خوان غابرييل فاسكيز: الأدب يخترق التاريخ من شقوقه

ترجمة: آلاء نحلاوي

كل رواياتي عبارة عن تحقيقات بطريقة أو بأخرى

خوان غابرييل فاسكيز: مواليد كولومبيا 1973، مؤلف روايات حائز على العديد من الجوائز، نشرت كتبه بسبعة وعشرين لغة، وترجمَ عدة أعمال أدبية مهمة إلى الإسبانية. 

– في مهرجان هاي تحدثت عن القوة التجاوزية للأدب، ما الذي تقدمه لنا رواياتك في هذا المجال، خاصة في إنقاذها التاريخَ الكولومبي؟

لطالما كنت أعتقد أن الأدب مكان نستطيع فيه أن نواجه النسخة الرسمية من تاريخنا ونتمرد عليها أيضًا. روايتي الأخيرة تتناول جريمتين سياسيتين أثارتا ضجة في كولومبيا في القرن العشرين، المشترك بينهما هو أن الحقيقة الظاهرية لهما، أي النسخة الرسمية من الأحداث، تختلف كثيرًا عما قد حدث بالفعل، والذي نظن أنه قد حدث.

الموضوع لا يتعلق بالمؤامرات، فكل حدث في التاريخ له وجه آخر، نسخة من الأحداث تم تجاهلها، إخفاؤها أو إسكاتها عمدًا. والأدب هدّام بمعنى أنه يخترق التاريخ من خلال شقوقه ويخبرنا عن تلك الأماكن المخفية.

“الروايات تنشأ من نقائص التاريخ” هكذا صاغ نوفاليس الأمر، ولطالما آمنت بقوله.

– العديد من شخصيات رواياتك مهووس بكشف حقائق الماضي، هل بإمكانك أن تحدثنا عن أهمية هذه النقطة في كتاباتك؟

كل رواياتي عبارة عن تحقيقات بطريقة أو بأخرى، وشخصياتي لديها ذاك النوع من العلاقة مع الواقع: أنه لغزٌ يخفي أسرارًا، ومهمتهم هي الغوص في تلك المياه العميقة والعودة منها حاملين شيئًا في أيديهم، ربما لأنني أملك العلاقة ذاتها مع كتابتي.

كتابة رواية بالنسبة لي عملية تتضمن شعورًا بالشك، والذهاب إلى أماكن -مظلمة عادة- لم أذهب إليها من قبل. الفنادق الكولومبية التي تم تحويلها إلى سجون لدُعاة النازية في رواية “المخبرون”[1]، السنوات الأولى لتجارة المخدرات في “صوت ارتطام الأشياء”[2]، أو ألغاز الماضي الشخصي: ماذا حدث حقًا في تلك الليلة الغريبة قبل سنوات؟ هذا ما يشغل رسام الكاريكاتير السياسي في رواية “سمعة”[3]، وهو يحاول كشف ذلك السر.

– كيف تظن أن عملك يمكن أن يصل إلى القراء الذين لا صلة لهم بالحقائق التاريخية والسياسية التي تتناولها رواياتك، أو لا يملكون معلومات عنها؟

بالطريقة نفسها التي يمكن لقراء فيليب روث من أميركا اللاتينية أن يقرؤوا “تزوجت شيوعيًا”[4] دون أن يعرفوا ما هي المكارثية، أو بنفس الطريقة التي يمكن للقراء أن يستمتعوا -إن صح التعبير- برواية “خط الدم”[5] دون أن يعرفوا شيئًا عن عصابة غلانتون عام 1850. هذا ما يفعله الأدب، إنه يجد في تجربتنا التاريخية أو في مواجهتنا للأحداث التاريخية ما هو معروف ومألوف لكل البشر. رواياتي لا تتحدث عن التاريخ الكولومبي، إنها تتناول العنف، الخوف، الذاكرة وثقل الماضي، ولفعل ذلك تأخذ لحظةً من الواقع، شيئًا حصل بالفعل ويشكل جزءًا من تجربتي بشكل مباشر أو غير مباشر.

– تحدثت سابقًا عن التنكر لأولى أعمالك، هلا تخبرنا بما يمكن لأعمالك الأخيرة أن تنجزه وعجزت الأولى عنه؟

كنت أناقش أول روايتين لي أصدرتهما حين كنت في الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين من عمري. تلك أعمال أقدّرها بسبب الأشياء التي تعلمتها أثناء كتابتها، لكنهما مليئتان بالأخطاء التي لا أريد أن أفرضها على القراء. كانتا نوعًا من التدريب، ونحن لا نذهب إلى المسرح لنشاهد التدريبات بل نريد أن نشاهد العرض النهائي، لذلك لم تتم ترجمتهما ولم أسمح بإصدار طبعات جديدة.

سألتِني عما يمكن لأعمالي الأخيرة أن تنجزه وقد عجزت عنه الروايتان الأوليتان، الأمر بسيط جدًا: لقد وجدت توجّهي. في المحاولتين الأوليتين، إن لم أكن مخطئًا، أصبحتُ قادرًا على تركيب جمل جيدة، لكن تلك الجمل لم تكن تتحدث عن أي شيء. استغرق الأمر عدة سنوات لأكتشف مواطن شغفي وكيفية تحويلها إلى أدب.

– روايتك الجديدة ستصدر بالانكليزية بعنوان “سمعة”، هلا أخبرتنا القليل عنها؟

إنها مختلفة تمامًا عن الكتب التي يعرفها قرائي الأمريكيون، أولًا هي أقصر بكثير، لقد كتبتها بروح الرواية القصيرة التي أحبها، التي تركز على شخصية واحدة في مواجهتها للمأزق. ثانيًا: لا يوجد تاريخ كولومبي في الكتاب، إنه يتناول الماضي، لكنه ماضٍ شخصي. إنه قصة رسام كاريكاتير سياسي مرموق، وفي الوقت الذي تصبح أعماله محط الأنظار تزوره امرأة وتطلب منه أن يتذكر ليلة معينة قبل ثمانية وعشرين عامًا، وعملية التحقيق في ذاكرته تقوده للتساؤل وإعادة اعتبار كل شيء مهم بالنسبة له. كل اهتمامي منصب في تلك التفاصيل، لكن بالشكل الأكثر حميمية.

حاورته: كاتالينا غوميز

 


[1] The Informers

[2] The Sound of Things Falling

[3] Reputations

[4] I Married a Communist 

[5] Blood Meridian 

 

 

 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *