آن لاموت: تصميم الزمكان في النصّ الروائي

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب

آن لاموت *
ترجمة: ريم الصالح – الكويت

أحياناً، قد يكون من المفيد أن تترك شخصياتك لتتجمع وتحتشد من دونك، أن تُحضّر لأدوارها وتدعها ترتجل حواراتها، بينما تمهّد أنت الطريق لظهورها.

تخيّل نفسك مصمماً لنسخة مسرحية أو نسخة فيلم من القصة التي تعمل عليها، سوف تساعدك معرفة كيف ستبدو تلك “الغرفة أو المكتب أو السفينة أو المرعى” عندما تحدث الأحداث. تريد أن تعرفها وتشعر بها، بحرارتها وألوانها، كما لو أن شخصياتك ليسوا سوى إعلانات تمشي على قدمين لمن يكون هو أو هي، فكل غرفة هي عبارة عن معرض صغير لقيمة شاغليه وطبيعة شخصياتهم. كل غرفة، هي عبارة عن ذاكرة. كل غرفة تعطينا طبقات من المعلومات حول ماضينا وحاضرنا ومن نكون، حول مقدساتنا ونزواتنا، آمالنا وأحزاننا، محاولاتنا لاثبات وجودنا وأننا على أحسن تقدير بخير.

يمكنك أن ترى عبر غرفنا كم نحتاج الضوء، وكم مصباحاً وشمعةً ونافذة ضوء لدينا. يمكنك أن ترى كيف نحاول أن نمسح على تعبنا عبر محافظتنا على هذه الأشياء مفعمةً بالضوء. المزيج الموجود في غرفنا مؤثرٌ للغاية؛ الفوضى والشقوق على الجدار تناقض مدى الكآبة والانكسار في حياتنا، بينما الصور والقليل من الأشياء النادرة تظهر فخرنا بلحظاتنا المشرقة والنادرة. كما أشارت المصورة كاثرين واغنر بأن هذه الغرف هي أطلال المستقبل.

يمكنك الآن أن تجلس على كرسي مكتبك وتحاول أن تتخيل المشهد الذي ستدخل عليه شخصياتك بعد لحظات. لربما كانوا أغنياء وأنت لست كذلك، بالطبع أنت لن تتكلم عن مرارتك حول ذلك. قد تحتاج إلى الاتصال بأحد أصدقاءك أو معارفك من تراه على قدر من الغنى وتطلب منه بلباقة أن يساعدك في تصميم منزل قديم عاش به أحد النبلاء. قولي “بلباقة” لا أقصد منه إلا أنك ستحصل على أفضل المعلومات إذا تجنبت ذكر مصاعب الحياة، وأن منزلك يبدو أقرب لقطعة أرض قاحلة مع كل يوم، وأنك قد تحتاج إلى أن ترسل كلبك للنوم لأنك لا تملك ما تطعمه. يمكنك فحسب أن تقول “أنا أعمل على جزء من كتابي حيث نلتقي للمرة الأولى بعائلة غنية جداً ومهذبة، وكنت أتساءل إن كان بإمكاني استعارة رؤيتك حول أنواع السجاد والأغطية والإضاءات والتحف التي ستكون موجودة في المكان. على سبيل المثال، لنبدأ بغرفة المعيشة. هل يمكنك أن تصف غرفة معيشة جميلة وفاخرة للغاية بأكبر قدر من التفاصيل؟”. عندها يمكنك أن تسأل صديقك عن الروائح التي يمكنه أن يتذكرها، في غرفة المعيشة وفي المطبخ، وكيف كانت الإضاءة في أركان المكان، وكيف بدت الغرف باختلافاتها، وكيف كان شعوره بالصمت في أجزاءها. أو على نفس المنوال، يمكنك أن تسأل شخصاً نشأ على الفقر أن يشرح لك بالتفاصيل عن منزله القديم، وعن المطبخ وغرف النوم، وحتى عن الأريكة في الفناء الخلفي.

قبل سنوات كنت أعمل على رواية حول امرأة تزرع، امرأة أحبت الزراعة والحدائق حقيقة. أنا لا أحب أن أزرع رغم ذلك فإنني أحب أن أرى حدائق الآخرين، وأحب أن أقطف الأزهار. لديّ العديد من الزهور البلاستيكية عالية الجودة والمزروعة في فناء منزلي، كم هي جميلة المنظر وتبعث في ذهني العديد من القصائد.

اعتاد أصدقائي على إعطائي أوعية نباتات وأشجار وما يحدث لها لاحقاً فظيع حقاً لأن أذكره هنا. في نهاية المطاف كانت تبدو هذه النباتات كما لو كنت أسقيها بمبيدات سامة. كنت أخبرهم جميعاً بأنني لا أصلح للاهتمام بالنباتات وكانوا يقررون بأنني لم ألتقِ بعد بالنبتة المختارة، وبأنهم سيكونون ذلك الشخص الذي سيحررني وسيدع نور الله ينير بصيرتي وما إلى ذلك، ثم كانوا يجلبون لي نباتات صغيرة للتدرب عليها وكنت أحاول بجهد كبير أن أسقيها وأبقيها تحت أشعة الشمس أو بعيدة عنها، حسب ما هو مكتوب في بطاقتها المرفقة، وآخذها في جولات صغيرة حول المنزل، وفي غضون شهر يمكنك أن تسمع تقريباً انهيار الكلوروفيل، شيء يشبه الذعر ربما. يمكنك بعدها أن تراها تمسك بحلقها الصغير، تراقبك بعينيها الصغيرتين بنظراتٍ تلهث بالاتهام. حسناً، من يحتاج إلى هذا كله؟ أعني أن لدي أعباء تكفيني في الواقع.

في الحقيقة استطعت أن أبقي تلك النبتة الفظيعة على قيد الحياة لعدة أشهر، يا إلهي كم كان إصيصها ضخماً. لا أدري حتى ماذا كانت، ولكنها كانت بطول ثلاثة أقدام تقريباً قبل أن تضعف، وخضراء لدرجة أن تكون غير حقيقية. لقد عملت على أن أسقيها وأقطع أوراقها الميتة وكيف كان جزائي منها؟ بأن تصبح مثل هوارد هيوز في أيامه الأخيرة. خسرت كل هذا الوزن ثم توقفت عن النمو. بدأت أعتقد بأنها ستحتاج مني صناديق من القفازات المطاطية، وعلباً من المحارم الورقية قريباً لتغطية غذائها. أعطيتها الماء وأشعة الشمس وغذاءً نباتياً مكلفاً، ما الذي كان يجب أن أصنعه أكثر من ذلك؟ إحضار طبيب نفسي؟ أخيراً، رجعت إلى عقلي وأخذت النتبة خارجاً ووضعتها عند ركن المنزل حيث لا أضطر إلى النظر إليها. قد يظن أحدهم بأنها بدأت تزهر حالاً. لكن ذلك لم يحدث، لقد ماتت.

لذلك، فإنه غني عن القول بأنه عندما جاء الأمر لتصميم حديقة لشخصية روايتي الأساسية لم أكن لأتوجه إلى سبر أعماق تجربتي الشخصية مع الزراعة. لكنني علمت فحسب، دون أن أقدر على شرح هذه المرحلة بأن تلك الشخصية كانت تزرع. أحب أن أرى الناس في الحدائق، أحب التأمل بالجلوس لوحدي في الحديقة، أحب كل المجاز الذي تعبر عنه الحديقة. الحديقة هي واحدة من إثنان هما أعظم مجاز البشرية، المجاز الآخر هو النهر بالطبع.

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول وفق قواعد المعلوم

المجاز أداة لغوية عظيمة، لأنه يشرح المجهول عبر قواعد المعلوم. لكنها لا تعمل إلا إذا كان لها صدى في قلب الكاتب. لذلك شعرت هنا ببعض النقص، أن أكون مُحبة لمجاز الحدائق، راغبة بالعمل عليه، ولكني لا أحب الزراعة. لم أعرف من أين أبدأ، ولكني أعرف بأن الحديقة لم تبدأ مجازاً، لكنها بدأت باعتبارها جنة. ثم بعد ذلك أصبحت تعبر عن الحياة والجمال والتغير في الكائنات الحية.

الحديقة أن تسعى لأن تطعم أطفالك، أن توفر الطعام لأهلك. إنها جزء من محرك إقليمي عاجل والذي يمكننا على أحسن تقدير أن نخططه للحيوانات في تخزينها للطعام. إنها آلية العرض التنافسية كأن يكون لديك جائزة الثور، هذا الطمع تجاه أفضل حبات الطماطم، وأجمل أزهار الشاي الإنجليزي؛ هو كله بغرض الفوز، بغرض تزويد المجتمع بالأشياء الفائقة، وبغرض إثبات أنك بذائقة وقيم رفيعة وأنك تعمل بجهد كبير. ويالها من راحة رائعة عندما تعرف بين الحين والآخر من هو عدوك، لأنك عندما تكون في الحديقة يصبح العدو كل شيء، حشرات النباتات والطقس والوقت. وهكذا تقوم بإفراغ جل نفسك فيها، تهتم كثيراً وترى عن قرب ميلاد النباتات الجديدة وكل هذا النمو والجمال والخطورة والنجاح، ثم سيموت كل شيء في النهاية أليس كذلك؟ لكنك تستمر في فعل ذلك على أية حال. ياله من مجاز عظيم! إنني أحب ذلك حقاً! أردت حديقة في كتابي بشدة! أخيراً، أخيراً قررت أن أتصل بمشتل للنباتات.

استطعت الوصول إلى رجل لطيف جداً شرحت له ما أريد فعله وإن كان بمقدرته مساعدتي في تصميم حديقة خيالية لشخص يعيش في منطقة نورث باي بفناء خلفي واسع. قررنا أن نبدأ العمل بأن نرى كيف سيكون شكل هذه الحديقة في الصيف ثم سيقوم هو بمساعدتي في ملاحظة تغيرات الحديقة مع مرور الأشهر وتعاقب الفصول.

سألني: “هل تريدين بعض أشجار الفاكهة؟” ثم قضينا النصف ساعة اللاحقة نصمم حديقة خيالية تمتلئ بالأشجار والورود من كل الأنواع. أخبرته بأنني أرى في خيالي شبكاً أبيض في مكان ما في الحديقة وسألته أي أنواع النباتات المتسلقة يمكن أن نضعها هنا. فاقترح أن نزرع البازلاء. ثم أضفنا بعض الخضار، ورقعة من الأرض زرعناها بالفراولة البرية، فكان لي حديقتي. صارت عادتي الجديدة أن أتصل به كل بضعة أشهر لأسأله “كيف هو حال شجرة التفاح الآن؟” و ربما “هل هناك أية فاكهة؟ أو أوراق؟ وما الذي يجب علي أن أفعله لأعتني بأرض الورود الآن؟”. بدأت أيضاً بزيارة حدائق الآخرين، أسألهم عن أنواع النباتات الموجودة عندهم وكيف يعتنون بها. كانوا يقولون أموراً مضحكة أو عبقرية للغاية فكنت أقتبس ما يقولونه. اشتريت كذلك كتاباً في فن الزراعة ليمكنني دراسة الورود والأشجار والكروم، إلى هذا الحد وصدقاً بالله؛ الناس الذين قرأوا روايتي اعتقدوا أنني أحب الزراعة. أحيانا قد يأتون إلي طالبين أن نذهب للتسوق معا وشراء النباتات كما لو كنا مزارعين يتشاركان الاهتمام نفسه، حتى أخبرهم بأنني كتبت كل ذلك بمساعدة الكثير من أصدقائي والأشخاص المزارعين من حولي الذين يعرفون في هذه الأمور أكثر مني.

كانوا يسألونني بشك:”أنتِ لا تحبين أن تمارسي الزراعة؟” فكنت أهز رأسي نفياً دون أن أقول أن ما أحبه هو قطف الأزهار لأن ذلك يبدو عنيفاً جداً ووقحاً، تماماً كجواب سلفادور دالي عندما سُإل أي الحيوانات أحب إليه؛ فأجاب شرائح السمك.

وخلال السنوات الماضية كلها سألت العديد من الأشخاص في شتى المجالات ليساعدونني في إعداد تصاميمي، فكنت أسألهم كيف سيبدو شكل العالم في أحد المناطق الأمريكية أو القرى الأفريقية، أو داخل سيارة معينة تحت المطر، أو المشردين عندما كانوا يصلون إلى المدينة عبر القطار. ثم أحاول أن أتخيل الأمر كفيلم سينمائي لهذا المشهد بأكبر قدر من التفاصيل. أحياناً تغدو الصور أكثر وضوحاً عندما أغلق عيني، وأحياناً أخرى أطيل التحديق في المسافة أمامي، كقطة.

* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | إرسال التعليق

هاروكي موراكامي: كتابة القصص القصيرة لعبة

كتابة الرواية تحدٍ، وكتابة القصص القصيرة لعبة

أنا أرى أن كتابة الروايات تحدٍ، وكتابة القصص القصيرة لعبة.

هاروكي موراكامي
ترجمة: يونس بن عمارة.

لقول هذا بابسط طريقة ممكنة: أنا أرى أن كتابة الروايات تحدٍ. كتابة القصص القصيرة لعبة.

لو تصورنا ان كتابة الروايات هي زرع غابة فان كتابة القصص ستكون كزرع حديقة، كلا العمليتان تكملان بعضهما البعض، إنشاء منظر طبيعي كامل يعجبني: أوراق الشجر الخضراء تلقي ظلا لطيفا على الارض والريح تداعب الاوراق التي تكون منصبغة باللون الذهبي احيانا..

بعد مضي الوقت، في الحديقة، تظهر براعم للزهور، بتلات الزهور الملونة تجذب النحل والفراشات مذكرة بالانتقال الخفي من فصل لآخر .

منذ بداياتي ككاتب قصص خيالية العام 1979 تعودت بشكل دائم على الكتابة بالتناوب بين القصص القصيرة والروايات، وكان منهج عملي كالآتي: عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

لا اكتب أية قصة قصيرة عندما أكون أكتب رواية، وأبدًا لم أكتب أية رواية عندما أكون في العمل على مجموعة قصصية. أعتقد أن هذين النوعين المختلفين ينتميان الى جزئين مختلفين من الذهن، والأمر يتطلب وقتا لإطفاء الأول ثم تشغيل الجزء الآخر .

كان يكفي وحسب بعد بداية عملي مع نشري روايتين قصيرتين (نوفيلا) “اسمع اغنية الريح “، و “بِينبال Pinball” 1973 ، كي ابدأ من العام 1980 الى 81 بكتابة القصص القصيرة، أول ثلاث قصص كتبتها كانت (قارب بطيء نحو الصين)، (قصة عمٍّ فقير)، (كارثة تعدين في نيويورك). (قارب بطيء نحو الصين) نُشرت في مجموعتي القصصية الاولى التي صدرت بالإنجليزية بعنوان (الفيل يختفي)، بينما الأخريات توجد في مجموعتي هذه. هذه هي نقطة انطلاقي ككاتب قصص قصيرة وأيضا لما كنت أطور نظامي في التناوب في الكتابة بين القصة والرواية .

“المرآة ”، ”يوم مثالي لحيوانات الكانغارو”، “دابشيك”، ”عام السباغيتي”، “صعود وسقوط كعك الشيربي” كانوا جميعا في مجموعة قصصية كتبتها من العام 81 الى 82، “صعود وسقوط كعك الشيربي” تمثل، كما يظهر للقراء بسهولة، انطباعاتي حول العالم الأدبي في بداياتي. لكن على شكل قصة خيالية، لكن في نفس الوقت لا تتلائم مع المؤسسة الأدبية اليابانية ، الأمر الذي استمر معي ليومنا هذا .

عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

عندما أنهي رواية أجد نفسي أريد ان أكتب بعض القصص القصيرة، وعندما أنهي مجموعة قصصية أجد نفسي أحب العمل على رواية.

أحد مباهج كتابة القصص القصيرة أنك لا تستغرق وقتا طويلا لإنهائها، عموما تأخذ مني القصة القصيرة حوالي أسبوع لإنهائها وإخراجها في شكل لائق ومقبول (مع العلم ان التعديلات أو التنقيحات لا نهاية لها)، إنها ليست كذلك الالتزام المادي والعقلي على مدار عام او عامين الذي تتطلبه كتابة رواية ما.

يمكن ببساطة ان تدخل غرفتك، تنهي عملك، وتخرج. هذا كل ما في الامر. بالنسبة لي على الاقل كتابة رواية تبدو لي انها ستطول للأبد، وأحيانا أتسائل هل سأعيش حتى أنهيها، لذلك وجدت أن كتابة القصص القصيرة تغيير ضروري وكسر لهذه الوتيرة.

الشيء الجميل الآخر في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر. في معظم الحالات.. وكارتجال في موسيقى الجاز.. تأخذني القصة حيث تريد. الشيء الجميل الآخر في القصص القصيرة هو أنه لا داعي للقلق من الفشل، إن لم تفلح الفكرة كما أملت لها ان تكون يمكنك هزّ كتفيك والقول أنه لا يمكن لكل القصص أن تكون ناجحة.

حتى مع أساتذة هذا الفن كـ ف .سكوت.فتزجرالد وريموند كارفر وحتى أنطوان تشيخوف.. ليست كل قصصهم القصيرة تحفة أدبية. وجدت هذا مريحا. يمكنك التعلم من أخطائك، (بعبارة أخرى بالنسبة للقصص التي تعتبر نجاحها غير مكتمل) يمكنك استخدامها في الكتابة بشكل أحسن في القصص المقبلة.

بالنسبة لي، عند كتابة رواياتي أحاول جاهدا الاستفادة من نجاحاتي وفشلي التي خبرتها في كتابتي للقصص القصيرة. بهذا الشكل تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي، لأنّه من الصعب جدا أن تجرب وأنت في خضم العمل على رواية كاملة، لذا أعتبر أنه من دون القصص القصيرة يعتبر العمل على كتابة رواية أكثر صعوبة وأكثر تطلبا.

كنت أعرف القليل عن كتابة القصص القصيرة لذا فالبداية كانت صعبة، لكني وجدت انها تجربة مثيرة. أحسست أن إمكانيات عالمي الخيالي قد توسعت لدرجات عليا، ولاحظت أن قرّائي يقدرون هذا الجانب مني ككاتب.

مبدئيا أعتبر نفسي روائياً، لكن الكثير من الناس أخبروني أنهم يفضلون قصصي القصيرة على رواياتي. هذا لا يزعجني ولا أحاول إقناعهم بالعكس، الحقيقة انني سعيد بسماعهم يقولون لي هذا، قصصي القصيرة مثل ظلال ناعمة أخرجها لهذا العالم، كآثار أقدام باهتة أتركها خلفي.

اتذكر تماما كل لحظة جلست لأكتب إحداها، وكيف شعرتُ وقتها، القصص القصيرة كالعلامات الإرشادية نحو قلبي. وأنا سعيدٌ جدًا ككاتب لكوني أشارك هذه المشاعر الحميمة مع قرائي.

الشيء الجميل في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر.

الشيء الجميل في القصص القصيرة أنه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من أدق التفاصيل الصغيرة – فكرة تزهر في ذهنك، كلمة، صورة .. أو أي شيء آخر.

“الفيل يختفي ” صدرت العام 1991 وترجمت فيما بعد الى العديد من اللغات، مجموعة قصصية اخرى بالانجليزية (ما بعد الزلزال ) صدرت العام 2002 (العام 2000 في اليابان) وهذا الكتاب يحوي ستة قصص تتعامل بشكل أو بآخر مع الكارثة الطبيعية (زلزال كوبي) الذي حدث العام 1995. لقد كتبت هذه القصص الستة بشكل آمل معه أن تكون كصورة واحدة في ذهن القاريء، ولذلك الأمر فإن تلك المجموعة القصصية هي أكثر من كونها تجميعية لقصص قصيرة، ومن هذا المنطلق، فهذه المجموعة القصصية: “الصفصافة العمياء، المرأة النائمة” ، هي أول مجموعة قصص قصيرة بالمعنى الحقيقي كتبتها منذ فترة طويلة.

بالطبع الكتاب يحوي قصصا كتبتها بعد صدور مجموعة (الفيل يختفي) ، ”فتاة يوم ميلاد”، “آكلوا القطط ” ، ”الرجل السابع“، و”رجل الثلج“، بعض هذه القصص.

كتبت ‘فتاة عيد الميلاد‘ بطلب من الناشر لما كنت أعمل على انطولوجيا (مختارات) لقصص كتّاب اخرين تتعلق بموضوع يوم الميلاد، يساعدك كونك كاتب أن تختار قصصا لانطولوجيا ما، إذ أنه لو كان بمقدورك تلخيص قصة ما، فبإمكانك كتابة واحدة.

“رجل الثلج“ بالمناسبة مبنية على حلم رأته زوجتي بينما ”الرجل السابع” مبنية على فكرة أتتني لما كنت اتجول على الشاطيء وأتأمل الموج.

الحقيقة أنني من بداية العام 1990 الى بداية العام 2000 كتبت القليل من القصص القصيرة ، لم يكن الامر أنني فقدت اهتمامي بالقصة القصيرة ، فقط كنت غارقا في كتابة عدد من الروايات لم أجد وقتا آخر لإنهائها ، لم أجد وقتا لانهائها والقيام بكتابة القصص القصيرة بل كتبت قصة قصيرة من وقت لآخر كلما سنح لي ذلك، لكنني لم اركز عليهم، خلافا لذلك كتبت روايات: “يوميات الطائر اللعبة”، “جنوب الحدود، غرب الشمس”؛ “سبوتنيك الحبيبة”؛ “كافكا على الشاطئ”.

وبينها كتبت جزئين من العمل غير الخيالي، الذين صدرا بالانجليزية تحت عنوان (ما تحت الارض). كل واحدة من هذه الأعمال أخذت كما هائلا من الوقت والطاقة. في ذلك الوقت كان اهتمامي الأوحد هو كتابة رواية بعد أخرى.

ربما فقط أتى ذلك الوقت من حياتي حيث كتبت (ما بعد الزلزال) كلحن موسيقى فاصل بين المقاطع، لكني كما قلت مجموعة (ما بعد الزلزال ) ليست مجموعة قصصية بالمعنى العادي.

في العام 2005، وللمرة الاولى منذ فترة طويلة جدا. شعرت برغبة شديدة في كتابة مجموعة من القصص القصيرة، رغبة جارفة كما يمكنك القول استبدت بي، لذا جلست لمكتبي. أكتب قصة قصيرة كل حوالي اسبوع، وأنهيت خمس قصص فيما لا يزيد على فترة شهر ومن ثم لم يعد بوسعي التفكير في أي شيء غير هذه القصص، لذا فقد كتبتها دون توقف. هذه القصص الخمسة نُشرت مؤخرا في مجلد في اليابان تحت عنوان (قصص غريبة من طوكيو) وقد جُمعت هنا في النهاية في هذا الكتاب. على أساس أنها تشترك في كونها قصصا غريبة، كل قصة يمكن قراءتها بشكل منفصل، وهي ليست مقتطعات من قصة ذات وحدة واحدة كما فعلت في قصص مجموعة (ما بعد الظلام )، مهما كان، فكّروا بالتالي. أي شيء كتبته هو قل أو كثر: قصة غريبة.

تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي.

تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي.

“السرطانات”، ”قصة عم فقير”، و“الصفصافة العمياء ـ المرأة النائمة” تمت مراجعتها وتنقيحها بشكل كبير قبل ترجمتها، لهذا هي تختلف عن تلك التي نشرت في اليابان، وبالنسبة للقصص الأقدم فقد وجدت بعض الخلل الذي لم يسرني، لذا قمت ببعض التعديلات الخفيفة.

عليّ القول أيضا أنني في العديد من المرات أعيد كتابة قصص قصيرة وأدمجها في الروايات، وهذه المجموعة تحوي العديد من هذه النماذج ”لعبة الطائر وامراة يوم الثلاثاء“ (توجد في مجموعة الفيل يختفي) أصبحت نموذجا للمقطع المفتوح لرواية “يوميات لعبة الطائر” وبهذا الشكل ايضا قصة “اليراع ” و” آكلوا القطط ” مع بعض التغييرات دمجت على الترتيب في رواياتي “الغابة النرويجية ” و” سبوتنيك الحبيبة ”. مضى عليها وقت كنت كتبتها كقصص قصيرة، لكن بعد نشرها امتدت وتوسعت في ذهني وأصبحت روايات.

القصة القصيرة التي كتبتها منذ فترة طويلة تدخل منزلي تهزني كي استيقظ وتصرخ فيّ (هاي.. هذا ليس وقت النوم! لا يمكنك نسيان أمري، هناك الكثير لكتابته). بدافع من هذا الصوت أجدني اكتب رواية. وبهذا الشكل أيضا القصص القصيرة والروايات تندمج بشكل طبيعي في داخلي .

الكثير من الناس دفعوني وشجعوني على كتابة القصص القصيرة، كل مرة ارى فيها ماندا ايربان ، وكيلي لدى ICM، تكرر لي هذا كتعويذة (هاروكي! اكتب المزيد من القصص القصيرة!) غراي فيسكتجون لدى دار نشر” كنوبف” ناشر مجموعة (الفيل يختفي ) هو أيضا محرر هذه المجموعة ( الصفصافة العمياء، المرأة النائمة ) وكان دوره محوريا في إخراجها للطبع. أيضا جاي روبن وفيليب جبرييل، عملي المُجِهد، المترجمين المحترفين، لهم لمستهم الفريدة أيضا، وإنه لمن دواعي سروري أن اقرأ قصصي عبر ترجماتهم الراقية، ايضا أنوه الى أنني ألهمت جدا بواسطة ديبوراه تايزمان وسلفته لندا آشر المحررين لدى مجلة نيويوركر التي نشرت العديد من قصصي شكرا لهم جميعا. هده مجموعة قصصية جديدة تنشر لي وككاتب قصص قصيرة لا يمكنني أن أكون اكثر سعادة مع ما أنجزناه هنا.

* مقدمة لمجموعته القصصية ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) التي تحتوي 24 قصة قصيرة .
* نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , , | التعليقات مغلقة

كيف تكتب نهاية سعيدة معقولة؟

إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

جو فاسلر
ترجمة: ميادة خليل

كاتب مثل تيد ثومبسون تعلم من جون شيفر أن حلَّ النهاية السعيدة لا يُمحي الظلام من القصة، ولكنه يوجد ضوءاً بداخلها.

النهايات السعيدة معروفة بندرتها في الأدب. نقرأ الكتب العظيمة لتعقيدها العاطفي والأخلاقي، والحل على نطاق واسع يغش إحساسنا عما تبدو عليه الحياة الواقعية. لأن المشاكل المعقدة نادراً ما تُحل بشكل كامل، أفضل الكتب تميل الى مطاردة وإثارة أعصاب القرّاء حتى لو كانوا مثقفين ومرفهين.

هذا يصح بشكل خاص في الكتابة عن ضواحي المدينة، ربما لأن هذه البيئة قُدمت على أنها نهاية سعادة رمزية للسرد الثقافي الأمريكي المتحرر. ليس من قبيل الصدفة أن أفضل القصص المعروفة عن الطبقة المتوسطة الأعلى ــ مثل كتب جون أبدايك “رحلة رابت”، ريتشارد ياتس “الطريق الثوري”، ريك مودي “العاصفة الثلجية”، على سبيل المثال لا الحصر، ومن الأفلام “الجمال الأمريكي” ــ تميل الى نهايات وحشية للغاية. هذه الأعمال، في لحظاتها الأخيرة، دمرت وأضعفت شخصياتها ــ ومعهم فكرة أن الحياة في الضواحي هي نهاية سعيدة مناسبة للحياة الأمريكية.

عندما تحدثت مع تيد ثومبسون مؤلف كتاب ” The Land of Steady Habits”، ناقشنا كيف أن عاطفة جون شيفر ورؤيته الجوهرية في الخلاص جعلته شاعراً فريداً من بين شعراء الضواحي التعساء، شيفر كاتب فريد مقارنة بكتّاب آخرين بسبب قدرته باستمرار على كتابة نهاية سعيدة قابلة للتصديق. ثومبسون فكك قصة شيفر المفضلة لديه، جوهرة مهملة اسمها “لص شادي هيل”. وبيّن كيف صنع الأستاذ لحظة فكاهية، معقدة، واضحة وحقيقية. ذهب الى شرح الكيفية التي استفزه فيها شيفر ليكتب عن الناس ــ والمناطق التي يعرفها جيداً ــ بكرم اكبر، وتوازن دائم بين الضوء والظلام.

(بلاد العادات الثابتة) هو كتاب ثومبسون الأول، أخذ اسمه من الاسم العامي لولاية كونيتيكت (الكاتب نشأ في ويستبورت) أندرس هيل، خبير مالي معروف في وول ستريت، طبيعته مضطربة بين التكاليف البشرية والبيئية لتحقيق الربح، قرر قطع نفسه عن خاصيتين رئيسيتين في حياته: وظيفته وزوجته. بدأ يشك في أن مسؤولياته السابقة فعلت أكثر من تعثره فيها ــ وأعطى هذه المسؤوليات أيضاً شكلا مصيريا.

ثومبسون خريج ورشة الكتّاب في آيوا ظهرت كتاباته في مجلة “تين هاوس” الأدبية و”أفضل الأصوات الأمريكية الجديدة”. تحدث لي عبر الهاتف من منزله في بروكلاين.

تيد ثومبسون:

صادفت قصة “لص شادي هيل” عندما كنت لازلت أعيش في آيوا، سنة بعد تخرجي من ورشة عمل الكتّاب. في تلك الأيام كان لدي كتابين أو ثلاثة على مكتبي، ليس لقراءتها بجدية ولكن من أجل فتحها والغرق فيها أثناء عملي ــ فقط لكي أستمع الى إيقاع جمل أناسٍ معينة وأسمح لهذه الموسيقى بتوجيهي.

في تلك الفترة، كانت جمل شيفر على وجه الخصوص تسحرني. أستخدمها لالتقاط تلك المجموعات القصصية الحمراء – البرتقالية السميكة وتصفحها عندما أتورط. في يوم ما، في منتصف مسودة قصة قصيرة محكوم عليها بالفشل كنت أكتبها، فتحت عشوائياً قصة “لص شادي هيل” وبدأت قراءتها لأول مرة. كان ذلك في الصباح الباكر، المكان هادئ جداً وساكن، وأتذكر أنني انجذبت الى اللهجة، وهذا النوع من إتقان إرسال تلك الجمل الأولى:

“اسمي جوني هيك. عمري ستة وثلاثون عاماً، يقف في جواربي خمسة أقدام وأحد عشر إنشًا . أزن 142 رطلاً عارية، وأنا، إذا جاز التعبير، عارٍ في هذه اللحظة وأتحدث في الظلام.”

كنت أظن أنني سأقرأ مقطعا أو أثنين، مجرد الأسلوب، لأرى كيف أنزلق الى القصة، لكن الشيء التالي الذي عرفته هو أنني كنت في منتصف القصة، الى أبعد ما كنت قد سمحت لنفسي به، وقرأتها بصوت عال إلى شاشة كمبيوتري.

أندهش دائماً من أن هذه القصة ليست واحدة من قصصه الطوباوية، بالرغم من أن “السبّاح” و”وداعاً أخي” هما أول ما يفكر به الناس عندما يسمعون اسمه. تمتلك القصة كل الأشياء التي أحبها في شيفر: روح دعابة افتراضية، شخصية على حافة الانهيار العاطفي، عالمٌ قاسٍ ظاهرياً لكنه دائماً ما يقوض من قبل نوع من الوحشية. وأكثر ما يلفت النظر، نثره الذي يحلق خلال القصة بأكملها (من هنا جاء الدافع لقراءة القصة بصوت عال، وهذا ما أفعله تقريباً في كل مرة أقرأها). حتى عندما ذكرت القصة للآخرين، كانوا بالكاد يعرفونها. وإذا عرفوها، لم يتأثروا بها. وهي ليست واحدة من القصص التي غالباً ما تُقرأ عند الاحتفاء بـشيفر، مثل ما حدث في مرة منذ بضع سنوات عند nd Street Y92* . كنت أتساءل حينها بأستمرار: لماذا؟.

قصة بسيطة وجميلة عن المظهر الخارجي. رجل يعيش مع عائلته في الضواحي، يفقد وظيفته في شركة تقوم بتصنيع الـباربلينديوم، الذي يبدو أنه نوع من أغطية سران الملونة (أنا متأكد من اختراع شيفر لتلك الكلمة لأن لا غوغل ولا أنا سمعنا بهذه الكلمة). طُرد من وظيفته وقرر العمل لحسابه. يقوم بعمل مثير للشفقة. بسرعة، الأشياء تأخذ منحىً كئيبًا. نفدت أمواله ولا يستطيع أن يُخبر زوجته بذلك. وبمجرد أن تبدأ التمثيلية، يشعر أن أمله الوحيد هو في اقتحام منازل جيرانه وسرقة أموالهم في منتصف الليل.

البطل يعيش في حي خيالي يُدعى “شادي هيل”، ضاحية صغيرة غنية لا تختلف عن ضاحية من ضواحي أوسينينغ، نيويورك، حيث عاش شيفر حياته بالفعل. في إحدى الليالي بعد حفلة عشاء متأخرة، عاد الى بيت مضيفيه واقتحمه. مشى على أطراف أصابعه الى غرفة نومهم حيث كانوا نائمين. رأى زوجا من السراويل معلقا على الكرسي، والتقط محفظة صديقه. كان في المحفظة 900 دولار. وهرب بكل هذا في الليل. هذا الحادث يطارد الراوي لبقية القصة، وكاد أن يحطمه تماماً. أصبح مقتنعاً جداً بجريمته. يرى السرقة والخطيئة أينما ذهب. بدأ يشعر كما لو أن الجميع يعلم بأنه أرتكب خطيئة ما. بدأ يتصرف مثل شخص يأكله الذنب حياً.

ومع ذلك، يأسه دفعه لاقتحام منزل جار آخر عندما احتاج الى نقود أكثر. هو يعلم بأنه لن يتم القبض عليه. هؤلاء الأصدقاء السكارى، “المقاتلون المخمورون” كما أطلق عليهم، لا أمل في استيقاظهم. عندما يذهب الى منازلهم ــ وهنا يصبح وصف شيفر صعباً ــ خجل الراوي وشعوره بالذنب تزداد حدته الى الحد الذي يصبح فيه على وشك الانهيار العصبي. لكن بدلاً من أن يصبح جزءًا من الجُرح، تتدخل الطبيعة. السماء تُفتح وتُمطر.

الآن، هذه منطقة خطرة للكاتب. السرعة تُغري الكتّاب الشباب باعتبارها ذروة دراماتيكية لفترة طويلة: اكتب نفسك في مأزق ودائماً ما يكون لديك الطقس. بالنسبة لي المدد الغيبي لأزمات الروح اليومية ــ الذنب والخطيئة يطهرهما المطر ــ قد يكون مجرد حل عملي متاح. (عندما فعل بي المطر ما فعل، لم أكن قد وجدت الله بعد، شعرت بالبرد والرطوبة والسُكر) لكن على أي حال، في الطريقة التي يعمل فيها النثر، شيفر، الملعون، يوقف عملها. رغم كل مقاومتي، أعتقد بأن البطل كان مرتاحاً من ذنبه. هذا جميل، مقطع تعويضي، واحدة من المقاطع التي قرأتها بصوت عال ربما لمائة مرة:

“كنت أفكر بحزن بداياتي، كيف خُلقت من زوج شهواني منحل في فندق وسط المدينة بعد ستة أشواط عشاء مع نبيذ، وأمي أخبرتني عدة مرات أنها لو لم تشرب الكثير من كوكتيل Old-Fashioneds قبل ذلك العشاء الشهير لم أكن لأولد على نجمة. وفكرت بالرجل الكبير وتلك الليلة في بلازا والكدمات على أفخاذ نساء قرويات من بيكاردي وكل تلك الملائكة البنية المذهبة التي عقدت المسرح معاً ومصيري الرهيب. وبينما أنا أمشي باتجاه بيوتر، كان هناك إثارة قاسية، وجميع الأشجار والحدائق، مثل مسودة على فراش من نار، وكنت أتساءل ماذا كان هذا حتى شعرت بالمطر على رأسي ووجهي، وبدأت بالضحك.

أتمنى لو يمكنني القول بأن ذلك الأسد الحنون جعلني صالحاً، أو طفلا بريئا أو نبرة موسيقى بعيدة عن بعض الكنائس، لكن لم يكن سوى المطر على رأسي ــ رائحته تحلق فوق أنفي ــ أظهر لي هذا مدى حريتي من جسدي في فونتينبلو وعمل اللص. هناك طريق للخروج من ورطتي. إذا كنت مهتماً باستخدامها. لم أكن محاصرا. أنا هنا على الأرض لأني اخترت ذلك. لم أتأثر بالعطايا التي منحتها لي الحياة طالما أنني امتلكها، وأنا أمتلكها إذن ــ العلاقة بين جذور العشب الرطب والشعر الذي نما من جسدي، رعشة موتي التي أعرفها في ليالي الصيف، حب الأطفال، والنظر الى ثوب كريستينا.”

لا أعرف تماماً كيف رفعنا شيفر هنا من الصفحة الى السماء. تفحصت فيها وحاولت التقاط المعنى. كلما تمعنت أكثر، ظهر عجزي في إيجاد معنى لها. كل ما يمكنني قوله أن في موسيقى تلك اللغة، وربما في تكرار بعض الصور من بداية القصة، كان شيفر قادراً على استحضار تجربة مقنعة في داخلي عن شيء مجرد بقدر ما هو غامض: وجود رجل تخلى عن ضميره.

لا أستطيع تخيل أي شخص آخر يمكنه كتابة “كدمات أفخاذ نساء قرويات من بيكاردي” أو “الملائكة البنية المذهبة التي عقدت المسرح معاً.” كم هي غريبة تلك الصور! حتى الآن هناك شيء ما حول فجائيتها يجعلني أضعف أمامها، وتكشف لي شيء آخر تريد أن تقوله القصة.

وما هو هذا الشيء، أعتقد أن الجواب في السطر التالي: “العلاقة بين جذور العشب الرطب والشعر الذي نبت من جسدي.” يا إلهي، هذا يحطمني تماماً. يأتي من العدم ــ الراوي تدب فيه الحياة في جمال تلك اللحظة، تتيح له، أو لا تتيح له، اختيار متزن عن كيفية عيش هذه الحياة. يمكنه أن يقرر أي نوع من الرجال يريد أن يكون. ولهذا استدار وعاد الى المنزل، يُصفّر في الظلام.

بعد هذا، عادت حياته الى طبيعتها ــ استعاد وظيفته وأعاد المال الذي سرقه. أخيراً، القصة تمتلك بنية كوميدية: العالم فيه الكثير والكثير من المختلين، لكن في النهاية، يعود مرة أخرى من جديد: هذه واحدة من الأشياء الواضحة جداً عندما تقرأ لشيفر: انفتاحه على جمال النهاية السعيدة. ضواحيه ليست أماكن فاسدة وفظيعة. ليست أماكن مظلمة، جذورا قبيحة يحاول كشفها ــ وهو غالباً ما يكون التصور الأساسي في فرع من أدب الخيال الأمريكي عن الضواحي (والسينما والتلفزيون).

عالم شيفر بالرغم من أنه عالم يتمزق بشكل مستمر عن طريق الجمال غير المتوقع، بغض النظر عن كيفية حدوث ذلك، بالنسبة لي إيجاد هذا على الصفحة كان مثل وحيٍ ما. لن تفترض الكتابة عن ضاحية بمثل هذه الطريقة ــ لمعرفة جمالها، ووضع معنى عميق في داخلها. من الواضح تماماً لماذا ينفق كاتب مثل جيم هاريسون الكثير من الوقت في وصف الطبيعة، لكننا أصبحنا نصدق بشكل مشروط تقريباً أن تشذيب جماليات الضواحي هو مجرد وهم لإخفاء بعض الفساد الرئيسي.

مع شيفر، ليست هذه هي الحالة الحقيقية بغض النظر عن قسوة شخصياته، عن خيبة أمل شخصياته بعضها ببعض، بغض النظر عن حجم الخطايا التي يرتكبونها أحدهم مع الآخر، يبقى الإحساس بأن هناك ضوء في عالمه. يأتي من خلال طريقة وصفه للأشجار، الروائح والنسائم والمحيط بشكل جميل. الطبيعة تخلق توازن لعذاب تعذيب الشخصيات في داخلها ــ وأحياناً، حتى الجمال كفيل بإنقاذهم.

من المحتمل أن كتابة نهاية سعيدة ذات مغزى واحدة من الحيل الصعبة في الأدب. هناك الكثير من الكوميديا في ذلك (لا سيما في السينما والتلفزيون) الذي يتبع نظاما قديما لعالم تهاوى الى أجزاء وبعدها يتم وضعها معاً مرة أخرى، لكن الكثير منها يبدو، حسناً، كما لو أن تلك المشاكل قد حُلت والآن لا يمكنني نسيانها. أنت لا تريد قصة أدبية تمتلك هذا التأثير ــ أنت تريد قصة تحظى بصدى لدى القارئ خلف هذه الصفحات، وأشعر بأن من السهل كتابتها. إن كتابة نهاية مع مأساة أسهل بكثير من كتابتها مع كوميديا.

هناك مقال أفكر به كثيراً لـ إيتالو كالفينو اسمه “طيش”، يتحدث فيه عن الطيش كفضيلة في الأدب والسرد القصصي: يجادل بضرورة الطيش ويصر على أننا نحتاجه إذا أردنا الحديث عن الحقائق المظلمة والقاسية. صورة توجيهية من الرقعة، هي الطريقة التي لم ينظر فيها فرساوس الى قبح ميدوسا مباشرة ـــ فقط كان يراها من خلال انعكاس صورتها على درعه دون أن يتسمر مثل حجر في مكانه. كما قال كالفينو: ” قوة فرساوس تكمن دائماً في رفض النظر مباشرة، لكن ليس رفض الواقع الذي قُدر له أن يعيش فيه.”

أفترض أن هذا كان جزء مما أنوي القيام به في كتابي ــ استكشاف الجرح والخسارة، نعم، وتقديم العجز والإجهاد لأكثر الطرق تقليدية ومسؤولية في الحياة. لكن في نفس الوقت أفكر دائماً باستغراب بعينيّ شيفر الواسعتين، عينيه ألهمتاني البحث مرة أخرى في ذكريات طفولتي بهذه الطريقة، لإيجاد تقدير للمستنقعات المتجمدة في مدن كونيتيكت تلك، والقناطر الحجرية لـميريت باركواي، ولجميع أولئك الرجال الذين يرتدون البدلة ويركبون قطارات الخط الساحلي.

المصدر: The Atlantic
nd Street Y92: مؤسسة ثقافية متعددة الجوانب ومركز اجتماعي يقع في مانهاتن، نيويورك.
نشرت في آراء. 

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

توفيق الحكيم: التعادلية في الأدب والفن

شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ.

شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ.

.. نجد “التعادلية” تقيم الأدب والفن على أساس قوّتين يجب أن تتعادلا.. هما: قوّة التعبير، وقوة التفسير. فالأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

ما المقصود بالتعبير هنا؟ أ هو الشّكل؟ لا. إنه ليس الشكل فقط، إنه شيء أكثر من ذلك، ولأضرب لك مثلا بسيطًا: فلنفرض أنك سمعت نادرة من النوادر يلقيها شخصان، أحدهما متكلم عادي، والآخر محدّثٌ لبق موهوب. هذه النادرة الواحدة تتخذ عندئذ مظهرين مختلفين، فهي في الحالة الأولى تبدو مجرد حادثة، أما في الحالة الثانية فتبدو هذه الحادة نفسها وكأنها لوّنت أو أضيئت وتحرّكات بحياة نابضة، لا تدري من أين أتتها ولا كيف نفخت فيها. تلك هي قوة التعبير، إنها ليست فقط طريقة الإبراز والإظهار، لأن هذه الطريقة لا تقوم وحدها بغير الحادثة التي في جوفها، فالتعبير إذن ليس مجرد الشكل؛ بل هو الشكل والموضوع معًا، هو الشكل والشيء الذي يتشكل فيه، هو النادرة والأسلوب الذي رويت به. فالأسلوب وحده بغير النادرة لا يعني شيئًا في ذاته، ولا يعبّر عن شيء. فالتعبير إذن يستوجب وجود الأسلوب وموضوعه معًا، لأن التعبير عن شيء يحتّم وجود الشيء.

وقوّة التعبير هي أيضًا توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

فإذا طغى أحدهما على الآخر، فإنك تشعر في الحال أن الوضع غير طبيعي، فالأسلوب البارع والموضوع التافه يثيران في النفس إحساسا بالتكلّف، وكلمة “التكلّف” هنا ليست مجازا ولا مجرد وصفٍ أدبي، بل هي ذات مدلول يكاد يكون ماديًا. فإن الأديب أو الفنان الذي يحتفل احتفالا بالغا بإبراز موضوع، إنما يتكلف فعلا أمرًا لا لزوم له، كمن يرتدي لباس السهرة ليجلس بمفرده في حجرته يتعشى بكسرة خبز! فعدم مراعاة مقتضى الحال تكلف، والتكلف في الأسلوب قبحٌ كما هو في الحياة، لأن شرط الجمال الفني أن يثير في النفس إحساسًا بأنه منبثقٌ من نبعٍ طبيعيّ، ومهارة الفنان هي في إحداث هذا الشعور الطبيعي دائمًا، فإذا أحسّ الناس منه أن جماله خارجٌ من نبعٍ صناعي؛ فقد أخفق.

الأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

الأثر الأدبي أو الفنّي لا يكتمل خلقه، ولا ينهض بمهمّته، إلا إذا تم فيه التوازن بين القوّة المعبّرة والقوّة المفسّرة.

كذلك الحال إذا طغى الموضوع على الأسلوب، فالموضوع العظيم في الشكل السقيم يثير في النفس إحساسًا بالتحسّر، كمن يصوغ اللؤلؤة في خاتم من الصفيح. اختلال التعادل إذن في الحالتين بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع يحدث الشعور كذلك بأن الوضع غير طبيعي.

قد تسأل: ما هو الأسلوب في الأدب والفن؟ وما هو الموضوع؟ الأسلوب هو طريقتك الخاصة في الظفر بإعجاب الغير وشعوره وفكره؛ ليرى ما ترى، ويحس ما تحس، ويفهم ما تفهم.

وهذه الطريقة في الأدب والفن مردها إلى الاستعداد الفطري والدرس الاكتسابي والاجتهاد الشخصي، فلا بد من بعض الهبة، ولا بد بعد ذلك من الدرس الطويل لمعارف الأعلام وأساليبهم من الأقدمين والمحدثين، و لابد أخيرا من تصرّفك الخاص لتلائم وتوازن بين المحاكاة والابتكار. فإن المحاكاة إذا غلبت عليك فأنت لم تضف شيئًا إلى ما سبقوك، وإذا أسرفت في الابتكار فقد قطعت الصلة بينك وبين الآخرين، وانفصلت حلقتك من سلسلة التطورات الطبيعية في حياة الأدب أو تاريخ الفن. هكذا فعل “شكسبير” و”بتهوفن” فيما قاما به من محاكاة وابتكار.

أما الموضوع في الأدب والفن؛ فهو كل ما تستطيع أن تثير به اهتمام الناس، على نحوٍ غير مسف ولا فارغ ولا مبتذل.

وليس للموضوع العظيم أو التافه شروط معيّنة أو معالم محدّدة، فتقديره متروك لعبقرية الأديب أو الفنان، فقد يتناول بمواهبه السحرية موضوعًا نحسبه تافهًا، فإذا هو يخلق منه بقلمه أو ريشته أو مطرقته أو ألحانه شيئًا يثير اهتمام الناس في جيله، وفي جميع الأجيال.

فالموضوع لا تتحدد صفته العظيمة أو التافهة إلا بعد أن يصب فعلا في الأثر الأدبي أو الفني، فالوردة أو الآنية أو التفاحة قد تكون موضوعًا تافها أو عظيما؛ تبعًا للفنان الذي يتناولها، أي تبعًا لدرجة خبرته وإحساسه وقدرته على النفوذ إلى حقائق الأشياء، أو تبعا للطريقة التي يختارها الفنان. فموضوع “هاملت” كان من الممكن أن يبقى موضوعًا تافهًا عاديًا لو عالجه شاعرٌ عادي، وموضوع “هاملت” نفسه كان يمكن أن يصبح في خفة موضوع “زوجات وندرسور المرحات” لو أن شكسبير اختار أن يجعل منه مسرحية ضاحكة عابثة بدلا من تلك المسرحية الفكرية الجليلة، وشكسبير كان يدرك بسليقته الفنية معنى التعادل بين الأسلوب والموضوع؛ فكان إذا أراد الجد اتخذ أسلوبه ما يناسب ذلك من العمق، وإذا أراد الهزل خف أسلوبه فلم يثقله بكنوز فكره. كان إذا أراد للفكر أن يتألق كالجوهرة كي يضيء حقائق الكون صاغه في معدنٍ نفيس من أسلوب عميق، وإذا أراد للنفس أن تضحك لتلهو ساعة عن تعب الحياة استخدم معدنًا رقيقًا من أسلوبٍ خفيف.

ولو أنه صنع العكس، وكتب “هاملت” بأسلوب “زوجات وندرسور المرحات” لكان كالصائغ الذي لا يستطيع أن يلائم بين الجوهر والخاتم. والمقصود بالأسلوب هنا ليس بالطبع اللغة وحدها، بل ما تحمله اللغة في جوفها من ألوان الصور والأفكار، وأسلوب الفنان، بمعنى الطابع، واحد بلا شك في سِمتِهِ العامّة. ولكنه يتغير في درجة الدسامة أو الكثافة تبعًا لألوان الطعام الفني التي ينتجها، فطابع “شكسبير” واحدٌ في فنّه، ولكن درجة الدسامة في أسلوبه تختلف باختلاف أنواع مسرحياته، كذلك طابع “بتهوفن” واحد في موسيقاه، ولكن درجة الدسامة تختلف في بعض السيمفونيات عنها في بعض السوناتات.

وهذه الدسامة والرقة والعمق والخفة؛ حالات تتعاقب على الفنان، تعاقب الليل والنهار، والخريف والربيع، دون أن تخضع لترتيب منطقي، فقد يرى البعض أن المنطق يقضي أن يبدأ الفنان حياته بالخفة وينتهي إلى العمق، ولكن هذا المنطق لا يخضع له الفنان، فـ “شكسبير” بعد أن أبهرنا بعمقه في “هاملت” أضحكنا بخفته في “العبرة بالخواتيم”. و”بتهوفن” بعد أن وضع في سيمفونيته الخامسة العظيمة روح الفلسفة، تجده قد مزج سيمفونيته الثامنة الرقيقة بنسيم الخفة، فالفنان لا يسير دائمًا في خطٍ مستقيم، والتطور عنده ليس الانتقال المباشر من حسنٍ إلى أحسن، أو من عميق إلى أعمق، ولكنه كالطبيعة يتطور من خلال التجربة الذاتية تبعا لقانون الفعل ورد الفعل، أي من خلال تجارب متباينة تكشف عن إمكانيات الذات اتجاهاتها المختلفة، والفعل ورد الفعل هما أداة التجربة الكاشفة عن الإمكانية، لا عند الإنسان وحده، بل عند الكائنات جميعًا.

قوّة التعبير هي توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

قوّة التعبير هي توازن وتعادل بين قوة الأسلوب وقوة الموضوع.

ومع ذلك، من يدري حقيقة ما نسمّيه النور والظلام، والارتفاع والانخفاض، والعمق والخفة، والدسامة والرقة؟ لعلها كلها على اختلافها، حركات ضرورية لتكون الحياة حياة، ولعلها كذلك في محيط الأدب والفن، هي العناصر الضرورية التي يتألف منها “التعبير”.

فملكة التعبير عند الأديب أو الفنان لا يمكن أن تظهر كل أشعتها وألوانها وأنغامها إذا لعب بها على وترٍ واحد مهما يكن هذا الوتر قويًا بليغًا صافيًا نقيًّا. ماذا كنا نفضل وماذا كان يفضل الفن والإنساني؟ أن يخرج لنا شكسبير كل مسرحياته على نسق “هاملت” أسلوبًا وفكرا وارتفاعًا؟ أو يلون لنا كل هذا التلوين في التعبير، فيجدُّ مرة ويهزل أخرى، ويعبس ثم يبتسم، ويرتفع ثم يتبسّط، ويطرق متأملاً ثم يقهقه ضاحكًا، ويكون تارة فيلسوفا وتارة مهرّجا، وحينا شاعرا وحينا ساخرًا؟ إن عظمة شكسبير هي في أنه استطاع أن يكون كل ذلك، وقدرته هي في أنه ملك من أوتار التعبير مقدارا أخرج كل الألوان وكل الأنغام وكل الأصوات وكل الضحكات.

ذلك هو “التعبير”. قوته ليست في مجرد ارتفاعه، بل أيضًا في اتساعه، والتعبير من غير شك هو كل شيءٍ في نظر الفن، ولكن “التعبير” ليس كل شيء في نظر “التعادلية”، فقوّة التعبير يجب أن تقترن في الأدب والفن بقوة “التفسير”.

ما هو التفسير؟

هو الضوء الذي يلقى على موضوع الإنسان في الكون والمجتمع. فالأدب أو الفن التعادلي يجب أن تتوازن فيه القوة المعبرة والقوة المفسّرة. فالقوة المعبرة وحدها لا تكفي، لأنها قد تكشف عن مجرد وجودها، ولكنها قد لا تشع ضوءا يكشف عن وجود غيرها. القوة المعبرة قد تكون جميلة في ذاتها كاللؤلؤة، ولكنها مثلها؛ حبيسة جمالها، لا تضيء غيرها، إنها ليست كالماسة المتألقة التي تشع في الظلام أضواءً تكشف عن وجود أشياء أخرى.

والأديب أو الفنان قد يعبر عن الحياة، ولكنه لا يفسرها، أي أنه قد يجيد وصفها بالحالة التي هي عليها، أو يجمّلها بوشى مصطنع، أو يقبّحها بتشويه مقصود، وهو في كل هذه الأحوال يريد اللهو بأداة التعبير تارة، أو استخدامها للدعاية تارة أخرى.

ولكن الوقوف عند حدود التعبير ليس كل مهمة الأديب أو الفنان التعادلي، لأن التعبير وحده على علو قيمته الأدبية والفنية قد يحبس أهداف الأدب والفن في نطاق التهذيب الروحي والإمتاع النفسي، ومهما يكن نبل هذه الأهداف وكفايتها، فإن المطلوب من الأديب أو الفنان –خصوصا في العصر الحديث – أن تمتد رسالته إلى أبعد من هذا النطاق.

المطلوب منه هو أن يهذب ويمتع، ثم يلقي في نفس الوقت ضوءا كاشفا موجها في طريق الإنسانية. فالأدب أو الفن يجب أن يكون معبّرا ومفسّرا؛ أي أن تتعادل قوة التعبير وقوة التفسير في الأثر الأدبي أو الفنّي، إذا طغت قوة التعبير طغيانا بالغا، فإن قسطا هامًّا من رسالة الأديب أو الفنان لم يبلغ للناس، وإذا طغت قوة التفسير حتى كادت تتلاشى بجانبها قوة التعبير، فإن صفة الأدب أو الفن ذاتها تهدد بالانهيار، إذ لا بدّ لوجود أي أدب أو فن من ضمان قوة التعبير قبل كل شيء، فموهبة التعبير الأدبي أو الفني، أي بالاختصار: الأديب أو الفنان يجب أن يوجد أولا بأداة أسلوبه الرائعة البارعة القوية قبل النظر في أمر الرسالة التي سيحملها.
التعبير يشمل الأسلوب والموضوع: أي الشكل والمضمون، وبه يمكن أن يتم الأثر الأدبي أو الفنّي في ذاته. أما التفسير؛ فهو الرسالة التي يحملها الأثر الأدبي أو الفني بعدئذ للبشرية، ليقول فيها كلمته عن وضع الإنسان في كونه وفي مجتمعه.

الفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون.

الفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون.

وليس كل أثر أدبي أو فني يحمل تفسيرا أو رسالة في هذا الشأن. فكثير من الآثار رسالته هي في مجرد روعة تعبيره، فالبحتري مثلا هو تعبير، في حين أن أبا العلاء تعبير وتفسير معًا، لأن الكثير من شعره يحمل إلينا رأيه في وضع الإنسان ومصيره، وشكسبير هو في شعره الغزلي تعبيرًا، أما في مسرحياته – مثل “هاملت” وغيرها – فهو تعبير وتفسير معًا.

وبتهوفن في “سوناتا ضوء القمر” هو تعبير، بينما هو في السيمفونية الثالثة يحمل إلينا كلمته في الإنسان والبطولة، وفي السيمفونية الخامسة ينقل إلينا قولته في الإنسان والقدر، وكذلك في السيمفونية التاسعة وفي كثير من كونسبرتاته يريد أن يقول لينا شيئا أكثر من مجرد اللحن الجميل.

والتعبير وحده قد يؤدي بنا إلى “الفن للفن”، إذا أسرف في الهيام بجمال الشكل والتأنق في المبنى على حساب المعنى والمضمون. والتفسير وحده كذلك قد يؤدي إلى “الفن الملتزم” إذا أسرف في التقيّد بمعنى خاص و مضمون معين ليس إلى التحرر والاستقلال عنهما من سبيل.

فالفن للفن هو حبسٌ للفنان في هيكل الشكل، والفن الملتزم هو حبسٌ للفنان في سجنِ المضمون. والسجن في الحالين يمنع الفنان من تبليغ رسالته كاملة.. تلك الرسالة التي تنبع من الحرية دائمًا، لتبشّر بالحريّة.

المصدر: كتاب (التعادلية في الإسلام) لـ توفيق الحكيم، دار الشروق.

كُتب في عن الكتابة | الوسوم: | التعليقات مغلقة

خافيير مارياس: 7 أسباب لعدم كتابة رواية، وسبب واحد فقط لكتابتها

أي شخص قادر على كتابة رواية، مهما تكن مهنته.

أي شخص قادر على كتابة رواية، مهما تكن مهنته.

 ترجمة: أحمد شافعي

يعد خافيير مارياس أحد أشهر الروائيين وأكثرهم رواجاً في إسبانيا، ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة. في هذا المقال يفاجئ مارياس القراء بأسباب كثيرة لا تشجع على كتابة الرواية، وقد نشر هذا المقال في عدد صيف 2014 من ثري بيني ريفيو.

أولاً: هناك كثير جداً من الروايات، وكثير جداً ممن يكتبونها، فلا يقتصر الأمر على أن الروايات المكتوبة فعلاً لم تزل موجودة، وستظل تستوجب القراءة إلى الأبد، بل إن آلافاً من الروايات الجديدة تماماً، تظل تظهر في كتالوغات الناشرين ومتاجر الكتب، وهناك الآلاف المؤلفة من الروايات التي يرفضها الناشرون، ولا تصل مطلقاً إلى المتاجر، ولكنها برغم ذلك موجودة. كتابة الروايات إذن نشاط شائع، وهو نظرياً في متناول يد كل من تعلم الكتابة في المدرسة، ولا تشترط ممارسته تعليماً عالياً أو دراسة معينة.

ثانياُ: وتحديداً لأن أي شخص، قادر على كتابة رواية، مهما تكن مهنته، فكتابة الرواية نشاط يفتقر إلى الجدارة والغموض. نشاط يمارسه الشعراء، والفلاسفة، والمسرحيون، وكذلك علماء الاجتماع، وعلماء اللغة، والناشرون، والصحافيون، والساسة، والمطربون، ومذيعو التلفزيون، ومدربو كرة القدم، والمهندسون، والمعلمون في المدارس، والموظفون الحكوميون، وممثلو السينما، والنقاد، والأرستقراطيون، والقساوسة، وربات البيوت، والمعالجون النفسيون، وأساتذة الجامعة، والجنود، ورعاة الغنم. والظاهر، والغريب، وبرغم الافتقار إلى الجدارة والغموض، يظل شيء ما في الرواية مغوياً، أم أنها ببساطة حلية مرغوبة؟ ولكن أي شيء هذا المرغوب في نشاط يقع في متناول صاحب أي مهنة، مهما يكن تعليمه السابق، أو مكانته، أو وضعه المادي؟ ما حكاية الرواية؟

ثالثاً: من المؤكد أن كتابة الرواية لن تجعلك ثرياً، بل إن رواية واحدة في واقع الأمر من كل مائة رواية منشورة ـ وهذه نسبة متفائلة ـ هي التي تحقق قدراً معقولاً من المال. وهو قدر ليس مرجحاً أن يغيّر حياة الكاتب، ويقيناً لن يكون كافياً له للتقاعد. والأدهى من ذلك أن كتابة رواية متوسطة الحجم يمكن أن يرغب في قراءتها بعض الناس أمر يستغرق شهوراً بل وسنوات. واستثمار كل هذا الوقت في مهمة ليست لها إلا فرصة واحد في المائة لتحقيق قدر من المال أمر عبثي، لا سيما إذا راعيت أنه ما من أحد في أيامنا هذه ـ ولا حتى الأرستقراطيون وربات البيوت ـ لديه من الوقت ما يمكن أن يضيِّعه. كان هذا الوقت متاحاً للمركيز دي ساد ولجين أوستن، أما أمثالهم الآن فلا، وأسوأ من كل ذلك أنه حتى الأرستقراطيون وربات البيوت الذين لا يكتبون، لكنهم يقرأون، ليس لديهم من الوقت ما يكفي لقراءة كتابات زملائهم الكتاب.

 الرواية ليست ضماناً للشهرة، أو حتى لقدر شديد الضآلة من الشهرة

الرواية ليست ضماناً للشهرة، أو حتى لقدر شديد الضآلة من الشهرة

رابعاً: الرواية ليست ضماناً للشهرة، أو حتى لقدر شديد الضآلة من الشهرة، التي يمكن تحقيقها من طرق أخرى بصورة أسرع وأيسر كثيراً. والجميع يعرف أن الشهرة الحقيقية الوحيدة تأتي من التلفزيون، والروائي لا يظهر في التلفزيون إلا نادراً، ولا يكون ذلك بسبب براعة رواياته أو الاهتمام بها، بل بسبب دوره كأبله أو كمهرج بجوار المهرجين من مختلف المجالات الفنية أو غير الفنية. والروايات التي يكتبها الروائيون المشاهير الذين أصبحوا نجوماً تلفزيونيين لن تمثل أكثر من مبرر للشهرة، وهو مبرر ممل سرعان ما يطويه النسيان، وتصبح الشهرة غير معتمدة على جودة أعماله التالية، التي لن يبالي بها أحد أصلاً، بل معتمدة إلى حد كبير على مدى براعته في الاستعانة بعكاز، وارتدائه أوشحة أنيقة أو قمصاناً صيفية أليق بهاواي من سواها، أو صدريات مشينة، وكلامه عن طريقته في التواصل مع إلهه الغريب، أو مدى السهولة والأصالة التي يعيش بهما وسط المغاربة the Moors (وهذا دائماً ما يبلي أحسن البلاء في إسبانيا). ثم إنه من العبث أن يكافح أحد لكتابة رواية طلباً للشهرة (فهذا يستغرق وقتاً طويلاً حتى لو كنت تكتب بأكثر أساليب الكتابة ابتذالاً) في أيام لا يحتاج أحد أن يفعل فيها أي شيء أصلاً ليحقق الشهرة. زيجة أو علاقة مع شخص مرموق، وما تستتبعه من أجواء كفيلة جداً بتحقيق الشهرة أكثر من الرواية بكثير. أو ارتكاب أية حماقة بشرط ألا تؤدي إلى حكم طويل بالسجن.

خامساً: الرواية لا تحقق الخلود، والسبب الأكبر في ذلك هو أنه لم يعد ثمة خلود أساساً. حتى الذرية لا تحقق الخلود بالطبع، إن فهمنا الذرية بوصفها نسل كل واحد فينا: فالواحد يطويه النسيان في غضون شهرين من وفاته. وأي روائي يؤمن بعكس ذلك، إنما هو يعيش في الماضي، مخدوعاً أو جاهلاً. وفي ضوء أن الروايات لا تدوم إلا موسماً على الأكثر، وليس هذا فقط لأن القراء والنقاد ينسونها، بل لأنه في غضون شهور قليلة من ميلاد الرواية تختفي من على أرفف متاجر الكتب (إن كان ثمة متاجر كتب باقية)، فمن العبث أن يتخيل أحد أن أعمالنا لن تفنى. وكيف لها أن تكون غير قابلة للفناء، وقد فني أغلبها قبل ميلاده أصلاً، أو ولدت وعمرها المتوقع لا يزيد عن عمر حشرة؟ الحقيقة، لم يعد لأحد أن يعوِّل على تحقيق شهرة تستمر.

سادساً: كتابة الرواية لا تغازل الأنا، ولو مؤقتاً. خلافاً لمخرجي السينما أو الرسامين أو الموسيقيين، الذين يتسنى لهم فعلاً أن يروا ردود أفعال الجمهور على أعمالهم، بل ويسمعون تصفيقهم، لا يمكن للروائي مطلقاً أن يرى قراءه، وهم يطالعون كتابه، ولا يمكن أن يحضر أبداً ليرى استحسانهم، أو إثارتهم، أو استمتاعهم. ولو حالفه الحظ ببيع الكثير من النسخ، فربما يتاح له أن يعزي نفسه برقم المبيعات، الذي مهما بلغ حجمه، يبقى رقماً مجرداً، لا روح فيه. وعليه أيضاً أن يعي أنه يشترك في هذا العزاء الرقمي مع هؤلاء: طهاة التلفزيون مؤلفي كتب الطبخ، كتاب سير النميمة للنجوم ذوي العقول الجوفاء، العرافين لابسي السلاسل والخرز، بل والعباءات والجلابيب، بنات الممثلات، كتاب الأعمدة الفاشيين الذين يرون الفاشية في كل مكان إلا في أنفسهم، الحمقى الانعزاليين الذين يؤلفون كتب الإيتيكيت، وغير هؤلاء من كبار الكتاب. أما عن المقالات النقدية المتوهجة، فمستبعدة إلى أبعد الحدود: فلو كتب ناقد عن رواية، فلعله يسمح للكاتب أن يفلت، ولكن في المرة الأولى فقط، لا الثانية، أو يشعر الكاتب أن الناقد أحب روايته للأسباب الخطأ، وإذا لم يحدث شيء من هذا، وجاء الثناء واضحاً لا لبس فيه، وكريماً، وذكياً، فلعل اثنين لا أكثر من الناس هم الذين سيقرؤون المقالة، ويكون هذا سبباً إضافياً لإحباط الكاتب وحزنه.

سابعاً: سوف أسرد هنا جميع الأسباب المملة المعتادة، مثل العزلة التي يعمل فيها الروائي، ومعاناته في مصارعة الكلمات، والتراكيب من قبل ومن بعد، وخوفه من الصفحة البيضاء، وعلاقته المتأزمة مع الحقائق الكبرى التي اختارت أن تتجلى له وحده، ووقوعه في المآزق بين القوى الكبرى، وعلاقته الغامضة مع الواقع التي قد تفضي به إلى الخلط بين الحقائق والأكاذيب، وكفاحه الهائل مع شخصياته التي تستقل في بعض الأحيان بحياتها عن إرادته، وقد تهرب منه تماماً (ولو أن الكاتب ينبغي أن يكون رعديداً حتى يقع له هذا)، وكميات الكحول الهائلة التي يستهلكها، والحياة الخاصة غير الطبيعية طبعاً التي يعيشها بوصفه فناناً، وعدد آخر من هذه التوافه التي تغوي الأبرياء أو الحمقى، وتحملهم على الظن بأن ثمة قدراً ضخماً من الوجد والعذاب والرومنتكية في فن، هو في حقيقته مُسلٍّ وبسيطٌ وكلُّ ما فيه هو اختراع القصص وحكيها.

 كتابة الروايات تتيح للروائي أن يقضي كثيراً من وقته في عالم خيالي، وهذا في الحقيقة هو المكان الوحيد الذي يمكن احتمال الوجود فيه.

كتابة الروايات تتيح للروائي أن يقضي كثيراً من وقته في عالم خيالي، وهذا في الحقيقة هو المكان الوحيد الذي يمكن احتمال الوجود فيه.

يقودنا هذا إلى السبب الوحيد الذي يمكنني أن أراه لكتابة الروايات، والذي قد لا يبدو قوياً بالمقارنة مع الأسباب السبعة سالفة الذكر، والذي بلا شك يناقض بعضها أو جميعها.

أولاً وأخيراً: كتابة الروايات تتيح للروائي أن يقضي كثيراً من وقته في عالم خيالي، وهذا في الحقيقة هو المكان الوحيد الذي يمكن احتمال الوجود فيه. هذا معناه أن يعيش في عالمِ ما، كان يمكن أن يكون لكنه لم يكن، ومن ثم فهو في أرض ما لا يزال ممكناً، ما سيبقى دائماً على وشك الحدوث، ما لم يجر استبعاده بوصفه حدث، وانتهى أمره أو بوصفه ما يعرف الجميع أنه لن يحدث أبداً.

الروائي الذي يوصف بالواقعي يبقى، حينما يكتب، مغروساً بقوة في العالم الواقعي، فيختلط دوره بدور المؤرخ أو الصحافي أو المخرج الوثائقي. أما الروائي الحقيقي فلا يعكس الواقع، بل اللاواقع، إن فهمناه باعتباره الفنتازي أو غير الممكن، باعتباره ما كان يمكن أن يحدث لكنه لم يحدث، باعتباره المقابل الواضح للحقائق والأحداث والوقائع، باعتباره المقابل الواضح لـ “ما يحدث الآن”. فالممكن وحده هو الذي يظل ممكناً، ممكناً الآن، وممكناً إلى الأبد، في أي عصر وأي مكان، ولهذا لا نزال نقرأ دون كيخوته ومدام بوفاري اللذين يمكن للمرء أن يعايشهما لفترة ويؤمن بهما إيماناً مطلقاً، لا أن يستهين بهما بوصفهماً محالاً، أو ماضياً، أو شيئاً عفا عليه الزمن. فإسبانيا سنة 1600 الوحيدة التي نعرفها ونكترث بها هي إسبانيا سرفانتس: إسبانيا الكتاب الخيالي الذي يتناول كتباً أخرى خيالية، ويظهر منه فارس أرستقراطي جوَّال، لا من الواقع الذي كان.

إن ما نسميه بإسبانيا سنة 1600 هي إسبانيا غير موجودة، برغم أنه على المرء أن يفترض أنها كانت موجودة، تماماً كما أن فرنسا سنة 1900 الوحيدة الموجودة هي التي رأى بروست أن يدخلها إلى عمله الخيالي. لقد قلت من قبل إن الخيال هو أكثر العوالم التي يمكن احتمال الوجود فيها، لأنه يوفر لنا نحن الذين نعرفه عزاءً، وفرصة لرؤية شيء آخر، ولسبب آخر غير هذا. فبالإضافة إلى أنه يوفر لنا حاضراً خيالياً، هو أيضاً يقدم لنا واقعاً مستقبلياً وارداً.

وبرغم أن هذا الأمر غير ذي علاقة بالخلود الشخصي، فإنه يعني لكل روائي أن هناك احتمالاً ـ ضئيلاً ولكنه يبقى احتمالاًـ بأن هذا الذي يكتبه الروائي يصوغ المستقبل، بل إنه قد يكون هو المستقبل، الذي لن تقع عليه عينا الروائي.

(24).

كُتب في لماذا تكتب | التعليقات مغلقة

آن لاموت: نصائح في كتابةِ الحبكة الروائية

أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات

أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات

ترجمة: موسى بهمن

الحبكة هي الحكاية الرئيسة لكتابك أو قصتك القصيرة. إذا كنت ترغب بشيء أطول، نقاش عبقري حول الحبكة، فإن (إدوارد مورغان فوستر) و(جون قاردنر) قد كتبا كثيراً عنها. حيث يناقشونها الحبكة بشكل مشرق وحكيم جداً ليتركونك تعوي كالذئب.

أرغب بإضافة بعض الأفكار هنا، أمور كنت أمررها لطلابي. خاصة عندما أراهم تائهين ومُشَتَّتين.

خذوا الحبكة من الشخوص الفاعلين. إذا انصبَّ تركيزك على مَن هُم في روايتك، إذا جلست وكتبت عن شخصين تعرفهما، فسوف تزداد معرفتك بهما يوماً بعد يوم. سيقفز شيء ما على السطح. لا يجب على الشخصيات خدمة حركتك التي تحلم بها، مثل جنود الشطرنج. أي حبكة تُقيِّدُ بها شخوصك سوف تسمى: حبكة.

أقول، لا تقلق حيال الحبكة. اقلق حيال الشخصيات. دع أفعالهم وأقوالهم تكشف حقيقتهم، ثم توغَّل في حيوٰاتهم، واستمر باستجواب نفسك، والآن ماذا سيحدث؟ تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

تصرِّح (فلانيري كورنر) في السر والعلانية، وفي أعمالها الأدبية، كيف أن نتاج بداياتها الأدبية يعود لامرأة تسكن آخر الحيّ. وتختم هذه السيدة قصصها بقول: “حكاياتهم، للتو انتهت، ولَكم من أفعال البشر أظْهَرَتْ.”

هذه هي الحبكة: الفعل الذي سيقوم به الناس في نهاية المطاف. على الرغم من تحذير الجميع لهم، الكل ينصحهم بالجلوس في صمت مطبق، وممارسة تمارين التنفس، أو الاتصال بالمعالج النفسي، أو أن ينشغلوا بالأكل حتى تمر رغبتهم بفعل ذلك الشيء بسلام.

لذا ركّز على الشخصية.

تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

تطوّر العلاقات يخلق الحبكة.

الأحداث في كتب (ويليام فولكنر) على سبيل المثال، تصدر من طبيعة الشخصيات. حتى إن كانت شخوصه ليست من النوع الذي ترغب في قضاء الوقت معها، لكنها تستحوذ على انتباهنا لأننا نصدّقها ونؤمن بوجودها. لأن أفعالهم حقيقية نسبة لأطباعهم.

نقرأ (فولكنر) بسبب الجمال في تكويناته المروّعة، جمال الكتابة. ونقرؤه لمعرفة الحياة من وجهة نظره، والتي تعبّر عنها شخصياته. جُلَّ ما يمكنك أن تعطينا إياه، رؤيتك لماهية الحياة. لا يمكنك إعطاؤنا مخططات لغواصة ما. الحياة ليست غواصه، ولا فيها مخططات.

اكتشف أكثر ما تهتم به كل شخصية. فعندها سوف تجد الركائز / الدعائم لتشييد روايتك. ابحث عن طريقة تربط بها اكتشافاتك هذه، ثم أطلق شخصياتك للسعي. كلٌ باتجاه اهتمامه، أو الدفاع عنه. حينها تستطيع نقلهم من الوضع الجيد إلى السيء، والعودة مجدداً. أو من السيء إلى الجيد، أو من الضياع إلى الأمان. لكن أولاً، لابد من وجود الدعائم -كما أوضحنا في بداية هذه الفقرة- وإلا لن يتعايش معك القرّاء ولن ينتقلوا إلى الصفحات التالية.

هذا هو الأسلوب الذي نجح معي: أجلس صباحاً وأعيد قراءة ما كتبته في اليوم السابق، ثم أحدّق في ورقة فارغة أو خارجة نحو الفضاء، أتخيّل شخصياتي، وأسلّم نفسي لرؤيتهم في آحلام اليقظة. يبدأ عرض الفيلم في رأسي، نابضاً بالأحاسيس. أمعن فيه بحالة من النشوة، حتى تثب الكلمات في رأسي لتكوّن جملة. بعد ذلك أقوم بالعمل العبوديّ وهو تسجيل الجُمل. لأنني أنا من يضغط على الآلة الطابعة، وأنا المسؤولة أيضاً عن حمل المشكاة عندما يقوم الطفل بالحفر والتنقيب. ما الذي يبحث عنه الطفل؟ المواد الخام. تفاصيل، أدلّة، صور، ابتكار، أفكار طازجة، استشعار وفهم البشر. بالمناسبة، حامل المشكاة لا يعرف ما الذي يبحث عنه الطفل في معظم الأحيان، لكنه يميّز الذهب عندما يراه.

كتب جون جاردنر ذات مرة “إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً.” دائماً ما آمر طلابي بكتابة هذه الجملة “على الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً”. لأنه شيء مصيري بلا شك.

خارج الفصل، لا يمكنك الجلوس بجانب القرّاء حتى تشرح لهم الأمور الصغيرة التي أهملتها أثناء الكتابة. أو إضافة تفاصيل على الأحداث لجعلها أكثر أهمية وصدقاً. على المادة أن تؤدي عملها بطريقتها الخاصة، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً.

استذكر أحلامك الليلية، كيف تتداخل فيها المشاهد بسلاسة. فغالباً ما تعبر من صورة لأخرى ببساطة، وذلك لأن الأحداث مباشرة، فورية وحتمية. ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

إذا طلبت من ثلاثين طالباً كتابة قصة حول زوجان قرّرا الطلاق، لكن شيئاً غير متوقع حصل فجأة. سوف يقدمون ثلاثين حكاية غريبة ومختلفة. لأن لكل منهم شخصية وتاريخ مختلفان عن الآخر.

إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً

إن الكاتب يخلق الحلم حتى يدعو القارئَ إليه، وعلى الحلم أن يكون حيّاً ومستمراً

كل كاتب ينتج تصوراً من زاويته في كيفية رؤيته للحياة وأهميتها. بعض قصصهم ستكون متشائمة، وبعضها حزينة، وأخرى ملئى بالأمل. وبعضها عميقة وذات إيقاع بطيء، أو قد تكون مفعمة بالدراما / المأساة. المأساة طريقة للحفاظ على انتباه القارئ. الصيغة الأساسية للمأساة هي الإعداد، البناء، الحسم. تماماً كما النكتة.

الإعداد يخبرنا ما هي اللعبة. البناء هو القيام بجميع التحركات، إلى الأمام، حيث تستخرج اللحم بأكمله من الديك الرومي. الحسم يجيب على السؤال، لماذا جميعنا هنا على كل حال؟ ما الذي كنت تحاول تقديمه؟ المأساة يجب أن تتقدم إلى الأمام والأعلى، وإلا أصبحت مقاعد الجمهور عصية وغير مريحة. لذا، في الحقيقة، سيكون الجمهور -تحديداً- ضائق، محبَط وغير سعيد. يجب أن تكون هناك تحركات.

أنت بحاجة لتحريك شخوصك إلى الأمام. تخيّل تحريكهم على بركة من الزنابق، إذا كانت كل زنبقة جميلة، مكتوبة بعناية، القارئ سيبقى معك وأنت تمضي إلى الجهة الأخرى من البركة. يحتاجون فقط القليل من الربط، مثل الإيقاع، النغمة أو المزاج.

الآن، يمكنك استخدام المؤثرات والخدع لتحريك الأمور إلى الأمام ومساعدتنا لنتذكر من تكون كل الشخصيات -أعط هذا سيجار، وأعط تلك عينان ناعستان صغيرتان- لكن إذا كنت تتصنّع ذلك، فسوف يتضح لنا هذا. إذا افتعلت شيئاً مصطنعاً لدفع الحبكة إلى الامام، إذا، على سبيل المثال، أخذت شخصيات لا تفهمها وأعطيتها انفعالات لا تشعر أنت بها فقط لكي تساعد في تطور الحبكة، فعلى الأرجح لن تفلت بفعلتك هذه. سوف يتوقف القارئ عن الثقة بك وقد يصبح مرّاً وسريع الامتعاض. هذه أسوأ الاحتمالات التي تصيب القارئ. عليك معرفة أننا نحن، قرّاؤك، أذكياء ونبيهين، لذا سوف نقبض عليك إذا حاولت التصنّع.

قرأت فقرة جميلة من لقاء مع مؤلفة رواية فاصوليا مصر، (كارولين شوتي) تناقش فيها عملية إعادة الكتابة: “في أغلب الأحيان أشعر بأن كتابتي أشبه بعشرين صندوق من الزينة لعيد الميلاد. لكن بلا شجرة. سوف تسألون أنفسكم، أين ستضعون هذه العلب؟ حسناً! ها هي! حصلتم على شجرة، لكنها تحجب عنكم الرؤية. يجب عليكم الآن قصّها وتشذيبها بواسطة ملعقة.”

هكذا وصلت إلى حبكاتي مرات عديدة. قد أحصل على كل هذه المصابيح المتلألئة، جميعها بلا وسيلة لتعليقها. لكن علي البقاء مع الشخصيات، الاهتمام بما يحتاجونه، محاولة التعرف عليهم أكثر وأكثر، أستيقظ كل صباح لأعمل بأقصى استطاعتي، وبطريقة ما، غامضة، أرغب بالعودة لمعرفة قصصهم. مراراً وتكراراً أشعر وكأن شخوصي يعرفون انفسهم، وما الذي يحصل لهم، أين كانوا وإلى أين سوف يمضون، وما الذي يبرعون في القيام به. لكنهم بحاجتي لأكتب لهم ذلك لأن خطوطهم رديئة.

ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

ببساطة، عليك أن ترغب في معرفة ما الذي سوف يحصل لاحقاً، وهذا بالضبط ما تريد أن يشعر به القرّاء.

يزعم بعض الكتّاب معرفتهم المسبقة بالذروة قبل اقترابهم منها. الذروة هي قمة الحدث، غالباً ما تسبق النهاية، تجتمع فيها كل الأنغام التي عزفتها حتى الآن على وتر رئيسي، حيث يتغيّر عمق شخصية واحدة على الأقل. إذا لم يتغير أحد، فما المغزى من قصتك؟ في الذروة، يجب أن يكون هنالك قتل أو شفاء أو سيطرة. قد يكون قتل حقيقي، جريمة، قتل روح أو شيء ما رهيب في نفس أحدهم. لكن مهما حدث، فنحن بحاجة للإحساس بأنه مصير لا مفر منه.

عند الحصول على حس الحتمية هذا، سوف تتكشف لك ذروة روايتك ببطء مع مرور الوقت. قد تظن بأنك تعرف كيف قد تكون هذه اللحظة -فمن المنطقي الهدف لشيء- لكنني أفضّل أن لا تعطي هذه اللحظة أهمية كبيرة. بدلاً من ذلك، ركّز على كيان شخوصك وكيف يشعر أحدهم ازاء للآخر، ماذا يقولون، كيف هي روائحهم، ممن يهابون.

دع البشر يتبعون الموسيقا التي يسمعونها، واجعلها تأخذهم إلى حيث هي ذاهبة. عندها سوف تكتشف، -عندما تقترب كفاية من ربط ذلك بالافتتاحية كما لو كانت مشهداً خلاباً لعيد الفصح- بأن هنالك شيء ما في رؤوس شخصياتك أكثر وضوحاً وإيصالاً للمعنى الذي كنت ترغب بإيصاله من خلالهم. لذا اطمح لكن ليس بشدة، وعندما ترى الذروة تتشكل أمامك أخيراً، تستطيع العدو باتجاهها.

أخيراً: سمعت أن (أليس آدم) تعطي محاضرة حول القصة القصيرة ذات مرة، أحد الأمور التي جعلت جمهورها من الطلبة الكتّاب متحمس جداً، وأصبحت أعطيه لطلابي منذ ذلك الحين، عندما قالت بأنها تستخدم”وصفة” أحياناً لكتابة القصة القصيرة، تدعى هذه الوصفة ABDCE;

A. Action. فعل
B. Background. خلفية
D. Development. تطور
C. Climax. ذروة
E. Ending. نهاية

بدايتك بفعل قهري كفاية لجذبنا للقصة، تجعلنا نرغب بمعرفة المزيد. الخلفية هي المكان الذي نرى ونعرف من خلاله من يكون هؤلاء الناس، كيف أصبحوا مع بعضهم البعض، ما الذي كان يحصل قبل افتتاحية القصة. ثم تطوّر هؤلاء الناس، لنعرف أكثر ما يهتمون به.

الحبكة / المأساة، الأفعال، التوتر. سوف تنمو من ذلك. أنت تحركهم للأمام حتى يجتمع كل شيء في الذروة، حيث تكون الأمور صعبة للشخصيات الرئيسية، مختلفة بطريقة حقيقية. وعندها هناك تكون النهاية. ما الذي نشعر به حيال هذه الشخصيات الآن؟ حصلوا على ماذا عند مغادرتهم، ماذا حصل؟ وما الذي يعنيه هذا؟

هذه الوصفة طريقة رائعة للبداية من خلالها. وتبدو مناسبة أخيراً للقفز في الماء. ربما تتخبط قليلاً، لكنك قفزت على الأقل. حينها ستبدأ بفعل أي حركة يدين تستطيع تذكرها، وستجد هذا الإحساس بالخوف في داخلك، مثل صعوبة هذا الأمر وكيف أن المسافة بعيدة للوصول، لكنك مازالت هناك، أنت تطفو، وأنت تتحرك.

* نشرت في آراء.

* المصدر: Bird By Bird

كُتب في كيف أكتب | التعليقات مغلقة

رسول حمزاتوف: أيهما يلد الآخر، الكاتب أم الموضوع ؟

لا تقل: أعطني موضوعاً، بل قل: أعطني عينين.

لا تقل: أعطني موضوعاً، بل قل: أعطني عينين.

رسول حمزاتوف (1923-2003)، شاعر داغستاني ولد في قرية تسادا في مقاطعة خونزاخ في داغستان شرق جمهورية جورجيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي قبل انفراط عقده، وهو الشاعر الداغستاني المشهور حمزة تساداسا نسبة إلى تسادا قريته، أسماه والده باسم رسول تيمنا بالرسول محمد بن عبد الله. من أشهر كتبه المترجمة و التي كتبنا منها هذه التدوينة كتاب: بلدي.

“لا تقل: أعطني موضوعاً، بل قل: أعطني عينين”

كتب إلى كاتب شاب قال يومًا:

أيّها الرفاق الأعزاء، عندي رغبة كبيرة في الكتابة، لكني لا أعرف عن أيّ شيء أكتب أعطوني موضوعاً ضروريًا و ملحّاً، أكتب لكم كتابًا رائعاً .

فيعلق رسول حمزاتوف على المقولة السابقة فيقول:

كثيراً ما يتوجّه بعض الشباب بمثل هذا الطلب إلى اتحاد الكتّاب، إلى هيئات تحرير المجلات أو إلى الصّحف أو إلى الكتّاب شخصياً. يُدهشني دائمًا أولئك الذين يُحاصرون الكاتب بالطلب إليه أن يُحدثهم عن مشاريع الإبداع لديه للسنوات القادمة، الكاتب يعرف بالطبع الاتجاه العام لعمله. وربما كان بالإمكان التخطيط لكتابة رواية أو ثلاثية، أما الشّعر فلا..

الشعر يأتي على غير توقّع، كهديّة! ملكوت الشاعر لا يخضع للمشاريع المُحكمة.

لا يُمكن الإنسان أن يُخطط لنفسه فيقول: في الساعة العاشرة من صباح هذا اليوم سأحب الفتاة التي سألقاها في الطريق. أو غداً في حوالي الساعة الخامسة مساءً سأُبغض سافلاً مّا. وأبيات الشعر لا تُشبه أزهاراً في منبت ورد أو في حوض زهر – فهي هناك كلها أمامك، و لا حاجة بك إلى البحث – بل تشبه زهوراً في حقل، في مرج في جبال الألب، حيث كل خطوة تعدك بزهرة جديدة، أكثر روعة. إنَّ المشاعر تولد الموسيقى، و الموسيقى تولد المشاعر.

 فأيهما نضعه في المقام الأول؟

حتى الآن لم يُحسم هذا السؤال: هل ظهرت الدجاجة أولاً أم البيضة؟

والسؤال نفسه يتردّد هنا: هل الكاتب هو الذي يلد الموضوع أم الموضوع هو الذي يلد الكاتب؟

الموضوع هو كل عالم الكاتب، هو الكاتب كله، لا وجود له بدونه. ولكل كاتب موضوعه المتميّز و الخاص.

الأفكار و المشاعر طيور؛ أما الموضوع فهو الغابة ، الأفكار و المشاعر غزلان، أما الموضوع فهو الجبال؛ الأفكار و المشاعر طرق، أما الموضوع فهو المدينة التي تُؤدي إليها هذه الطرق و تلتقي بها. الموضوع صندوق بما فيه من متاع. و الكلمات مفتاح هذا الصندوق. لكن المتاع في الصندوق يجب أن يكون متاعك و ليس متاع غيرك!

الشعر يأتي على غير توقّع، كهديّة! ملكوت الشاعر لا يخضع للمشاريع المُحكمة.

الشعر يأتي على غير توقّع، كهديّة! ملكوت الشاعر لا يخضع للمشاريع المُحكمة.

أما عن القفز من موضوع لآخر فيقول فيه:

بعض الأدباء يقفزون من موضوع إلى آخر دون أن يُتمّوا أي موضوع، إنهم يرفعون غطاء الصندوق قليلاً، و ينفضون الخرق العليا ثم يمضون بسرعة، أما صاحب الصندوق فيعرف أنك لو رفعت الأشياء واحداً بعد آخر، بحذر ، فسيظهر في القاع السّفط الذي يحوي الكنوز الثمينة.

و يضرب مثلاً آخر:

الذين يقفزون من موضوع إلى آخر يُشبهون مزواجاً معروفاً في الجبال اسمه دالاغولوف. فقد تمكّن صاحبنا هذا من أن يتزوج ثماني مرّات، لكنه بقيَ في النهاية بدون زوجة!

 وينصح رسول حمزاتوف بالتمهّل والصبر بقوله:

لكل كاتب يوم يكتشف فيه نفسه، و يجد موضوعه الرئيسي.

 وفي موضعٍ آخر يقول:

على الكاتب أن يُصغي إلى نبضات قلبه قبل أن يقترن بموضوعه

و من ثمّ يُؤكّد على ماهيّة الموضوع فيقول:

يبدو لبعضهم أنه يكفي المرء أن يُباشر موضوعاً عظيماً، حتى يُصبح هو عظيمًا.  لكن، أعظم الأشياء هو أبسطها

وقد كان والد رسول حمزاتوف ينصحه بقوله:

اُكتب عمّا تعرف و تستطيع. أمَّا مالا تعرفه فاقرأه في كتب غيرك.

* المصدر: ساقية. 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , , | التعليقات مغلقة

لين تيلمان: ماذا تقول حين يسألك الناس لماذا تكتب أو تصنع فناً؟

لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً، غالباً يثنونك عن ذلك.

لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً، غالباً يثنونك عن ذلك.

كتبت: ماريا بوبوفا
ترجمة: منال غيلان

ما الذي يُجبر الكُتاب على الكتابة، إلى السير للمكتب يوماً بعد يوم تحت تنويم ذاتي إختياري من روتينهم الصارم؟ 

أرجع جورج أورويل ذلك لأربعة دوافع عالمية، وماري جيتسكيل عدّدت ستة أسباب. أما جون ديديون فهي ترى أنه كالوصول لعقلها الخاص. بالنسبة لديفيد فوستر والاس، كان عن المتعة. مايكل لويس ينسب ذلك إلى الأوهام الذاتية اللازمة للإبداع. جوي ويليامز وجد فيه مهرباً من الظلام إلى النور. بالنسبة لتشارلز بوكوفسكي، فهو ينبع من الروح مثل صخرة. إيتالو كالفينو وجد في الكتابة الراحة بالإنتماء لمؤسسة جماعية. لسوزان اورليان، الكتابة تأتي من حب غير قابل للتغيير. ومع ذلك يبقى ذلك الإحساس المقلق بأن أي إجابة هي مُصنعّة، وأنه أفرط جراء مداولات الوعي الذاتي أو نزوات مزاج عابرة، بمعنى أنه لا أحد يعرف تماماً.

إعتماداً على لين تيلمان، واحدة من أكثر السبّاقات الشرسات للأفكار الجديدة في زمننا، لمعالجة هذا الجانب وبدقة عميقة في إحدى مقالاتها من كتاب “تسعة وعشرون مقالاً رائعاً فيم ستفعله لين تيلمان؟” (المكتبة العامة) – وهو مجموعة من التأملات القصيرة في الفن والأدب، والتي تغطي كل شيء من نيويورك لكافكا للصمت المدوي لجون كيج. 

في هذا المقال تحديداً، بعنوان “حاول مرة أخرى”، تيلمان تسرد سؤالاً وصلها – سؤال شائع إلى حد ما – بعد إنتهاء حدث في برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك. 

كاتب طموح سألها أن تنقل لهم الشيء المهم الوحيد الذي تعلمته من مهنة الكتابة حتى الآن. هذا التكرار الدائم في ذات السؤال القديم لماذا يكتب الكتاب. تجيب تيلمان: 

“لا أحد يسلحك لتصبح فناناً أو كاتباً – غالباً يثنونك عن ذلك – والمتطوعون الذين يتحسّرون على العربة التي اختاروها يبدون مخادعين. الفنانون البصريون غالباً ما يطلبون لتفسير اختياراتهم والدفاع عن مواقعهم. قليل من المهن الأخرى عدا الإقتصاد، السياسة والجريمة تستلزم هذا التفسير. الكتاب والفنانون قد يسألون أنفسهم لماذا يصنعون الفن أو يكتبون، والكثير منهم يشعرون باللاجدوى من الوظائف المختارة ذاتياً، ولكن جميع التفنيدات والأجوبة لأسئلتهم الوجودية ترتكز على الإيمان بالفن أو الأدب. بل ستختبر الإيمان ذات نفسه”.

تيلمان تستحضر القول المأثور لاحقاً للشهير صموئيل بيكيت – “حاول مرى أخرى. إفشل مرى أخرى. إفشل بشكل أفضل” – تتحدث عن قيمة الفشل في العمل الإبداعي

“‬الكوميدي عليه التخلص من النكات السيئة، أو سيكون كوميدياً سيئاً، على الرغم من أن الإخفاقات قد تدفعه للعمل، بما أنهم في قلب المتعة. الكوميديا لا توجد بدون فشل، خاصة تلك المتعلقة بالناس الآخرين.  

الكتاب قد ينشرون مقولات والفنانون يصنعون أشياء مملة، وبعض هذا العمل قد يُحتفل به ككتابة أو فن جيدين. البعض يكتب المزيد والمزيد من الكتب، على أمل أن يكون جيداً يوماً ما، غالباً يحفرون حفرة أعمق للوقوع فيها. النجاح بحد ذاته قد يكون حفرة، طالما، وهذا ما يقال، أنه يولد النجاح، لذلك قد تدين الفنان بفعل الشيء نفسه للأبد”.  

لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً.

لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً.

وتعود مرة أخرى لمحور الحديث: 

“‬عن السؤال حول أفضل درس بالنسبة لي للكتّاب الأصغر سناً، أجبت : “لا تتوقع أن نشر عملك سيجعلك سعيداً” ولم أذكر حتمية الرفض، الحظ، المال، المحسوبية، إلخ. قبل ظهور روايتي الأولى، كنت معتقدة بسذاجة أن النشر من شأنه أن يعوض عن كل شيء سيء.  

في تلك الأيام السابقة للنشر، كتابتي كانت لي، كنت قارئتها الوحيدة، ويمكنني التصديق بأنها كانت بلا خطيئة. في عشاء مع صديق فنان لي، أخبرته بأنني لم أكن أعرف أن الفنانين يدينون لأحد بإجابة، أو ما هي مسؤولية الكتاب تجاه قرائه، إن كانت هناك واحدة.  

تبقى أخلاقيات هذه العلاقات الغريبة ملغزة. قد لا تهم مفاهيم الخدمة للمجال، في حال لم يكن الدليل في حلوى البودنغ.

على أي حال، الكتاب والفنانين لا يتم التصويت لهم من قبل ناخبين، رغم أن المؤسسات – بما فيها الجامعية، المعارض الفنية، الناشرون، المجلات الفنية والنقاد – تقوم بالتصويت ولكن بطريقة غير شفافة، وغير ديموقراطية.  إنه يصر على عدم وجود جمهور للفن، ولكن هؤلاءالذين يطرحون ملاحظاتهم عليه عامة يفترضون أنهم منفصلون عنه.  العمل مع الكلمات والصور يربط الفنانين والكتاب بعالم لم يصنعوه، والذي قد يساهمون فيه وقد لا يفعلون”.

في نهاية المطاف، تيلمان لا تقدم لنا الإجابة بل الطريقة، الإستراتيجية لتناول السؤال – حيث اقترضته من تكتيك البريطانيين للتجنب اللبق، والذي كانت تتعجب منه خلال وقت عيشها في لندن:   ‫

“‬لم أكن أفهم استخدام البريطانيين لجملة “لا أمانع” للمعنى “نعم”، “لا”، “ربما”. يبدو أن العبارة تعطي المجال للمفاوضات بين الناس، وإن كان. “أنا لا أمانع”، رأيت، بأنها فتحت الباب للتخاطب بحيث يمكن لأي الطرفين المغادرة، بدون إحراج. ولكن من الصعب إستخدامها بالنسبة للأجانب، لأنه جزء من الرقص البريطاني الذي يتعلمون خطواته الخفية منذ الصغر. البريطانيون أيضاً يتجنبون الإجابة على الأسئلة المباشرة. أحياناً أحببت ذلك، كانت عادة غير أمريكية البتة، والآن أفعل ذلك أحياناً في نيويورك، حيث يتوقع الناس الإجابات. أقوم بتغيير الموضوع أو أتظاهر بعدم سماعي للسؤال، وأشاهد المفاجأة أو الإستياء الذي يظهر على الوجوه. إنه تحرر من فضول الآخرين، حرية لم أتوقعها يوماً. إنني أوصي بذلك مع التحفظات التي ستختلف من شخص لآخر، والتي يمكن تمييزها من خلال التجربة والخطأ”. 

* نشرت في آراء. 

كُتب في لماذا تكتب | التعليقات مغلقة

كيف يكتبُ إيتالو كالفينو؟

 أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب.

ترجمة: لطفية الدليمي – المدى

- أية منزلة يمكن ان تكون للذهول Dilirium في حياتك العملية ؟

– الذهول؟!! انا عقلاني دوما وكل ما أقوله او أكتبه يخضع كلية لمعايير العقلانية والوضوح والمنطق. ما الذي تظنه في؟ هل تتوقع ان استحيل انسانا مسكونا بالبارانويا، عندما يتعلق الأمر بي في الكتابة فإنني أصير اعمى عندها ، لو كنت أجبتك مثلا ( نعم انا أنفعل كثيرا و أصاب بذهول عظيم اثناء الكتابة و اشعر بنشوة عظمى في هذا الفعل ) فلا اعرف حقا كيف يمكن لي ان اكتب هكذا اشياء مجنونة و لكنت أنت نفسك رأيتني رجلا اخرق بلا أية معقولية مقبولة . ربما كان السؤال الأفضل الذي نبدأ به حوارنا هو كم أضع من نفسي فيما اكتبه؟ ولو كنت سألتني هذا لأجبتك : أضع رؤيتي المعقلنة وإرادتي وذائقتي وخلفيتي الثقافية و لكن بلا تحكم كامل بما افعل وربما جاز لنا ان نرى في هذا شكلا من أشكال العصاب او الذهول الذي يرافقني في الكتابة .

- ما طبيعة أحلامك ؟ هل أنت مهتم بـ ( يونغ ) أكثر مما تفعل مع ( فرويد)؟

– ان إيضاح طبيعة احلامي لن يرضي محللا فرويديا أكثر مما يمكن ان يفعل مع نظيره اليونغي . أقرأ ( فرويد ) لأنني أراه كاتبا ممتازا وكتاباته اقرب الى المغامرات البوليسية المثيرة التي يمكن متابعتها بشغف عظيم ، كما اقرأ ايضا لـ ( يونغ ) الذي يبدي اهتماما بمفردات في غاية الأهمية لأي كاتب مثل الرموز و الأساطير مع انني لا أرى في ( يونغ ) كاتبا جيدا مثل ( فرويد ) لكنني مولع بالاثنين معا .

- تتكرر مفاهيم ( الحظ ) و ( الصدفة ) كثيرا في أعمالك، و تتنقل من خلط أوراق لعبة ( التاروت ) الى التوزيع العشوائي لأوراق مسودات الكتابة . كيف يلعب مفهوم الصدفة دورا في تشكيل اعمالك ؟

– كتابي الخاص بورق لعب ( التاروت ) والمعنون ( قلعة المصائر المتقاطعة Castle of Crossed Destinies ) هو الأكثر من بين كتبي الذي أجريت فيه حسابات و احتمالات و ما من شيء فيه ترك عرضة للصدفة . لا أعتقد أن الصدفة يمكن أن يكون لها ذلك الأثر البالغ في الأدب الذي أكتب .

- كيف تكتب؟ أعني الإشارة الى تفاصيل الفعل الفيزيائي للكتابة ذاتها؟

– أكتب بيدي وأجري الكثير الكثير من التصحيحات إلى حد أستطيع القول معه أنني أشطب أكثر مما أكتب. أرى نفسي أبحث عن الكلمات عندما أتكلم وتلك ذات الصعوبة التي أعانيها عندما أكتب، ثم اقوم بعمل عدد من الإضافات والتعديلات. أكتب في العادة بحرف صغير لذا تمر علي لحظات أعجز فيها عن قراءة ما كتبت بنفسي، فألجأ الى عدسة مكبرة تعينني على قراءة ما سبق أن كتبته بخط يدي. أكتب في العادة أيضا بخطين مختلفين: الاول كبير الحجم ويحصل هذا عندما اكون واثقا كل الثقة مما اكتب، أما الثاني فصغير الحجم وهذه أستخدمها عندما أكون في حالة عقلية أقل وثوقية، وفيها يكون صعبا علي أنا ذاتي ان أفك شفرة ما كتبت. تمتلئ صفحاتي دوما بسطور ملغاة و تعديلات، وعندما أبدأ بطباعة مسودات مأخوذة عن نصوصي الأولية المليئة بالخربشات بعد فك تشفيرها أرى نفسي قد أنجزت نصًا مغايرا لما بدأت به وهو الآخر أجري عليه تعديلات لاحقا. أشعر بحسد هائل فعلا تجاه هؤلاء الكتاب الذين يمضون في الكتابة بلا تصحيحات وفك تشفير لما يكتبون.

- هل تعمل يوميا أم في ساعات محددة و لأيام محددة؟

– نظريا أود لو كان بإمكاني العمل كل يوم ولكن يحصل أنني أجد دوما لنفسي أي عذر ممكن لكي لا أبدا العمل صباحا اذ علي الخروج و إتمام شراء بعض المشتريات والصحف، و كقاعدة يحصل دائما انني أستهلك كل صباحاتي في أعمالي الروتينية وأجلس للكتابة من بعد ظهر كل يوم. أنا في العادة كاتب نهاري ولكن لما كنت أضيع فترة الصباح من كل يوم دوما أمكن لي أن أصف نفسي كاتبا لفترة ما بعد الظهيرة كما يمكن لي احيانا ان اعمل ليلا ولكن لو فعلت سيكون صعبا علي ان أنام الليل لذا احاول تجنب هذا الامر على قدر ما استطيع.

- هل تشرع في أعمالك ابتداء من حزمة أفكار صغيرة غير مترابطة أم من مفهوم واحد طاغ ثم تقوم لاحقا بالاشتغال عليه؟

– أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

- كتب ( تورجينيف ) مرة : ” أفضّل أن أملك القليل من العدة المعمارية التي أتعامل بها في هيكلة الرواية على امتلاك الكثير منها خشية ان يتداخل المعمار مع صدقية ما اكتب”. هل يمكنك ان تعلق على هذه الملاحظة بالإشارة الى ما تكتب ؟

– يمكنني القول ان في السنوات العشر المنصرمة كان لمعمارية ما أكتب اهمية ربما يمكنني وصفها بانها مبالغ بها وكمثال على هذا عندما بدأت كتابة ( مدن لامرئية ) كانت لدي فكرة ضبابية عن هيكل ومعمارية النص ثم استحالت المعمارية شيئا فشيئا لتكون هي قلب الرواية وعقدتها في كتاب أعددته أصلا دون ان تكون له عقدة واضحة الملامح ويمكننا قول الشيء ذاته بحق عملي الاخر ( قلعة المصائر المتقاطعة ): الهيكل المعماري أضحى متطابقا مع الرواية ذاتها، و منذ ذلك الحين وأنا مسكون بالأهمية الطاغية لهيكل ومعمارية أي كتاب اكتب الى حد انني اصبحت مجنونا بها، و يصدق نفس الرأي مع كتابي الاخر (لو ان مسافرا في ليلة شتاء) الذي ما كان له ان يوجد اصلا لولا انني وضعت له هيكلا دقيقا ومصنوعا بحرفية عالية. أظن أنني نجحت في هذا الجهد وهو مبعث سعادة كبيرة لي ولكن لا بد من الاشارة إلى أن القارئ ليس معنيا بهذه التفاصيل أبدا فالمهم لديه هو الاستمتاع بقراءة اي كتاب باستقلالية كاملة عن الجهد الذي وضعته فيه .

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

أبدأ في العادة من صورة صغيرة مفردة ثم أعمل على توسيعها.

- تعيش في مدن كثيرة و تتنقل في العادة بين روما وباريس وتورين ثم تعود بعدها الى هذا المنزل الساحلي قرب البحر حيث نجري هذا الحوار. هل ثمة من تأثير ما للمكان على ما تكتب؟

– لا أظن ذلك . ربما كان لتجربة الحياة اليومية في مكان ما تأثير على ما اكتب ولكن ليس لأنني أقيم في هذا المكان او ذاك. أعمل في الوقت الحاضر على كتاب يرتبط الى حد ما بالمنزل الذي اقيم فيه هنا في توسكانيا حيث اعتدت أن امضي ايام الصيف لبضع سنوات خلت، لكن بإمكاني ان أمضي قدما في إتمام العمل لو انني أقمت في مكان اخر.

- هل يمكنك ان تكتب في غرفة فندق ؟

– اعتدت القول أن غرفة الفندق هي مكان مثالي للكتابة لأنها في العادة هادئة ومجهولة العنوان فلا أكوام رسائل تتكدس أمامك تنتظر الاجابة عليها ولا مهمات اخرى بانتظارك سوى ان تجلس وتكتب، و مع أني ارى في غرفة الفندق مكانا مثاليا للكتابة لكن احتاج الى مكان خاص بي اقرب ما يكون الى مخبأ، ولو ان فكرة ما اختمرت في ذهني وكانت واضحة لي تماما فلدي دوما القدرة على كتابتها اينما كان حتى لو كنت في غرفة فندق.

- هل تسافر في العادة مع دفاتر ملاحظاتك وأوراقك ؟

– نعم احمل معي في العادة ملاحظاتي و ملخصات لما اريد ان اكتب، و للسنوات العشر المنصرمة صرت مسكونا بفكرة ان احمل معي دوما ملخصات عن وقائع حياتي اينما رحلت.

- كان والداك عالمين كما نعرف. أ لم يفكرا بأن يجعلا منك عالما؟

– كان والدي عالما في تحسين المزروعات ووالدتي كانت عالمة نبات وكان كلاهما مغرمين بعالم الخضار والطبيعة والعلوم الطبيعية وكانا يعرفان منذ البدء بعدم ميلي الى اي من اختصاصاتهما أو اهتماماتهما مع اني في الواقع اشعر بأسف شديد اليوم لأنني لم أتمثل تجربتهما العلمية كفاية كما كان ينبغي، و ربما كان عزوفي عن اهتماماتهما العلمية يعود الى انهما كانا اكبر مني بكثير فوالدتي كانت في الاربعين عندما ولدت و والدي كان في الخمسين و لذا كانت بيننا هوة واسعة كما ترى .

- متى بدأت تكتب؟

– عندما كنت يافعا لم تكن لدي أية فكرة عما أريد ان أكونه. بدأت الكتابة مبكرا نوعا ما و لكن قبل ان أخوض في أية تجربة كتابية كان شغفي الاول في الرسم، فقد رسمت بضعة رسوم كاريكاتيرية لأصدقائي التلاميذ واساتذتي في المدرسة لكنها ظلت رسوما خيالية أنجزت بلا اي تدريب. عندما كنت صبيا سجلتني والدتي في مدرسة تدير برنامجا لتعليم الرسم بالمراسلة وكنت وقتها في الحادية عشرة عندما ظهر لي احد رسوماتي في مجلة كانت تنشرها مدرسة الرسم التي سجلت فيها وقد اشاروا فيها الى انني كنت تلميذهم الأصغر، واذكر أيضا انني كتبت بضعة اشعار في تلك المرحلة وعندما بلغت السادسة عشرة جربت كتابة بعض الاشياء للمسرح الذي كان شغفي الاول حينها ربما لان علاقتي بالعالم الخارجي وقتذاك كانت عبر المذياع فحسب والذي اعتدت سماع الكثير من النصوص المسرحية عبر اثيره.

- من الكتاب الذين كان لهم اعظم الأثر في حياتك؟ أعني الكتاب الذين قرأتهم باعظم متعة متصورة؟

– ثمة كتاب من الذين قرأتهم وأنا في سن الصبا مثل (ستيفنسون) لا زالوا يمثلون لي نماذج معتبرة في الطلاقة والدافع السردي والطاقة على العمل، و لا يزال كتاب مثل كيبلنغ وستيفنسون نماذجي المفضلة بين الكتاب وأضع بعدهم ستاندال.

- متى تخليت عن الكتابة للمسرح؟

– بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن في المسرح الايطالي نماذج واعدة في وقت كانت الرواية تشهد فيه انطلاقة متفجرة لذا عكفت على كتابة القصة ثم بدأت بعدها بكتابة الرواية وتلك محض آليات عقلية في كيفية التعبير عن ذاتك و أملك طريقتي في كتابة النثر وهي أقرب لما يفعله الشاعر عندما يكتب قصيدة ولست من ذلك النوع الذي يكتب روايات طويلة بل اضغط فكرة او تجربة ما في نص تركيبي قصير يقف في النهاية مع غيره من النصوص القصيرة لتكون في النهاية سلسلة .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ. أرى مثلا ان كتاب (مدن لا مرئية ) يقع في منزلة بين الشعر و الرواية .

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

أعير اهتماما كبيرًا جدًا بالتعابير والكلمات معا، وأدقق في ايقاعاتها وأصواتها والصور التي تحفزها في القارئ.

- هل ترى ان شباب اليوم يمتلك سمات مختلفة عن تلك التي كانت لجيلكم ؟

– يحصل بين الحين والآخر ان اغضب لدرجة الجنون بشأن الجيل الشاب ولكن لم يحصل ان ألقيت مواعظ في أي محفل شبابي لأنني لا أطيق الوعظ كما ان أحدا لن يستمع لي.

لا بد ان شيئا ما قد حصل بين جيلي وجيل الشباب محدثا انقطاعا في استمرارية التجربة وربما كان هذا بسبب افتقادنا الى نقاط التقاء مرجعية ولكن عليّ القول انني عندما كنت شابا لم القِ بالا أبدا لأي نقد او توبيخ لذا لا أجدني املك الحق في نقد او توبيخ الشباب اليوم .

- هل الروائيون ملفقو أكاذيب؟ واذا لم تكن تراهم هكذا فعن أي نوع من الحقيقة يكتبون؟

– الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة، وبالنسبة للروائي كما للمحلل النفسي ليس بالأمر المهم النظر فيما اذا كنت تقول صدقا او كذبا لأن الأكاذيب يمكن لها ان تكون ممتعة وبليغة وكاشفة، شأنها شأن أية حقيقة ندعي قولها بصدق.

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم، ففي عملي ( لو أن مسافرا في ليلة شتاء) على سبيل المثال، وهي رواية مؤسسة بالكامل على الفانتازيا، كان هدفي ان أتحدث عن حقيقة لم يكن بوسعي أن أرويها بأية طريقة أخرى.

- هل ترى ان الكتاب يكتبون ما يتمكنون من كتابته ام ما ينبغي لهم كتابته ؟

– الكتاب يكتبون في العادة ما يستطيعون، لأن لفعل الكتابة وظيفة تكون مؤثرة متى ما اتاح لها المرء أن تعبر عن عالمه الداخلي. يعاني الكاتب غالبا من محددات عديدة: محددات أدبية مثل عدد السطور في السوناتا الغنائية او قواعد التراجيديا الكلاسيكية وثمة محددات اجتماعية تستوجبها انشغالات دينية او اخلاقية او فلسفية أو سياسية و مع أن هذه المحددات لا يمكن فرضها مباشرة على الكاتب لكن لابد له من ( فلترتها ) عبر ذاته الجوانية.

- هل كان لـ ( جويس ) أو غيره من الكتاب المحدثين من تأثير ما عليك ؟

– المؤلف المفضل لي بين المحدثين هو كافكا والرواية المعاصرة المفضلة لي هي ( اميركا ) .

- تبدو اقرب الى الكتاب الذين يكتبون بالانكليزية: كونراد وجيمس وستيفنسون اكثر من الكتاب الذين يكتبون النثر الايطالي التقليدي. هل ترى الامر هكذا؟

– لطالما رأيت نفسي مشدودا الى ( جياكومو ليوباردي ) فإضافة إلى أنه شاعر لامع فهو كاتب ممتاز و يكتب نثرا عظيما مفعما بالفكاهة و الخيال و العمق .

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

الروائيون يحكون عن ذلك الجزء من الحقيقة القابع في أعماق كل كذبة.

- كيف رأيت العمل مع ناشرك الايطالي (اينودي Einaudi)؟ هل عطل شيئا من قدرتك الابداعية؟

– إينودي ناشر متخصص في التاريخ والفلسفة واللغة والعلم و لسوسيولوجيا والكلاسيكيات وتحتل الرواية مؤخرة قائمة منشوراته لذا فان العمل لدى اينودي كان بمثابة العيش في عالم موسوعي.

- يبدو صراع الانسان مع العالم حوله وهو ويحاول ان يرى النظام وسط الفوضى ، ثيمة رئيسية في الكثير من اعمالك، أذكر هنا خاصة ما ورد في كتابك ( لو ان مسافرا في ليلة شتاء ) الذي يحاول قارئه ان يفكك أسرار الفصل الذي يلي كل فصل يقرؤه؟

- الصراع بين الخيارات التي يفرضها العالم مع نزوع الانسان المتواصل والمسكون بفكرة ايجاد معنى ما في هذه الخيارات هو نموذج لما يتردد غالبا في كل ما اكتب.

- تتقلب في كتاباتك بين نمطي الكتابة الواقعية و الفنتازيا. هل تهوى الاثنين بنفس القدر ؟

– عندما أكتب كتابا هو نتاج اشتغال كامل للكشف الشخصي أجد في نفسي لهفة وتوقا عظيمين لاستخدام لغة الحياة اليومية جنبا الى جنب مع نشاطاتي وأفكاري، ولكن عندما أكتب شيئا يميل الى الجانب السِيري Autobiographical و أرى نفسي مقيدا الى الخصوصيات الدقيقة للحياة اليومية حينها تكون لهفتي الى لغة ليست لها روابط واضحة مع جوانب كينونتي الذاتية وتكون اكثر قدرة في اداء الغرض المطلوب .

- كيف استقبلت اعمالك في امريكا؟

– مدن لامرئية ” هو عملي الذي حظي بأكثر المعجبين هناك رغم انه – ولدهشتي – ليس واحدا من كتبي السهلة، فهو ليس رواية بل مجموعة قصائد في قالب نثري . كتابي الاخر ” حكايات فلكلورية ايطالية ” كان قصة نجاح اخرى في امريكا بعد ان ظهرت ترجمته الانكليزية الكاملة عقب خمس و عشرين سنة من نشره بالايطالية. كان نجاح “مدن لامرئية ” نخبويا أذ امتدحه محبو الادب و الطبقة المثقفة بينما كان نجاح الحكايات اكثر جماهيرية. في الولايات المتحدة تبدو صورتي كاتبا للفنتازيا و الحكايات .

- هل ترى ان أوروبا قد تسيدتها الثقافتان البريطانية و الامريكية؟

– لا. ليست لدي أية ردود أفعال شوفينية بخصوص هذه المسألة . ان معرفة الثقافات الاجنبية عنصر حيوي في أية ثقافة وارى أننا لا يمكن ان نرتوي من هذه المعرفة يوما ما، وينبغي لكل حضارة ان تبقي أبوابها مفتوحة لكل التأثيرات الثقافية اذا ما ارادت ان تحافظ على توقد شعلتها الابداعية. في ايطاليا كان المركب الحضاري الفاعل في الأغلب هو الأدب الفرنسي مع ان الأدب الامريكي ترك بصمته عليّ طوال حياتي. ( ادغار آلان بو ) كان واحدا من اهتماماتي المبكرة و علمني ما هي الرواية ثم اكتشفت لاحقا أن (هوثورن) أعظم منه، و في سنوات ارتقائي الادبي مبكرا في الاربعينات كان الادباء المهيمنون هم: همنغواي وفوكنر وفيتزجيرالد، وكان لنا في ايطاليا على الدوام ولع شديد بالأدب الأمريكي حتى ان مؤلفين أقل قامة من السابقين ( من أمثال سارويان و كالدويل ) كان ينظر لهم على انهم نماذج تصلح للاقتداء في الاسلوب رغم ظهور نابوكوف لاحقا الذي أكن له – و لا أزال – قدرا كبيرا من الاعجاب .

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

لدي شكوكي الكبيرة تجاه الكتاب الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن أنفسهم وعن الحياة والعالم بأسره، وأفضّل البقاء في جانب الكتاب الذين يحكون عن الحقيقة وهم يكشفون عن ذواتهم باعتبارهم اعظم الكذابين في العالم

- في الايام الحرجة الاولى بعد الحرب العالمية الثانية مكثت بشكل متواصل في ايطاليا و لم نر انعكاسا للأوضاع السياسية في رواياتك باستثناء روايتك القصيرة ( المراقب The Watcher ) مع أنك كنت شخصا منغمسا في السياسة . ما تقول في هذا ؟

- كنت في السنوات اللاحقة للحرب أرمي الى استيعاب معاني المعاناة والجروح البليغة التي أحدثتها في نفسي سنوات الحرب وبخاصة بعد الاحتلال الالماني لايطاليا، لذا انغمرت كشاب في العمل السياسي وانضممت الى الحزب الشيوعي الايطالي والذي أراه مختلفا عن كل الاحزاب الشيوعية في بلدان أخرى، ثم أدركت لاحقا وبصورة متعاظمة صعوبة تحقيق فكرة إقامة ديمقراطية حقيقية في ايطاليا باستخدام النموذج – او لنقل الاسطورة – السوفيتي وقد نمت القطيعة داخلي حتى وجدتني اقطع كل صلاتي مع الشيوعية ومن بعدها السياسة، وكان هذا لحسن حظي فانا ارى اليوم اننا نرتكب خطا جسيما بوضع الأدب في مقام بعد السياسة، لان الاخيرة تفشل دوما في انجاز اهدافها في حين ان الأدب ينجح على الاقل في أنجاز شيء ما و مكن ان يكون له في المدى البعيد شيء من تاثير عملي. بتُّ أدرك الآن ان الأهداف الثمينة في الحياة لا يمكن إنجازها الا عبر صيرورات بطيئة للغاية .

- تنتمي لبلد كتب كل من كتابه الكبار للسينما أو حتى قام بإخراج فلم سينمائي بينما تبدو انت مقاوما لغواية السينما . لماذا وكيف هذا ؟

– في صباي كنت احد المولعين الكبار بالسينما ولكنني حرصت ان اكون متفرجا على الدوام ولم انجذب ابدا يوما ما لفكرة ان أغادر موقعي كمتفرج وانتقل الى الجانب الاخر من الشاشة . إن معرفة دقائق عمل السينما ستقتل حتما في داخلي ذلك الانبهار الطفولي الذي لطالما شعرت به تجاه السينما .

- هل اثقل الضجر حياتك و خيم عليها يوما ما ؟

– نعم في طفولتي و هنا لا بد ان اشير الى أن الضجر الطفولي هو من طراز خاص لأنه ضجر مليء بالأحلام و هو في حقيقته عملية إسقاط Projection لتبني مكان اخر او فكرة اخرى.

في الطفولة يتأسس الضجر على فعل التكرار وينطلق من استمرارية حال لا نتوقع معها اية دهشة. أعاني اليوم شيئا مختلفا عن الضجر: إنه الخوف من تكرار نفسي في عملي الأدبي وهذا يمثل لي على الدوام تحديا متواصلا كل يوم لذا ينبغي لي ان اجد شيئا يبدو جديدا تماما و يكون في ذات الوقت ابعد قليلا من المدى الذي تبلغه قدراتي التي اعرفها.

كُتب في روتين الكتابة, كيف أكتب | الوسوم: , | التعليقات مغلقة

جيم هاريسون: الروايات السيئة مليئة بالآراء

البلبنتناليبي

لا يمكنك الذهاب إليه، هو يأتي إليك.. عليك إيجاد على صوت الشخصية.

جو فاسلر
ترجمة: ميادة خليل

يقول الكاتب المخضرم أن شعر ثيودور رثكا هو تذكير بأننا: أحياناً نكون متحمسين وأحياناً أخرى لا.  في عمر السادسة والسبعين، حاكى هاريسون كل نوع أدبي معروف في أمريكا. كتب 10 روايات، 17 مجموعة شعرية، مقالات كلاسيكية عن الغذاء والبرية، سيناريوهات لأفلام مميزة أبطالها جاك نيكلسون وكيفن كوستنر. بعض من أفضل أعماله، على ما أعتقد، كانت في نوع أدبي غير مشهور، القصة الطويلة ــ شكل أرتبط به بعد نجاح مجموعة من ثلاث قصص طويلة في 1979، “أساطير الخريف”.

المجموعة القصصية الجديدة لـهاريسون ــ الثامنة ــ تتميز بشخصية عادت ثانية في عمله منذ أكثر من 20 عاماً: براون دوغ، رجل ضخم صعب، مدمن على الكحول من شبه جزيرة شمالية في ميشيغان. قدمه لأول مرة في التسعينات في “The Woman Lit By Fireflies” ــ تتناول القصة حقيقة تعافي جسد زعيم هندي والاحتفاظ به بشكل مثالي في أعماق بحيرة سوبيريور ــ براون دوغ أصبح واحداً من شخصيات هاريسون الأكثر شهرة. هذه المجموعة تجمع خمس قصص طويلة لـبراون دوغ في مكان واحد لأول مرة، وتنتهي بقصة جديدة.

عندما سألته عن نصه الأدبي المفضل لديه، اختار هاريسون أبيات من قصيدة لــ ثيودور رثكا ليشاركنا رؤيته في الكتابة. طبيعته، مثل طبيعة بطل قصته، غير مثقف، همجي وعنصري. يوضح هاريسون سبب انتظاره لسنوات قبل كتابة كلمة واحدة، وكيف يساعد الإيقاع على تحرير شخصياته.

تحدث جيم هاريسون لي من بيته الشتوي في باتاغونيا، ولاية أريزونا حيث ينتظر البرد قبل أن يعود، في الربيع، الى ولاية مونتانا.

جيم هاريسون:

قرأت لـثيودور رثكا في وقت مبكر من حياتي لأنه كان مثلي، من ولاية ميشيغان. عاش في بيت كبير ورثه من أبيه. كان تابعا كبيرا ــ أو أحمقا، إذا فهمت ما أعنيه. ربما كان ينبغي أن يستمر أكثر من ذلك بالنسبة لي، يُظهر عمل رثكا بوضوح قوة اللغة، خاصة من خلال سيطرته على الإيقاع. يمكنك أن تلاحظ بأن موهبته تكشف ما هو مفضل لدي، “عرفت امرأة”:

عرفت امرأة، جسدها رائع
عندما تنهدت العصافير الصغيرة، تنهدت لهن،
آه، عندما مشت، مشت في أكثر من طريق
الأشكال ممكن أن تحوي وعاء نور
لفضائلها يجب أن تتحدث لها الآلهة.
أو شاعر أنكليزي نشأ في اليونان.

(أحب أن أراهم يغنون في جوقة، جنباً الى جنب)

لماذا هذه الأبيات ظلت معي؟ لا أعرف. لا أحفظ القصائد عادة. ليست الأمر مثل طريقة الحفظ التي تعلمناها في المدارس، عندما حفظنا كيبلينغ “إذا”. أو أبيات أخرى من الشعر الركيك. “أغنية من هياواثا” لــ لونغفيلو. أنت تعرف ما أقصد:

قرب شواطئ غيتشا غامي*
قرب مياه البحر المشرقة
هناك كوخ لفوكوميس
ابنة القمر، فوكوميس.

قافية القصيدة يجب أن تُقرأ مثل النقر على صندوق. لكن الناس يعتقدون أن شعر لونغفيلو جيد لتعليم الأطفال اللغة الإنكليزية، حتى أن الناس يفرضون هذه القصيدة السخيفة على أطفالهم الى يومنا هذا. إغراء الشعر الجيد أكثر سحراً. يمكنني أن أتذكر عبارات كاملة من “عوليس” و”إستيقاظ فينغانز”، فقط لجمال استخدام جويس للغة. نفس الشيء مع رثكا. تلك الأبيات تلتصق بنا لأسباب جمالية، مثلما تتذكر أغنية. أنت تسترجع موسيقاها في عقلك. كل هذا يحدث في عالم ماوراء التفكير. لماذا موزارت أفضل من الآخرين؟ لا يوجد سبب منطقي لذلك. وهذه الحقيقة تصح على الكتابة. بعض الناس يمتلكون الموهبة فقط. أستطيع أن أدرك هذه الميزة عندما أراها على الصفحة. أنت تعرف كيفية تشغيلها. هذه الموهبة فيها شيء من ما قاله ماثيو ارنولد: “الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش.” لكن ليس هناك جواب منطقي لهذا.

ماثيو آرنولد: الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش

ماثيو آرنولد: الشاعر الجيد يمكنه أن يجعل جلد عنقك يرتعش

كيف أعرف أن كتاباتي تمتلك هذه الموسيقى؟ أخشى أن ذلك سيظل غامضاً. منطق الحس الجمالي لا يُعرّف نفسه. لم أرَ نفسي أبداً عالم رياضيات. أذهب مع عقيدة “أحياناً متحمس وأحياناً اخرى لا” هذا ما أشعر به أحياناً ولكن لا أستطيع توضيحه. لا أعرف مع الرواية إن كانت ستكون جيدة أم لا حتى كتابة 50 صفحة. مع القصة الطويلة، يستغرق الأمر حوالي 20 صفحة إذا كنت بالفعل نشطاً.

روايتي الأولى “وولف” بدأت بصفحتين. كان قراراً تافهاً. أردت أن أثبت أن بأمكاني فعل ذلك. كنت كاتباً شاباً، متعطشاً للكتابة. لكني كنت متحمسا في ذلك اليوم، وشعرت بذلك. بالطبع، الحماس يتضاءل قليلاً بعد ذلك. لكن لا يذهب الحماس بعيداً جداً. هل تعرف؟

اقتربت من الشعر والنثر بشكل مختلف تماماً. هذا صعب لأني أكتب الشعر والنثر طوال الوقت. غالباً ما أبدأ يومي بكتابة قصيدة. ثم أتصارع مع أي نثر كتبته في ذلك الوقت. لا أفصلهما في ذهني. مجرد أن لدي طريقة مختلفة جذرياً للتعامل معهما.

الشعر تضرعٌ رائع. بينما النثر هو كل شيء عن الشخصيات. يتطلب الشعر الكثير من التركيز والتنقيح بينما النثر لايحتاج الى ذلك. كتبت “أساطير الخريف” في 9 أيام وعندما أعدت قراءتها، غيّرت كلمة واحدة فقط. لم يكن هناك أي عملية مراجعة. لا شيء. فكرت كثيراً في الشخصية التي تكتب كتاب كما تتبنى أسلوب. شعرت بالإرهاق بعد انتهائي منها، وشعرت بحاجة الى إجازة. لكن الكتاب قد انتهى بالفعل.

أفكر في رواياتي لوقت طويل قبل أن أبدأ في كتابتها ــ سنة أو أكثر، وأحياناً عدة سنوات. نصفي سويدي، والسويديون يميلون الى الكآبة. أجلس فقط للتفكير. الكثير من هذا يحدث أثناء المشي أو قيادتي السيارة. يستغرق الأمر معي وقتاً طويلاً، أقود السيارة بلا وجهة محددة فقط من أجل أن أُجرب وأرى أين هو عقلي. عادة، القصة تبدأ مع مجموعة من الصور. أقوم بكتابة بعض الملاحظات في يومياتي، لكن ليس كثيراً. غالباً، ليس أكثر من مجرد مخطط غامض. زخرفة، رسم بياني.

هكذا جاءت لي قصة “براون دوغ” ــ من صورة. زرت متحف السفن الغارقة في البحيرات العظمى في سولت سانت ماري، ميشيغان. لديهم صور الطباخ في مطبخ السفينة التي غرقت في التسعينات من القرن الثامن عشر. البحيرات تصل الى برودة بحيث أن الطباخ يبدو جسده سليماً تماماً وهو يطوف في المطبخ ــ ما عدا أن ليس لديه عينين. هكذا بدأت القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة.

بمجرد أن أبدأ، نادراً ما أغيّر رأيي حول طبيعة القصة. وعندما أبدأ الكتابة، يبدو كما لو أن اللغة هي من تقودني وليس الحبكة. الحبكة ممكن أن تكون مبالغة. ما أحرص عليه دائماً هو الإيقاع. عندما تمتلك إيقاع الشخصية تصبح كتابة الرواية مثل تأليف قطعة موسيقية. مثل تنفيذ الأوامر، عندما تتناغم أنت بالفعل مع إيقاع ذلك الصوت.

لا يمكن الذهاب إليه. هو يأتي لك. عليك إيجاد صوت الشخصية. صوتي الشخصي يجب أن ينفصل عن الرواية. الروايات السيئة مليئة بالآراء، وتطفل الكاتب، في حين عليك أن تتركها الى شخصياتك.

الخطر عندما لا تكتب بصيغة الشخص الأول على أنه شخصية الراوي، هو أن هناك الكثير جداً من الإغراء لأجل التباهي. والكثير من الكتّاب يفعلون ذلك. يجدون أن ما يفكرون به هو رسالة مهمة، ثم يستمرون في إطلاق النار عليها.

أُحب ما قالته ديبورا تريسمان في صحيفة النيويوركر: “لابد أن يكون لديها قصة، لا يكفي أن تمتلك التأثير فقط.” يجب أن يكون هناك ما هو أكثر من التأثير. وهذا حقيقي. لا أحد يحب التباهي.

ولهذا، يجب أن تفكر مثل الشخصية، تتحدث معها. بُنية “وولف” نمت من الإيقاع أكثر من أي حس تقليدي للحبكة. في حالة رواية “دالفا” شعرت أن بأمكاني أن أحلم بالشخصية. كما لو أن لديك صوت آخر في دماغك بينما أنت تكتب. وهذا شعور رائع. ولا يحدث دائماً.

نشرت في آراء. 

 

كُتب في كيف أكتب | الوسوم: , | التعليقات مغلقة