بثينة العيسى: هذا زمن البحث عن المعنى

هل يمكنُ أن يكون غيابُ المخيّلةِ هو الجذرُ لكلِّ شرورِ العالم؟

 

كان يا ما كان..

منذ سنتينِ ونحن نبحثُ في هذا الحقل، وننتهي دائمًا في المكان الذي نبتدئ منهُ؛ المخيّلة

أذكرُ مرّة أنني فكّرتُ؛  

هل يمكنُ أن يكون غيابُ المخيّلةِ هو الجذرُ لكلِّ شرورِ العالم؟ 

عندما نجد إنسانًا قادرًا على قتل إنسان، لأنه، ببساطةٍ، عاجزٌ عن تخيّلِ نفسه في مكانه.  

كيف يمكننا أن نفهمَ القمعَ، والتعصّبَ، والكراهية.. بوجود المخيّلة، ذلك الجسرُ الذي يصلُ ضفتيّ الأنا بالآخر.  

هل سيبقى العالمُ على ما هو عليهِ إذا التزمنا كلّنا، بواجبنا الأخلاقي، بأن نتخيّل؟  

يقول غسان كنفاني: “إنّهم يحكمون عليكَ لأنهم لا يعرفونك”.  

ولكن، كيف لهم أن يعرفوك من دون مخيّلة، من دون تلك القدرة على أن يمشوا خطواتك ذاتها، أن يجعلوا من أنفسهم أبطالًا في حكايتك الخاصّة؟ 

هذا هو ما تفعلهُ الحكاية. 

إنها تمنحنا القدرةَ على فهمِ الآخر، عوضًا عن الحُكمِ عليه. 

إذا أردنا أن نفهم شخصًا، فنحنُ نسأل عادةً؛ ما هي حكايته؟  

كل أحاديثنا الجانبية، كل النمائم الصغيرة، أحلامِنا، كوابيسِنا، وجلُّ ما نبحث عنه في الفنِّ والأدب هو الشيءُ ذاتُه تقريبًا؛ الحكاية. نحن نريد الحكاية دائمًا، لأننا نريد أن نفهم. ليس الآخرَ وحسب، بل أنفسنا أيضًا.  

لأن القصصَ والحكايا.. لم تكفَّ قَطُّ عن كونها تلك المرايا.

صقيلةً، بليغةً، وأبدية.  

لأن الحقيقةَ يصعبُ القبضُ عليها، وكلّ ما يمكننا فعله هو أن نتحسسَ أجزاءً منها، نضع القطعَ إلى جانب بعضها بعضًا، نبحث عن سياقٍ سردي، منظومةٍ نفهمُ من خلالها ما حدث.  

لماذا حدث ما حدث؟ 

لدينا جميعًا ذلك الجوعُ القديمُ إلى المعنى. وفي كل يومٍ يذهبُ العالم أبعد نحو الصدفةِ والعشوائية، وانعدام النظام، نصبحُ أكثر خوفًا. ماذا لو انتهينا كلنا للعيشِ في عالمٍ بلا معنى؟ عالمٍ متعذرٍ عن الفهمِ تمامًا، أيُّ مستقبلٍ ينتظر الإنسان إذا ما سرقنا منه الأفق؟ 

كثيرًا ما سمعنا بأن هذا هو زمنُ الرواية، ولكنَّ هذا غير صحيح. الروايةُ، والقصةُ، والفيلمُ، والكتابُ المصورُ، والحكاياتُ الشعبيةُ، والخرافاتُ، والملاحمُ الشعرية، والأساطيرُ.. هي مجردُ أدواتٍ للفهم. لأنَّ هذا الزمنَ، على ما يبدو، هو زمنُ البحث عن المعنى، شيءٌ يستطيع تحويلَ فكرة الوجود من جرحٍ إلى جمال

إننا نقفُ على أعتابِ فهمٍ جديد لأنفسنا، إذ لم يعد يكفينا أن نعرّفَ الإنسانَ اليومَ بأنه حيوانٌ ناطقٌ، أو حيوانٌ اجتماعي، وغيرها من تلك التصنيفات.. إنّ الإنسانَ الذي نتساءل عنه اليومَ هو الكائنُ الحكّاء، كائنٌ راوٍ، قاصٌّ، ساردٌ؛ يخلق القصصَ لكي يعثرَ على المعنى، ويقرأ القصصَ لكي يفهمَ نفسه. 

في حوارٍ خضته مع أحدهم، كنتُ أريد أن يفهمني. 

قلت له؛ ضع نفسك مكاني. 

أجابني؛ لستُ مضطرًا. 

ولكن الحقيقةَ أنه مضطر، أننا جميعًا مضطرون لتخيّل أنفسنا في مكانِ الآخر، لأننا إذا لم نفعل سوف ننتهي جميعًا في غرفٍ بجدرانٍ أبدية، في العزلة والصّمت. لأن القدرةَ على المحبة مرهونةٌ بالقدرة على الفهم، ولأن الفهمَ مستحيلٌ من دون مخيّلة. 

يقول آلبرت آينشتاين؛ المخيّلة أهمُّ من المعرفة. ويقول غابرييل ماركيز؛ المخيّلة دائمًا على حق. وأنا، لطالما افتتنت بالفكرة تمامًا، بالشيء الذي يتفق عليهِ الفيزيائي والروائي معًا. 

المخيّلة.. 

ليست فقط بذلك الشكل الذي حوّل البساطَ السحري إلى طائرة، أو حوّل مغارةَ علي بابا إلى خزنة ببصمة صوتية، أو حوّل البلورة السحرية إلى تلفزيون.. بل الشكلِ الأعمق للمخيّلة، الشكلِ الذي يجعلني، ببساطةٍ، قادرةً على أن أكونَ الآخر. 

لأجل ذلك كان هذا الملتقى، ملتقى الحكايا والحكائين، لكي نفهمَ الأمر معًا.

صمّمنا برنامجَ الأيامِ القادمةِ لكي نسمحَ للفكرة بأن تنموَ بشكلٍ عضوي، منذ السؤالِ الفلسفي عن المعنى، وحتى السؤالِ الفني عن الأدوات التي نحتاجها لكي نصبحَ حكّائين على نحوٍ أفضل، في الرواية، والقصة، والسينما..  

أتمنى لكم جميعًا رحلة مدهشة.. في هذا المكان الذي يشهد ولادة حكايةٍ فريدةٍ من نوعها، أتمنى صدقًا أن ننجحَ جميعًا في الإنصات لأكبر قدرٍ ممكنٍ من الأصوات، أصواتٍ سوف نأخذها معنا، نحملًها في دواخلنا، لنتذكّر دائمًا محدوديةَ ما نعرف، وواجبَنا الإنساني.. بأن نعرفَ أكثر.  

لأننا إذا ما أصبحنا قادرين على فهم الحكايا، صرنا أكثرَ قدرةً على فهم الإنسان. 

شكرًا لكم.


 

ألقيت هذه الكلمة في 18 مارس 2018، في حفل افتتاح “ملتقى الحكايا والحكائين” بالجامعة الأمريكية في الكويت، بمناسبة سنوية مكتبة تكوين الثانية. 

This entry was posted in عن الكتابة, لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

One Response to بثينة العيسى: هذا زمن البحث عن المعنى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *