آنغوس ولسون: الكتابة هي نوعٌ من السحر والخداع

ترجمة: بثينة العيسى

عندما يمضي الكتاب بشكلٍ جيد، فإن الشيء الوحيد الذي يوقفني هو الإنهاك التام.

آنغوس ولسون روائي وقاص ومسرحي بريطاني، من مواليد 1913، حصل على وسام الفروسية نظير خدمته للأدب عام 1958. هذه الترجمة هي بتصرّف من الحوار الذي نشرته له صحيفة الباريس ريفيو في عددها العشرين، وقد اقتصرت الترجمة على قضايا الكتابة، والكتابة عن الكتابة.

حاوره: مايكل مالغيت.

متى بدأت الكتابة؟

لم يسبق لي كتابة شيءٍ – باستثناء ما كتبته لمجلة المدرسة – حتى نوفمبر 1946. ثمّ كتبتُ قصة قصيرة في إحدى عطل نهايات الأسبوع، وأتبعتُ ذلك بكتابة قصة قصيرة في كل نهاية أسبوع لمدة اثنا عشر أسبوعًا. كنتُ في الثالثة والثلاثين من عمري وقتها. بدأت كتابتي كهواية. تبدو هذه الكلمة مضحكة عند الاستخدام، ولكن، نعم؛ هواية. أثناء الحرب، عندما كنتُ أعمل في مكتب الخارجية، أصبتُ بانهيارٍ عصبي، وبعد الحرب قررتُ ببساطة أن العودة إلى وظيفتي في المتحف البريطاني ستكون كئيبة. بدت الكتابة مثل وسيلة جيدة لتنويع وقتي. كنتُ أسكن في الرّيف وأنتقل إلى لندن، وعليه كان بإمكاني فعل ذلك في نهايات الأسبوع فقط. لهذا السبب بدأتُ مع القصص القصيرة، كانت شيئًا أستطيع إنهاءه، واستيعابه تمامًا، في نهاية أسبوع.

هل تجد أن الكتابة تأتي إليك بسهولة؟

نعم، إنني أكتب بسهولة. [1]

عندما يبدأ المرء بالكتابة، فإنه من الطبيعي للأشياء أن تأتي متدحرجة من المستودعات – هل هذه هي الاستعارة الصحيحة؟ – بسهولة. ولكن حقيقة أن الكتابة تأتي بصعوبة لا تعني بالضرورة أنها أسوأ. عندما نشر ديكنز رواياته على شكل سلسلة، كان يضيفُ دائمًا رسالة لقارئه تقول “إنني أعطيك عملًا من المحبة”. بعد أن كتب “منزل بليك” لم يقدر؛ لم تعد الكتابة عملًا من المحبة. ولكن روايات ديكنز الأخيرة لم تكن بالتأكيد أسوأ أعماله.

هل تعمل بشكلٍ يومي؟

لا طبعًا! لقد فعلتُ ذلك عندما كنت موظفًا حكوميًا ولكنني لا أنوي فعل ذلك الآن. ولكن، عندما أكتبُ كتابًا، فأنا أعمل كل يوم.

وفق برنامج؟

ليس تمامًا. لا. عادة ما أعمل من الثامنة إلى الثانية، ولكن إذا كان العمل يمضي بشكلٍ جيد فقد أواصل حتى الرابعة، إلا إذا كنت منهكًا جدًا. في الواقع، عندما يمضي الكتاب بشكلٍ جيد، فإن الشيء الوحيد الذي يوقفني هو الإنهاك التام. لا أرغب بالقيام بما أخبرتني إليزابيث بوين أنها تفعله؛ أن تكتب شيئًا كلّ يوم، سواء كنت أعمل على كتابٍ أم لا.

هل تعمل عادةً على كتابٍ واحد أم عدة كتب في الوقت نفسه؟

أوه، نعم. لم يسبق لي العمل على أكثر من كتابٍ في الوقت نفسه. ولا أظن ذلك سيكون جيدًا.

كم كلمة تكتب في اليوم؟

آه.. بين ألف وألفين كلمة. أحيانًا أكثر. ولكن المتوسط سيكون بين ألف وألفين كلمة.

هل تدوّن ملاحظات؟

إنني أدوّن كتبًا من الملاحظات. فترة التخلّق التي تسبق الكتابة مهمة جدًا بالنسبة لي. إنها الفترة التي أقوم فيها بإقناع نفسي بحقيقة ما أريد قوله، ولا أظنني قادر على إقناع قرائي بما لم أكن أنا نفسي مقتنعًا بالأمر.

ما نوع الملاحظات؟

أوه. ملاحظات عن أعمار الشخصيات، المكان الذي تعيش فيه، خرائط صغيرة، حقائق عن حيواتهم قبل أن يبدأ الكتاب. الأسماء أيضًا مهمة جدًا بالنسبة لي. والأسئلة؛ إنني دائمًا ما أسأل نفسي أسئلة، مثل “ما هو دافع فلان هنا؟”. إنني أصنع لنفسي مشاكل، وأحاول أن أجد طرقًا للخروج منها. ثم يبدأ الشيء باتخاذ شكل. هذه الملاحظة، مثلًا “المشهل الأول ينتهي بخلافٍ بين آن وسايمون”، ثم تأتي النسخة الأولى من المشهد الأول. الأمر نفسه مع الروايات، أكتب ملاحظاتٍ مثل “ولكن هذا الكتاب لا يتعلق بهذا الأمر، هذا الكتاب يتعلق بـ.. ” وهكذا.

لماذا تشعر بالحاجة إلى الكثير من الملاحظات؟

لسببين. لكي أقنع نفسي، كما سبق لي القول، ولكي أتمكن من مراجعة ما أكتبه. بمجرد أن يبدأ المرء في الكتابة، فإن نعمة المعايشة للنص – تلك العاطفة الإلهية، أو أيًا كان اسمها، تجعلك معرّضًا لفقد السيطرة، وتجرفك بعيدًا. إن الأمر يتعلق بوضع الأشياء في مسارها الصحيح، فمن الأسهل بكثير أن تكتب كما تتحرك روحك.

هل تكتب مسوداتك الأولى بشكلٍ سريع أم بشكل حذر؟

آه. أنا أكتب مسودة واحدة فقط. لم يسبق لي أن كتبتُ أكثر من مسودة. وأقوم بالتصحيح مع المضيّ إلى الأمام. هناك تصحيحاتٌ قليلة، غالبًا تكون بالشّطب. أحيانًا، فقرة جديدة يتمُّ إدخالها.

ما هو الفرق بالنسبة لك بين القصة القصيرة والرواية؟

 القصص القصيرة والمسرحيات تكتب بالطريقة نفسها بالنسبة لي. إنك تأخذ نقطة من الزّمن وتطوّرها من هناك. ليس ثمة إمكانية للتطوير إلى الوراء. في الرواية، أنا أيضًا آخذ نقطة من الزمن، ولكنني أتحسس كل مساحة للتطوير إلى الوراء. كتابة الأدب القصصي بالنسبة لي نوعٌ من السحر والخداع. إنه خدعة واثقة تحاول أن تجعل الناس يصدقون أمرًا ليس صحيحًا، والروائي تحديدًا يحاول أن يقنع القارئ بأنه يرى المجتمع ككل.

لهذا السبب أستخدم الكثير من الشخصيات الثانوية والحبكات الفرعية. الأمر الأكثر أهمية للأدب القصصي هو الخداع. العادة الطبيعية لأي قارئ جيد ودقيق هي ألا يصدق ما تقوله وأن يحاول الإفلات من العالم الذي تقوم بتصويره له. بعض الروائيين يحاولون أن يجعلوا السحر ينجح بأخذك عميقًا داخل شخصية واحدة. أنا أحاول أن أعدّد العوالم التي أصنعها في الكتب، مثل تموّجات النبع بعد إلقاء حجرٍ عليه؛ تشعر بأن الانعكاسات تذهب أبعد فأبعد، ولكنها في الوقت نفسه تجلب المزيد إلى الداخل.

ماذا عن القصة القصيرة؟

لا يمكنك أن تقوم بشيءٍ كهذا في القصص القصيرة. إذ أن لديها ما يشبه النّص الأخلاقي الفوري. كثيرٌ من قصصي ذات عناوين متلاعبة. إنني آخذ مقولة دارجة، مثل “المكان الخطأ”. الفكرة هي أنَّ أحدًا لا يعرف ما هو المكان الخطأ، وأن المكان الخطأ لأحدهم هو المكان الصحيح لغيره. وهكذا تحصل على الفائدة، وهو أمرٌ يروقني.

الأمر نفسه بالنسبة للمسرحية، ولكن بمزيدٍ من العمق. كل من المسرحيات والقصص القصيرة تتشابه في أنَّها تبدأ عندما ينتهي كلّ شيء، ما عدا الفعل.

هل شخصيّاتك مبنيّة على الملاحظة؟

نعم. ولا أرى طريقة أخرى للقيام بذلك. ولكنها ليست مأخوذة من الحياة. كل شخصية هي خليط من أشخاصٍ سبق لك معرفتهم. الشخصيات تأتي إليّ عندما يتحدّث الناس لي. أشعر بأنه سبق لي سماع ذلك، نبرة الصوت تلك، في ظروفٍ أخرى. إنني أجازفُ بأن أبدو فظًا، عندما أتمسّك بهذا الشيء وأطارده حتى أعثر على شخصٍ سبق لي لقاءه. السكرتير الثاني بالسفارة في بانكوك ربما يذكرني بمدرّس الكيمياء المساعد في أوكسفورد. وأسأل نفسي؛ ما الأمرُ المشترك بينهما؟ من خليطٍ مثل هذا، أستطيع أن أخلق شخصيات. لقد عرفتُ الكثير من الأشخاص في حياتي. يقول البعض بأن رواياتي ضيقة، ولكنني فعلًا لا أفهم ما يعنونه. وأنا نفسي أظنُّ بأنها واسعة جدًا.

يرى البعض بأنّ لديك عددًا كبيرًا من الشخصيات الشريرة.

أنا لا أعرف فعلًا لماذا يجد الناس شخصياتي بغيضة. أعتقدُ (ويمكن للأمر أن يختلف لو أنني كنت متدينًا) بأن الحياة قاسية على معظمنا، وأن معظم البشر يحصلون على نصيبهم الكافي من تلك القسوة. فرص البطولة محدودة في عالمٍ مثل هذا، وأقصى ما يمكن للناس فعله، أحيانًا، هو ألا يكونوا ضعفاء كما كانوا في مراتٍ سابقة. بالتأكيد، كل شخصياتي شديدة الوعي بذواتها، إنها واعية بما تفعله وبما هي عليه. ثمة بطولة في الاستمرار على أيِّ حال، رغم علمنا بما نحن عليه. إنني غير صبور مع الأشخاص البسطاء والسذج، لأنهم لم يتصدّوا للمسؤولية الأساسية للإنسان المتحضر، وهي أن يواجه ما هو عليه، وكل الدوافع الفرويدية لتصرّفاته. معظم شخصياتي ذات ضمير كالفيني[2]، وهو ما يجعل الفعل في ذاتهِ أمرًا صعبًا.

أكرر؛ إن البطولة في شخصياتي  هي في نجاحها بأن تقيم علاقة مع كائن بشري آخر، بطريقةٍ إنسانية، واستعدادها لتقبّل مبدأ اللذة في الحياة، رغم ضربات الضمير الكالفيني، والوعي بالدوافع الفرويدية.

يمكن للشخصيات أن تكون بطولية حتى لو كانوا قادرين على استخراج أقل قدرٍ من الفعل من موقفٍ ما. هكذا أرى الأمر، على أي حال، رغم أنني أدرك أن البعض قد يجد شخصياتي خاملة.

هل تعتقد بأن على الروائي أن ينوء بهدفٍ اجتماعي؟

لا أعتقد بأن على الروائي أن ينوء بشيء. لديَّ آراء اجتماعية وسياسية معينة، وأظنُّ أنها يمكن أن تظهر في عملي. ولكن كروائي، أنا مهتمٌ فقط بما اكتشفته عن العواطف الإنسانية. أنا لا أهاجم أشياء معينة، فقط الأشخاص الذين تم “ضبطهم” على طريقة تفكير واحدة.

 


[1] إحدى روايات المؤلف (هيملوك) استغرقت كتابتها أربعة أسابيع، وروايته الأخرى (السلوكيات الآنجلو ساكسونية) أربعة أشهر. تجنبت الاستطراد في ذكر الأمثلة في الحوار مباشرةً لعدم مألوفية تلك الكتب للقارئ العربي. وآثرت الإبقاء بقدر الإمكان على التنظير العام فيما يتعلق بأسلوبه في الكتابة.
[2] مذهب مسيحي ينسب إلى جون كالفن، تأسس في القرن السادس عشر.

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

2 Responses to آنغوس ولسون: الكتابة هي نوعٌ من السحر والخداع

  1. الموضوع جدا غني وشكرا لكم على هذا الويب سايت الرايع – شكرا للفريق

  2. عادل أفغاني says:

    جميل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *