سوزان سونتاغ: حياة الكاتب تبدو أكثر الحيوات شمولاً

ترجمة: سارة أوزترك
كل اندفاع للكتابة يُولَد من تصوّرٍ ما عن الأسلوب.

كل اندفاع للكتابة يُولَد من تصوّرٍ ما عن الأسلوب.

ص (الصحفي): متى بدأتِ الكتابة؟

س (سوزان سونتاغ): لست متأكدة. إلا أنني أعلم أنني كنت أقوم بالنشر الذاتي عندما كان عمري زُهاء تسع سنوات. بدأت بإصدار جريدة شهرية ذات أربع صفحات. كنت أنسخها بمنضخة (أسلوبُ نسخٍ بدائي جدًا)، مستخرِجةً ما يقارب العشرين صورة٬ وأبيع النسخة بخمس سِنْتاتٍ للجيران. كانت الصحيفة (وقد دأبتُ على نشرها لعدة سنوات) مملوءة بأشياء تحاكي ما كنت أقرأ. كانت تحوي قصَصًا وقصائدَ ومسرحيتين هما ما أذكر، إحداهما مستوحاة من آر.يو.آر لِـ كارل كابيك، والأخرى منAria da Capo لِـ إدنا سنت فنسنت ميللاي. كانت تحوي أيضًا تقاريرَ حروبٍ – ميدواي، ستالينغراد وغيرها- لُخِّصَت في أداء مطيع من مقالات في صحائف حقيقية. تَذَكَّرْ، كان ذلك يحدث خلال ١٩٤٢، ١٩٤٣، ١٩٤٤.

 […]

 ص: في مقال “الكتابة نفسها: عن رولاند بارثس،” تعبرين عن تعجبك من أن بارثس، وقد قُتل أبوه في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى (كان بارثس حينئذ رضيعًا)، وبالرغم من كونه عايَشَ الحرب العالمية الثانية  -الاحتلال- في شبابه، لا يذكر كلمة “حرب” ولا مرة واحدة في كتاباته. إلا أن ما أنتجتِه يبدو مسكونًا بشبح الحرب.

 س: يمكنني أن أجيب على ذلك بأن الكُتاب أشخاص يعيرون العالَم اهتمامًا.

 […]

 ص: هل رغبتِ دومًا في أن تصبحي كاتبة؟

س: قرأتُ سيرة مدام كوري بقلم ابنتها إيف كوري عندما كنت في السادسة من عمري تقريبًا. لذلك، في البدء اعتقدت أنني سأكون كيميائية. ثم رغبت لمدة طويلة، أغلب فترة طفولتي، في أن أكون طبيبة. إلا أن الأدب نال مني. ما أردته حقيقةً كان كل أنواع الحياة، وكانت حياةُ الكاتب تبدو أكثر أنواع الحيوات شمولًا.

ص: أكانت لكِ قُدوة في مجال الكتابة؟

س: بالطبع اعتقدت أنني كنتُ جُو في النساء الصغيرات. لكنني ما أردتُ أن أكتب ما كانت جُو تكتُب. ثم وجدتُ في مارتن إيدن بطلًا كاتبًا كان باستطاعتي أن أطابق نفسي بما كان يكتُب. فإذا أردتُ أن أكون مارتن إيدن – بالطبع مع طرح المصير الموحش الذي يقدّره له جاك لندن. كنت أرى نفسي (أظن أنني كنتُ) شخصية بطولية ذاتية التعليم. كنت أترقب نضال حياة الكتابة. كنت أرى الكتابة مهنة بطولية.

[…]

ص: أتذكرين متى بدأتِ القراءة؟

س: عندما كنتُ في الثالثة – هذا ما أُخبِرتُ به. على كُلٍّ، أذكر أنني صرتُ أقرأ كُتُبًا حقيقية (سِيَر، كُتب الرحلات) عندما كان عمري زُهاء ست سنوات. ثم كان السقوط الطليق على بو، وشيكسبير وديكنز، والأختين برونتي، وفيكتور هوقو، وشوبنهاور وباتر وما إلى ذلك. اجتزتُ طفولتي في هذيانٍ مِن إعلاءاتٍ أدبية.

[…]

ص: لا بد أنكِ كنتِ مختلفة جدًا عن الأطفال الآخرين.

س: أكنتُ حقًّا؟ كنتُ جيّدة أيضًا في إخفاء ما أُبطِنُ. لم أكن أفكر في نفسي كثيرًا. […] إلا أنني كنت أرغب بشدةٍ في أن أكون في مكانٍ آخر. فأنتجَت القراءةُ اغتراباتها الهانِئة المُؤكِّدة. بفضل القراءة (والموسيقا) كانت تجربتي اليومية العيش في عالَمٍ من أُناس لا تَهُمُّهم البَتَّة السَّوْرات التي كنت قد ألزمتُ نفسي بها. كنت أشعر وكأنني أنتمي لكوكب آخر – وذاك خيالٌ اقتَرَضتُه من قصص الجيل المصورة البريئة (التي كنتُ قد أدمنتُها أيضًا).

[…]

ص: […] لم تمتهني التدريس إلا في العشرينات من عمرك. ثم إنكِ رفضتِ عددًا لا يُحصى من دعوات العودة إلى التدريس الجامعي. أذاك لأنكِ صرتِ تشعرين بأن هُويّتَي المَجمَعيّة والكاتبة الخلَّاقة كانتا متعارضتين؟

س: نعم. أسوأ من التعارض. شهدتُ الحياةَ المَجمَعيّة وهي تحطّم أفضل كُتَّاب جِيلي.

[…]

 ص: كان كتابكِ الأول رواية: المُحسِن. مُذَّاك كتبتِ مقالاتٍ وحكايا رحلاتٍ وقصَصًا ومسرحياتٍ٬ بالإضافة إلى روايتين أُخريين. هل حدث أن بدأتِ الكتابة في أسلوبٍ ما، ثم بدَّلتِه بآخر؟

س: لا. أعرف دومًا كيف سيكون ما أكتب منذ البداية. بالنسبة لي، كل اندفاع للكتابة يُولَد من تصوّرٍ ما عن الأسلوب. لا بد -كي أبدأ- أن يكون لدي القالب، أن تكون لدي هندسة البناء. لا يسعني قول ذلك بشكل أفضل مما فعل نابوكوف٬ إذ قال: “قالب الشيء يسبقه.”

 […]

 ص: كَم سلِسَةٌ أنتِ إذ تكتبين؟

س: كتبتُ المُحسِن بسرعة. كتابتي لها تكاد تُعَدّ عفوية. كان ذلك في عُطَل نهاية الأسبوع وإبَّان صيفين (كنتُ أُزاوِل التدريس في قسم الدين في كلية كولومبيا) […] المقالات الأولى جاءت بسهولة كذلك. لكن الكتابة في تجربتي نشاطٌ ليس يَسْهُل بالتمرين. العكس هو الصحيح.

أعرف دومًا كيف سيكون ما أكتب منذ البداية.

أعرف دومًا كيف سيكون ما أكتب منذ البداية.

 ص: كيف تكون بدايةُ الشيء عندكِ؟

س: يبدأ الشيء بالجُمل، بالعبارات. وقتها أعلم أن شيئًا ما قَيْد الإيصال. إنه في الغالب سطرُ بدايةٍ. بيد أنني أسمع أحيانًا سطرَ النهاية بدلًا من ذلك.

 ص: فعليًّا، كيف تكتبين؟

س: أكتب بأقلام الكتابة الناعمة الطرف، أو بالرصاص أحيانًا، على كُرَّاس مُسَطَّر أبيض أو أصفر (فيتش الكُتَّاب الأمريكيين ذاك). أحب بُطء الكتابة باليد. ثم أسجل ما كتبتُ طباعةً وأشخبط فوق كل ذلك. ثم أكرر طباعته، مضيفة في كل مرة تصحيحات باليد وعلى الآلة الطابعة مباشرة، إلى أن أصل إلى مرحلة لا أرى فيها كيف يمكن أن أجعل ما كتبتُ أفضل مما هو عليه. إلى ما قبل خمسة أعوام، كانت الحالُ كذلك. مُذَّاك في حياتي آلةٌ كاتبة.  بعد المُسوَدَّة الثانية أو الثالثة، يُنقل النص إلى الآلة الكاتبة. فإذًا ما عُدتُ أطبع المخطوطة كلها من جديد. إلا أنني أستمر في المراجعة باليد على سلسلة من مُسَوّدات على شكل نسخ ورقية مأخوذة من الآلة الكاتبة.

 ص: هل من شيء يعينكِ على الشروع في الكتابة؟

س: القراءة- وتلك نادرًا ما توافق ما أكون بصدد كتابته، أو ما أود أن أكتب. أقرأ الكثير من النصوص عن تاريخ الفن، تاريخ الهندسة، علم الموسيقا. أقرأ كتبًا أكاديمية عن مواضيع شتى. وأقرأ الشِّعر. إنّ فعلَ الشروعِ مُمَاطَلَةٌ إلى حدٍّ ما؛ المماطلة عن طريق القراءة والاستماع إلى الموسيقا، وذاك يزوّدني بالطاقة كما أنه يجعلني متملمِلة، شاعرة بالذنب لكوني لا أكتب.

 ص: أتكتبين كُلَّ يومٍ؟

س: لا. أكتب دُفقةً دُفقة. أكتب لَمَّا يجب عليّ أن أكتب لأن الضغط يتراكم وأشعر بثقة كافية بأنَّ شيئًا ما قد نضج في رأسي ويسعني صياغته كتابةً. إلا أنه ما أن يصبح شيءٌ ما على قَدَمٍ وساقٍ، لا تأتيني الرغبة في فعلٍ ما سوى الكتابة. لا أخرج. في أغلب الأوقات أنسى أن آكُل. أنامُ الشيءَ اليسير. إنه أسلوبُ عَمَلٍ جدّ غير منضبط، ولا أكون معه خصبةً جدًا. لكنني مهتمة بأشياء أخرى عديدة أكثر مما ينبغي.

 ص: إنَّ ‘ييتس’ قال في عبارته المشهورة إن على الشخص الاختيار ما بين الحياة والعمل. هل تعتقدين بصحة ذلك؟

س: كما تعلم، في الحقيقة قال إن على الشخص الاختيار ما بين إتقان الحياة وإتقان العمل. حسنًا، الكتابةُ حياةٌ أصلًا – حياةٌ جدّ عجيبة. بالطبع إن كنتَ تقصد بالحياةِ الحياةَ مع الآخرين، فإنَّ رأيَ ييتس صحيحٌ. تتطلب الكتابةُ كمياتٍ هائلة من العُزلة. إنَّ ما فعلتُه لِتَلْيِين فَجاجةِ ذاك الاختيار كان ألا أكتب على الدوام. أحب الخروج – وذاك يشمل السَّفَر؛ لا أستطيع الكتابة حين أكون مسافِرة. أحب أن أتكلم. أحب أن أنصت. أحب أن أنظر وأن أُشاهِد. قد أكون مصابة باضطراب فيض الانتباه. الانتباهُ بالنسبةِ لي أسهلُ شيءٍ في الحياة.

 ص: أتراجعين ريثما تكتبين أم تنتظرين حتى تكون لديك مُسَوّدة كاملة ثم تراجعين الشيءَ كُلَّه؟

س: أراجع ريثما أكتب، وتلك مَهَمَّةٌ ممتعةٌ بشكل لا بأس به. لا أتعجَّل، ولدّي الاستعداد لأن أعاود النظر في شيء ما حتى يؤدي مفعوله. إنها البدايات ما تكونُ شاقة. كل مرةٍ أبدأ وأنا أشعر بالوَجَل والارتياع. يقول نيتشه بأن قرار الشروع في الكتابة كالقفز في بُحَيرةٍ باردة. لا يمكنني أن أعرف إذا ما كان جيدًا بما فيه الكفاية إلا وقد قطعتُ ثُلُث المسافة تقريبًا. وقتها تكون ورقتي معي، وأستطيع أن ألعب وقد حان دوري.

 ص: أثمة فرق بين تأليف القصص وكتابة المقالات؟

س: دومًا ما كانت كتابة المقالات مُجهِدة. إن المقالات تمر بمراحل عديدة تكون فيها مسوّدات٬ والنتيجة النهائية قد تغدو قليلة العلاقة بالمُسوّدة الأولى. كثيرًا ما أقوم بتغيير رأيي بالكُلِّيَّة في مرحلة كتابة مقالٍ ما. تأتي القصص بشكلٍ أيسر من ذلك؛ من ناحية كون المُسوّدة الأولى تحوي أساسيات – الجَرْس، البُنية المُعجمية، السُّرعة، الانفعالات – ما أجد بين يدي في نهاية الأمر.

 ص: أَنَدمانةٌ أنتِ على أيٍّ مما كتبتِ؟

س: لا على نصٍّ بأكمله إلا تأريخين مسرحيين سجلتهما في منتصف الستينات لِـ Partisan Review، وضمَّنتُهما للأسف في المجموعة الأولى من المقالات: ضد التأويل  لا أصلُح لذاك النوع من المهمات الشرِسة الانطباعية. من الواضح أنني لا أتفق مع كل ما تنصُّه المقالات الأولى. تغيرتُ، وأعرف أكثر. كما أن السياق الثقافي الذي ألهمَ تلك المقالات قد تغيّر طُرًّا. ولكن لا منطق في تعديلها الآن. إلا أنه يسعدني أن آخذ بقلمٍ أزرق إلى الروايتين الأولَيَين.

 ص: تُروى المُحسِن، التي كتبتِها في نهاية عشريناتكِ، بصوت رجل فرنسي في الستينات من عمره. أوجدتِ أنَّ تَمَثُّل شخصٍ مختلفٍ بجدّ عنكِ كان شيئًا سهلًا؟

س: أسهل من الكتابة عن نفسي. لكن الكتابةَ تمثُّلٌ. حتى وإذ أكتبُ عن أحداثٍ جرت في حياتي، كما فعلتُ في “الحج،” وفي “مشروع رحلةٍ إلى الصين،” لا تكون الكتابة عني حقًّا. إلا أنني أعترف بأن الاختلاف في المُحسِن كان في منتهى ما أمكنني من توسُّع. ما كنتُ مُتبتِّلة، ما كنتُ منعزلة، ما كنتُ رجُلًا، ما كنتُ مُسِنَّة، ما كنتُ فرنسيَّة.

 […]

 ص: أتفكيرٌ قديمُ الطرازِ الاعتقادُ بأن أرَب الأدبِ تفقيهُنا في الحياة؟

س: حسنًا. إنه بالفعل يفقهنا في الحياة. ما كنتُ لأكون من أنا إياها، ولا كنتُ لأفهم ما أفهم، لولا بعض كتُبٍ محددة. في بالي السؤال العظيم للأدب الروسي في القرن التاسع عشر: كيف يجب أن يعيش المرء؟ إنَّ رواية تستحق القراءةَ لَهِي تفقيهٌ للقَلبِ. إنها تكبّر شعورك بالمُمْكِن الإنساني، بماهية الطبيعة البشرية، بما يحدث في العالَم. هي خالقةُ تبصّراتٍ.

 ص: أتأتي كتابةُ مقالٍ وكتابةُ عملٍ قصصي من أجزاء مختلفةٍ منكِ؟

س: نعم. المقالُ ضربٌ من الكتابةِ محصورٌ. القصةُ الحُرِّية. حُرّية قَصِّ الحكايا وحُرّية الاستطراد كذلك. إلا أن للاستطراد المقالي في السياق القصصي معنى آخر تمامًا. إنه مِصقَعٌ دومًا.

 […]

إنَّ رواية تستحق القراءةَ لَهِي تفقيهٌ للقَلبِ.

إنَّ رواية تستحق القراءةَ لَهِي تفقيهٌ للقَلبِ.

 ص: أتنطوي تجربتُك في الكتابة القصصية على ابتكار حبكةٍ أم اكتشافها؟

س: غريبٌ ولكن يبدو أن الحبكة هي التي تأتي بأكملها في قطعةٍ واحدة – كهديّة. غامضٌ جدًا. شيءٌ ما أراه أو أقرؤه يستحضر قصةً متتامّة بكل محسوسيّتها – مشاهد، شخصيات، مناظر، فواجع. في أُهبة الموت، كان ذلك سماعُ شخصٍ ما ينطق بلقب صديق مشترك اسمه ريتشارد – سماعُ اسمِ ديدي فقط. […] في الرواية الجديدة، كان ذلك قراءة شيءٍ ما في يوميات كافكا – كتابٌ مفضّل، وذلك يستوجب أن أكون قد قرأتُ أحد المقاطع، الذي يمكن أن يكون خبرَ حُلمٍ ما، أكثر من مرة. وإذ قرأتُه المرّة هذه، قفزَت قصةُ رواية كاملة، كفيلمٍ كنت شاهَدْتُه، إلى ذهني.

ص: القصة بكاملها؟

س: نعم، القصة بكاملها. الحبكة. لكن ما بإمكان القصة حمله أو تجميعه – ذاك ما أكتشفه وقت الكتابة. لا يعني أن تبدأ قصة عاشق البركان في سوق الأشياء المستعملة، وتنتهي بحوار إلينورا الذاتي ماوراء القبري أنني كنت أعرف مسبقًا مضامين تلك الرحلة كلها. […] إنهاء القصة مع إلينورا وشَجْبِها أبطالَ القصة هي أقصى ما يمكنك الوصول إليه من وجهة النظر التي تبدأ منها الرواية.

[…]

 ص: تذكرين عددًا من المعاصرين ممن تبدين إعجابكِ بهم. أ بإمكانكِ القول بأنكِ تأثّرتِ بهم؟

س: كلما أصرّح بكوني تأثرّت بأحدهم لا أكون متأكدة أبدًا من أنني أقول الحقيقة. لكن، هاك الأمر: أعتقد أنني تعلمت عن علامات التنقيط وعن السرعة الشيءَ الكثيرَ من دونالد بارثلم، وعن الصفات وإيقاعات الجُمل من إليزابيث هاردويك. لا أعلم إن كنتُ تعلمتُ من نابوكوف وتوماس برنارد، إلا أن كُتُبهما غير القابلة للمقارنة تساعدني في الإبقاء على مقاييسي التي أضعها لنفسي حازمة كما ينبغي لها أن تكون. أيضا جودارد – كان جودارد غذاءً رئيسيًا لحساسيتي، وبالتالي، حتمًا، لكتاباتي. ولقد تعلمت على الأكيد شيئًا بصفتي كاتبة من الطريقة التي يعزف بها شنابل تلاحين بيتهوفن، وجِلَن قُولد تلاحين باخ، وميتسوكو أوشيدا تلاحين موتزارت.

[…]

 ص: ما كتبتِ الشيء الكثير سنينَ بعد أُهبة الموت.

س: لقد كنتُ نشيطة جدًا في الحركة ضد الحرب منذ ١٩٤٦، وما كان بالإمكان أن تُسمّى حركةً وقتها. لقد استهلك ذلك وقتًا أكثر فأكثر. أُصِبتُ بالاكتئاب. انتظرتُ. قرأتُ. أقمتُ في أوروبا. وقعتُ في الحُب. تغيَّرَت مواضع استحساني. أخرجتُ بعض الأفلام. مررتُ بأزمة ثقةٍ عن كيفية الكتابة إذ أنني اعتقدتُ دومًا أن على كِتابٍ ما أن يكون شيئًا لا بد منه٬ وأن كُلَّ كِتابٍ لي يجب أن يكون أفضل مما سبقه. إنها مقاييس معاقِبة، ولكنني وفيّة للغاية لها.

[…]

ص: أكتبتِ [عاشق البركان] مُسَلسَلةً؟

س: نعم. أكتب فصلًا بعد فصل. ولا أنتقل للفصل التالي إلا بعد أن يكون الذي أنا بصدد الاشتغال عليه قد أخذ شكله النهائي. في البَدء كان ذلك مستفزًا في صعوبته، لأنني كنت أعرف أغلب ما أردتُ للشخصيات أن تقول في الحوارات الذاتية الأخيرة. لكنني خشيت أنني إن كتبتها مقدمًّا لن أتمكن من العودة إلى المنتصف. كنتُ أخشى كذلك أنني وقت وصولي إليه أكون قد نسيت بعض الأفكار أو لا أعود متصلة بتلك المشاعر. استغرقت كتابة الفصل الأول، الذي يبلغ حوالي أربع عشرة ورقةً مطبوعة، أربعة أشهر. الفصول الخمس الأخيرة (زهاء المئة ورقة مطبوعة)، استغرقت أسبوعين.

ص: ما كمية ما كان في بالكِ من الكتاب قبل شروعك فيه؟

س: كان لديّ العنوان. لا أستطيع كتابة شيء إن لم أكن أعرف عنوانه مسبقًا. كان لديّ الإهداء. كنت أعلم أنني سوف أهديه لابني. كانت لديّ الكتابة المنقوشة: Così fan tutte. وبالطبع، كانت لديّ القصة إلى حد ما؛ وكذا أَمَدُ الكِتاب. وكان أفضل مُعين لي أن كان لدي تصورًا قويًّا عن بُنية ما. أخذتُها من معزوفة هي الأمزجة الأربعة لِهندميث  – معزوفة أعرفها جيدًا. […] تبدأ بمقدمة شعرية ثُلاثية […] ثم تأتي أربع حركات – السوداوية، الدموية، البلغمية، الصفراوية. بهذ الترتيب. كنت أعلم أن ستكون لدي مقدمة ثلاثية، تتبعها أربعة أبواب أو أجزاء تُماثِل الأمزجة الأربعة. […] كنت أعرف كل ذاك، بالإضافة للجملة الأخيرة في الرواية: “اللعنة عليهم أجمعين.” بالطبع لم أكن أعلم من ذا الذي كان سيتفوه بها. بمعنى ما، كانت مَهمّة كتابة الرواية بأكملها مكوًّنة من إنشاء ما يسوّغ تلك الجملة.

[…]

ص: كأنّ بعضًا من نزواتك المقالية جزءٌ من شكل الرواية كذلك.

س: يتراءى لي أن لو أسلَكتَ كُلّ الفقرات الخاصة بالجَمع في عاشق البركان لحصلْتَ على مقالٍ منقطعٍ يسير مسير الأمثال قد ينجح في الوقوف بمفرده. بيد أن حجم التفكُّر في عاشق البركان يبدو محصورًا إذا ما قورن بعُرْفٍ جوهري في الرواية الأوروبية. جُلْ بخاطرك في بلزاك وتولستوي وبروست. […] إن الرواية زورقٌ كبير. ليس الحالُ أن كنتُ قادرةً على إنجاد كاتبة المقالات الكامنة فيّ والتي قد تم ترحيلها، بقدر ما هي أنّ كاتبة المقالات الكامنةِ فيّ كانت فقط جُزءًا من كاتبة الروايات التي أعطيتُ نفسي الإذن أخيرًا بأن تكون.

لا أستطيع كتابة شيء إن لم أكن أعرف عنوانه مسبقًا.

لا أستطيع كتابة شيء إن لم أكن أعرف عنوانه مسبقًا.

[…]

ص: هل ستكتبين مسرحيات أخرى؟ دأبتِ على الحَفْلِ بالمسرحية.

س: نعم. أسمعُ أصواتًا. لذلك أحب كتابة المسرحيات.

[…]

ص: أيُنتِجُ الأدبُ نَشوةً؟

س: بالتأكيد. بيد أنه يفعل ذلك بشكلٍ أقل حملًا على الوثوق به من الموسيقا والرقص. على بالِ الأدبِ شيءٌ أكبر من ذلك. على المرء أن يكون دقيقًا جازمًا مع الكُتُب. أريد أن أقرأ فقط ما سوف أرغب في إعادة قراءته—تعريفُ كتابٍ يستحقُ القراءة لمرةٍ واحدة.

ص: تعودين فتقرئين أعمالك؟

س: فيما عدا القراءة بغرض التحقق من الترجمات، لا.

[…]

ص: أتعتقدين أنكِ ما أنتجتِ أفضلَ أعمالِكِ بَعدُ؟

س: أتمنى ذلك. أو… نعم.

ص: أتفكرين كثيرًا في جمهورك من قُراء كُتُبكِ؟

س: لستُ أجرؤ على ذلك. لستُ أريد ذلك. على كُلٍّ، لا أكتبُ لوجود جمهورٍ ما. أكتب لأن الأدب موجود.

* من مقابلة: إدوارد هيرش، صحيفة الـ باريس ريفيو.  

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to سوزان سونتاغ: حياة الكاتب تبدو أكثر الحيوات شمولاً

  1. د.صديق الحكيم says:

    مقال أو حوار رائع
    شكرا خاص لسارة
    هل أنجزن مشروع ترجمة كتاب التوابين لابن قدامة
    بعد حوارنا الأخير ألفت كتابا بعنوان قصص التوابين
    هو اختصار لكتاب ابن قدامة
    تحياتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *