راي برادبيري: كيف تطعمُ ربّة الإلهام وتستبقيها؟

ترجمة: أحمد العلي
سيطيرُ الفنُّ لو أمسكناه بقبضةٍ واهنة

سيطيرُ الفنُّ لو أمسكناه بقبضةٍ واهنة

ليست سهلةً، و لم يستطع أحدٌ قط أن يستدرجها بثبات. أولئك الذين حاولو بقسوةٍ، أفزعوها نحو الغابة، وأولئك الذين أداروا ظهورهم لها و مشوا بخفّةٍ، باعثينَ صفيراً رقيقاً من بين أسنانهم، يسمعونها تخطو بهدوءٍ خلفهم، مُنجذبةً بحَذَرٍ و ترفُّع.
نحن بالطبع نتحدث عن الإلهام.

الكلمة هذه قد سقطت خارج اللغة في وقتنا، حتى أننا نبتسم في أغلب الأحيان عندما تطرُقُ سمعنا و تتداعى لنا صورٌ لإحدى ربّات الإلهام الإغريقية الرقيقة، مُرتديةً وريقات السرخس، متناولةً القيثار، تمسحُ جبينَ الكاتب المُتعرّق.

ربّةُ الإلهام، إذاً، أكثرُ العذارى ذُعراً، و من بينهن جميعاً لا تبدأُ إلا إذا سمعَت جَرَساً، يمتقعُ لونها إذا وَجّهتَ إليها الأسئلة، تدورُ بسُرعةٍ و تتلاشى لو أزعجتَ فستانها. ما الذي يُصيبها بالتوعُّك؟ قُل ما بدى لك. لماذا تجفُلُ أمامَ التحديق؟ من أين تجيءُ وتمضي إلى أين؟ كيف نأتي بها لتزورنا لفتراتٍ أطوَلَ من الوقت؟ ما الجوُّ الذي يسُرُّها؟ هل تستلطفُ الأصواتَ الصاخبة، أم الخفيضة؟من أين تبتاعُ لها الغذاء، و بأيّةِ جَودَةٍ و بأيِّ مقدارٍ، وما هي أوقاتُ طعامها؟

نستطيع أن نبدأ باقتباس قصيدة أوسكار وايلد ، مُستعيضين بكلمة “الفن” عن “الحُب.”

سيطيرُ الفنُّ لو أمسكناه بقبضةٍ واهنةٍ،
سيموتُ الفنُّ لو أمسكناه بقبضةٍ شديدةٍ،
بوهنٍ، بشدّةٍ، كيف لي أن أعرف
أنني أُقبضُ على الفنِّ أم أدعهُ يرحل؟

بَدَلاً عن “الفن” كاستعاضةٍ، إن شئت، خُذ “الإبداع” أو “اللاوعي” أو “الدفء” أو كلمتك الخاصّة لما ينتابُكَ عندما تدورُ كعجلةٍ حُرّةٍ و “تحدُثُ” القصة.

قد تكونُ الطريقةُ الأخرى للتعرُّف على ربّة الإلهام هي بأن نُلاحظ من جديدٍ بُقع الضوء الضئيلة، تلك الفقاعات الهوائية العائمة على مرأىً من الجميع، اختلالاتٌ دقيقةٌ داخل العدسات، أو خارجها، في البَشَرَةِ الخفيّةِ للعَين. لسنواتٍ لم يفطن لها أحد، وعندما تصوّبُ إليها اهتمامك للمرّة الأولى، قد تصيرُ مصادِرَ قلقٍ لا يُطاق، فُتُوقٌ في الذهن طوالَ ساعات النهار. إنها تُفسدُ كل ما تنظُر إليه عِبرَ اعتراضه. حَدَثَ وأن ذهبَ الناسُ إلى أطباءَ نفسيين بسبب مشكلة ال”بُقَع.” كانت النصيحةُ التي لا مفرّ منها هي: لا تُلقِ لها بالاً، و ستذهبُ عنك. لكن الحقيقة هي أنها لا تذهب، بل تبقى، لكننا نبتعدُ باهتمامنا إلى ما تُخفيه، إلى العالم و أشيائه دائمة التحوُّل، كما ينبغي لنا أن نفعل.

هكذا هي أيضاً ربّةُ الإلهام. إذا وضعنا اهتمامنا فيما وراءها، تستجمعُ رباطة جأشها، و تقفُ مُعترضةً الطريق. أَرتَئي أنك كي تُبقي على الإلهام، فلابد لك أولاً من تقديم الطعام. كيف لك أن تُطعم شيئاً لم يأتِ بعدُ هو أمرٌ صعبُ التفسير قليلاً. لكننا نعيشُ مُحاطين بالمتناقضات، و لن يُضيرنا أن نضيف إليها واحداً آخر.

الحقيقة بسيطة بما فيه الكفاية. خلال حيواتنا، عِبرَ تناول الطعام و الماء، نبني خلايانا، ننمو، نصيرُ أكبرَ و أكثرَ مثولاً. وهذا ما لا نعنيه بالضبط. ليسَ من المُمكن إدراك العملية. يُمكنُ ملاحظتها فقط خلال فتراتٍ فاصلة طوال المشوار. نعرفُ أنها تتحقّق، لكننا لا نعرف على وجه التحديد كيف و لماذا.

على نحوٍ مماثلٍ، خلال الحياة، نؤثّثُ أنفسنا بالأصوات، المشاهد، الروائح، الأذواق، أنسجة الناس، الحيوانات، المناظر الطبيعية، والأحداث، كبيرها وصغيرها. نؤثث أنفسنا بتلك الانطباعات والتجارب وردود أفعالنا نحوها. في لاوعينا تنسابُ ليس فقط المعطيات الواقعية، بل تفاعلنا معها، اقترابنا من الأحداث المحسوسة أو ابتعادنا عنها.

تلك هي المواد، الأطعمة، التي تنمو بها ربّةُ الإلهام. ذاك هو المستودع، الملف، الذي علينا العودة إليه في كل ساعة استيقاظ لنتثبّت من الواقع بمقابلته بالذاكرة، وفي كل نَومٍ لنتثبّت من الذاكرة مقابل الذاكرة، أي شبحاً ضد شبح، كي نطردهم، عند الضرورة.

ما هو اللاوعي لأيّ أحد؟ في جانبه الإبداعي، بالنسبة للكُتّاب، هو الإلهام. إنهما اسمان لشيءٍ واحد. ولكن مهما دعوناه، هنا يكمُنُ لُبُّ الذّات الّتي ندّعي تمجيدها، الفَردُ الذي نبني له الأضرحة و نقدم له الوعودَ الفارغة في مجتمعنا الديموقراطي. هنا مادّةُ الأصالة. ولأنها في محصول التجربة التي لا يُمكن العبثُ بها، حيثُ أُرشِفَت و نُسيَت، فإنّ كل إنسانٍ يختلفُ بشكلٍ حقيقيٍّ عن الآخرين في العالم. في الحياة، لا يختبرُ إنسانٌ الأحداثَ كما يختبرها أيُّ أحدٍ آخر و بنفس الترتيب. قد يرى أحدٌ الموتَ وهو أكثر شباباً من غيره، وقد يُدرِكُ أحدٌ الحُبّ أسرع من غيره. لو أن رجلين، كما نعرف، يشهدان على حادثة، سيُدَوّنانها بإحالاتٍ مختلفة، وبشَكلٍ من الأبجديّة يخُصُّ كل واحدٍ منهما. لا يوجد من العناصر في العالم مئةٌ فقط، بل مليارا عنصر. وتختلفُ جميعها عند فحصها بمنظار الطّيف أو قياسها بالميزان.

اقرَأ الشّعرَ في كُلّ يومٍ من حياتك.

اقرَأ الشّعرَ في كُلّ يومٍ من حياتك.

نعرفُ جيداً أن كُلّ فردٍ من الناس غَضٌّ و أصيل، حتى الأبطأ و الأكثر بلادة. إذا اتصلنا به بشكلٍ صحيح، و أخذنا بالحديث معه، وأعطيناه الحُريّة، ثم سألناه أخيراً، ما الذي تريده؟ (أو في حال أنه شَيخ، نسأله: ما الذي كنت تريده؟) سيحكي كُلُّ واحدٍ منهم حُلمَه. وعندما يتحدث الإنسان من قلبه، في لحظة الاعتراف، سيقولُ شعراً.

لم يحدث ذاك معي مرّة واحدة، بل آلاف المرات خلال حياتي. لم نكن أنا و أبي حقّاً أصدقاءَ جيّدين، حتى وَقتٍ متأخّرٍ جداً. لم تكن لغته وأفكاره، من يومٍ لآخر، مميزة، لكنني كلما قلت له “أبي، احكي لي عن تومبستون عندما كنتَ في السابعة عشرة،” أو “عن حقول القمح، في مينيسوتا ، عندما كنتَ في العشرين،” سيبدأ أبي بالحديث عن هروبه من البيت عندما كان في السادسة عشرة، متجهاً غرباً في الجزء المبكر من هذا القرن ، قبلَ أن يتم تثبيت الحدود الأخيرة- في وقتٍ لم تكن فيه طُرُقٌ سريعة، وحدها مسالكُ الأحصنة، و سكَكُ القطار، و الهرعُ إلى نيفادا بحثاً عن الذهب.

ليس في الدقيقة الأولى، أو الثانية، أو حتى الثالثة، لا، يحدث ذاك الشيء في صوت أبي، يأتي ذاك اللّحن، أو تلك الكلمات الصائبة. و لكن بعد أن يسترسل لخمسة أو ستة دقائق ويَجرى بالغليون، يعودُ الشغفُ العتيق فجأة، الأيام القديمة، النغمات القديمة، الطقس، وجهُ الشمس، نبراتُ الأصوات، قاطرات النقل المترحلة متأخّرةً في الليل، السجون، تضيقُ السّكَكُ لغُبار الذهب خلفها، وأثناء ذلك تلوحُ جهةُ الغرب – ذاك كله، كله، واللّحن هناك، اللحظة، اللحظات الغزيرة من الاعتراف، ثمّ، بالتالي، الشّعر.

الإلهام كان حاضراً بغتةً لوالدي.
الحقيقةُ تنبسطُ سهلةً في ذهنه.
اللاوعي يستلقي قائلاً قوله، دون أن يُلمس، و ينسابُ على لسانه.
كما يجبُ علينا أن نتعلم فعله في كتابتنا.

كما يمكننا تعلّمه من كل رجُلٍ أو امرأةٍ أو طفلٍ من حولنا عندما يُدفَعُ أو يُستثار، سيتحدثون بما أحبوا أو كرهوا هذا اليوم، أو بالأمس، أو أي يومٍ من الماضي البعيد. عند لحظةٍ ما، الفتيلُ، بعد أن كان ينُزٌّ بالرطوبة، يشتعل، و تبدأ الألعاب النارية.

أوه، إنه عملٌ شاقٌ خامْ يعرُجُ فيه الكثيرون، وتقفُ اللغةُ في طريقهم. ولكنني استمعتُ لفلّاحين يحكون عن أوّل غلّة قمحٍ في أوّل حقل بعد انتقالهم من ولاية أخرى، ولو لم يكن روبرت فروست هو من يحكي، لكان ابن عمه، على بُعد خمسة أجيالٍ منه. لقد استمعتُ لمُهندسي مُحرّكات يتحدثون عن أميركا بنغمة توماس وولف الذي جابَ بلادنا بأسلوبه كما جابوها هُم بمعادنهم. استمعتُ لأمهاتٍ يروينَ عن ليلتهن الطويلة مع طفلهن البكر عندما كُنّ خائفاتٍ من أن يمُتن معه. ولقد استمعتُ إلى جدتي تحكي عن أوّل كُرَةٍ لها عندما كانت في السابعة عشرة. وكانوا جميعهم، عندما تزدادُ أرواحهم دفئاً، شعراء.

إذا بدى أنني اتخذتُ الطريقَ الطويلةَ للوصول، فلعلّني قد فعلتُ ذلك. و لكنني أردتُ أن أكشف عن ما نقتنيه جميعاً في دواخلنا، و نه كان دوماً هناك، و لكن القليل منّا هم من تعنّوا ولاحظوه. عندما يسألني الناس من أين أغرفُ أفكاري، أضحك. يا للغرابة- نحن مشغولون بالنظر للخارج، بالبحث عن مسالكَ و أدوات، و ننسى أن ننظر إلى الداخل.

الإلهامُ، لأحدّد النقطة أكثر، هناك، مستودعٌ عجيب، وجودُنا الأسمى. كل مافيه أصيلٌ، يستلقي منتظراً أن نستدعيه قُدُماً. و إلى ذلك، نعرفُ أن الأمرَ ليس سهلاً كما قد يبدو. نعرفُ كم هو رقيقٌ هذا النّسيج الذي ساهَمَ في حَبكه آباؤنا وأعمامنا وأخوالنا وأصدقاؤنا، أولئك الذين قد تُدمَّرُ لحظاتهم بكلمةٍ واحدة ظالِمَة، صفقةِ بابٍ عنيفة، أو بعربة مطافي عابرة. وبنفس الطريقة، أيضاً، الإحراج، العقلانية، تذكُّر الانتقاد، يمكن لذاك كله أن يخنق الشخص العادي، وشيئاً فشيئاً يصعُبُ عليه أن يفتح كوامِنَهُ للهواء خلال حياته.

لنقُل أن كلّ واحدٍ منّا قد غذّى نفسه في الحياة، بدءاً، ولاحقاً، بالكتب والمجلات. الفرق هو أن مجموعة من التجارب قد حدثَت لنا، ومجموعةٌ أخرى قد أٌرغمنا عليها. لو أننا بصدد أن نضع نظاماً غذائياً لـ لاوعينا، كيف نُعِدُّ قائمة الطعام؟ حسناً، يمكن أن نبدأ القائمة على هذا النحو:

اقرَأ الشّعرَ في كُلّ يومٍ من حياتك. الشّعرُ نافعٌ لأنه يشُدُّ عضلاتٍ لا تستخدمها مراراً بما فيه الكفاية. الشّعرُ يمُدُّ حواسَّكَ ويُبقيها متأهّبة. يجعلُكَ واعياً بأنفك، عينك، أذنك، لسانك، و كفّك. وفوق كل ذلك، الشّعرُ مكنوزٌ بالمجاز والاستعارة. تلك المجازات، كأوراق الزهر اليابانية، قد تتمَدّدُ في الفضاء في تكويناتٍ هائلة. الأفكار تستلقي في كل ناحيةٍ داخل كتب الشّعر، وحتى الآن، يندُرُ أن أسمع مُدرّسي القصص القصيرة ينصحون بتقليب تلك الكتب.

قصّتي، “ساحلُ البحر عند الغروب،” هي نتيجةٌ مباشرة لقراءتي لقصيدةٍ فاتنةٍ لـ روبرت هيلير عن العثور على حوريّةٍ عند صخرة بليموث . قصتي الأخرى، “ستهطُلُ هناكَ الأمطارُ الناعمة،” أساسها قصيدةٌ بنفس العنوان لـ سارة تيسديل ، و قد انطوى جَسَدُ القصّة على نفس ثيمة قصيدتها. و من إحدى قصائد بايرون “و ليبقَ القَمَرُ بَرّاقاً،” جاء فصلٌ من روايتي “سجلّاتُ المرّيخ،” يروي عن سلالةٍ ميّتةٍ من المريخيين، الذين لم يعُد لهم أن يطوفوا البحارَ الخالية آخر الليل. في هذه الحالات، وعشراتٍ غيرها، قَفَزَ نحوي المجازُ، عصفَ بي، و دفعني لخَلق القصة.

أيُّ شِعر؟ الشّعرُ الذي يُوقفُ الشُعيرات على امتداد ذراعيك. لا تُجبر نفسك بشدّة. خُذ الأمرَ ببساطة. بانطواء السنين، قد تلحَقُ، أو حتى تتداخلُ، و من ثَمّ تتجاوزُ ت.س.إليوت نحوَ مَرَاعٍ أخرى. تقولُ أنك لا تفهمُ ديلان توماس ؟ بلى، ولكن أعصابك تفعل، وبصيرتُكَ السّريّة تفعل، وكل أطفالك الذين لم يولَدوا بعد. إقرأه، كما تقرأُ حصاناً بعينيك، اجلس حُرّاً و مُفعماً في مَرجٍ لا نهائي الخُضرة، في يومٍ كثير الرياح.

ما الذي يُلائمُ أيضاً نظامنا الغذائي؟

كُتُب المقالات. هُنا أيضاً، التَقِطْ واختَر، سِرْ مُتمَهّلاً عِبرَ القرون. ستجدُ الكثيرَ لالتقاطه من الأيام التي سبقت قلّة اشتهار المقالات. لن تستطيع أبداً أن تُخبرَ متى قد تشاءُ أن تعرف التفاصيلَ الدّقيقة عن أن تكون مشّاءاً، مُربيّاً للنحل، نحّاتاً لشواهد القبور، أو مُدَحرِجاً للأطواق. ها هُنا تستطيعُ أن تلعب دَورَ الهاوي، وهي تدفعك للقيام بذلك. أنتَ، في الواقع، تُلقي بأحجارٍ في أعماق بئر. وفي كُلّ مرّةٍ تسمعُ فيها صَدَىً من لاوعيك، تنكشفُ لك نفسُكَ قليلاً. قد يُبْدِئُ فيك الصدى الضئيلُ فكرةً. وقد يُثمرُ الصّدى الضخمُ قصّة.

في قراءتك، جِدْ كُتُباً تطوّرُ حِسَّكَ بالألوان، بالأشكال والأحجام في العالم. لِمَ لا تتعرّفُ على حواسّ الشّم والسّمع؟ من الواجب على شخوصك أن تستخدم أحياناً أنوفها وآذانها وإلّا ستفوتهم نصف روائح و أصوات المدينة، في حين أنّ أصواتَ البَريّةِ كلها لا تزالُ طليقةً في الأشجار وأعشاب المدينة.

في قراءتك، جِدْ كُتُباً تطوّرُ حِسَّكَ بالألوان، بالأشكال والأحجام في العالم.

في قراءتك، جِدْ كُتُباً تطوّرُ حِسَّكَ بالألوان، بالأشكال والأحجام في العالم.

لماذا كُل هذا التأكيد على الحواس؟ لأنه من أجل أن تُقنع قارئَكَ أنّه هُناك، عليك أن تغزو كُلّ حاسّةٍ لديه، مُتقلّباً بين اللّون والصوت والذوق والنّسيج. إذا أحسّ قارئك بالشّمس تلفحُ لحمَه، بالرّيح تخفِقُ أكمامَ قميصه، فقد فُزتَ بنصف معركتك. من المُمكن جعل أكثر القصص ابتعاداً عن الواقع، قابلةً للتصديق، إذا كان قارئك، عِبرَ حواسّه، شَعَرَ تماماً أنه يقفُ في صميم الأحداث. لا يستطيعُ حينها أن يرفض المشاركة. منطقُ الأحداث دائماً يستسلمُ لمنطق الحواس. إلّا إذا، بالطبع، فعلتَ شيئاً لا يُمكنُ غُفرانه لتسحب القارئ خارج السياق، كأن تقول أن الثورة الأمريكية انتصرت بالمدافع الرشّاشة، أو أن تُقدّمَ الدينصورات ورجال الكهوف في مَشهَدٍ واحد (لقد عاشوا على بُعد ملايين السنين من بعضهما). و حتى مع هذا المَثَل الأخير، قد تقومُ آلةُ زَمَنٍ مُشروحةٍ بإتقان و مقبولةٍ فنيّاً بتعليق عدم التصديق مرّةً أخرى.

الشّعر، المقالات. ماذا عن القصص القصيرة، والروايات؟ بالتأكيد. اقرأ أولئك المؤلفين الذين يكتبون بشكلٍ تأمَلُ أن تكتب بمستواه، أولئك الذين يُفكّرون بنفس الطريقة التي تُحب أن تُفكّر بها. و لكن اقرأ أيضاً لأولئك الذين لا يُفكّرون كما تُفكّر أو لا يكتبون كما تُريدُ أن تكتب، و كُن مَدفوعاً نحو الجهات التي ربما لن تسلُكها لسنواتٍ طويلة. و هنا أيضاً، لا تدع خَيلاء الآخرين تمنعك من قراءة كبلنغ ، مثلاً، في وقتٍ لم يعد يقرأه فيه أحد.

لدينا زمنٌ غنيٌّ و ثقافةٌ غنيّةٌ جدّاً بالقُمامة والكنوز. إنه لمن الصعب قليلاً في بعض الأوقات أن نُفرّقَ بين القُمامةِ والكنز، لذا نتراجعُ قليلاً، خائفين من التصريح بأنفسنا. ولكن بما أنّنا في الخارج لننسُج أنفسنا، لنجمع الحقائق بمستوياتٍ عِدّة، وبطُرُقٍ كثيرة، لنمتحن ذواتنا مقابل الحياة، و حقائق الآخرين، معروضةً لنا في دفاتر المصوّرات، برامج التلفزيون، الكتب، المجلات، الجرائد، المسرحيات و الأفلام، علينا ألّا نخاف من أن نُرى في تشكُّلاتٍ غريبة. لطالما شعُرتُ بعلاقةٍ جيّدة مع القصّة المصوّرة “لِلْ آبنر” لـ آل كابل. أعتقد أن هناك الكثير لتعلّمه عن سيكولوجيا الأطفال من “بينوتس”. عالمٌ كاملٌ من المغامرات الرومانسية قد خُلِقَ، ورَسَمَهُ بجمالٍ هال فوستر في قصّته المصوّرة “الأمير الشجاع.” طِفلاً جمَعتُ قصص المصوّرات الأمريكية اليومية متوسّطة المستوى”في الخارج على طريقتنا” لـ ج.ر.ويليامز ، وربما كنتُ مُلهَمَاً في كتبي الأخيرة برَوعتها. وبقَدر ما أنا شارلي شابلن في فيلم الأزمنة الحديثة عام 1935م، بقَدر ما أنا قارئٌ صديقٌ لـ ألدوس هكسلي عام 1961م. لستُ شيئاً واحداً، أنا الكثيرُ من الأمور التي كانتها أمريكا في حياتي. كان لديّ ما يكفي من المعنى لأستمرّ في الحركة، والتعلّم، والنمو. و لم أُحَقّر أو أُدِر ظهري أبداً للأشياء التي كبُرتُ معها. تعلّمتُ من توم سويفت، وتعلّمتُ من جورج أورويل. استمتعتُ بـ”طرزان” لـ إدغار رايس بوروس (ولا زلتُ أحترمُ مُتعتي القديمة تلك و لن أسمح بأن يُغسَل دماغي منها) كما أنني أستمتعُ إلى اليوم بـ”رسائل سكروتيب” لـ سي.إس.لويس . عرفتُ بيرتراند رسل و عرفتُ توم ميكس، و نمى إلهامي من مَهد الخير، والشر، والمحايد. أنا ذاك المخلوق الذي يتذكّرُ بحُبٍّ ليس فقط أسقُف الفاتيكان لـ مايكل آنجلو، بل وأيضاً الأصوات الراحلة منذ زمنٍ بعيدٍ لبرنامج الراديو “فيك وسَيد.”

ما هو النّمَطُ الذي ينتظمُ كل ذاك جميعاً؟ لو أنني ساوَيتُ في تغذية ربّة إلهامي الكنوزَ بالقمامة، كيف خرجتُ إذاً في منتهى حياتي بما يعتبره بعض الناس قصصاً مقبولة؟

أعتقد أن شيئاً واحداً يضُمُّها جميعاً. كُلُّ أمرٍ جَرَيتُ به، فعلته برفقة الإثارة، لأنني أردتُ إنجازه، لأنني أحببتُ القيام به. أعظم رجلٍ في العالم بالنسبة لي، في يومٍ ما، كانَ لون شاني، كانَ أورسن ويلز في “المواطِن كين”، كانَ لورنس أوليفيه في “ريتشارد الثالث”. يتغيّرُ الرّجال، لكن أمراً واحداً يبقى كامناً دون تغيير: الحُمّى، الحماسة، المتعة. لأنني رغبتُ، فعلتُ. الجزء الذي أردتُ إطعامه، أطعمته. أتذكّرُ شرودي، ذهولي، أمام مسرحٍ في مسقط رأسي، مُمسكاً بأرنبٍ حَيٍّ أعطانيهِ السّاحر بلاكستون في أحد أعظم عروضه! أتذكّرُ شرودي وذهولي بالشوارع المصنوعة من الورق المعجون في المعرض الدولي “قَرنٌ من التقدُّم” في شيكاغو عام 1933م؛ بقاعات قصر دوجي في إيطاليا عام 1954م. تأثيرُ كُلّ حدثٍ كان مُغايراً بشكلٍ هائل، لكن قدرتي على تشرّبه كانت نفسها.

لا أعني بذلك القَولَ أنَّ ردود فعل الإنسان لكل الأحداث في وقتٍ ما يجب أن تكون متشابهة. لا يمكن لذلك أن يحدُثَ بدءاً. في العاشرة من عمري، كان جول فيرن مقبولاً، وهكسلي مرفوضاً. في الثامنة عشرة، توماس وول كان مقبولاً، و بَك روجرز تُرِكَ في الخلف. في الثلاثين، انتهيتُ من هرمان ملفيل ، وفقدتُ توماس وولف.

تبقى الثوابت: البحث، الاكتشاف، الإعجاب، الحب، الاستجابة الصادقة للمواد التي في متناول اليد، مهما بَدَت رثّةً في يومٍ ما عندما تنظر إلى الوراء نحوها. أرسلتُ لشركة فولدز ماكاروني ورق التغليف لإحدى منتجاتها للفوز بتمثالٍ لغوريلا أفريقية مصنوعٌ من أرخص أنواع السيراميك عندما كنتُ في العاشرة. الغوريلا التي وصلت بالبريد، أستقبلت استقبالاً بحجم الذي كان لـ بوي ديفد في يوم كشف الستار عنه.

إذاً، تغذيّة ربة الإلهام، الموضوع الذي أمضينا فيه أغلب وقتنا هنا، يبدو لي أنه ركضٌ لا يتوقف خلف الأمور التي تحبها، وحصر هذه الأمور بحاضر حاجاتك ومستقبلها، السّير من تشكُّلاتٍ بسيطة إلى الأكثر تعقيداً، من السذاجة إلى البلاغة، من السطحية إلى التأمُّل. لا شيء يضيعُ أبداً. إذا كنتَ قد عبرتَ بالكثير من الأقاليم وفُزِعتَ لحُبك لأشياء سخيفة، فلقد تعلّمت من أكثر المواد بساطة، تلك التي جمعتها و وضعتها جانباً في حياتك. من الفضول المتوسّع بلا نهاية في الفنون، من برامج الراديو السيئة إلى المسرحيات الجيّدة، من موسيقى غُرَف الأطفال إلى السيمفونيات، من بيت الغابة إلى قلعة كافكا، هناك امتيازٌ في أن تكون مُغَربَلَاً، الحقائق تُكتشف، تُحفَظ، تُذاق، و تُستخدم في يومٍ آخر. أن تكون طفلاً لمرّةٍ واحدة هو أن تقوم بذاك كله.

 لتُطعم ربّة الإلهام، بالتالي، عليك أن تبقى جائعاً دوماً للحياة منذ طفولتك.

لتُطعم ربّة الإلهام، بالتالي، عليك أن تبقى جائعاً دوماً للحياة منذ طفولتك.

لا تقم، لأجل المال، بالانصراف عن الأشياء التي جمعتها طوال عمرك. لا تقم، من أجل الاختيال بمنشوراتٍ فكريّة، بالانصراف عن نفسك- المادّة التي بداخلك والتي تجعلك ذاتاً، وبالتالي لا غنى عنك للآخرين. لتُطعم ربّة الإلهام، بالتالي، عليك أن تبقى جائعاً دوماً للحياة منذ طفولتك. وإذا لم تكن كذلك، فالوقت قد تأخّر للبدء به. وبالطبع، أَن تبدأ متأخراً خيرٌ من ألّا تبدأ مطلقاً. هل تجد في نفسك القدرة للوقوف لأجل ذلك؟

* من كتاب “الزن في فنّ الكتاب” لـ راي برادبيري. الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015. 

This entry was posted in طقوس الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *