتب أن يتعلم – طوال حياته – عن طريق الكتابة ثم الكتابة ثمّ الكتابة. حياة الكاتب تعد علوماً لأخطائه الشخصية.

من ناحية أخرى، أنا لست قاضيا جيدا كي أقيّم عملي، لأنني عادة لا اقرأ كتبي الخاصة (من رويات وقصص قصيرة) بعد نشرها. ذاكرتي تقتصر حول التركيز على عملي وملاحظته. أعشق معايشة الحاضر لا غير.

3) صف لنا يومك ككاتب؟

أعيش الاثارة حين اشرع بالكتابة. أبدأ الساعة التاسعة صباحا بعدها آخذ استراحة لتناول طعام الغداء وبعد الظهر أعود إلى العمل مرة أخرى، وأحيانا حتى المساء. أكرس الوقت المتبقي للقراءة. لا شيء يحدث في حياتي خارج إطار الكتابة والجهد. في الحقيقة إنه روتين ممل جدًا، ولكن أنا من أقبل إليه.

4) هل تواظب على الكتابة يوميا، أم أن لديك أسلوبًا معينًا؟

حين اضطر للانشغال بحياتي الاسرية ومساعدة زوجتي في تقاسم مشاغل الحياة، تراني أحسد الكتاب غير المتزوجين الذين يقضون وقتهم في الكتابة فقط. وعليه لا أضيع أي فرصة وقتية تسنح لي! لهذا السبب أعمل قدر ما أستطيع.

5) تكتب باليد، أم تستعين بالكمبيوتر؟ ما هو الأكثر ملائمة بالنسبة إليك؟

كلاهما! أكتب باليد ثم اقوم بإصلاحات لغوية مستعيناً بالطابعة. الأمر يعتمد على مزاجي. وفي النهاية تجد أن كل مسوداتي تتراكم على المكتب. كأنني في ساحة قتال، وليس في غرفة مخصصة للكتابة.

6) من أين تحصل على إلهامك في الكتابة؟

لا أعرف. أظن المسألة أساسا نابعة من الحاجة إلى الكتابة. خلال بضعة أيام إذا لم آخذ القلم بيدي وأشرع في الكتابة فإنني أفقد السيطرة على أعصابي. وقتئذ أبدأ الكتابة. الإلهام لا يأتي على الفور. عليك أن تكون أكثر عنادا من قطعة ورقك الأبيض.

أحب سماع الموسيقى والتمتع بالقراءة ومعايشة الطبيعة الخلابة، ولكن العمل الحقيقي أنتجه على مكتبي.

7) بالاضافة الى كتابة الروايات، فأنت تكتب سيناريوهات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية. برأيكم ما الاختلاف بينهما؟ وأيهما تفضل؟

الأن توقفت عن كتابة النصوص والسينايوهات للأفلام أو المسلسلات التلفزيونية. لو تعاطيت مع الموضوع بدرجة اكبر لكنت مع عائلتي بحالة مادية أفضل مما نحن عليه الآن، ولكنني توقفت عن الكتابة في هذا المجال لانها تحتل كل وقتي. الحق يُقال إنها كانت التجربة مفيدة فيما يخص التدريب في مجال فن السرد وسرعة إيجاد الحلول. إنها تنطوي على خلق عوالم ومناخات، وشخصيات، وبناء سرد وحبكة. ولكنها تختلف عن الأدب المُعتاد (الذي أفضله) في كونها تتطلب جهدًا كبيرًا وسرعة في إنجاز العمل. وينبغي أيضا أن أسترشد بفريق من المهنيين العاملين معي، وهو عبء إضافي. تقاسم العمل مع آخرين يسبب لي ضغوطا جمة، لذا أفضل العمل بمفردي دائما. دار النشر لا تفرض عليك وقتا معينا لإنهاء عملك. بالمحصلة النهائية أرفض جميع انواع الضغوطات والاملاءات. لا اعتراض لدي على كتابة السيناريوهات الافلام والمسلسلات التلفزيونية، لكنني أفضل جنس الرواية.

8) بعض الكُتاب غالبا ما يشعرون بعدم الارتياح عند التعامل مع وسائل الإعلام واللقاءات الترويجية وتوقيع الكتب. ما هو شعورك في هذه الحالات؟

كل هذه الحالات تعد جزءاً من وظيفتي ولا أستهين بها أو أقلل من شأنها ابدا. على سبيل المثال، الآن، عندما أرد على اسئلتكم، أنا أتفهم أن دار النشر ومالكها خاطرا باستثمار اموالهما (وأحيانا يخرجان خاسرين) من أجل نشر كتبي. لذا يتعين عليّ المشاركة في الترويج ضمن حدود الحكمة عن طريق مشاركة اللقاءات مع المهتمين ووسائل الإعلام. الأسوأ من ذلك، عندما تكون الحملة الترويجية بلا نهاية. وقتئذ يعمل مكبحي لأوقفها، لأنني لستُ ” شبكة علاقات عامة”، بل مجرد كاتب. أبذل قصارى جهدي لأتعامل مع الصحفيين بأفضل ما يكون ليخرجوا راضين.

وكذلك الحال مع قُرائي المباشرين، فأنا أسمعهم دائما وأستفيد من ملاحظاتهم التي تقودني في كثير من الأحيان الى اكتشاف أمور هامة ومثيرة. لكن في النهائية اقول لهم “كفى”، عليَّ العودة الآن إلى البيت لمواصلة الكتابة. مُحيطي يظن انني مغرور، لكن لا بأس!

9) هل تعمل حاليا على تأليف كتاب؟

نعم. لا يزال لدي متسع من الوقت حتى أصل إلى النغمة الصحيحة التي أودّها. في مجال كتابة المقالات الأدبية تمكنتُ من الانتهاء من كتابي الثالث، وهو انعكاس لفن الكتابة والقراءة، والذي سيصدر على الارجح في يناير كانون الثاني السنة القادمة (2015).

10) تخرجت من أداب اللغة الكاتالانية والأن تعمل أستاذا محاضرًا. هل حدث مرة وأعجبت بأسلوب طالب معين في الكتابة ثم قلت في قرارة نفسك “انه مشروع كاتب عظيم”؟

نعم حدث ذلك. ويمكنني أن أؤكد لكم أنها لحظات فرحي الحقيقي بعينها. المُعلم دائما ما ينتظر من طالبه أن يكون مميزا ليجلب له الفرح والرضا. احيانا يبدع التلميذ بدرجة اكثر من معلمه. والجيل الجديد يحمل طاقات شبابية رائعة وقادرة على إنتاج أدبٍ عظيم.

كُتب في عن الكتابة | تعليق واحد

سبع نصائح في الكتابة من جنى الحسن

لا تجعل الكتابة وسيلتك لتصفية حسابك مع الحياة

لا تجعل الكتابة وسيلة لتصفية حسابك مع الحياة

جنى فواز الحسن

ربما لست الشخص الأمثل لإسداء النصائح – كونها شخصياً قد تستفزني وتدفعني إلى الاتجاه المعاكس ولا أتقبلها إلا من أشخاصٍ معدودين – لذا أفضّل أن أسمي ما يلي مشاركة بتجربة في تلمّس درب الكتابة الوعر.

1- لا تتعامل مع الكتابة كأنّها انتقام من الواقع، اعتراض ربما، ولكن لا تجعلها وسيلة لتصفية حسابك مع الحياة.

2- اكتب بدمٍّ بارد وتجنّب كثرة الانفعالات. غلِّب الكاتب الّذي فيك على الإنسان. ربما يكون هذا التحدي الأصعب، لكنّه ضروري لتصبح سيّد نصّك.

3- ابدأ من مكان ما وحاول مجدداً. واستمرّ بالمحاولة حتّى ترى باكورة عمل. ثمّ عاود المحاولة حتّى يصبح عملاً.

4- اقرأ بشكل مختلف. اقرأ لكي تعاين تقنيات السرد واللّغة والاستفادة من تجارب الآخرين وليس فقط لمتابعة أحداث الرواية أو النص الّذي تحمله.

5- لا تصدّق الكتاب الآخرين. أقلّه اعرف من يقرأ نصّك بصدق وينتقد بموضوعية عمّن يقرأه ليبدي ملاحظات فحسب. وخذ الملاحظات الحقيقية على محمل الجدية وليس كإهانة شخصية.

6- لا تشعر بالرضا. يمكنك أن تشعر بالفرح أو النشوة والفخر حين تعرف أنّك أنجزت خطوةً ما أو أعجبك مقطع كتبته. لكن حافظ على القلق، وحده سيحميك من التكرار.

7- استمع إلى نصائح الآخرين، لكن في نهاية المطاف حاول أن تجد إيقاعك الخاص. تبقى العلاقة الأمثل بينك وبين الكتابة تلك التي تصوغها أنت بحميمية وحب. والأهم من ذلك، كن شجاعاً. الكتابة تحتاج إلى الكثير من الشجاعة.

كُتب في نصائح الكتابة | تعليق واحد

العنوان الناجح بحسب أمبرتو إيكو

"إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة".

“إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة”.

تحرير: بثينة العيسى

بسبب طبيعة اللغة التأويلية، ولأن الرواية نصٌ خصبٌ مولّدٌ للتأويلات التي تحاول تفسير العالم وفهمه، يعتقدُ إيكو بأن المسئولية التأويلية للنّص يجب أن تقع على عاتق القارئ وحده، من دون أي توجيه أو تدخل من المؤلف.

يقول إيكو:

“السارد، في رأيي، ليس ملزمًا بتقديم تأويلاتٍ لعمله، وإلا لما كانت هناك حاجة لكتابة رواية، فالرواية هي بالأساس آلات مولّدة للتأويل”.

ولكن ماذا عن العنوان وطبيعته التوجيهية في تأويل النّص بناءً على رؤية مؤلفه؟ يقول إيكو:

“.. مع ذلك، فإن كل هذه الكلمات المعسولة تنتهي بنا إلى حاجزٍ لا يمكن تخطّيه: يجب أن يكون للرواية عنوانٌ ما. والحال أن العنوان – ونحن نتأسّف لذلك – هو أحد المفاتيح التأويلية. فنحن لا نستطيع أن نفلت من الإيحاءات التي تشير إليها عناوين مثل: الحرب والسلم، الأحمر والأسود”.

ويرى إيكو بأن الخلاص يكون بالعثور على عنوانٍ لا يوجّه القارئ إلى تأويلٍ معيّن، فيقول:

“إن أكثر العناوين إثارة لاحترام القارئ هي تلك التي يتم تكثيفها في اسم دالٍ على البطل: ديفيد كوبرفيلد، أو روبنسون كروزو. وحتى في هذه الحالة، فإن الاسم / العنوان يمكن أن يؤوَّل على أنه تدخل مبالغٌ فيه من لدن المؤلف.”

على سبيل المثال، إذا اتخذنا رواية مارك توين “مغامرات توم سوير” كنموذج، يمكن القول بأن عنونة النص باسم أحد الشخصيات (توم سوير) فيه تهميش لشخصيات أخرى، مثل هلكبري فن، الذي خصص له مارك توين رواية أخرى. وهكذا.

وعليهِ فإن وصفة إيكو الناجحة لتجنّب توجيه القارئ إلى تأويلٍ بعينهِ، ومصادرة حقه في إنتاج تأويله الخاص للنّص، يكون بالعثور على “صورة رمزية مليئة بالدلالات لدرجة أنها تكاد تفقد في نهاية الأمر كل الدلالات”.

باختصار، يعتقد إيكو بأن العنوان الناجح ينبغي أن يبلبل ذهن القارئ، لا أن ينير له الطريق.

يقول إيكو:

“إن العنوان يجب أن يشوّش على الأفكار، لا أن يحوّلها إلى قوالب مسكوكة”.

المصدر: حاشية على اسم الوردة، ترجمة: سعيد بنكراد. 

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

اختر عدد الكلمات لتحقيق غرضٍ معيّن

كلمة واحدة، اثنتان، ثلاث أو أربع؛ كل منها يرسل رسالة سرية للقارئ

كلمة واحدة، اثنتان، ثلاث أو أربع؛ كل منها يرسل رسالة سرية للقارئ

روي بيتر كلارك
ترجمة: حمد عبود
مراجعة: بثينة العيسى

ليس للكاتب الواعي خيارٌ سوى أن يختار عددا من الأمثلة أو العناصر في الجملة أو الفقرة الواحدة. يختار الكاتب العدد، وإذا كان العدد أكبر من واحد، سوف يختار الترتيب.

إذا كنت تعتقد بأن ترتيب قائمة الكلمات ليس مهما، جرب تلاوة أسماء الإنجيليين الأربعة بهذا الترتيب: لوك، مارك، جون وماثيو. (1)

لغة الوحدة

دعونا نتفحص بعض النصوص بواسطة نظارات القراءة الكاشفة، لننظر إلى ما تحت المعني الظاهري، إلى الآلية النحوية في العمل التالي.

” تلك الفتاة ذكية “

في هذه الجملة البسيطة، الكاتب يصرح بخاصية تعريفية واحدة للفتاة: ذكاؤها. سنحتاج إلى أدلة للتحقق من ذلك. ولكن حتى الوقت الحالي، يجب على القارئ أن يركز على هذه الخاصية المحددة.

هذه هي خاصيّة لغة الواحد؛ التماسك، الفكرة المفردة، وغياب البدائل.

المسيح بكى
اتصل بي
ادعني اسماعيل
اذهب إلى الجحيم
أنا أفعل
الله محبة
إلفيس
إلفيس غادر المبنى
كلمة
صحيح
لدي حلم
لدي صداع
ليس الآن
اقرأ شفتيّ.

توم وولف حكى لويليام ف. باكلي جونيور بأنه إذا أراد الكاتب أن يفكر القارئ في أمرٍ ما على أنه الحقيقة المطلقة، فيجب عليه أن يعرضه في أقصر جملة ممكنة. ثق بي.

لغة الثنائيات

قيل لنا ” تلك الفتاة ذكية “، ولكن ماذا سيحصل عندما نعلم بأن:

“تلك الفتاة ذكية ولطيفة”.

لقد عدّلَ الكاتب وجهة نظرنا للعالم. خيار القارئ ليس بين جميلة ولطيفة. عوضا عن ذلك، الكاتب يُجبرنا على حمل هاتين الصفتين في تفكيرنا في الوقت نفسه، علينا أن نوازن بينهما، ونرى ثقلهما مقابل بعضهما البعض، مقارنةً وتبايناً فيما بينهما.

ماما و بابا / توم و جيري / لحم و بيض / آبوت و كاستيلو (2) / الرجال من المريخ. النساء من الزهرة
ديك و جين / روك اند رول / ماجيك جونسون و لاري بيرد (3)/ أنا وأنت

في كتاب أخلاقيات الخطابة، ريتشارد م.ويفر يشرحُ بأنّ لغة الثنائيات “تُقسِّمُ العالم”.

لغة الثلاثيات

بإضافة كلمة أخرى، قوة التقسيم الخاصة بالرقم اثنين تتحول إلى ما يدعوه أحد الباحثين بسحر الرقم ثلاثة المطوِّق.

“تلك الفتاة ذكية، لطيفة وقوية الإرادة.”

مع نمو هذه الجملة، نرى الفتاة بشكل متكامل أكثر فأكثر. بدلا من تبسيطها إلى ذكية فحسب، أو تقسيمها إلى ذكية ولطيفة، قمنا الآن بتثليث أبعاد الشخصية.

في لغتنا وثقافتنا، الثلاثية تعطي حسًا بالتكامل:

بداية، وسط ونهاية
الأب، الابن والروح القدس
ماو، لاري وكورلي (4)
تينكر إلى ايفرز إلى شانس (5)
تنفيذية، تشريعية وقضائية
نينا، بينتا وسانتا ماريا (6)
في نهاية رسالته المشهورة (7) عن طبيعة الحب، الحواري بولوس يكتب للكورنثيين (8):” أما الآن فيثبتُ الإيمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة. ولكن أعظمهن المحبة.”

التحرك القوي يكون من الثالوث إلى التوحيد، من الاحساس بالكليّة إلى فهمِ ما هو مهم حقا.

لغة الرباعيات وما فوق

في الكتابة غير المعنية بالرياضيات، الرقم ثلاثة هو أكبر من الرقم أربعة. الرقم ثلاثة يعطي إحساسا بالكمال أكثر مما يحققه الرقم أربعة أو ما يزيد.

بمجرد إضافة التفصيلة الرابعة أو الخامسة نكون قد حققنا سرعة الاختراق، وكسرنا دائرة الاكتمال.

“تلك الفتاة ذكية، لطيفة، قوية الإرادة، وعُصابية”

نستطيع إضافة عناصر وصفية بشكل لا متناهٍ. أربعة تفاصيل أو أكثر في المقطع الواحد تستطيع أن تقدم تأثيرا أدبيا متدفقًا مثل الذي خلقه أكثر الكتاب براعة منذ كتب هوميروس أسماء قبائل اليونان.

انظر إلى بداية رواية جوناثان ليثيم “بروكلين يتيمة الأم”:

السياق هو كل شيء. ألبسني بشكلٍ مناسب وسترى. أنا منادي الكرنفال، السمسار، فنان الأداء وسط المدينة، المتحدث بعدة لغات، أنا عضو مجلس الشيوخ الثمل أثناء مماطلة تشريعية. أنا المصاب بمتلازمة توريت *.

إذا دققنا في هذه الجمل مقابل نظريتنا العددية، سوف تكشف هذا النمط: 1-2-5-1.

في الجملة الأولى يُصرح الكاتب بفكرة واحدة كحقيقة مطلقة. في الجملة التالية يعطي القارئ فعلين دلاليين. في الجملة التالية ينسج خمس استعارات. و في الجملة الأخيرة يعود الكاتب إلى التصريح المحسوم- التصريح المهم جدا الذي رأى أن يكتبه بخط مائل.

لذا جودة الكتابة الجيدة هي بسهولة واحد، اثنان، ثلاثة وأربعة.

الخلاصة:

- استخدم كلمة واحدة من أجل القوة.
– استخدم كلمتين للمقارنة والتباين.
– استخدم ثلاث كلمات للتكامل، الكلية، الاستدارة.
– استخدم أربع كلمات أو أكثر للتعداد، للجرد، للتجميع، والتوسع.

_________________________________________________________

(1) الترتيب الصحيح هو متى، مرقس، لوقا ويوحنا. و قول غير هذا الترتيب يعطي إشارة عن لاوعي القائل أوعدم فهمه.
(2) ثنائي كوميدي اشتهر برنامجهم في فترة 1940- 1950.
(3) من أشهر نجوم كرة السلة في التسعينات ارتبط اسم كل منهما بالآخر.
(4) The three stooges ثلاثي كوميدي اشتهر بين 1930 و 1975
(5) قصيدة كُتبت لثلاثة لاعبين فريق كابس للبيسبول الأمريكي
(6) أغنية تعليمية تحكي عن ثلاث سفن بترتيبها الحجمي
(7) الكتاب السابع و الثامن من العهد الجديد
(8) أتباع الكنيسة التي انشأها الحواري بولص في كورنيث في اليونان.

المصدر: Writing Tools 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

ستّ نصائح في الكتابة من جون شتاينبك

اكتب صفحة واحدة جيّدة كل يوم

اكتب صفحة واحدة جيّدة كل يوم

تم الإتفاق على اعتبار العام المنصرم، عام 2013، في أوساط القراءة والكتابة، هو عام للقراءة أكثر، وللكتابة بشكل أفضل، وللكاتب الأمريكي الراحل، جون شتاينبك، عدة نصائح لمحبي الكتابة، ولهواة الكتابة بشكل عام، لرفع مستوى كتاباته لشكل أكثر رقيًا و حرفية، حدد شتاينبك نصائحه المكثفة في ست نقاط. تحدث عنهم شتاينبك عام 1975 في مقابلة مع إحدى المجلات الأدبية الفرنسية الشهيرة، ننقلها لكم:

1- عند كتابة روايتك الخاصة، امنع عن نفسك دائمًا فكرة أنك اقتربت من النهاية، حتى لو كنت تستطيع كتابة 400 صفحة في اليوم، حاول أن تكون أكثر تركيزًا واكتب صفحة واحدة جيدة كل يوم، وحتى عندما تنتهي من كتابتها، حاول أن تكون بالتركيز الكافي بحيث أنك ستشعر بالدهشة عند الإنتهاء من الكتابة!.

2- عند كتابة المسودات الأولية لكتاباتك، حاول أن تحرر نفسك من كل القيود، واطرح أفكارك على الورق بأسرع ما يمكن، ولا تقُم بالتعديل أو بإعادة الكتابة حتى تنتهي تمامًا من تسجيل كل أفكارك، حتى لا تطير أفكارك وحتى لا تفقد الشغف، كما أن عادة ما تكون عملية الكتابة، حجة مستمرة من الكتاب تعوق تقدمهم في الكتابة.

3- حاول أن تنسى قرائك المفترضين، ففي المقام الأول، إن القراء الذين لا تعرف وجوههم، ولا أسمائهم، سوف يثيرون ذعرك حتى الموت، وفي المقام الثاني، وبعكس المسرح، ينبغي أن يكون جمهورك هو قارئ واحد، إنني قد وجدت أحيانا أنه من المفيد جدًا أن تنتقٍ لنفسك شخص واحد، شخص واحد و قارئ حقيقي، تكتب له.

4- إذا كان هناك فصلًا أو مشهدًا، يغالبك كتابته، وتعتقد أنك بحاجة إلى سرده، وتريد إضافته إلى العمل، حاول أن تنحّيه جانبًا بشكل مؤقت، وعندما تنتهي من بقية الكتابة، بإمكانك أن تعود مرة أخرى إليه، لربما تجد أن رغبتك الشديدة في إضافته، كان من الممكن أن تؤثر سلبًا في تماسك الحكاية، لأنه من الأساس لا يمكن أن ينتمي للقصة برمتها.

كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدًا

كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدًا

5- كن حذرًا من المشاهد أو المواقف الحكائية التي تكون مفضلة لديك جدا، فهي في كثير من الأحيان تبدو وكأنها خارج إطار النص، وليست متجانسة تماما مع بقية القصة أو الحكاية.

6- عندما تقوم بكتابة حوار ما بين الشخصيات، تحدثها بصوت عال أثناء الكتابة، وبهذا الحال، سوف يكتسب هذا الحوار طابع الحديث الحقيقي الواقعي.

ولكن ربما للمفارقة، قبل إثني عشر عامًا من هذه المقابلة، تحديدًا عام 1963، بعد حصول شتاينبك على جائزة نوبل في الأدب، لكتاباته الواقعية والخيالية ووعيه الإجتماعي الواضح في كتاباته، كان شتاينبك كان قد تحدث في خطاب تسلم الجائزة عن شيء مغاير تمامًا، يقول:

“لو كان هناك سحر في كتابة القصة، وانا مؤمن بذلك، لا يمكن لأي شخص على الإطلاق أن يقوم بإختزالها إلى شيء يشبه مقادير طبخة ما، ينقلها الفرد إلى الآخر، إن هذه المعادلة، معادلة الكتابة الإبداعية، تقع وحدها في كيان الكاتب الذي يشعر أنه ربما يحمل شيئًا ما مهمًا للقارئ. إذا ما امتلك الكاتب هذا الإلحاح للكتابة، إنه من الممكن أحيانًا، لكن ليس أبدًا من دائمًا، أن يجد طريقة لكتابة جيدة. يجب عليكم أن تدركوا هذا التفرد الذي يميز قصة جيدة من قصة أخرى سيئة مليئة بالاخطاء.”

بالتأكيد، رغم أن هذين الحديثين يناقضان بعضهما البعض، إلا أن شتاينبك ربما، بعد مرور 12 عامًا ، كان قد أصبح من النضج بمكان، كي يوجه نصائح سديدة وواضحة للكاتب الشاب. لا نعرف تحديدًا، ولكن نترك الرأيين للقارئ.

المصدر: موقع رفّي للكتب العربية. 

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: , | التعليقات مغلقة

تلاعب بالكلمات، حتى في القصص الجادّة

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

اختر الكلمات التي يتجنبها الكاتب العادي، ولكن القارئ العادي يفهمها.

روي بيتر كلارك
ترجمة: رؤوف علوان

تمامًا كالنحّات الذي يعمل على الصلصال، يشكّل الكاتب عالمًا من الكلمات. في الحقيقة، لقّبَ شعراء الإنجليزية الأوائل بـ “الصانعين”؛ الفنانين الذين يشكّلون اللغة لخلق قصص، بنفس الطريقة التي قام فيها الرّب – الصانع الأعظم – بخلق السماء والأرض.

يتلاعب الكتّابُ الجيّدون باللغة، حتى لو كان الموضوع عن الموت.

“Do not go gentle into that good night” (لا تستسلم بوداعةٍ إلى تلك الليلة الهانئة)، يكتبُ الشاعر الويلزي ديلان توماس إلى أبيه الذي يُحتضر: “Rage, rage against the dying of the light.” (ثُرْ، ثُرْ! ضدّ موت الضياء).

قد تتعارض فكرة اللعب (بالكلمات) مع فكرة الموت، لكن الكاتب يجد سبلاً ليجمع بينهما. فللتعبير عن حزنه، يعزف الشاعر على اللغة، مفضّلًا كلمة “gentle” على كلمة “gently”، ويختار”night” لتقفّي “light”. ويكررّ من مفردة “Rage”. ولاحقًا سوف يستخدم التوريَةَ:

“Grave men, near death, who see with blinding sight”
“يا من على شفا حفرة الموت، يا من تنظر ببصرٍ معميّ.”

المعنى المزدوج لـ ” grave men” يقود مباشرةً إلى اجتماع اللفظتين المتناقضتين “البصر المعميّ Blinding sight”. تلاعب بالمفردات، حتى تحت ظل الموت.

في الصحف يُعدّ كاتب العناوين الرئيسية شاعرًا بين الصحفيّين، فهو يملأ مساحات صغيرة بمعانٍ عظيمة. خذ هذا العنوان الرئيسي أثناء الحرب في العراق:

Jubilant mob mauls
4 dead Americans

هتافات حشود مبتهجة بتمزيق
4 موتى أمريكان

بشاعة ظروف ملابسات الحادثة أنّ: مدنيّين هاجموا ضباط أمن أمريكان، حرقوهم حتى الموت في مركباتهم، وانهالوا عليهم ضربًا، مثّلوا بجثثهم المتفحمة، وثم جرّوها عبر الشارع، وعلّقوها على ما تبقى من جسر – كل هذا أمام حشود تهتف ابتهاجًا.

حتى تحت وقع مجزرةٍ كهذه، الذي كتَبَ العنوان الرئيسي تلاعب في اللغة. فالكاتب يكرّر الحروف الساكنة (B و R) للتأكيد، ويجعل مفردة “Jubilant هتاف البهجة” تتعارض مع مفردة “dead ” لتعطي تأثير مفاجئ. كلمة Jubilant””، هي من الفعل اللاتيني Jubilare الذي يعني حرفيًا “يرفع صيحات الابتهاج”.

كلمات مثل “حشد / غوغاء”، “موتى/ قتلى”، و “أمريكان” تظهر في تقارير الأخبار طوال الوقت. أما “يمزق” فهو فعل نجِدُهُ في قصة عن كلبٍ يهاجم طفلاً. بينما “هتافات الابتهاج” لفظة مميزة، يفهمها أغلب القرّاء، لكن نادرًا ما تأتي في سياق الأخبار.

كثيرًا ما يحبسُ الكتّابُ مفرداتهم اللغوية في محاولة ضالة لخفض نبرة اللغة كي يفهمها عامّة القرّاء. الكلمات غير الواضحة يجب أن يوضحها فحوى النصّ. فمخزون المفردات اللغوي في قراءة الفرد العادي أكثر من المفردات اللغوية عند المؤلف العادي في الكتابة. ونتيجة لذلك، المؤلفون الذين ينتقون مفرداتهم اللغوية من بحر اللغة العميق يجذبون إليهم اهتمام القرّاء الخاص فيكتسبون لقب “كُتّاب”.

إنّ كتابة المفردات الثريّة لا تتطلب كلمات مبهرجة رنّانة. فأحد أعظم كاتبات المقال في أميركا، وأعني فيشر M. F. K Fisher، عُرفتْ بكتاباتها عن الطعام، لكنها دائمًا تضيف نكهة من التلاعب باللغة إلى جميع أعمالها. خذ ذكرى الطفولة هذه المفعمة بالحياة والتي فيها تصف غرفةً صغيرة مؤثثة إلى جانب المرآب لتأوي أحد العمّال:

الغرفة مهيّئة لتخزين الأدوات، كما أفترض. كانت كبيرة بما يكفي لتأوي سريرًا صغيرًا، الذي كان على الدوام منضدًا، ومقعدًا بمسندِ ظهر متحرك، ومكتب متهالك. كانت الجدران جزءًا من المرآب، مغطّاةً بأوراق صحف لمنع التيارات الهوائية. كان هناك موقد صغير يعمل على الغاز، من النوع الذي يُستخدم في مخيمات لاغونا الصيفية، يتوهج منه ضباب على النافذة برائحة طيبة دافئة. كان هناك ضوء خافت يصدر من مصباح السقف. وهناك رفٌّ من الكتب، لكن ما هي هذه الكتب فهذا ما لن أعرفه أبدًا. تتدلّى بهدوء من عوارض السقف حِزمٌ من أوراق تبغٍ نصف مجففة. كان تشارلز حصل عليها في أحد صفقات بيع غريبة، في ولاية كنتاكي. كان قد جفّفها، وفي كل ليلة كان يحشو أكثر الأوراق هشاشة في غليون بحجم كف يده. كان يمدّ يده للأعلى مشرئبًّا، يقطف وريقة، وثم يجلس مسترخيًا في مقعده القديم ويتحدث إلينا: أنا وأختي آن والجديدة نورا. إلى أن يحين وقت نفث المزيد من الدخان الشهيّ. (من رواية: بين الأصدقاء).

لم تستخدم فيشر استعارات واضحة هنا أو توريات سهلة. إنما جاء تلاعبها باللغة على هيئة مجموعة من الكلمات والصور المحددة بدقة تنقلنا من زماننا ومكاننا إلى الزمن القديم لتلك الغرفة الصغيرة.

إنّ كبحَ فيشر لتلاعبها باللغة يقف على النقيض تمامًا من التلاعب بالكلمات الذي يصل لدرجة الهلوية في Act of the Damned، لـ أنتونيو لوبو أنتونيس:

عند الثامنة صباحًا في ثاني أربعاء من سبتمبر، 1975، انتزعني منبّه الساعة من منامي كما رافعة ميناء ترفع كتلة طحالب لزجة لا تعرف السباحة. طفوتُ على سطح الشراشف، الليل يتقاطر من منامتي وقدماي كأنهما مخالب حديد تحمل مفاصل جثتي على السجاد، بقرب الحذاء المفعم برائحة الأمس. فركتُ بقبضتي عينيّ المتورمتين وشعرتُ بنُدفِ صدأٍ تتساقط من الزوايا. كانت آن متزمّلة، كجثةٍ في مشرحة، ببطانية في أقصى جانب من السرير، لا يظهر منها سوى مقشة شَعر رأسها. هناك قطعة مثيرة للشفقة من الجلد تطلّ من طرف حشية السرير. اتجهتُ إلى الحمّام لأفرّش أسناني والمرآة القاسية تعرض لي العطب الذي زخرفته السنين، كما على كنيسة صغيرة مهجورة.

حتى هؤلاء الذين يفضّلون أسلوبًا أكثر وضوحًا يحتاجون بين الحين والآخر للسباحة في بحر اللغة السريالية – حتى لو للاغتسال من مفرداتنا التي نشعر بالرضا حيالها.

جميعنا يمتلك مفردات بحجم بحيرة اكتسبناها من القراءة لكننا لا ننهل إلا ما هو بحجم بِركةٍ صغيرة. الأمر الجيّد هو أن البحث والجَمْعَ دائمًا ما يُضاعفان عدد المفردات المستخدمة. الكاتب يرى، يسمع، ويدوّن. الرؤية تقودنا إلى اللغة.

“يجب أن يكون بمقدور الكاتب أن يشعر بحميمية تجاه الكلمات، كل واحدة على حدة”، يكتب الشاعر دونالد هول في Writing Well، “يجب أن يكون بمقدوره كذلك التراجع خطوة للوراء، داخل رأسه، للنظر إلى الجُمل المتدفقة. لكن عليه أن يبدأ من كلمة واحدة”.

يحتفي دونالد هول بالكُتّاب الذين هُم من “الأصالة، بما يجعلهم يرون الشيء كمن يراه لأول مرة، مع ذاك يدوّنون رؤاهم في لغةٍ يفهمها جميعنا. إذ فأول صفةٍ يحتاج إليها الكاتب هي الخيال؛ أما الثانية فهو يحتاج إلى الحرفة. خيال دون حرفة لا يصنع إلا فوضى عارمة؛ وحرفة دون خيال، ليس إلا نظام يخلو من حياة”.

تدريبات عملية

1. اقرأ عدة قصص في صحف اليوم، ضع دائرة حول أيّ كلمة مفاجئة، بخاصة الكلمات التي لم تعتد على رؤيتها في الأخبار.

2. اكتب مسودّة بغرض إطلاق العنان لمفرداتك اللغوية. اعرض المسودّة على قرّاءٍ تختارهم واسألهم حول اختياراتك للمفردات وعن مستوى فهمهم لها.

3. اقرأ عملًا لكاتبك المفضل. مُلقيًا اهتمامًا بالغًا على اختياره للكلمات. ضع دائرة على الكلمات التي تلاعبَ فيها الكاتب بخاصة عندما تكون مادة الموضوع جادة.

4. جِدْ كاتبًا، أو شاعرًا، اعتدت قراءة أعماله كمصدر إلهام لكتاباتك، ضع دائرة حول الكلمات التي تثير اهتمامك. حتى لو كنت تعلم معانيها مسبقًا، ابحث عنها في معجم تاريخيا بحث عن جذر وأصل المفردة. حاول تحديد متى كان أول استعمال معروف لها في اللغة المكتوبة.

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

سبع نصائح للكتاب الواعدين من برنار ويربر

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك.

ترجمة: حسام الدين نوالي- المغرب

1- الإعاقات

الكتابة فعل انفرادي مطلق، وتلك مشكلتها في الأساس، العزلة مع ورقتك وذاتك. إذا لم يكن لديك ما تقوله للآخرين ولنفسك، فإن الكتابة تغدو مقياسا لشساعة الفراغ الداخلي. آسف، فلا فعل من دون رؤية. ولكي تصير كاتبا محترفا، هيئ نفسك لقضاء خمسة ساعات يوميا مربوطا – ووحيدا  -إلى آلة كاتبة أو مذكّرة. فهل تشعر أن هذا ممكن؟

2- الأصالة

كل كتاب وكل حكاية يجب أن تحمل جديدا. إذا كان ما تفعله هو تمديد لهذا أو ذاك، أو كتابة صدىً له، فتوقف عن العمل، لأن هذا أو ذاك أنجزه من قبل .. يجب أن تكون أكثر أصالة في الشكل والعمق: الحكاية ينبغي أن لا تشبه شيئا سابقا، والأسلوب ينبغي أن يكون جديدا كلّية. فإذا كنا نشغّل المطبعات وندمر أشجارا من أجل عجينة الورق، فلأن مخطوطاتنا يجب أن تحمل جديدا فيما تنقله.

3- موقع “سيد الكتابة”

أن تصير سيدا، يعني ألا تنسخ وألا تسرق. يعني أن تنغمس في روح وحرية وطريقة تطوير قصص هذا أو ذاك، فلا تناقض هنا مع قاعدة الأصالة، إذ بالقراءة يمكنك مثلا تفكيك محرك سيارة Mazeratti وفهم كيف تمّ تركيبه، وهذا بالمقابل سيمكّنك بطريقة مغايرة من بناء محرك لسيارة Lamborgini.

4- موقع صانع التحف

الكتابة صناعة تحف، ينبغي امتلاك ذوق لها، ثم صيانتها بانتظام. فلا وجود لكاتب جيد من دون إيقاع منتظم للعمل، على الأقل أسبوعيا. ثم إننا دائما داخل مدرسة، وكل كتاب من شأنه أن يعلّمنا سرّ مهارة صغير للكيفية التي يعدّ بها الحوار، أو التقطيع، أو إدماج شخصية جديدة، أو خلق مؤثرات التشويق، وتلك حرفة صناعة التحف.

واحذر أن تخدعك شخصيات الكتاب في التلفزيون أو حواراتهم، تلك مواقفهم فقط، إذ لا يمكن صناعة الكاتب الجيد هناك. ولا تنسَ أنه لا يمكن اعتبار الكاتب جيدا لمجرد حضوره على الشاشة بابتسامته الجميلة، إنه مجرّد نموذج مناسب للتلفزيون؛ وعموما فبقدر ما هم جدّيون بقدر ما يكبر تأثيرهم. فيما الطريق الوحيد لمعرفة قيمة كل كاتب هو “القراءة”، والطريق الوحيد لمعرفة مكانتك ضمن تُحفك الفنية هو أن تسأل القراء عما يعتقدونه بشأن كتاباتك.

5- لا تبحث عن الجميل.

الكثير من الروائيين وخاصة في فرنسا، يصنعون “الجميل” من أجل “الجمال”، إنهم ينضدون جملا مركّبة بمفردات معجمية ينبغي البحث عنها في القواميس كما لو ينضدون اللؤلؤ لتشكيل عِقد، وهذا مجرد حفنة من العبارات الجميلة وليس كتابا، والأفضل أن يصيروا شعراء، فهذا على الأقل سيبدو مقبولا. يجب أن يكون المشهد مقنعا وليس زخرفا، فالمتلقي لم يعد يتحمل قراءة صفحات وصفٍ حيث لا شيء يحدث، ولا حوارات طويلة لا تحمل جديدا؛ فالشكل ليس غاية، إنه يدعم المحتوى (العمق). ينبغي في البداية امتلاك حكاية جيدة، ثم في الداخل نستطيع تأثيث دوائر الزينة من غير الإساءة لصبر القارئ.

6- المعاودة

لا تخشَ البدء من جديد أبدا، فعادة ما تكون البدايات منقوصة، ونكون أمام خيارين، إما ترقيعها مثل قارب نعالج الثقوب التي في بدنه بقطع خشب، أو نصنع قاربا أخر من جديد. لا تتردد في اختيار الحل الثاني على الرغم من أن حاسوبك ومعالجة النصوص تسمح بالترقيع. إنها تقريبا مثل الـ “master mind” فأحيانا حين نخطئ في كل شيء نستخلص الطريقة الصائبة. لقد كتبتُ رواية “النمل” 120 مرة، وبصراحة لم تكن النماذج الأولى فظيعة.

7- القراء الاختباريون

جِدْ من يقرأ لك ولا يخشى قول الحقيقة، معظم الناس الذين تمنحكم مسوداتك يشعرون أنهم مضطرون للقول أنها سابع عجائب الدنيا. هذا غير مهم، ولا يلزمك بشيء، في المقابل فالقول للكاتب “البداية مفرطة الطول، والنهاية غير مقنعة” يعني في الغالب مصارحة الكاتب، ومن يمتلك القوة ليقول لك هذا هم من يساعدونك بحق. ولهم ينبغي منح مسوداتك لتتلقى وجهة نظرهم. تستطيع أيضا الاستماع للتهاني بشأن المقاطع الموفقة، لكن لا تكن ساذجا، اترك الأنا جانبا، وابتعد عن المتملقين الذين لا يستطيعون التبرير لماذا أعجبهم هذا العمل.

كُتب في نصائح الكتابة | التعليقات مغلقة

آن لاموت: الكماليّة سوف تدمّر كتابتك

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

آن لاموت *
ترجمة: أحمد الزبيدي
مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

أعتقد بأن الكمالية تنبعُ من ذلك الهاجس، بأنك إذا ركضتَ بحذرٍ كافٍ، ووطأت على كلّ حجرٍ بالشكل الصحيح، فلن تموت. الحقيقة هي أنك ستموت في جميع الأحوال، وأن كثيرًا من الناس ممن لا ينظرون إلى خطواتهم، سيبلون خيرًا منك، وسيقضون أوقاتًا ممتعة أكثر منك بكثير.

إلى جانب ذلك كله، الكمالية سوف تدمّر كتابتك، سوف تحجبُ عنك الزخم واللعب وطاقة الحياة. الكمالية تعني أنك تحاول باستماتةٍ ألا تترك وراءك أية فوضى أو أشياء زائدة لكي تتخلص منها، ولكن تلك الفوضى ترينا أن الحياة قيد العيش، فهي أرضٌ خصبة بشكل رائع، ويمكنك أن تكتشف كنوزًا بين تلك المخلفات؛ تتخلص من أشياء، وتمحو أخرى، وتثبّت أخرى، وتعثر على غيرها. الصرامة تعني أن النّص هو أفضل ما ستحصل عليه.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

عندما كنتُ في الحادية والعشرين، قمت بإزالة اللوزتين، كنت من أولئك الذين يصابون بالتهاب الحنجرة كل بضعة دقائق، وأخيرا قرّر الطبيب أنني بحاجة لإجراء عملية ازالة للوزتين. بقيت لمدة أسبوع بعد العملية أعاني الألم الشديد عند محاولة بلع أي شيء، حتى أنني كنت بالكاد أفتح فمي. أخذت وصفة طبية تشتمل على مسكنات للألم، ومع ذلك، وبعد أن نفدت الوصفية، لم يتوقف الألم. تحدثت مع الممرضة وقلت لها بأنّ من الضروري جدًا أن تصرف لي وصفة جديدة أقوى، وربما من الأفضل أن تحتوي على مزيج أدوية أكثر فاعلية، لأنني بدأت أشعر بالقلق نوعا ما، ولكنها لم تفعل. طلبت أن اتحدث مع مسئولتها، فأخبرتني بأنها تتناول الغداء، وأن ما أحتاج إليه هو شراء بعض العلكة قبل أي شيء، وأن أقوم بمضغها بقوة.

هذه الفكرة جعلتني أقبض على حلقي بإحكام. فشرحت لي كيف أن جسدنا حينما يصيبه جرح ما، فإن العضلات القريبة من الجرح تحيط به، لحمايته من أي تلوث أو عدوى، لذا فأنا بحاجة لاستعمال تلك العضلات إذا ما أردت أن أشعر بالراحة.
وأخيرًا، ذهبت صديقتي المفضلة بامي واشترت لي بعض العلكة، وبدأت ألوكها وأنا مستاءة ومرتابة. كانت أولى الحركات قد خلفت إحساسا فظيعًا في مؤخرة الحلق، ولكن الألم زال تمامًا خلال دقائق.

أعتقد بأن شيئاً مشابهاً لذلك يحدث لقوانا النفسية، فهي تضيّق الخناق على جروحنا -ذكريات الطفولة المؤلمة وهزائمنا وخيبات أملنا في مرحلة البلوغ والإذلال الذي عانيناه من كليهما، فهي تحمينا من عودة الآلام الى المكان ذاته مرة اخرى، وتلفظ الأشياء الغريبة خارجًا، وعليه فهي لا تسمح لتلك الجروح بأن تلتئم.

الكمالية هي أحد الطرق لتضييق الخناق على جروحنا. في بعض الحالات، نحن لا نعرف حتى أن الجروح والتشنّجات موجودة، إنّها تحدّ من قدراتنا، تجعلنا نواصل المسير ونكتب بأساليب صارمة وقلقة، تجعلنا نتراجع ونتقهقر أمام الحياة، وبطريقةٍ فجة ومباشرة تمنعنا من اختبار الحياة، فكيف يمكن لنا تجاوز كل ذلك والتقدم الى الأمام؟

حسنًا، سيكون ذلك أسهل، إذا ما كنت تؤمن بإله. ولن يكون مستحيلا إن لم تفعل. إذا كنت تؤمنُ بإله، فإن الإله الذي تؤمن به قد يكون قادرًا على تحريرك من الكمالية. رغم ذلك، فإن أحد أكثر الأشياء إزعاجًا أن تعرف بأن إلهك لن يمسّك بعصاه السحرية، مثلما تفعل الجنية الطيبة جليندا، ويعطيك ما ترغب به. ولكنه قد يمدّك بالشجاعة أو قوة التحمّل لكتابة المزيد والمزيد من المسوّدات الرديئة، وعندها ستتعلم أن المسودة الثانية المتقنة ستنبثق من ذلك، وستدرك قيمة تلك الفوضى والركام الرهيب الذي تركته خلفك.

والآن، قد يكون الإله الذي تؤمنُ به صارمًا ومطلق أحكامٍ وكماليّ، من النوع الذي يشبه بوب دول، أو يشبهني أنا. ولكنّ صديقًا قسّيسًا حذرني مرة لأبتعد عن إله المعايير في طفولتي، الذي يحبّك ويرشدك، ثمّ – إذا تصرّفت بسوء- سوف يشويك. إلهٌ مثل ناظر مدرسة ثانوية ببذلة رمادية، لا يتذكر حتى اسمك، ولكنّه دائمًا ما يقلّب أوراق ملفك بضيق. إذا كان هذا هو الإله الذي تؤمن به، فأنت بحاجة لأن تندمج مع شخصٍ يسليك قليلا، أقل وسوسة وتدقيقًا. ديفيد بايرن مثلا، قد يكون جيدًا، وكذلك غريس الين، ومستر روجر.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

إذا لم تكن تؤمنُ بإله، فقد يكون من المجدي أن تتذكّر الكلمات العظيمة لجنين روث:

“إن الوعي والإدراك يعلّمانك أن تصاحبَ نفسك وأن تكون صديقًا أكثر تعاطفًا معها، كما لو كنتَ شخصًا تحبّه وترغب بتشجيعه. أشكّ بأنك ستقرأ المسودة الأولى لصديقٍ مقرّب، بحضوره، وأنت تقلّب عينيك منزعجًا وساخرًا. أشكُّ بأنك سوف تقحمُ إصبعك في حنجرتك، أعتقدُ بأنك ربما ستقول شيئًا يشبهُ؛ أحسنت. يمكننا أن نعالج بعض المشكلات لاحقًا، ولكن حاليًا.. اعمل بكلّ طاقتك”.

وعلى أية حال، فإن الحقيقة هي أنك إذا أردت أن تكتب، فبإمكانك ذلك، ولكن من المحتمل أنّك لن تكون قادرا على التقدم إذا لم تتجاوز عائق الكمالية.

أنت تريد أن تروي قصة من نوع ما، تروي الحقيقة كما تشعر بها، لأن شيئا ما يدعوك لذلك.

إنه يدعوك كما في افلام الكارتون، عندما يرتفع من الفطيرة الساخنة – التي تركوها قرب النافذة لتبرد – إصبعًا من الدخان الرفيع، ينزلق تحت الباب، إلى جحر الفأر، أو أنف الرجل والمرأة النائمين على الكرسيّ المريح، فيلوي الدخان العبقُ إصبعه، ينهضُ الفأر، أو الرجل أو المرأة، ويتبعونه، بأنوفٍ ترتفع في الهواء.

ولكن في بعض الأيام، يكون الدخانُ خفيفًا، وعليك أن تلاحقه بأفضل ما تستطيع، وأن تتشمّمه. وحتى في تلك الأيام، يمكنك أن تحسّ بالمثابرة، وفي اليوم التالي قد تكون الرائحة أقوى، كما لو أنك تنمّي في داخلك غريزة كلبيّة. إنه أمرٌ لا يقدّر بثمن. في حين أن الكمالية، على الجانب الآخر، لن تأخذك إلا إلى الجنون.

إن يوم عملك قد يتحول الى فوضى تامة، ما الضير في ذلك؟ يقول فونيغت:

“عندما أكتب أشعر مثل رجلٍ بلا يدين، ولا ساقين، بقلمِ تلوينٍ شمعيّ في فمه”.

لذا، انطلق وأحدث الكثير من الخربشات والأخطاء. استخدم الكثير من الأوراق، الكمالية هي شكلٌ لئيمٌ وجامدٌ للمثالية، في حين أن الفوضى هي صديق الفنان الحقيقي.

ما ينساه الناس غالبًا، من دون دراية أنا متيقنة، أننا عندما كنا صغارًا، كنا نحتاج أن نخلق الفوضى لنكتشف من نحن، ولماذا نحن هنا، ومن ثمَّ.. ما الذي يفترضُ بنا أن نكتبه.

من كتاب: Bird By Bird

كُتب في نصائح الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة