فرجينيا وولف: كتابة اليوميات و أثرها على الإبداع الأدبي

ترجمة: أمينة الحسن

إنني ألحظ بأن كتابة اليوميات قد لا تعتبر كتابة حقيقية

تعد فرجينيا وولف علما من أعلام الأدب، عاشت بين عامي (1882م) – (1941م) ولم  تكن مجرد كاتبة بارعة في الرسائل، ومؤلفة مغمورة لقصص الأطفال، بل إنها كاتبة يوميات متفانية في مصاف سوزان سونتاغ[1] وأنانيس نن[2].  وعلى الرغم من أنها واظبت على كتابة اليوميات في أوقات متفرقة، إلا أن بدايتها الفعلية في تدوين يومياتها كانت عام 1915م حين بلغت من العمر ثلاث وثلاثون عاما، وما إن بدأت بالكتابة حتى استمرت بضراوة إلى آخر يومياتها قبيل وفاتها بأربعة أيام في عام 1941م، مخلفة وراءها ستة وعشرون كراسًا مكتوبا بخط يدها. و لم يكن ذلك مجرد أداة لاكتشاف الذات بل حاولت وولف أن تكتب اليوميات كنوع من التجريب والمحاكاة لصقل حرفتها، كما لاحظ زوجها في مقدمة كتاب (يوميات كاتبة) الذي يضم يومياتها “إن كتابة اليوميات لدى وولف ما هي إلا طريقة لممارسة التجريب في فن الكتابة”.

في مقال لها في العشرين من آبريل عام 1919م  ناقشت وولف الفوائد الإبداعية لكتابة اليوميات، و هو ما رددته (جوان ديديون) بما يقارب  قرنا و نصف القرن  في مقالها الخالد حول تدوين اليوميات الذي تدعو له كأداة أساسية لتشذيب أسلوب الكتابة :

“أخرجت هذه اليوميات وقرأتها مجددا كأي شخص اعتاد على قراءة ما يكتبه محملا بشعور الذنب، أعترف أنها مجرد مسودة، أسلوبها عشوائي ومليء بالأخطاء النحوية غالبا، أبكي لأجل كلمة فلتت مني، وقد أثرت بي على نحو ما، وأحاول أن أخبر أيما أحد قرأ ذلك من الآن فصاعدا، أنني أستطيع أن أكتب بشكل أفضل بكثير فلا تُضِع وقتك على هذا، وأمنع عين أي إنسان أن تقع عليها. وأحيانا أظفر فجأة بما أريد قوله تماما، لكن ما هو أكثر من ذلك، إلا إيماني بأن هذه العادة الكتابية تمثل لي بشكل خاص ممارسة جيدة، إنها تحرر القيود بغض النظر عن الأخطاء والعثرات. إن التحرك بهذه الوتيرة كما أفعل يجب أن يجعلني قادرة على القبض على فكرتي، وبالتالي لابد أن أراوغ الكلمات ثم انتقي منها ما يجعلني انطلق في كتابتي دون توقف إلا حين حاجتي لوضع قلمي في الحبر. وأعتقد أنه خلال العام الماضي لمست أثر شيء من الراحة في كتابتي المهنية، وأعزو ذلك إلى نصف ساعاتي التي أقضيها في الكتابة بعد شرب الشاي، بالإضافة إلى ما يلوح في رأسي من تخيلات لبعض أنواع صيغ كتابة اليوميات. لربما خلال فترة من الزمن أتعلم ما يمكن لأحدهم أن يصنع بأحداث الحياة المنفلتة والمتدافعة. لعلي أتمكن من استعمال تلك الأحداث بشكل مختلف عن استعمالي السابق لها، بشكل أكثر وعيًا وأكثر دقة. لكن في الكتابة الخيالية، أي نوع من اليوميات أود أن أكتب؟ ربما يوميات غامضة ولكن غير مشوشة، وأشبه بشيء مرن يسع كل شيء كبير، أو صغير، أو جميل يتبادر إلى ذهني، أن تشبه طاولة مكتب قديم أو حقيبة سفر حيث يمكنك أن تلقي فيها بمجموعة كبيرة من المتفرقات دون أن تنظر إليها أصلا.

أود أن أعود بعد عام أو عامين فأجد تلك الكتابات قد رتبت نفسها، ونقحت نفسها، وجمعت نفسها بنفسها. كما لو أنها قد وضعت بغموض، بشكل شفاف بما فيه الكفاية ليعكس ضوء حياتنا باطرّاد. ومتآلف بهدوء مع وحدة العمل الفني.

إن السبب اللازم – كما أظن – لإعادة قراءة كراساتي القديمة ليس لألعب دور الرقيب، وإنما لأكتب ما تمليه عليّ حالتي المزاجية أو شيء من هذا القبيل، فلكم كنت متعطشة لأكتشف كيف كتبت بتلك الطريقة العشوائية وأن أجد مغزى كذبة لم انتبه لها آنذاك. إلا أن تلك الأفكار المفككة سريعا ما تصبح مهملة، إننا بحاجة لقليل من الجهد لمواجهة شخصية أو حدث يلزم تدوينه. لا أحد يدع القلم يكتب دون توجيه خوفا من أن تصبح الكتابة متراخية وفوضوية.”

في العشرين من يناير عام 1919م أصبحت فرجينيا ولف، ذات السبعة والثلاثين عاما، تعتبر كتابة اليوميات بمثابة تدوين للسيرة الذاتية آخذة بعين الاعتبار (مستقبلها) من خلال كتابة اليوميات، ومعتبرة وهي لا تزال في ذلك العمر بوعي ذاتي ثاقب وشعور ساخر على حد سواء – أن الخمسين هو عمر الكهول.

“إنني ألحظ بأن كتابة اليوميات قد لا تعتبر كتابة حقيقية، منذ بدأت إعادة قراءة يومياتي التي كتبتها السنة الماضية وتفاجأت بالكتابات العشوائية والمتعثرة طوال النص. كأنها في بعض الأحيان أشبه بالمشي على الحصى، ومع ذلك إذا لم تتم الكتابة بأسرع ما يمكن، فمجرد التوقف للتفكير قليلا يعني أن ذلك لن يكتب أبدا، فميزة هذا الأسلوب أنه يزيح دون قصد كل الأشياء الشاردة التي يجب أن تستبعد ما دمت مترددة. فكم من جوهرة مندسة في كومة الغبار!

إذا ما أصبحت فرجينيا وولف بعمر الخمسين، حينما تجلس لبناء ذكرياتها خارج تلك الكتب، وهي غير قادرة على كتابة عبارة واحدة كما يجب، أستطيع أن أواسيها وأذكرّها بمكان المدفأة حيث تمضي لحرق تلك الأوراق فتتحول إلى رماد. ولكن كيف يمكنني أن أغبطها على مهمة أنا أعددتها لها. لا يوجد شيء أحبه أفضل من ذلك.

على أية حال، عيد ميلادي السابع والثلاثون -الذي يصادف السبت المقبل – قد سلب بعض هلعي بهذه الفكرة وحوله جزئيا لصالح المرأة المسنّة، لا توجد حيلة ممكنة، الخمسينية تعتبر مسنة على الرغم انني أتوقع احتجاجها وأتفق معها أنها ليست كذلك إلى حد ما. ولإعطاء هذه السنة أساسا متينا، اعتزمت أن أقضي أمسيات هذا الأسبوع في أسْر، من أجل كتابة ملاحظات عن صداقاتي وظروفها الحالية، وكذلك شخصيات أصدقائي مضافا إليها تقدير أعمالهم الحالية وتنبؤات حول أعمالهم المستقبلية.  المرأة البالغة من العمر خمسين عاما ستكون قادرة على قول الحقيقة التي اقتربت منها، ولكنني كتبت ما يكفي الليلة (خمسة عشرة دقيقة فقط كما أرى).

في التاسع من مارس عام 1920م عادت فرجينا وولف إلى شيخوختها المستقبلية في ذلك الوقت بأمل كبير، لتعرض يومياتها كذخيرة لمنجزها الإبداعي في المستقبل، وركيزة أساسية لإبداعها المتنوع:

“بغض النظر عن بعض الصعوبات أعتقد بأنني سأستمر في كتابة  اليوميات حاليا، في كثير من الأحيان أرى بأنني أعمل من خلال طبقة لها نمطها المناسب، مناسب للساعة الأكثر راحة وتألقا بعد وقت الشاي، والأشياء التي حققتها الآن تعتبر أقل مرونة. على كل حال أتخيل فيرجينا المسنّة ترتدي نظارتها كي تقرأ وتطلب مني طلبا قاطعا بأن أواصل.

تحاياي عزيزي الشبح، انتبه! إنني لا أرى أن عمر الخمسين عمرًا رائعًا. فالكثير من الكتب الجيدة مازالت قيد الكتابة، وهنا قرميد لأحد تلك الكتب”.

و مع ذلك فإن علاقة وولف بكتابة اليوميات متأرجحة أحيانا، ففي الرابع عشر من يونيو عام 1925م أعربت عن أسفها:

“اعتراف مشين، يوم الأحد والساعة قد تجاوزت العاشرة صباحًا، أجلس هنا لأكتب اليوميات، ليس أدبا ولا عرضا لكتاب، دون عذر عدا حالتي المزاجية.”

و مثل أي كاتبة متفانية في تدوين اليوميات، كانت تلاحظ وولف النزاع الصعب بين اليوميات كأداة علاجية للتخلص من المشاكل النفسية، والجدل المضاد المؤرق للذات. ففي الخامس و العشرين من أكتوبر عام 1920م سجلت معاناتها:

“(اليوم الأول من الشتاء)، لماذا تبدو الحياة مأساوية للغاية؟ أشعر أنني بائسة، وعليّ تجاوز طريق ضيق كما لو أنه معلق على هاوية، أنظر إلى أسفله فأشعر بالدوار، وأتساءل كيف سأعبره حتى النهاية!  ولكن لماذا أشعر بذلك، ها أنا أقول الآن بأنني لا أشعر بذلك!

النار تحرق، سوف نستمع إلى (أوبرا الشحاذين)[3] إنها تتملكني، فلا أستطيع أن ابقي عينيّ مغلقتين، إنه شعور بالعجز لا يمكنني إخفاؤه. ها أنا أجلس في (ريتشموند)، ومثل الفانوس الواقف في منتصف الحقل يضيء مصباحي في الظلمة، الكآبة تتضاءل وأنا أكتب، لماذا إذن لا أكتب ما أحسه في كثير من الأحيان؟ حسنا، يمنعني الغرور، أريد أن أبرهن نجاحي حتى لنفسي لكنني لا أصل حتى لقاعِه!”.

في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1940 بعد ثماني سنوات من تصورها الذي بنته عن عمر الكهولة، تراقب وولف بلهفة، انسجام رغبتها في كتابة اليوميات مع نشاطها الكتابي والحياتي:

“ثمة لحظات تتراخي فيها الأشرعة، وكوّني هاوية عظيمة لفن الحياة، عزمت على استنفاد قوّتي حتى النهاية، رغم أني ذابلة مثل زهرة امتص دبور رحيقها، كما حدث بالأمس. أثناء جولتي عبر المنحدرات، كانت هناك لفافة من الأسلاك الشائكة تطوق الحافة. جلت بذهني على امتداد شارع (نيوهافن)، خادمات كبيرات في السن بمظهر رث،  يشترين موادًا غذائية، في ذلك الطريق الصحراوي،  الذي تتراءى فيه مجموعة (فيلات)   في جو ممطر، )نيوهافن( تنزف. لكن متى ما أُتعب الجسد فالعقل ينام، تلاشت رغبتي كلها في كتابة اليوميات، فما هو الترياق المناسب؟ لا بد أن أتحرى، أعتقد أنه (الماركيزه دي سيفيتيه) [4]. أكتب من أجل المتعة اليومية وأبغض صلابة الشيخوخة، إنني أشعر بها، أنا مكشطة، أنا كعكة”.

بعد ثلاثة أشهر تماما ملأت وولف جيوبها بالحجارة، وسارت  ناحية النهر بالقرب من منزلها في (ساسكس) وأغرقت نفسها. في مقدمة كتاب (يوميات كاتبة) الذي اقتبستْ منه كل تلك المقتطفات يضيف زوج وولف تنبيها مهما:

“إن اليوميات تعتبر شخصية للغاية، لا يمكن نشرها كاملة خلال حياة العديد من الأشخاص المشار إليهم برأيي، إنه من الخطأ نشر مقتطفات من اليوميات والرسائل، حيث يجب حذف بعض ما فيها للحفاظ على المشاعر أو سمعة الأحياء. إلا أن الحذف قد يشوه أو يخفي الطابع الحقيقي لشخصية الكاتب، وينتج حسيًا ما تجعله الصورة الأكاديمية ماديا لتخفيف النواقص والعيوب. وفي أحسن أحوال الحذف، حتى لو بقي النص كاملا تظهر اليوميات صورة مشوهة أو أحادية الجانب للكاتب. فمن الملاحظ ما فعلت فرجينيا وولف في بعض أجزاء اليوميات، وهو اعتياد المرء على التدوين وفق مزاج محدد، السخط والبؤس، وعدم كتابة المرء لليوميات حين يشعر بالعكس. فإذن الصورة غير متوازنة منذ البداية. وإذا ما قام شخص ما بإزالة الصورة الأخرى عمدا، فقد تصبح اليوميات مجرد رسم ساخر”.


[1] ناقدة و مخرجة و روائية أمريكية (١٩٣٣-٢٠٠٤م)

[2] مؤلفة أمريكية من أصل أسباني-كوبي، اشتهرت بكتابة اليوميات منذ أن كان عمرها أحد عشر عاما (١٩٠٣-١٩٧٧م)

[3] Beggar’s Opera  تعتبر نقطة تحول في مسرح روما القديمة و هي واحدة من أشهر المسرحيات الساخرة التي مازالت تحظى بشعبية كبيرة حتى اليوم .

[4] أديبة فرنسية من القرن السابع عشر

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *