يزن الحاج: أن لا تكون أو لا تكون!

مع انتقال المترجم من الهواية إلى الاحتراف يتغيّر كل شيء فعليًا. تظلّ المراحل السابقة كما هي، ومع ذلك ثمة ما يتبدّل كليًا. ينتهي الشغف ويبدأ الواجب. وأظنّ أنّ عمل المترجم (وكلّ عمله تسويات في نهاية المطاف) هو محاولة التوفيق بين الشغف والواجب، وإن كان يُدرك تمامًا عبثيّة المحاولة.

مع انتقال المترجم من الهواية إلى الاحتراف يتغيّر كل شيء فعليًا. تظلّ المراحل السابقة كما هي، ومع ذلك ثمة ما يتبدّل كليًا. ينتهي الشغف ويبدأ الواجب. وأظنّ أنّ عمل المترجم (وكلّ عمله تسويات في نهاية المطاف) هو محاولة التوفيق بين الشغف والواجب، وإن كان يُدرك تمامًا عبثيّة المحاولة.

 

أظنّ أنّ ذكرياتنا الشخصيّة في حقل الثقافة ترتبط دومًا بالتجربة الأولى: أول قراءة، أول كتابة، أول استعارة لكتاب، أول سرقة لكتاب. واللافت هو أنّنا نتذكّر تلك التجربة بالتفصيل وكأنّها حدثت للتو. بل وكأنّها تحدث الآن لحظة كتابة هذا السطر وقراءته. وبما أنّ الحديث هنا هو عن الترجمة، فسأضيف: أول ترجمة.

وحين أستعيد تلك التجارب الأولى كلّها، يستوقفني أنّها حدثت في الفترة ذاتها تقريبًا. القراءة والكتابة والترجمة. في ما يخص القراءة والكتابة، أعني هنا التجربة الواعية، إذ إنّ هناك تجارب أخرى قبلها لم يكن المرء يدرك فيها ما يفعل. يقرأ لا لأنه يريد القراءة بل لأنّ والديه يريدان هذا مثلًا، ويكتب كيّ يقلّد صديقًا أو جارًا. ولا تبدأ “التجربة الأولى” بحفر مكانها في الذاكرة إلا حين تصبح فعلًا واعيًا: أن تقرأ وتخربش لأنك تريد أن تقرأ وتخربش. أما الترجمة فتولد كخيارٍ واعٍ منذ البداية وتبقى كذلك. ولعلّ هذا ما يميّزها عن أختيها. وبما أنّ عصرنا يُلزمنا بدخول متاهة الأرقام من أجل توثيق اللحظة، سأقول إنّ الفترة التي بدأتُ تجربتي الثقافيّة الواعية كانت عام 1999. قرأت كتاب “الأيام” لطه حسين (كان هذا أول كتاب أشتريه ليصبح أول كتب مكتبتي) وكتبتُ أولى قصصي القصيرة (كانت قصة ساذجةً طبعًا بأفكارها ولغتها وحتى عنوانها “المفاجأة”)، وترجمتُ أول كتبي.

كانت مطبعة جامعة أكسفورد تُصدر كتبًا بمستويات متعدّدة في اللغة الإنگليزيّة، وكان “معهد دار اللغات” في دير الزور يُدرّس كتب أكسفورد، وبما أنّني كنتُ جيّدًا في اللغة (أظنّ أنّ هذا هو الأمر الوحيد الذي أُجيده أصلًا) نلت مكافأة هي كتاب قصّة آل برونتي ( The Brontë Story). كان هذا أول كتاب أترجمه، وتلاحقت بعده عدة كتب مماثلة، لم تُنشر لحسن الحظ، بل بقيت أسيرة أوراقٍ في مكتبةٍ تكفّلت الحرب بتمزيقها مع ما/مَنْ تمزّق في البلاد. المهم في الأمر هو دخول القاموس وتعاقب الجمل بالإنگليزيّة والعربيّة إلى ذهني للمرة الأولى. بدأت عام 1999 رحلتي مع الترجمة، سحر تحويل المفردة إلى مفردة أخرى، متعة الشّطب وتقليب الخيارات، ونشوة الانتهاء من العمل والبدء بعمل آخر. تلك كانت أجمل لحظاتي مع الترجمة، وأعلم أنها “الأجمل” لأنّها لن تتكرّر.

مع انتقال المترجم من الهواية إلى الاحتراف يتغيّر كل شيء فعليًا. تظلّ المراحل السابقة كما هي، ومع ذلك ثمة ما يتبدّل كليًا. ينتهي الشغف ويبدأ الواجب. وأظنّ أنّ عمل المترجم (وكلّ عمله تسويات في نهاية المطاف) هو محاولة التوفيق بين الشغف والواجب، وإن كان يُدرك تمامًا عبثيّة المحاولة. ولا أعتقد أنّ هناك مترجمًا متفرّغًا لا يزال يحافظ على الشغف القديم كما هو. “النّضج” يعني تضاؤل الشّغف بالضرورة. وهذا الشغف يعني أن تعمل بلا غاية. وانتفاء الغاية يعني انتفاء المنغّصات. ليس ثمة موعد نهائيّ لتسليم العمل، أو مساومة على الأجور، أو اضطرار لترجمة ما لا تحب. تلك هي، كما أظن، مُنية كلّ مترجم.

ولعلّ الأمر الوحيد المشترك بين المرحلتين، مرحلة الشغف ومرحلة الواجب، هو أنّ على المترجم أن يبقى خفيًّا. الفارق هو أنّه يريد ذلك في المرحلة الأولى، بينما يجب عليه ذلك في المرحلة الثانية. أن لا يكون أو لا يكون. لا تعود الهواية هوايةً إن عُرفت أو صُرّح بها، لأنّ افتضاح سريّتها يعني تحوّلها إلى “واجب” ينبغي للمرء فعله إرضاءً لغيره. أما في المرحلة الثانية، فلا معنى لإتقان العمل إنْ تمكَّنَ القارئ من اكتشاف أمرٍ يخصّ المترجم. لا بدّ أن يبقى المترجم خفيًا كي تكون ترجمته أفضل. وكلّما تضاءلَ حضوره، تعاظمَ أثره. هذه هي الجدليّة التي لا معنى للترجمة من دونها. لا ينبغي للمترجم أن يُطلّ برأسه في كتابٍ ليس له، بل عليه تسليط الانتباه كلّه إلى المؤلّف فقط. واجب المترجم هو النّقل الأمين لا أكثر. هنا بالذات، شهدنا (وسنشهد) سجالات لن تنتهي. ولكنّني أصرّ على رأيي. نعم، المترجم هو سيّد اللعبة، ولكنّ براعته تتألّق مع غيابه. لا أعلم ما التّشبيه الدقيق الذي يصلح هنا. لاعب دمى الماريونيت؟ سيختلط هنا مع المؤلّف صاحب “الخيوط” الأساسيّة. ساعي بريد؟ سنقلّل بهذا من عمله كثيرًا. قاموس؟ لا، هو أجمل من هذا. لا أعلم. كلّ ما أعلمه هو أنّ عليه الاختفاء إلى حدّ التلاشي، وعليه – في الوقت ذاته – الحضور بقوّة للمطالبة بحقوقه كلّها، ابتداءً باسمه على الغلاف وليس انتهاءً بأجرٍ يليق بتعقيد عمله. تلك، باختصار، قصة صديقنا المترجم الذي ضحّى بشغفه لينقل شغفَ غيره.

#الصوت_الآخر

(مترجم وكاتب سوري، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان شبابيك، بالإضافة إلى عدد من الأعمال المترجمة منها ضوضاء بيضاء لدون ديليلو، عزاءات الفلسفة لألان دو بوتون، الحرية لإيزايا برلين وغيرها).

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *