علي المجنوني: الترجمة تضعك في حذاء الآخر..

 

نحن المترجمين نكرّر الحدث السردي، نعيد أداءه من جديد، من دون أن نعبر النهرَ نفسه مرتين.

نحن المترجمين نكرّر الحدث السردي، نعيد أداءه من جديد، من دون أن نعبر النهرَ نفسه مرتين.

قد يكون حبّي للأدب ما دفعني إلى الترجمة، وقد يكون حساسيتي اللغوية، وقد يكون شيئًا لا أعرفه حتى الآن. لكن ما أستطيع أن أعفيه من احتمالات “قد” هو تلك الألفةَ التي أجدها في أجنبيّتي حين أكون مترجمًا. هذه الحالة من الأجنبية يستدعيها الحضورُ في منطقة تماسٍّ بين عالمين يُعرّف كلٌّ منهما نفسه ضد الآخر. هي إذًا حالة من الصيرورةِ مستمرة، حالة بينيّة. ويخُيّل إليّ أني في البين أجد نفسي، إذ كنت طوال حياتي أتردد ما بين عالمين. قضيت الشطر الأعظم من طفولتي أتردد بين الصحراء والمدينة، ترددًا يوميًا، في الأولى أنزل وفي الثانية أدرس. لكل عالمٍ مفرداته الخاصة واستعاراته ومنطقُه وفلسفته. ذاك التردد الدائم بينهما استلزم أولًا القناعة بأجنبيّتي في كليهما، لأنه لا يمكن التردد بين عالمين والانتماء حصرًا لأحدهما دون الآخر. هكذا غدت الترجمة من النشاطات التي أتصالح فيها مع أجنبيتي، حيث الأجنبي لا يضادّ المألوف، وإنما يساويه. وليس أمامي وأنا أمارسها إلا أن أقنع بالدُّربة على كوني دخيلًا، غريبًا، أو آخَر.

حين ألتفت إلى الماضي لا أستطيع أن أتذكر أول مرة ترجمتُ فيها شيئًا، وهذا يعني بطريقة ما أني ظللتُ أترجم طوال حياتي. والأكيد أنها لم تكن استجابة لشيء ما خارجي. مثلما يحدث حين لا يتذكر أحدنا أول مرة قرأ أو كتب فيها، ولماذا فعل ذلك. الترجمة بالنسبة لي مثل شيء نفعله على الدوام، لأننا ببساطة شديدة نحتاج إلى أن نترجم أنفسنا، نعود في حديثنا إلى الوراء، ونعيد صياغة جُملة أو عبارة قلناها. نفعل هذا لأن اللغة بالضرورة تؤدّي الفكرة أداءً، وتشيّدها أثناء النطق أو الكتابة، وهي في ذلك محكومة بالإخفاق. لكنه الإخفاق الذي يحرّر الإنسان من التزام سماوي لا يقدر عليه، الإخفاق الذي جعل اللغة (في شكلها الذي نعرفه اليوم) ممكنة.

من الكتب التي قرأتها مبكرًا الأعمال التي كتبها مصطفي لطفي المنفلوطي، من مثل “تحت ظلال الزيزفون” و “الفضيلة، أو پول وفرجيني” و “في سبيل التاج.” هذه وغيرها أعمال تمثل حالة خاصة حين نتحدث عن الترجمة و/أو التعريب، إذ كتبها المنفلوطي، الذي لم يكن عارفًا بالفرنسية، بعد أن ترجمها له أصدقاؤه عن الفرنسية. حين قرأتها لم يكن في ذهني سؤال الترجمة، ولكنْ كانت تلك المتعة المنفلوطية الفائقة، البيان الجارف، والانفعالات الجياشة. الآن، كل المعضلات النظريّة التي يثيرها فعل المنفلوطي، والذي هو امتداد لرؤيته الغريبة في الترجمة، لا تستطيع أن تزيح ذكرى الانفعالات التي عشتها بقراءة تلك الروايات. لاحقًا، قرأت بالإنگليزية كتبًا كُتبت في الأصل بالعربية، ولم يكن هناك من سبب سوى أني وقعتُ عليها مترجمة قبل أن أقع عليها باللغة التي كتبت بها ابتداءً. وكان ردّي على سؤال سألته نفسي: ما الذي يمنع أن تقابل صورتك في مرآة جارك؟

لأني أترجم الأدب أكثر من غيره، أتسلح بإيمان عميق أن الترحالَ قَدرُ الأعمال الأدبية، وكأي إيمان يؤديٍ وظيفته، يَقيني إيماني هذا من إخفاقاتي. طالما احتججتُ على النزعة الأرثودكسية التي تريد إيثاق الأدب إلى قيود اللغة والثقافة والقومية والأعراف الأدبية، ولا يطيب لها تذوق الأدب حالَ تجاوزه تلك القيود. على العكس من ذلك، أترجم وأحبّ أن أكون رفيق الأدب في ترحاله، لأنه في الترحال يكون التغيّر، التغيير، الاستكشاف، المتعة، التعرف على أجنبيتك، مع ما في كل ذلك من المخاطرة واللا ارتياح أحيانًا. مَن يقاوم الترجمة يقاوم التغيير، يتردد في التعرف إلى نفسه، ويظل محبوسًا في عالم مهووس بالحقيقة، بالواحد، بالثابت، مع كل ما في ذلك من اطمئنان.

أتحدث عن السرد الذي دأبت على ترجمته، وأجد فيه نشاطًا يبدو لي من صميم النشاط اللغوي. نحن المترجمين نكرّر الحدث السردي، نعيد أداءه من جديد، من دون أن نعبر النهرَ نفسه مرتين. يطعن محاربٌ متربّصٌ عدوّه بنصل مميت، يقبّل عاشق فتاته في الغسق، يخفِق جناحا فراشة على لوح نافذة نديّة، يحدث كل هذا في لغة أخرى وفي ذهن قارئ بعيد. ثم بفضل الترجمة تُعاش الآلام والمشاعر والرغبات من جديد، يُعاد إنتاجها في صورة جديدة ومعجم جديد وذهن جديد. وفي ظني أنه لمّا عجزنا عن إطالة أعمارنا، أخذنا نُطيل عمر الأدب ونحمّله مسؤولية خلودنا. على هذا الضوء يمكن القول إن المترجمين رُسُل الجِدّة. غير أن الرسالة ليست فيما يُنقل من مُستوٍ إلى آخر، بل فيما يتغيّر في الأثناء، وما يتغير يشملنا نحن بالطبع. لقد تعلمتُ من كل عملٍ قمت بترجمته، إنْ على مستوى اللغة وإن على مستوى المعرفة وإن على مستوى الكتابة. أحاول ما استطعت أن أصرف اهتمامًا خاصًا إلى أسلوب الكاتب، لغته، مفرداته، إيماءاته التعبيرية، حِرفته، حتى أخرُج من العمل وأنا شخصٌ غير الذي دخل إليه. تلك عندي ذروة التجربة الترجمية، وهي تشبه في ذروتها الوجود في العراء.

إن الترجمة إعادة خلق مستمرة للمجاز في سبيل ألّا يبلى. آفة اللغة في أُلفتها. في بِلاها. باعتبارنا مخلوقات لغوية، دائما ما ننسى أننا مجازٌ وننطلق. نسلّم بالادّعاء غير الممحَّص بأننا نعرف أنفسنا، نعرف لغتنا، وبالتالي ما من حاجة إلى أن نوسّع من إمكاناتنا. ولكن حين نكتشف ألاّ شيء خارج اللغة نلين. نعترف على مضضٍ أن النشاط اللغوي، ومنه الترجمة، إنما هو دَينٌ ندفعه بعد الشتات الناجم عن تفرق الألسن. وعدٌ نفنى في سبيل الوفاء به ولا ننجح. وعدٌ مطيّته المجاز، المجاز الذي يضعك في حذاء الآخر بعد أن تألف حذاءك (أهذا مجازٌ أجنبي؟ ما الذي يجعله أجنبيًا في حين أنه مكتوب بالعربية؟) أوليس المجاز في أُسِّه ابتكار علاقة لغوية لا يحكمها المألوف؟ هذه الأسئلة تقود علاقتي مع اللغة والترجمة باعتباري مستهلكًا بالقدر الذي أكون فيه منتِجًا. هذه الأسئلة إجاباتها مزيدٌ من الترجمة.

#الصوت _الآخر

(علي المجنوني: كاتب ومترجم سعودي من مواليد 1982، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان طاولة الحزن، بالإضافة إلى ترجمته لرواية زنج لنيلا لارسن، وأنشودة المقهى الحزين لكارسن ماكالرز)

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

One Response to علي المجنوني: الترجمة تضعك في حذاء الآخر..

  1. Maha says:

    مقطوعة أدبية فاخرة..ساحر هذا الشغف الحقيقي بالترجمة و اعتبارها اسلوب حياة..استمتعت بالقراءة فعلاً

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *