جوزيف كونراد، عن الفن وما يصنعُ كاتبًا عظيمًا

ترجمة: زينب موسى

كل الفن الإبداعي هو سِحر.. إنه استدعاءٌ لِلامرئي في هيئات مُقنِعة، مُنَوِّرة، مألوفة، و مفاجِأة، في سبيل تهذيب البشرية.

كتبت: ماريا بوبوفا

في ١٩٠٥، بعد ستة أعوامٍ من إصدار “قلب الظلام”، كتب جوزيف كونراد (٣ ديسيمبر ١٨٥٧- ٣ أغسطس ١٩٢٤) مقالًا جميلًا بعنوان: “في تقدير هينري جميس”، أدرج لاحقًا ضمن مجموعة كونراد المذهلة “كتابات في الحياة و الرسائل”. يُعدّ هذا العمل أحد أجمل الإهداءات في تاريخ الأدب – موازيًا لإهداء توماس مان إلى هيرمان هسه، ورسالة جيمس جويس المراهق الجميل إلى إيبسِن، و مذكرة ديستويفسكي الجميلة بحق جورج ساند، بالإضافة إلى أن هذه المقالة تُعتبَر احتفاءً بجيمس ككاتب “يُحكم القبض على المادة، بما يستحق الامتلاكَ والقبض عليه منها”. تُعد هذه المقالة أيضًا خلاصةً نقيةً لآراء كونراد عن الكتابة والعوامل التي تصنع كاتبًا عظيمًا.

يقول كونراد:

“إن عشرين عامًا من المعرفة الحثيثة بأعمال السيد هينري جيمس تؤدي إلى قناعة تامة تجلب إحساسًا بالسعادة للكينونة الفنية للمرء، بغض النظر عن مشاعره الشخصية. إن كان الامتنان، كما بتعبير أحدهم، إحساسًا حيويًا بالفضائل الآتية، يصبح من السهل جدًا كَن الامتنان لـ هينري جيمس. إن الفضائل تأتي حتمًا، فربيع هذا الخير لا يجف. يسيل تيار الإلهام مُترعًا في اتجاهٍ محددٍ بشكل مسبق، غيرَ متأثرٍ بفترات الجفاف، و لا تعكر صفوه عواصف أراضي الرسائل.. يسيل هذا التيار من دون وهنٍ و لا عنفٍ في قوته، و لا يجري إلى الخلف ابدًا. يفتح آفاقًا جديدةً في كل منعطفٍ من مجراه، عبر تلك البلدان المأهولة بالكثافة التي خلفتها خصوبته من أجل متعتنا، وأحكامنا، واستكشافنا. إنه ينبوعٌ سحريٌ دون شك”.

يصحح كونراد نفسه بعد ذلك، و يشير إلى أنه، مثل كل الأعمال العظيمة، فإن أفضل تشبيهٍ لأعمال جيمس هو “النهر السحري”. ثم يقدم تعريفًا مهيبًا للفن:

“كل الفن الإبداعي هو سِحر.. إنه استدعاءٌ لِلامرئي في هيئات مُقنِعة، مُنَوِّرة، مألوفة، و مفاجِأة، في سبيل تهذيب البشرية. البشرية المكبّلة، بسبب ظروف وجودها، إلى اعتباراتها الجدية لأكثر موجات الواقع تفاهة.

كونه حركيًا في جوهره، يمكن مقارنة الفن الإبداعي لكاتب الخيال بعملية إنقاذ في الظلام بوجه عصفات معاكسة من الرياح التي تُأرجح حركة تعدادٍ عظيم. إنه عملية إنقاذ.. انتزاعٌ لأطوار مختفية من الاضطراب (المتنكرة ككلمات لطيفة) من إبهامها الذاتي إلى النور، حيث يمكن للهيئات المتصارعة أن تُرى وأن تُفهم، متسلحةً فقط بالشكل الوحيد للخلود في عالَم القيَم النسبية: خلود الذاكرة. يشعر التعداد العظيم بهذه العملية أيضًا بشكل مبهم، لأن مراد الفنان المنفرد في النهاية يتلخص في صيحة: “أخرجوني من نفسي!”، و يعني بهذا أن يُنقَل من فعله الفاني إلى نور الوعي الخالد. ولكن، كُلّ شيءٍ نسبي، ونورُ الوعي هو الصامد الوحيد (إنه في الحقيقةَ أكثر موجودات الأرض صمودًا)، ومخلّد فقط في وجه العمل الفاني لأيادينا الكادحة.”

  ولكن، بحسب كونراد، فإن عمل الفنان مهما ساهم في صقل الجماهير، و”ساعد الإنسان على التحمل عبر رفع معنوياته، كما عبّر ويليام فوكنر، يبقى دافع الفنان للخلق والإبداع ليس البطولة والتضحية بالذات، إنما هو حتمية الحافز الإبداعي الذي لا فرار منه:

“إن الفنان(..) يبدع لأنه مُلزَم؛ والإبداع هو أوضح طرق العَرض. إن الفنانَ صوتٌ والصمتُ بالنسبة إليه مَوتٌ. وتقول الفرضية أنه توجد مجموعة حيّة متجمعة على عتبته من أجل مشاهدة آخر ومضة ضوء في سماءٍ سوداء، ومن أجل سماع آخر كلمة ملفوظة في الورشة الهادئة للكرة الأرضية”            

 مع ذلك، ومهما كان الدافع الداخلي للفنان، فإن التأثير الخارجي للفن هو ما يُدعّم بطولة البشرية في وجه قابلية الحياة للفناء:

“من المؤكد أنه لو كان أحدٌ سينهض للتكلم عشيةَ ذلك النهار الذي لا يتبعه غد، فإنه حتمًا سيكون ذلك الإنسان ذو الخيال الواسع.  قد يلقي هذا الشخص عظة جافةً، أو يتفوه بعبارة تهكمية، من يدري؟
من جهتي، وبناءً على معاشرتي الخاطفة لأمثالي، أميل للاعتقاد (وقد يبدو هذا غريبًا) بأن آخر كلام سيتم التفوه به في تلك الساعة سيتضمن أملًا يبدو لنا الآن غيرَ واردٍ بتاتًا. هذا لأن البشرية مبهجة في كبريائها، وفي ثقتها، وفي عنادها الذي لا يتزعزع. إن البشرية مستعدة للنوم في ساحة المعركة بين جثثها، على طريقة جيشٍ أحرز نصرًأ غيرَ ذي جدوى. لن تعلم متى تكون قد هُزمت. و قد تكون محقًا في هذه الخصلة. الانتصارات قد لا تكون فعلًا غير مجدية بالمرة كما تظهر من ناحية استراتيجية ومنفعية صرفة.”

يقول كونراد بأن وظيفة الفنان هي أن يذكرنا بالكَم الأشمل للأشياء عندما نكون واقفين في ساحة المعركة الجرداء:

“إن الكرة الأرضية نفسها قد تقلصت بالحجم على مر العصور. ولكن في كل دوائر العُقَد والمشاعر البشرية، يوجد أكثر من عظَمة مفردة – من دون أن نحتسب هنا عظمة الفنان نفسه. أينما وقف، سواء في بداية أم نهاية الأشياء، يجب على المرء أن يضحي بآلهته قربانًا لأهوائه، أو بأهوائه قربانًا إلى آلهته. هذه هي المشكلة في الحقيقة، وهي مشكلة كبيرة إذا ما تم مقاربتها بروح الجدية والمعرفة.”

ثم ينتقل كونراد لدور كتابة الخيال، المتفردة من بين الفنون في كيفية توجيهنا إلى حقيقة الوجود:

“كتابة الخيال إما أن تكون تاريخًا -بشريًا- أو لا تكون شيئًا. لكنها أيضًا أكثر من ذلك.. إنها تقف على أرضية أكثر صلابة، مستندةً على حقيقة الهيئات وعلى مراقبة الظواهر الاجتماعية، بينما يستند التاريخ على وثائق، وعلى قراءة الطباعة وخط اليد، أي إنه يعتمد على الانطباعات الثانوية/اللاحقة. هذا يجعل كتابة الخيال أقرب للحقيقة. انسَ ذلك.. يمكن للمؤرخ أن يكون فنانًا أيضًا، و يمكن للروائي أن يكون مؤرخًا: الحافظ والصائن والمفسر للتجربة البشرية.”

يضيف كونراد، في إشارة لهينري جيمس بوصفه “مؤرخ الضمير الدقيق”:

          “يغطي الضمير الدقيق نطاقًا أوسع للخير والشر من النطاق الذي يغطيه، ما يمكن تسميته بالكاد، الضمير الـ “غير دقيق”: ضميرٌ لا يعبأ بالتفريق اللطيف بين تدرُّجات السلوك. الضمير الدقيق معني أكثر بالأساسيات: انتصاراته أكثر كمالًا، وإن كانت غير مربحة بالمعنى المادي. باختصار، يشمل الضمير الدقيق في آلياته حقائق أكثر يمكن للمؤرخ أن يكشفها ويظهرها. إنه أمر ذو تعقيد وإيحاءات لا متناهية.”

يردف كونراد أيضًا بشأن “مؤرخ الضمير الدقيق”:  

 “لم يُبقِ على أسرارٍ ضمن نطاقه. صرح بها بطريقة جميلة، كما يجب أن يُفعَل. ومن المؤكد أنه ليس للقبح سوى مساحة ضئيلة في عالَم إبداعاته. مع ذلك، يمكن استشعار القبح في صدق فنه. إنه موجود، محيطًا بالمشهد بشكل حثيث. إنه واضح وملموس في الصراعات وفي احتكاكات الضمائر الدقيقة، وفي تعقيداتها والطبيعة المخادعة لأخطائها. هذا لأن الضمير الدقيق خيّرٌ بطبيعته. ما هو طبيعي في هذا الضمير هو دقته فقط، بالإضافة إلى شعورٍ لصيق ودائم وصائب باللاملموس. إنه أكثر جلاءً في انتصارها النهائي، وفي تجليها من معجزة، عبر فعلِ نكرانٍ مفعم بالحيوية. مفعمٌ بالحيوية لكن غير عنيف؛ الفرق بين الاثنين شاسع وهائل، مثل الفرق بين المادة والظل”  

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *