توني ديترليزي يكتبُ عن التداوي بالحكاية

ترجمة: بثينة الإبراهيم

في تلك الأيام المخيفة، عرفت القوة الحقيقية للكلمات، وعرفت سحر الحكاية. 

 

حين تسمع كلمتي “سحر” و”حكاية”، فإنهما على الأرجح ستستدعيان أفكارًا من الحكايا الأثيرة في طفولتك. إذ يزخر كتاب القصص بكل أنواع السحر من قبيل الجنيات الخارقات، وعفاريت تحقيق الأمنيات، أو حتى الفتى المشتغل بالسحر.

لكني لا أتحدث هنا عن الحكايات الخرافية، بل عن السحر الحقيقي الذي يمكن استحضاره من خلال القَص. 

عام 2008، عانت ابنتي صوفيا- التي يبلغ عمرها عامًا ونصف- من نوبة صرع كبرى. وقد حدثت فجأة دون سبب واضح، وسيطرت على فتاتي الساحرة الصغيرة. لقد سقطت على الأرض وهي تختلج وتدور عينيها. حاولنا تهدئتها أنا وزوجتي أنجلا، غير أن إحساسًا غامرًا بالعجز استحوذ عليّ، فلم تكن هذه نوبة برد تأخذ مجراها، ولم تكن خدشًا أو كشطًا يمكننا لفه بضمادة وتهدئته بقبلة، ولم يكن عظمًا مكسورًا يمكن تعديله وعلاجه بجبيرة.

طلب منا طبيب الأطفال، بعد النوبة الأولى، أن نراقب صوفيا ونعلمه فورًا إن جاءتها النوبة مرة أخرى.

وقد حدث.

طلب منا طبيبنا في أمهرست/ نيو إنغلند حيث نسكن، سلسلة من الفحوصات الطبية على أمل العثور على جواب، فالطفولة المبكرة مرحلة حساسة في التطور والنمو، وقد تطرأ الكثير من المتغيرات في فترة نمو الدماغ.

قيل لنا إننا قد نحصل على إجابات، لكن الأمر سيستغرق وقتًا، فانتظرنا. هدأت النوبات لبضعة أشهر، ثم عادت ثانية أسوأ من ذي قبل.

ذهبنا إلى المستشفى ذلك الخريف مرات عديدة في سيارات الإسعاف المخيفة. وفي عصر أحد أيام أكتوبر، سيطرت عليها نوبة صرع كبرى مرة أخرى، وكانت الأسوأ.

ليس بوسعي وصف الشعور المخيف بالأسى وأنا أرى طفلتي الصغيرة تقيد إلى سرير المستشفى وتحقن بالمهدئات، وقد وقف فريق من الأطباء والممرضات يكزونها وينخزونها ويخزونها. حاولت، وأنا أضم زوجتي بين ذراعي المرتجفين بقوة، أن أظل هادئًا وقويًا.

ظل عقلي يقول لي إن طاقم المستشفى يبذلون ما في وسعهم لتخليص طفلتي من الألم، ولكن قلبي كان ينوح أكثر فأكثر مع كل صرخة منها “أبي، أمي”.

مرت النوبة للحظة، وحُولنا إلى مستشفى أطفال قريب. اجتمعت عائلتنا الصغيرة مذعورة على سرير في بهو غرفة الطوارئ المزدحمة. كان الناس من حولنا يتألمون جميعًا. وكان التلفاز المرتفع إلى السقف يعرض بصمت حلقة من برنامج من سيربح المليون؟

كان الوقت متأخرًا من الليل، وكانت صوفيا منهكة وتتلوى ألمًا. لم يأكل أي منا شيئًا، إذ لم يكن لنا رغبة بالطعام، لكني لم أكترث. كنت سعيدًا لاستعادة ساحرتي الصغيرة. ورغم ذلك كانت أنجلا واثقة من توتري، فمسدت شعر صوفيا وقالت: “لمَ لا تحكي لها قصة قبل النوم؟”

هززت رأسي موافقًا، فقد كانت فكرة جيدة خاصة أن غرفة الطوارئ ليس فيها ما يسلي طفلة صغيرة. وهكذا بدأت “كان يا ما كان، كانت فتاة اسمها أليس قد لحقت أرنبًا أبيض إلى جحره…”

قالت أنجلا: “كلا. لتكن واحدة من قصصك”.

عليّ القول إنني رغم شغفي بالكتب التي ألفتها للأطفال، إلا أنني لست أفضل الحكائين شفاهيًا. بل إنني مريع في ذلك حقًا. فلا يمكنني أن أختلق قصة قصيرة من قمة رأسي، بل علي أن أتأمل الحبكة، وأفكر مليًا بدوافع شخصياتي، وأغمر نفسي في المعنى. لكني بدأت، متغاضيًا عن ذلك كله.

“كان يا ما كان، كان فتى بوسعه رؤية الجنيات، جنيات حقيقيات، ولسن من مثل ما ترينه في الرسوم المتحركة…”. أحاط عائلتي، وأنا أستحضر سجلات سـﭘايدروك ، شعور بالارتياح مثل بطانية دافئة. ورويت القصة طوال الساعات الثلاث التي قضيناها بانتظار نقلنا إلى الغرفة. سردت لها القصة حين كانت الممرضة تقيس علاماتها الحيوية، وظللت أروي حتى غطت في النوم على سرير المستشفى.

كان هذا عالمنا الجديد. واستمر الوكز والجس أكثر بحثًا عن إجابات. أمضينا الوقت في ذرع الممرات، وقراءة الكتب وسرد المزيد من القصص. فحافظ ذلك على هدوئي الذي وشى به صوتي. لقد ساعدني ذلك حين كان المخبريّ يأخذ عينة الدم من ابنتي، وساعد حين قُيدت صوفيا لإجراء فحص الرنين المغناطيسي. بل إنه ساعد في إبقائها هادئة لأربع وعشرين ساعة وقد ألصقت برأسها أسلاك كهربائية لتسجيل نشاط موجات دماغها. 

لم نكن أنا وصوفيا وأنجلا في أجواء المستشفى الباردة أثناء روايتي للقصص، بل كنا نقبض على الجنيات مع آرثر سـﭘايدروك، ونطلق طنينًا مثل الذباب في ردهة السيد سـﭘايدر. كنا نسافر إلى القمر مع جيمي زانغواو. لقد كنا كائنات سحرية.

انتهت الفحوصات أخيرًا، وانتهت إقامتنا في المستشفى بعد أيام طويلة. قال طبيب أعصاب الأطفال إن صوفيا عانت من حالة حادة من الاختلاج الحموي سببها ارتفاع سريع في درجة حرارة جسدها، لكنها ستتعافى منها حين تكبر.

وقد فعلت.

توقفت رحلاتنا الليلية المتأخرة في سيارة الإسعاف إلى الطوارئ. تبلغ صوفيا الرابعة من العمر اليوم. وهي تحب البقاء خارجًا، ولعب الألعاب التمثيلية والرسم، والاستماع للقصص من أبيها وأمها طبعًا. يبدو أنها تعافت، دون أدنى ذكرى للمستشفى.

لكني أتذكر، وقد تغيرت. في تلك الأيام المخيفة، عرفت القوة الحقيقية للكلمات، وعرفت سحر الحكاية. 

اليوم، وقد صرت السفير العالمي لمؤسسة ستارلايت للأطفال ، التي تبهج حياة الأطفال المرضى، أزور المستشفيات وأروي القصص للمرضى الصغار، وأحيانًا أقرأ وأخرى أرسم.

كثيرًا ما نبتكر القصص أنا والأطفال معًا -حكاياتنا الخرافية الخاصة بنا- بالكلمات والصور. وحينها نغادر المستشفى للحظات قليلة ونسافر إلى مكان بديع لنحظى بمغامرة عظيمة. عليك أن تأتي معنا يومًا ما، فذلك سحر حقيقي. 

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *