الوضوح في كتابة النثر لهاري بينغهام

ترجمة: رؤوف علوان
ابتكر، وبكل وسيلة ممكنة، مفاجأة وغموضًا فيما تكتبه، ولكن حذار، فهناك فرق بين ما هو غامض (وهو جيد) وما هو مربك (وهو مدمر)

ابتكر، وبكل وسيلة ممكنة، مفاجأة وغموضًا فيما تكتبه، ولكن حذار، فهناك فرق بين ما هو غامض (وهو جيد) وما هو مربك (وهو مدمر)

 

 

 

يشتكي الكُتّاب المبتدئون عادةً من أن وكلاء دور النشر لا يقرأون الأعمال المُرسلة إليهم، وشكواهم هذه تحمل نصف الصواب.

لأن وكلاء دور النشر يتعاملون مع أكوام هائلة من المسودات، لذلك عليهم ابتكار منهج يساعدهم على تمييز الغث من السمين. ولأن كل كتاب يستغرق وقتًا ليفصح عن محتواه، فهناك استثناءان مهمان:

   ◄جودة المعنى: في حالة وجود كتاب غير قابل للتسويق تمامًا ــ أو قصة إثارة أقصر مما يجب، أو لأي سبب آخر ــ  فبمقدور وكيل دار النشر عندئذ أن يرفض العمل بكل اطمئنان، بل وقد يرفضه من قراءة رسالة تقديم المسودة.

جودة النثر: ها أنت ترغب في كتابة كتاب، وأنت تعلم بأن الكتب تصنعها الجُمل. فإن كانت الجُمل لديك سيئةً، سيكون كتابك سيئًا وسيُرفض. فالقارئ الماهر، المتمرّس، بإمكانه أن يقيّم بكل إنصاف جودة النثر لديك في نصف دقيقة، وعادة في وقت أقل من ذلك. وتقييمه هذا على الدوام يكون على صواب تقريبًا.

تناولنا بما فيه الكفاية أول هذين الاستثناءين فيما سبق. سنركزّ في هذا القسم وبشكل مكثف على المسألة الثانية. إن شئت كتابة رواية أدبية رفيعة، فيجب على نثرك أن يكون رائعًا. أو إن شئت أن تكتب رواية الغرض منها التسويق، فلا بد أن يكون عملك متكامل العناصر. الأمر صعب التحقيق في كِلتا الحالتين ، لذا يتوجب عليك أن لا تخفق في أي منهما. على أية حال، هنالك العديد من الكُتّاب يعتقدون، وبشكل ما، أنّ أعمالهم بإمكانها أن توجد خارج عالم الكلمات والجُمل، وبأن حبكة عبقرية ما، أو معنى ما له القدرة على التحليق بهم فوق أي عدد من العوائق على مستوى اللغة ذاتها. إنّ هذه العوائق لن تكون حجر عثرة وحسب في طريق الكتاب، بل حتى المعنى العبقري لن ينجو بهم من التعثر لتنفيذ العمل. إنّ لأسلوب النثر أهمية بالغة، ومن هنا سنبدأ الدرس.

 

الوضوح الجميل

إنّ أول مهمة للغة هو التواصل، والتواصل يحتاج إلى وضوح. قد يبدو الأمر بأنه من أبسط المهام على الإطلاق ــ ذلك، لو افترضنا أنه باستطاعتك أن تمضي حياتك اليومية دون التسبب بإرباك أو إثارة شكوك كل من يتحدث إليك. لكن في حالة المواد المطبوعة لا وجود لهذه الفسحة من التسامح. إنّ سبيلك الوحيد للتواصل مع القارئ هو عبر الكلمات. لا يمكنك الإيماء، أو إصدار نبرة صوت، وليس لديك أيّ فرصة للتدخل أو لتصويب خطأ. بناء على ذلك فإن  تطبيق مهمة بسيطة كهذه، في الواقع، يصبح معقدًا تمامًا, حيث أن عددًا لا بأس به من المسودات الجديدة يمتلئ بكثير من مشكلات الفهم (التواصل). وقد تكون تلك المشكلات غير مؤثرة كل على حدة، لكن باجتماعها  تغدو قاتلة.

لنأخذ هذا المقتطف كمثال:

يتمسك الإنسان بسماء الليل وبالأسرار التي تضنّ بها إليه.

ما فات كان جملة سيئة. بالكاد نستطيع أن نمسك بمعناها، أقول بالكاد.  فالبشر لايمكنهم التمسك بسماء الليل: فهي بعيدة جدًا، وهي بكل حال خُلقت من هواء لا يُرى، وهوّة من المجموعات النجمية. لا يوجد فيها ما يمكن التمسك به. لكن، ستأتي كلمة لاحقًا في الجملة بمثابة دليل لنا للفهم. وهي كلمة “أسرار”. فمن المفترض، بحسب تلك الكلمة، أن الإنسان يتشبث بغموض سماء الليل… كان بإمكان الكاتب أن يقوم بعمل أفضل لمعالجة معنى الغموض في النصف الثاني من الجملة. فالمرء إن كان يبخل بشيء ما، فهو يحبسه عن شخص ما، ولا يمكننا القول بأننا نبخل بشيء إلى شخص ما. لعل المؤلف هنا يقصد كلمة “تسلّم إلى”، إلا أنها غير منطقية بالقياس إلى الجزء الأول من الجملة. ربما، إذًا، المؤلف يقصد هذا:

يتمسك الإنسان بغموض سماء الليل، لكن السماء تضنّ بأسرارها.

أو إن كنتم تفضلون هذه:

 

يتشبث الإنسان بغموض سماء الليل، لكن السماء شحيحة ولا تمنح إلا القليل.

 

أو هذه:

يتشبث الإنسان بغموض سماء الليل، لكن السماء قاسية، تحبس أسرارها.

 

أرجو أن تتمكنوا من التمعن في الجملتين الأخيرتين فهما أفضل في الصياغةً من الجملة الأولى. إنّ جميع النسخ الثلاث قابلة للفهم، لأننا ربطنا كلمة “يتشبث” بشيءٍ بالإمكان (مجازًا) التمسك به، ولأننا تخلصنا من العبارة المحيرة “تضنّ به إليه” واستبدلناها بشيءٍ معتدلٍ وواضح.

يعود سبب صياغة الجملتين الثانية والثالثة بشكل أفضل، إلى أنّ صياغة الجملة الأولى تفتقر إلى الدقة في الخاتمة. فافتتاحية الجملة تخلق تساؤلاً من مثل: “أوه، رباه، هل يا ترى سيكشف هؤلاء البشر عن غموض سماء الليل؟”. بينما في صياغة الجملة الأولى، لا نشعر بوجود خاتمة. بإمكانك أن تحبس لديك شيئًا ما، لكنك في نهاية الأمر ستسلّمه. لذا، وكما هو واضح، هناك شك صغير حول الإجابة على ذلك التساؤل. لكن في صياغة الجملتين الثانية والثالثة قطعنا الشك باليقين. فكلاهما يمنح جوابًا دقيقًا وحاسمًا على السؤال المطروح ــ بقولنا “القليل من الأسرار” في أحدهما، و بقولنا لم تمنح شيئًا البتة في الأخيرة.

أنت الآن، وبالطبع، لن تكتب جملة بشعة كالتي في المثال الأول. فأنت أفضل من ذلك بكثير. لكن، هناك احتمال بأن تكتب شيئًا كهذا:

رفع سيرجي الصندوق الثقيل إلى سطح اليخت ذي المُحرّكَيْنِ وأوصد مِغلاقه النحاسي الغليظ.

هل تعرف ما معنى الجملة السابقة؟ بالطبع تعرف، إنه واضح. بكل حال، في الوقت ذاته، لو تتبّعتَ مشاعركَ أثناء قراءة الجملة، ستجد بأنك لست تواجه مشكلة واحدة فقط، بل اثنتين (وهناك ثالثة سنناقشها لاحقًا).

أولاً، كلمة “مِغلاق” ليست مناسبة هنا. لأنك لا تستطيع  أن توصدَ مِغلاقًا. لكن بإمكانك أن تقفل، أو تغلقَ، أو تشدّ مزلاجًا. أظن بأن المؤلف هنا كان يرغب منا أن نتخيل مِزلاجًا. ولأنكَ قارئٌ على مستوى رفيع من التواصل تجد نفسك تقوم بالتعديلات اللازمة على كلام المؤلف (وفي حال كان بين يديك نص طويل) ستكون قد أعددت العدّة لقراءة المزيد. لكن الضرر قد وقع. فالتعديل الذي تقوم به في عقلك يستغرق منك الجهد والوقت. وبذلك يتباطأ تقدمك بالقراءة تدريجيًا. وفي حال واصلتَ قراءة المزيد، ستواجه عددًا من المشاكل المماثلة ــ ربما ما يفوق الدزينة في كل صفحة ــ عندئذ سرعان ما سيتحول فعل القراءة إلى قيد، وبذلك سيخلو من كل بهجة. ولو كنتَ  بمكان وكيل دار نشر ستتوقف عن القراءة وترفض الكتاب.

المشكلة الثانية في الجملة هي مشكلة نحوية. فالضمير في كلمة “مِغلاقه” يعود نظريًا إلى آخر اسم سابق له، وكِلا الاسمين “سطح” و”يخت” يتنازعان بشراسة لنيل الإنتباه أكثر من كلمة “صندوق”، والتي هي الخيار المنشود. من جديد، ليس من الصعب علينا القيام بتعديلات ضرورية، لكننا لا نريد القيام بأي نوع من العمل على الإطلاق. لأننا نقرأ للمتعة، لا للتدريب.

إن مهمة إعادة تركيب الجملة في المثال بسيط جدًا، فنقول مثلاً:

رفع سيرجي الصندوق إلى السطح وأغلقه.

كما ترون، الشكوك التي كانت تحيط بصيغة المثال الأول لخداعنا قد اختفت. بينما في الصياغة الجديدة قد لا نجد فيها شيئًا فائقًا للعادة أو ما يميزها ــ فهي ليست تحفة من الجمال ــ لكنها تؤدي الغرض بصفاء، وأناقة، وبساطة، وثم نتجاوزها. إنها صياغة رشيقة متممة. (وإن كنتَ تشعر بالقلق إزاء المشكلة النحوية فيما إن كان الضمير يعود إلى “سطح” أو “صندوق”؟ ــ استرخِ. فإننا بمجرد تنحية واحد من الأسماء المتصارعة، وأعني كلمة “يخت”، وتبسيط الجملة بأكلمها، سنكون قد أوجدنا بهذه الطريقة حلاً ناجعًا للمشكلة. إن بدت الجملة الأولى متلعثمة، فقد بدت صيغة النموذج المعدل جيدة تمامًا. وهذا هو أهم ما في الأمر).

إنّ الذي يهمنا هنا هو موقفك؛ موقفك ككاتب. إنّي متيقن، تقريبًا، بأن جزءًا من عقلك أثناء قراءة الفقرات السابقة كان ربما يقول “أيها الجندب، أيها الجندب! إنها مجرد كلمة، فلمَ الإطالة والاستطراد!”. هذا الصوت الذي يصدر من عقلك يجب إخراسه، وآسف لقول ذلك. لأن الكلمات ليست مجرد كلمات. إنها وسيلتنا للتواصل.

الجزء الأكبر من  تطوير مهارتك مع الكلمات له علاقة بالدّقة. فالدّقة أكثر أهمية، تقريبًا، من كل شيء آخر. ولا بد للغتك أن تكون دقيقة، يجب عليك أن تكون مهووسًا بالدّقة. فلتقلق حيال ما إذا عليك أن تسدّ المِزلاج أو تشده. أو إن كنتَ تبخل بالأشياء، أو تحبسها عن أحد. وعليك أن تقلق حيال التشبث بالسماء، ومن متاهة الضمائر في السياق. يكمن السر في ذلك بمراعاة التفاصيل التي تمكّنك، كما نأمل، لخلق صورة شاملة  تسحر وتؤثر في القارئ. مثلُك بهذا مثل الرسام الممسوس بالألوان. إن هوس الدّقة صديقك من الآن. فتصالح معه.

 

لكل جملة وظيفة     

ركّزنا حتى الآن على اختيار الكلمات. فالجُمل السيئة المذكورة آنفًا فشلت إما لأن من كتبها قام باختيار خاطئ، و إمّا لكسل الكاتب في اختيار الكلمة المناسبة. لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تربك القارئ. خذ المثال التالي بالاعتبار:

كان الباب مصبوغًا بأخضرٍ تفّاحي، لكن لا بد وأنه كان ذات مرة مصبوغًا بالأزرق، لأنه باستطاعتك رؤية بقع زرقاء ظاهرة، وليس ذلك لأنني متيقظ لأشياء كهذه بالوقت الذي كان فيه أبي ينهار أمام الباب، ودماؤه تتفجر إثر جُرح رصاصة في بطنه.

لا توجد مشكلة في اختيار الكلمات هنا، ولا توجد مشكلة في النحو، لكن تظلّ الجملة سخيفة، لأن بؤرة التركيز تتقافز بلا ترابط وبلا منطق. والأسوأ، أن النصف الثاني من الجملة يُهمّش المعلومة التي يزوّدنا بها النصف الأول، وأعني بدءًا من (وليس ذلك لأنني متيقظ لأشياء كهذه…). إن كان الرّواي يهمل تفصيلة الباب بهذه الطريقة، أفلا يحق للقارئ أن يشعر بانزعاج لإضاعة وقته؟

إن الجملة السابقة سيئة بشكل مضحك. لكن بإمكان فوضى بؤرة التركيز خلق أكثر أشكال الارتباك براعةً. لنعود إلى صديقنا سيرجي من جديد:

رفع سيرجي الصندوق الثقيل إلى سطح اليخت ذي المُحرّكَيْنِ وأوصد مِغلاقه النحاسي الغليظ.

بالإضافة إلى المشاكل التي تعرّفنا عليها سابقًا. هناك واحدة أخرى: أين تقع بؤرة التركيز في الجملة بالتحديد؟ ما الذي تحاول الجملة توضيحه؟  هل هي محاولة لوصف صندوق؟ أم  لوصف يخت؟  أم هي وصف مِغلاق؟ أم  هي تحاول إخبارنا عن حالة فعلٍ ما؟   إنها تفعل كل شيء في الوقت نفسه، مما يعني أن القارئ ما عاد متيقّنًا أين ينظر أو أيّ طريق يسلك. كان بمقدورنا أن نقولها بهذا الشكل:

رفع سيرجي الصندوق إلى أعلى السطح وأغلقه. كان اليخت بمُحرّكَيْن وكان سريعًا.

لقد استبعدنا أي وصف لمِغلاق الصندوق ــ لأنه ليس بذي أهمية لنا ــ وأخذنا  وصف حالة الفعل الذي يتم إخبارنا عنه وأبعدناه عن وصف المكان الذي نحن فيه. كانت جملة متعثرة ملتبسة، فغدت الآن سلسة، بسيطة ومفهومة. إذ بينما في الصيغة الأولى منها كان يشوبها حسّ من البطء، بدت في الثانية ذات إيقاع أسرع. فالقارئ توّاقٌ للتقدم  ومواصلة القراءة. تقوم هذه الفكرة على التأكد بأن لكل جملة وظيفة؛ وذلك بأن تؤدي كل جملة الغرض منها دون إرباكنا، ثم تفسح الطريق، وبشكل منطقي، للتي تليها. هذا يبدو سهلاً ــ وهو بالفعل كذلك ــ لكن ولأن كتابك سوف يحتوي على 5000 إلى 10000 جملة، فلا بد من تقليل الأخطاء قدر الإمكان.

نحن نتنفس الصّعداء عندما ننتقل بالقراءة من جملة سيئة إلى جملة مكتوبة بشكل جيد. على سبيل المثال:

جلس رجلٌ نحيف أشقر على الكرسي الصلب في مكتب بويتراس. مرتديًا بنطالًا بُنيًّا غير رسمي وحذاء من الجلد الجديد الداكن بشرّابتين دون رباط وكان يرتدي كِنزةً مغزولة ذات صوف سميك بنيّة اللون ذات رقعٍ عند المرفقين. وقميصًا بلون بيج داكن وربطة عنق صفراء. من الحرير. عليها جِمالٌ بيضاء صغيرة. وكان متوهجًا بالطريقة التي يتوهج بها الرجال النحيلين عند استيقاظهم مبكرًا لممارسة ثلاث جولات في النادي الرياضي. قدّمتُه إلى مكتب ستانفورد للمحاماة. إنزلق بويتراس في الكرسيّ خلف مكتبِه، قلتُ له: “هذا هو أوبانون”. وعندما ألقى بويتراس نظرة على أوبانون، امتعض وجهه المسطح وعيناه رمشتا مثل دقات ساعة.

(روبرت كرايس، القرد ذو المعطف المطريّ)

 

هل شعَرتَ بالوضوح التام في تلك الكتابة؟ إنّ لهذا علاقة وطيدة بالطريقة التي تؤدي فيها كل جملة وظيفتها الخاصة بها. الجملة الأولى تُقدّم العنصر الرئيس لهذا المشهد الصغير: بأن هناك رجلاً يجلس في مكتب بويتراس. والجملتان اللتان تعقبانها تصفان ثيابه ببعض التفصيل. والجملة التي تلي ذلك (كلمة “حرير”) تُتمّم الوصف، وكأنها تزرع تلميحًا من الرفض. وهلمّ جرّا. كل جملة مزوّدة بمهمّة؛ وذاك أن تؤدي وظيفتها ثم تنتهي. ثمرة ذلك أن القارئ دائمًا سيعلم بالتحديد ما يريد المؤلف قوله، وبأن السّرد سيتدفق إلى الأمام بلا انقطاع.

إنه لمن المهم كذلك أن نفهم بأنك حين تجعل كتاباتك واضحة، هذا لا يعني أن تكون ساذجة. يكتبُ كرايسCrais  روايات الإثارة ــ ويكتبها بشكل جيد ــ فتجد في كتاباته الإيجاز والسرعة اللذين يتصف بهما ذلك النوع الأدبي من الروايات. ومع ذلك تأتي كتاباته على مستوى رفيع دائمًا. في الجملة الأخيرة “عيناه رمشتا مثل دقات…” فيها تشبيه رائع يجعل من عينيّ بويتراس ما يشبه الساعة، أو على الأرجح ما يشبه قنبلة. ممّا يزرع بذرة من الخطر في فقرة جُلّها تقريبًا في وصف ثياب رجل غريب.

أو خذ قوله: ” وكان متوهجًا بالطريقة التي يتوهج بها الرجال النحيلين عند استيقاظهم مبكرًا لممارسة ثلاث جولات في النادي…”.  على سطح هذه الجملة، يُبلغنا الرّاوي عن توهّج أوبانون وعن سبب محتملٍ لهذا التوهج. باستثناء المعلومتين الخاطفتين (وأعني قوله “رجال نحيفون” و “النادي” في ختام الجملة) فهما تخبران بشيء مغاير تمامًا ؛ أو بالتحديد يرى الرّواي بأن لديه القدرة الكافية ليوسِعَ أوبانون ضربًا. إنّ ما تكتُبه بالإمكان أن يكون واضحًا ورفيعًا في الوقت نفسه. فكلّ جملة بإمكانها أن تكون واضحة، لكن هذا لا يتمّ عبر مستوى واحد فقط، بل عبر مستويَيْن.

الالتباس مذموم، الغموض مستحب

إن “الوضوح والبساطة” أفضل شعار تلتزم به عند الكتابة، لكن ذلك لا يعني أنك لا تستطيع الخوض في تجربة أساليب أكثر بذخًا وزخرفة بين الحين والآخر. إنما عليك توخّي الحذر حينها. هذا مثال أرجو ألاّ تحتذي به:

يتملّكك شعور بالترف عند التواجد هناك، مستلقيًا باسترخاءٍ إلى جوار مسبح تحت كل هذه التلال التوسكانية، نطرد عنا الناموس بانزعاج.

كان إدغار رجلاً غضًا، سريع الغضب. من النوع الذي يصل متأخرًا، بسبب مشكلة  ما في الطابور، وكان مبذّرًا بمنح الهدايا والاعتذارات على حد سواء.

إن لتلك المقتطفات السابقة رشاقة عند قراءتها، إلاّ أنه من الصعب على القارئ أن يفهم ذلك التجاور في المثال الأول  بين كلمتي “الترف” و “انزعاج”، وفي الثاني بين “سريع الغضب” و” مبذرًا… اعتذارات”. باستطاعتنا استبعاد كلمة “ناموس” من المثال الأول وكلمة “سريع الغضب” من الثاني، لكن هذا سيتطلب استبعاد أكثر العناصر إثارة. عوضًا عن ذلك، نحتاج فقط أن نتأكد بأننا نساعد على إثارة قلق القارئ عن طريق تقديم شيء غير متوقع، فنقول:

يتملّكك شعور بالترف عند التواجد هناك، مستلقيًا باسترخاءٍ إلى جوار مسبح تحت كل هذه التلال التوسكانية، نرتشف شراب  البروسيكو ونلوّح بلطفٍ إلى الناموس في كسلٍ حد عدم استطاعتنا اصطياده بجِد.

كان إدغار رجلاً غضًا، سريع الغضب. من النوع الذي يصل متأخرًا، بسبب مشكلة  ما في الطابور، وكان مبذّرًا في هداياه واعتذاراته. لكنه على الدوام يسرف، ويكثر من الإعتذار، وكأنما عاصفة صيفٍ رعدية تترصد جاهزة للإنفجار فوق أفق اعتذاراته.

في المثال الأول أبقينا على “الناموس”، لكننا نسجنا نسيجًا من الكسل اللذيذ. وفي المثال الثاني، بدأنا بغزل “سريع الغضب” مع ” اعتذارات”، وأضفنا تفسيرًا حول كيف يمكن لإدغار أن يقوم بالعملين معًا في وقت واحد.

إن حياكةً بهذه الجودة، عن طريق ربط عناصر غير متوقعة ببعضها، مع الاحتفاظ بثقة القارئ التامة،  عادة ما تكون دليلًا على الكتابة الأصيلة والممتازة:

 

اسمي هومير، الأخ الأعمى. لم أفقد بصري دفعةً واحدة، وإنما كالأفلام، اختفاء تدريجي بطيء إلى الظلام. عندما تم إخباري بما كان يحدث، كنتُ مهتمًّا جدّا ]بمعرفة كيف تم[ ذلك، وكنت وقتئذ في سنوات مراهقتي المتأخرة، شغوفًا بمعرفة كل شيء.

(إي. أل. دوكترو، لانغلي وهومير)*

 

يا لجودة تلك القطعة! يا لبساطتها! كل من سيقرأ هذا الكتاب،  مبدئيًا على الأقل، سيستطيع كتابة مثل تلك الجُمل. إن دوكترو (وهو أديبٌ) لا يتباهى بمفردات مذهلة من بنات المعجم، أو يختلق قواعد نحوية فائقة للعادة، أو ينثر قطع خيالٍ مبهمة وإن كانت رائعة. إنما هو يؤدي الأمور بكل بساطة. وبشكل حسن، وجزء مهم مما يقوم به أنه يخلق لدى القارئ أحاسيسًا قوية ويعرف كيف يتعامل معها بشكل مناسب.

إن دوكترو يعلم بأنه سيسلب أنفاسنا بكلمة “أعمى” عند بداية الجملة، لهذا زوّدنا بمعلومة إضافية في قوله: ليس “دفعةً واحدة … (لكن) اختفاء تدريجي بطيء إلى الظلام”. هذا بدوره يستدعي السؤال الآتي: “ما هو شعور المرء عند الإصابة بالعمى؟” فيخبرنا دوكترو بالجواب؛  ولكن بطريقة غير متوقعة تمامًا. فبدلاً من أن يذكر إحساسًا فاجعًا عن الفقد، يتكلم الرّواي فيقول: ” كنتُ مهتمًا لمعرفة كيف تم ذلك، وكنت وقتئذ في سنوات مراهقتي الأخيرة، شغوفًا بمعرفة كل شيء”. ذلك كان آخر ما يمكننا توقع سماعه.، لكننا لم نشعر بالارتباك (وأعني مشاكل على مستوى الشعور)، إنما كنا مفتونين ومسحورين (بامتياز).  استطاع دوكترو أن يأسرنا بـ 44 كلمة من افتتاحية روايته. لو أن وكيل أحد دور النشر قرأ تلك السطور الافتتاحية، لكان تابع قراءتها بكل حماسة.

 

الوضوح

ملخص

 

◄ أسلوب النثر مهم جدًا. لعل ما يفوق 50% من المسودات المرفوضة يعود سبب رفضها إلى أن الكتّاب لا يهتمون بما يكفي بأسلوب النثر.

◄ أحد أهمّ المزايا في أي قطعة كتابة هو الوضوح ــ فهو ما يجعل المعنى مفهومًا.

◄ تأكّد من استخدام الكلمة الدقيقة والمناسبة التي تؤدي الغرض المنشود منها. كُن مهووسًا بلا هوادة عند إعادة النظر في عملك. الهوس ليس إلا رحلة بحث دؤوب عن الدقة.

◄ امنح لكل جملة وظيفة تؤديها. لا تحشُ الجملة بالكثير من نقاط التركيز المتباينة. فهذا لن يجدي نفعًا.

◄ابتكر، وبكل وسيلة ممكنة، مفاجأة وغموضًا فيما تكتبه ــ لكن حذار حذار، فهناك فرق بين ما هو غامض (وهو جيد) وما هو مربك (وهو مدمّر).

◄تذكّر بأن تعتني بالقارئ. فعندما تثير أسئلة لديه مثل (رباه! كيف هو الشعور عند الإصابة بالعمى؟) عندئذ إما أن تزوّده بجواب، أو أن تكون صريحًا وواضحًا  بتجاوزك تلك الجزئية الغامضة مؤقتًا.

 

 

 

 

 

*  إدغار لورنس دوكترو: (1931–  2015) روائيّ أميركيّ، عمل محررًّا، وقام بالتعليم في عدة كليات وجامعات. تتناول رواياته مواضيع الطبقة العاملة  وسلب المُلكية إبّان العقود المبكرة في أميركا.

 

 

 

 

 

 

المصدر: Harry Bingham, How to write.

 

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

One Response to الوضوح في كتابة النثر لهاري بينغهام

  1. yasmeen says:

    ﺭﺅﻭﻑ ﻋﻠﻮﺍﻥ
    تسمحلي اهنيك على اختيارك الرائع لمقالاتك، بانتظار جديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *