حمور زيادة: عالم آخر جميل وراء الجبال

هذا سر الفن. لا يحتاج أن يكون موضوعيًا، ولا دقيقًا، ولا معرفيًا، يحتاج الفن فقط، دون أية شروط أخرى، أن يكون ممتعًا.

عاشت الإنسانية في وٍاد من الواقعية المؤلمة. واقعية تهشم أمانيها وطموحاتها وتسحقها أمام مخاوف اليومي. منذ الانسان الأول الذي حاصرته الوحوش داخل كهفه وهو يرتدي قطعة جلد غير مدبوغ، إلى الإنسان الحديث ببذلته الغالية الذي تحاصره الديون والأقساط وسماسرة البورصة.

الخوف هو كل ما يهبه وادي الواقع للإنسان.

 لكن هناك، وراء الجبال البعيدة في الافق، ينتظر عالم آخر جميل من الخيال. عالم مليء بالصور الملونة. هذا العالم يصل إليه الأدب. هذا العالم يخلقه الأدب. هذا العالم هو الأدب.

هذا العالم تعرفه وتعرفه الحكايا.

منذ اليوم الأول، عندما حكت الأنثى الأولى لطفلها حكاية النشوء. لماذا هم تحديدًا، أسرتهم دون غيرهم من المخلوقات حولهم، يبدون مختلفين! من أين أتينا. لماذا الشجرة شجرة؟ ولماذا تكرهنا الأفاعي؟

منذ ذلك اليوم، في كهف بعيد، غالبًا كان في مكان ما من أثيوبيا، استنادًا للعلماء الذين يقولون بنظرية “الخروج من افريقيا”، منذ ذلك اليوم بدأت الحكايا. منذ عرف الإنسان النار، ونحن اليوم نعرف جيدًا أن الحكايات الأجمل تحكى في الظلام أمام النار. وعينا الجمعي مازال يذكر حكايات الأنثى الأولى داخل الكهف. إلى جوار النار.

وأنا يا سيداتي، ويا سادتي أحب أن أؤمن أنني أمتهن مهنة ابتدعتها النساء، وأنتمي لطائفة كان أنبياؤها الأول النساء. وهل هناك أجمل من أن تتبع النساء؟

أولئك النسوة الجالسات في كهفٍ إفريقي، بعد أن فنت الدينصورات، وبدأ أسلاف الانسان الأول في الإنقراض، هن من اكتشف ذلك العالم الجميل هناك وراء الجبال البعيدة.

عالم الصور الملونة.

وعنهن أخذنا ولعنا بالحكاية. أو هكذا أظن.

الحكايا ليست أفيونًا، الحكاية لا تقدم عالمًا وهميًا ملونًا يشغلنا عن الواقع. الحكايا ليست هلاوسنا.
الحكاية تخبرنا عن العالم الآخر الجميل الذي لا نراه. لا نعرفه. عالم جميل؟ هل يعني ذلك أنه عالم من الخير المطلق؟ يوتوبيا ما؟ كلا .. الحكايا محملة بالدم والهم والطين، مثل الواقع.. لكنها محملة – بعكس الواقع – بلذة الجمال.

كل ما فيها جميل. حتى اشتعال النيران وانتشار الأوبئة وخيانة الحبيبات.  الحكايا، الفن الأول في التاريخ، تملأ شرايننا بالجمال مهما حدثتنا عن القبح. لذلك فهي عندما تنشئ عالمًا سردياً داخل وعينا، فإنها لا تعمل على نقل الواقع، ولا تحليل الواقع، ولا تفكيك الواقع، إنما تنشيء واقعًا موازيًا يفوح بالنشوة. ويعبق باللذة.
هذا سر الفن. لا يحتاج أن يكون موضوعيًا، ولا دقيقًا، ولا معرفيًا، يحتاج الفن فقط، دون أية شروط أخرى، أن يكون ممتعًا.

تنقلنا الحكاية من وادي الواقعية اليومية، من همومنا، من هزائمنا، من ضعفنا، من خديعتنا لأنفسنا وللآخرين، من الأخرين ذاتهم، تنقلنا من كل ذلك لعالم آخر، قد نجد فيه كل ما هربنا منه. هزيمة الجنرال أورليانو بويندا عند غابرييل غارسيا ماركيز، ضعف سعيد عند حنا مينة، خديعة راسكولينيوف لنفسه عند ديستوفيسكي. الآخرون عند الطيب صالح.

الحكايا لا تخدعنا الحكايا لا تخفي عنا عالم الواقع. لكنها تعيد تقديمه لنا – إن فعلت – عبر دفقة الفن والجمال.

في نهار صيفي – وكل نهارات قرانا في السودان صيفية – جلس الطيب صالح إلى أهل بلدته بعد غياب سنين. قال له أحدهم لقد سافرت يا الطيب وقيل إنك أصبحت مشهورًا بالكتابة، فاقرأ لنا شيئًا مما شهرك. فتناول الطيب من حقيبته رواية عرس الزين وشرع يقرأ للحاضرين. لما فرغ، ضحك أحد أقاربه، من الذين كان العالم ينحصر عندهم بين ضفة نهر النيل وسوق المدينية الريفية التي تبعد أقل من ساعة إذا ركبت إليها حمارًا نشيطًا، قال للطيب: هذه حكاياتنا نفسها! لكنك أدخلت عليها شيئاً من حركات! فقال الطيب صالح: هذه الحركات هي الأدب.

هذه الحركات، سيداتي وسادتي، هي ما يفرق الحكايا عن الواقع. هذه الحركات التي لفتت انتباه رجل من قرية كرمكول في صحراء شمال السودان عند منحنى نهر النيل هي ما ينقلنا للعالم الجميل وراء الجبال البعيدة.
بسبب هذه الحركات، لدينا اليوم روائيين وروائيات، مجلات أدبية، ومكتبات ودور نشر وجوائز ومهرجانات وملتقيات ونقاد ومطابع وصفحات فيس بوك وجودريدز.. لم تخلق الحركات فقط عالمًا خياليًا جميلا داخلنا لكنها تمددت إلى وادي الواقع فساهمت في تشكيله.

أنا رجل مهتم بالسياسة. ليس حبًا فيها إلا أنني من بلاد لا تملك فيها رفاهية الانكفاء عن السياسة. لكني منحاز لهذه الحركات، منحاز لأن الأدب أقوى من منشور سياسي. الأدب أقوى من انقلاب عسكري. الأدب في قوة ألف ألف ثورة شعبية. لأن الحكايا تشعل الوجدان. تغير الدواخل. وتصنع الخيال.

ما العالم بلا خيال؟ هل كانت الاختراعات إلا خيالاً؟ هل كانت الرؤى السياسية والاقتصادية والإجتماعية إلا خيالاً؟ هل كان الإنسان نفسه إلا خيالا؟

سيقول أهل الفيزياء إنها ما يحرك العالم. سيقول أهل الديانات أنه لولاها ما كان العالم. سيقول أهل علوم الأحياء انهم من يعرفون ماهية العالم.

لكني أقول بكل صدق، وبانحياز لا أنكره، الحكايا هي صوت العالم سيادتي وسادتي، إن الحكايا هي العالم.


الورقة التي قرأها الروائي السوداني حمور زيادة في ملتقى الحكايا والحكائين بمناسبة سنوية مكتبة تكوين الثانية، مارس 2018. 

This entry was posted in لماذا تكتب؟ and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *